Press "Enter" to skip to content

THE SOUL IN THE SPACE OF IMAM BEDIUZAMAN SAID AL-NURSI THROUGH RISALE-I NUR

YASİR MOSTAFA YOUSIF

Abstract

 This article deals with the issue of the soul in the works of Imam Nursi.  this topic has a high status as it took a wide area in Resale-I-Nur . The researcher wed an inductive and analytical approach when dealing with texts in which the Imam discussed the issue of the soul.

The Most prominent results that the researcher reached was that Imam Nursi was an example to follow in how to track the soul illnesses. Also the researcher comes to the opinion that when Imam Nursi was dealing with his soul with severity, he was doing this out of mercy compassion and fear for his own soul.

Keywords: Soul, Imam Nursi, Breeding

مستخلص

يتناول هذا المقال موضوع النفس ومعالجتها في أعمال الإمام بديع الزمان سعيد النورسي لهذا الموضوع من منزلة سامية حيث أنه قد أخذ مساحة واسعة من رسائل النور؛ اتبع الباحث منهجاً استقرائياً وتحليلياً للمواضع التي ناقش فيه الإمام النورسي قضية النفس.

وكانت أبرز النتائج التي خلص إليها الباحث من هذا المقال أن الإمام النورسي كان نموذجاً تطبيقياً ومثالاً يحتذى فيه كيفية تتبع أدواء النفس ومعرفة عللها وأمراضها، وأنه عندما كان يشتد في تعامله مع النفس إنما كان يفعل ذلك من باب العطف والرقة والخوف على هذه النفس ولم يكن قاسياً معها لأن القسوة في التعامل معها هو عين الرحمة.

الكلمات المفتاحية: النفس، الإمام النورسي، التربية

مقدمة

فيوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، تمس حاجة النفس البشرية إلى من يأخذ بيدها إلى شواطئ الأمان، وينتشلها من بؤر الخوف العميقة ومستنقعات الضياع الآسنة … وتتلفت يمنة ويسرة … وتذهب شمالاً وجنوباً … وتشرّق وتغرب … تخال أن فوزها مرهون هنا فإذا هو سراب … وتظن أن راحتها قائمة هناك فإذا ذاك يباب … فتضرب أخماساً بأسداس … وتتيه في بيداء الحياة طالبة سترة نجاة ، فتزداد حيرة إلى حيرتها… فلا تجد إلا كتاب الله … الذي فيه السعادة وفيه الفرج … وفيه الراحة والطمأنينة للأفئدة والمهج … .

ولكن كثيرين يقرؤون كتاب الله تعالى … بل الأمة كلها تقرؤه وتتلوه آناء الليل وأطراف النهار … وتطبعه في طبعات أنيقات … وتوزعه مجاناً في كل حدب وصوب … فما بالها لا تسعد !!؟ … وما شأنها في ضياع وشتات وخوف وقلق .. وأمرها في إدبار …؟؟!! ولا ريب أن ثمة حلقة مفقودة … وتلك الحلقة دون جدال في نوعية القراءة ونوعية القارئ …

فلا شك أن المشكلة لا تحل بمجرد القراءة … بل لا بد من قراءة واعية … ولا بد للقراءة من قارئ بصير ومتأمل جدير وعالم متحرر … يغوص في الأعماق، ويطوف في الآفاق، ويقف بالركاب على الدرر والأصداف، ويؤمنها مما تخاف، ومن لذلك غير أهل الله الذين أنار الله بصيرتهم، وكشف لهم الحجاب، فوقفوا على الحقيقة، وأدركوا السر الكامن وراء تعب النفس البشرية.

ويوم تريد البشرية النجاة فما عليها إلا أن ترجع إلى نهج هؤلاء، وتؤوب إلى حظيرة قدسهم، وتقبل على أفكارهم، وتعكف على نتاجهم، فتريح بذلك وترتاح … ولا يخفى على كل ذي شأن أن في حديث الإمام بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله كفاية لمن أراد الهداية … والله من وراء كل قصد وغاية.

دور النفس في حياة الإنسان والمجتمع

إن القارئ في كتابات الشيخ سعيد رحمه الله ليجده رحمه الله يشخص مرض الأمة أيما تشخيص ، ويُبِيْن عن سبب ضياعها، وأنه هذه النفس لا غير … سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات … فهاتان النزعتان ( الفردية والجماعية ) تعبير دقيق عن كبرياء وأنانيتها ، ولا يختلف اثنان أو ينتطح عنزان أن جل أزمات الأمة اليوم سببها حب الذات ، ومرجعها الأنانية التي تعني تعظيم النفس ، والانتصار لها ، وهو ما أوجب الإسلام على الإنسان معالجتها ، وفرض على المجتمعات الجهاد الدائب للتخلص منها  ( الظلاميون والنورانيون ، البوطي : 171.).

والإمام سعيد النورسي، وانطلاقاً من كونه سباحاً ماهراً وغواصاً خبيراً … يغوص في أعماق النفس البشرية … يحلل تركيبتها، ويقلب أوراقها، وينثر كنانتها، ويطالع أحوالها، ثم يصف أدواءها ودواءها …. وصف الخبير بها العليم بأهوالها …. وابتغاء منه عزة أمته، ورغبة في العودة بها إلى سدة الحضارة وسكة السؤدد أولى هذا الداء عناية خاصة، وأنتج من فكره وعلمه وعقله الأدوية المناسبة والناجعة، والعقاقير الفعالة والنافعة.

لذا فأنت كقارئ تشعر أن الخطاب موجه إليك، وأن الدواء موصوف لك تحديداً، وأن الحالة المشخصة هي حالتك لا غير، وكأنك أمام طبيب يقصر كلامه عليك، ويجلس في عيادته الخاصة إليك … فلا تجد بداً من استماعه، والأخذ بما يقول، وذلك أجدى وأحرى بالانتفاع منه.

وإني واقف بك أيها القارئ في السطور الآتية على ومضات سريعة من كلام الإمام سعيد حول النفس وأحوالها … نتأملها… نستطلعها… نستخرج خباياها؛ لنحدد مكاننا من هذا الكون.

ما هي النفس؟

بدأة ذي بدء ليسمح لنا القارئ الكريم بتعريف النفس؛ فإن تحرير معناها قد يعزب عن فكر البعض، وربما يختلط بمصطلحات أخرى كالروح …

أدار الإمام الغزالي رحمه الله تعريف النفس على معنيين، كثيف ولطيف، فالكثيف يتجلى في المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان، وهو الغالب على استعمال أهل التصوف لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون لا بد من مجاهدة النفس وكسرها وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، والثاني اللطيف يتجلى في النفس المطمئنة وهي التي سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات ( إحياء علوم الدين ، الغزالي 3/4.).

ولا ريب أن الأول هو الذي سيكون محور حديثنا في هذه الزيارة إلى رحاب الإمام بديع الزمان سعيد النورسي رضي الله عنه ورحمه.

أوصاف النفس في فكر الإمام

مما يلفت نظر المتأمل في كتابات الشيخ رحمه الله أنه يتوجه إلى النفس البشرية بعدة قوالب لفظية، ويناديها بأوصاف مختلفة، وجميعها تدور حول اتهام هذا الكائن البشري، ووضعه في قفص الإدانة، وتحميله المسؤولية عن كل ما يجري له، فمرة يخاطبها بقوله: أيتها النفس المشؤومة، ومرة أيتها النفس الأمارة بالسوء، ومرة بوصفها المجرد مع الإضافة إلى ياء المتكلم يا نفسي.

إن الإمام النورسي رحمه الله ينظر إلى النفس البشرية على أنها عدو يجب الحذر منه، لا لذاتها، فهي مخلوق من مخلوقات الله، تعكس الإبداع الرباني، ويتجلى فيها قدرة القادر سبحانه وتعالى، بما فيها من إمكانات، ولديها من قدرات، وعندها من تطلعات، ولكن بما فيها من أمراض إن هي لم تتزكَ فإنها تؤدي بصاحبها إلى التهلكة.. وما يمكن أن ينتج عنها من أكدار وارتدادات … إذا لم تتطهر بماء التزكية وتُجْلى بعطر التنقية … وعليه فلا بد من أخذها بالحزم، وجلدها بسياط المخالفة … مخالفتها فيما تشتهي … معارضتها فيما تتمنى وتبتغي .. وتلك سبيل متعينة لمن أراد النجاة من أهوالها، والخلاص من عاقبة تلبية رغباتها … وهو في هذا – رحمه الله- متبع لا مبتدع … وسائر على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حذر منها، وطالب المسلم بالتيقظ لها، والحذر من أحابيلها، والاستعداد لتنَمُّرِها المرتقب؛ فقال فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما: «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» (الزهد الكبير: عامر أحمد حيدر، : 156،.).

وهذه توجيهات من نبي الله الخبير بالنفس ومداخلها ومخارجها، والعالم بأدوائها ودوائها ، ويوم يحذر من شيء فإنه يحذر من عظيم ، وهو هنا – بأبي هو وأمي – يحذر من اُسّ الأزمات البشرية، ومحور القلاقل التي تعاني منها الإنسانية، وهل ذاك إلا النفس … وهل من أزمة أو مشكلة أو مرض أو دمار أو حرب إلا والنفس من ورائها … وإذا أردنا أن نكون دقيقين : من ورائها الرضا عن النفس، وحبها، وإعلاؤها، وتقديمها على أي أحد، وتفضيلها على ما سواها من المهام والالتزامات مهما علت وسمت ، وفي ذلك يقول ابن عطاء الله السكندري : أَصْلُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ وَغَفْلَةٍ وَشَهْوةٍ؛ الرِّضا عَنِ النَّفْسِ. وَأَصْلُ كُلِّ طاعَةٍ وَيَقَظَةٍ وَعِفَّةٍ؛ عَدَمُ الرِّضا مِنْكَ عَنْها(الحكم العطائية ، الشرقاوي : 61.).

وحقاً ما قال؛ فإن الرضا عن النفس بمعنى التربيت على كتفها، والتخلية بينها وبين كل ما تريد لهو عين الخطأ، ونذير الشؤم، وبداية النهاية، وأول طريق الانحدار ، ولا يُقصد بهذا عدم حب النفس ، فما منا من أحد إلا ويحب نفسه، بل ويجب أن يحبها ، ومن حبها ألا نوفر لها ما يضرها، كما نمنع عن الطفل ما يؤذيه ونحرمه مما يضره ، لا كرهاً به، بل حباً له، وحرصاً عليه… بل هذه هي المحبة الحقيقية النافعة لها… ويسميها رضي الله عنه بالمحبة المشروعة ، فيقول : إن نتيجة المحبة المشروعة نحو النفس أي محبتها المبنية في الدنيا على رؤية نقائصها دون محاسنها، ومحاولة إكمالها، وتزكيتها ورعايتها بالشفقة والرأفة ، ودفعها إلى سبيل الخير هي إعطاء البارئ عز وجل محبوبين يليقون به وبالجنة(مرشد الشباب ،النورسي دار سوزلر ، ص: 176.).

وبمزيد من التأمل في هذا الكلام ندرك صحة هذا التقرير، وإصابته كبد الحقيقة … فحين يرى الإنسان نفسه في درجة عالية ومنزلة سامقة دون البشر، وينظر إليها نظرة إجلال وإكبار، وأنها حبيبة، وأنها تستحق كل إكرام … ومن يفكر أن يقترب منها بأذية أو حرمان فلا يلومن إلا نفسه … فإنه عندها تتفاقم الأزمات وتكثر الشرور وتنتشر الأنانية وما يعقبها من أمراض اجتماعية كما هو حال المسلمين اليوم … وصدق شوقي بقوله :

والنفس من خيرها في خير عافية *** والنفس من شرها في مرتع وخم

طريقة تناول الإمام النفس بالخطاب

لقد جعل الإمام من ذلك طريقة فريدة وخاصة به حيث كان يأخذ النفس بأقصى العقوبات ، ويسلقها بأقسى العبارات ، ومن روائعه رضي الله عنه قوله وهو يؤنب النفس ويطالبها أن تكبح من جماحها، وتخفف من غلوائها : فيا نفسي الأمارة بالسوء اعبدي من شئت وادّعي ما شئت ، وأما أنا فلا أعبد إلا الذي فطرني ( المثنوي العربي النوري ، النورسي: 175.)، فها هنا رسائل عدة يرسلها من خلال هذه اللمحة، إنه يخاطب النفس مباشرة … إنه يجالسها ويخاطبها مخاطبة صريحة ويكاشفها بمطامعها … ولن تصلح حال المرء ما لم يصارح نفسه ويبصرها بعيوبها … ثم هو يصفها بأنها نفس أمارة …. فبالرغم من علو كعبه في درج الولاية وطهارة نفسه إلا أنه لا يزال يتهمها ويرميها بكل سوء وأنها لا تأمر إلا بشر … على ما قالت امرأة العزيز : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( سورة يوسف ، آية 53)، وقال البوصيري :

فإنَّ أمَّارَتِي بالسُّوءِ ما اتَّعَظَتْ       مِنْ جَهْلِهَا بنذيرِ الشِّيْبِ وَالهَرَمِ

ثم يترك لها الخيار لا من باب الجواز، بل من باب التهديد، على سبيل قوله تعالى للكفار : إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(سورة فصلت ، الآية ( 40).) ، فقد ذكر الأصوليون أن الأمر في هذه الآية خرج عن غرضه الأصلي وهو الوجوب إلى غرض جديد وهو التهديد بقرينة(رشاد الفحول عزو عناية، ، 1/254.).. فيقول لها: اعبدي من شئت  … إنه لا يقصد العبادة بمعنى العبادة المعروفة لدينا ، صلاة وصيام وتذلل وخضوع … معاذ الله ، فهذا لا يأمر به عاقل بله عالم وإمام مثل الإمام النورسي رحمه الله ،  بل يقصد الالتزام … أي الزمي من شئت، واسلمي قيادك لمن تريدين، وانسلخي من شخصيتك كما تحبين .. وهل هذه إلا صورة من صورة العبادة أو العبودية … نعم، إن بعض النفوس تصل في حبها للأشياء إلى درجة العبادة ومنزلة التقديس المطلق، وهو شيء معهود في دنيا الناس … وأخبرنا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» (الجِهَادِ وَالسِّيَرِ، 2886.).

وصدق سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبعض الناس لا يستطيعون الانفكاك عن هواهم، ولا يقدرون على الانصراف عنها ولو لساعة ، أليست هذه عبودية مرذولة ، ورِقٌّ مقيت؟!! .

ثم ينهي اللمعة بقوله : وأما أنا فلا أعبد إلا الذي فطرني … إنه خطاب اليائس من النفس أو الآيس من صلاحها ، أو إن شئت قل: إنه خطاب المستنهض همة من يخاطبه ، وأنه على سبيل قول الخضر: قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (سورة الكهف ، آية (78).).

إيقاظ النفس :

وفي موضع آخر يعرج الإمام رضي الله عنه إلى جانب نفسي مهم ، قد يعاني منه كل واحد منا ، ويرزح تحت نيره كل فرد ، وهو السعي الحثيث في استرضاء الناس، وطلب حبهم وثنائهم ولو على حساب سخط الله عز وجل والعياذ بالله، وهي لا شك خسارة … بل انتحار … وقد أشار إلى هذا نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله : مَنْ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ وَمَنَ الْتَمَسَ سَخَطَ اللَّهِ بِرِضَا النَّاسِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ (مسند إسحاق بن راهويه: مكتبة الإيمان – 2/600.).

وقد ضمن هذا الحديث في رسالة الإمام النورسي سعيد فقال مخاطباً نفسه وواضعاً إياها أمام ميزان علمي وعملي دقيق لا يزل ، ومبيناً لها ما يترتب على اختياراتها  من عواقب حسنة أو سيئة : اعلمي يا نفسي إن أرضيتِ  خالقك بالتقوى والعمل الصالح، كفاك إرضاء الخلق ؛ فإن رضوا منك بحسابه تعالى فنافع، وبحساب أنفسهم فلا فائدة ؛ إذ هم عاجزون مثلك، فإن أردت الشق الأول فأرضي ربك ، وإن أردت الثانية أشركت بلا فائدة(المثنوي العربي النوري ، سعيد النورسي : 272.) .

خسائر فادحة مترتبة على حب الذات

وهذه – أعني انقلاب الناس عليه – ليست الخسارة الوحيدة، وليس إعراض الخلق واستثقالهم إياه هي المصيبة الوحيدة ، بل ثمة مصائب أخرى وخسائر لاحقة سيتعرض لها ، وقد عرض لها الإمام سعيد فقال بعد أن ذكر الأولى( تنكب الناس له) :

 فضلاً عن أنه يضيّع الاخلاص، لما يخلط من رياء وتصنع في اعماله الأخروية، فيكون مغلوباً على أمره امام شهواته وهواه ومشاعره، تلك التي لا تبصر العقبى ولا تفكر في النتائج والمغرمة بالتلذذ الآني(مرشد الشباب: 127.).

أما الثالثة فهي التي يقول عنها :  بل قد تبرر له أهواؤه الضالة أموراً يرتكبها لأجل متعة لا تدوم ساعة، يفضي به أن يلقى في السجن لسنة كاملة، وقد يقاسي عشر سنوات من الجزاء العادل لأجل تسكين روح الثأر لديه وشهوة الغرور التي لا تستغرق دقيقة واحدة. فيكون مثله كمثل ذلك الطفل الابله الذي لا يقدر قيمة جزء المصحف الشريف الذي يتلوه ويدرسه فيبيعه بقطعة حلوى رخيصة، إذ يصرف حسناته التي هي أغلى من الألماس، ويبدلها بما يشبه في تفاهتها قطع الزجاج، تلك هي حسياته وهواه وغروره، فيخسر خسارة جسيمة فيما كان ينبغي له أن يربح ربحاً عظيماً(مرشد الشباب: 126.).

ويوضح هذا بمثال من واقع الناس وحياتهم المعاشة فيقول : ألا ترين أن من ذهب إلى مقر سلطان مطلق لمصلحة، إن أرضاه تمت بلا كلفة مع محبة الرعية له، وإن طلبها ممن تحت حكمه المطلق يتعسر، بل يتعذر إرضاء الكل واتفاقهم على إبقاء مصلحته، ثم بعد الاتفاق يحتاج إلى إذن السلطان، وإذنه يتوقف على إرضائه إن كان إكراماً، وإن كان استدراجاً فلا بحث ( المثنوي العربي النوري ، النورسي ،: 272.) .

بل إنه رحمه الله يغوص في مسارب النفس أكثر ، ويخوض غمار أحوالها، ويسبر كنه أسرارها؛ فيقلب لها ظهر المجن، ويكشف عن دسيسة أخرى من دسائسها ، ويتهمها – والتهمة ثابتة – أن تعلقها بالآخرة أحياناً، وتشوفها إلى النعيم المنتظر يوم القيامة ليس طلباً للقاء الله أو سعياً وراء الجنة لذاتها … بل تسلياً بذلك عن ألم الدنيا … وفراراً بذلك التأمل من تعب هذه الدار الفانية … ولا شك أن هذا تلاعب منها في ميزان الإمام رحمه الله … ومواربة ومخادعة … لا لله … فسبحانه لا تخفى عليه خافية .. وهو القائل عن المنافقين : يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(سورة البقرة ، آية (9).) ، بل هي مخاتلة للنفس عينها … مخاتلة منها لها … على حد قول الشاعر : فإذا رميتُ يصيبني سهمي.

في هذا المعنى نقرأ قوله المتخم حنكة ودراية : اعلمي أيتها النفس الأمارة ! أنك متهمة في أحسن مطالبك؛ إذ قد تشتاقين إلى أمور الآخرة، لكن بالمعنى الحرفي ، أي لئلا تتنغص الدنيا عليك بفنائها، فشوق الآخرة للتسلي من ألم الفناء ، فأُفٍ وتُفٍ لهمتك الدنية، كيف تُصَيِّرينَ السلطان الدائمي خادماً لحقير دنيء زائل ( المثنوي العربي النوري ، النورسي : 320.).

حكمة التعامل مع النفس عند الإمام

ولما كان رضي الله عنه يعلم أنه لا ينبغي أخذ النفس أو أي مخلوق تحت يديك من ولد وزوجة وخادم بالرهبة دائماً والتخويف أبداً ، وأنه لا بد من ترغيب ، ولا محيد عن سياسة العصا والجزرة ، من سياسة الجزرة تذكيرها بما أعده الله تعالى ، إن هي تزكت وتطهرت وتخلت عن أغراضها وشهواتها ولذائذها ، علَّ أن يكون في ذلك دافعاً لها على بذل المزيد والاستعداد ليوم الوعيد ، لنسمع إليه رضي الله عنه إذ يقول:

فالنفس التي عافت في الدنيا هواها وشهواتها وتركت رغباتها في سبيل الله ، واستعمل ما فيها من أجهزة متنوعة على أفضل وجه وأتمه، سيمنحها الباري الكريم سبحانه مكافأة على هذه المحلة المشروعة المكللة بالعبودية لله ، الحور العين المترفلات بسبعين حلة من حلل الجنة المتنوعة بأنواع لطائفها وزينتها، ، والمتجملات بسبعين نوعاً من أنواع الحسن والجمال حتى كأنهن جنة مجسمة مصغرة ﺗﻨﺒﺾ ﺑﺎﻟﺮﻭﺡ ﻭﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻟﺘﻘﺮّ ﺑﻬﺎ ﻋﻴﻦُ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻃﺎﻋﺖ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﺗﻬﺪﺃ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ التي  ﺍﻃﻤﺄﻧﺖ ﺇﻟﻰ ﺃﻭﺍﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ.. ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ لا ﺭﻳﺐ ﻓﻴﻬﺎ، ﺇﺫ ﺍلآﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺗﺼﺮﺡ ﺑﻬﺎ ﻳﻘﻴﻨﺎً(مرشد الشباب: 176.)

وبرغم هذه الاتهامات المتتالية للنفس، وانهيال الإدانات السابغة عليها إلا أن الإمام رحمه الله كان يرى النفس وعالمها عالماً ممتداً فسيحاً، وفضاء رحباً وواسعاً، وميداناً يعج بالكثير من الأسرار، ويحفل بالعديد من العجائب … وتلك الإدانات، وأخذها بالظنة والتهمة لا يقلل من شأنها … بل عليها المعول في الانطلاق في ملكوت الله؛ للوقوف على عظمة ذاته وروعة بنائه

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه الواحد

يقول رحمه الله مشيداً بهذا المخلوق : اعلم أن النفس شيء عجيب، وكنز آلات لا تعد، وموازين لا تحد لدرك جلوات(الجلوات هي التجليات .) كنوز الأسماء الحسنى أن تزكت ، وكهف حيات وعقارب وحشرات أن دست وطغت(المثنوي العربي النوري، ص: 351)

إن هذه الإشادة بالنفس إنما جاءت من الإمام لرفع الهمة فيها، وبناء الثقة؛ لتعاود عملها من جديد، وتستعيد مكانتها من هذه الحياة، وتعيد بناء الكون على أساس من مرضاة الله عز وجل؛ فتستحق بذلك درجة القسم بها في قوله : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(سورة الشمس ، آية (7).).

على أنه رحمه الله كان يتبع هذه الطريقة بين الفينة والأخرى ، بمعنى أنه كان يهدم ثم يبني، على مبدأ ( التخلية قبل التحلية )، إنه كان يتهم ثم يمنح الثقة من جديد … وما تلك القسوة التي تأتي في مواطن من كلامه إلا بسبيل النفع والنصح والإفادة على حد قول الشاعر :

فقسا ليزدجروا ومن يك راحماً*** فليقس أحياناً على من يرحم

وهل أعظم من هذه التربية …. وهل أجدى من هذه الرعاية … بالطبع لا .

تمثل الإمام وتخلقه بما يقول

على أن كل الذي سقناه من كلام الإمام رضي الله عنه ليس مجرد شعارات كان يطلقها ، ويجلس على عرشه الديني ، ويتكأ على أريكته الفارهة ، ثم يوعز إلى أتباعه وتلاميذه أن نفِّذوه وتحققوا به في حياتكم العملية ، وتمثلوها في مسيرتكم الدينية والدنيوية … لا أبداً … فمثل هؤلاء العظماء هم اسرع الناس تطبيقاً لما يقولون … وأمضاهم عزيمة في تنفيذ ما يوجهون به، ولا أدل على ذلك من تلك الكلمات التي زلزل بها رضي الله عنه أركان قاعة المحكمة التي اقتيد إليها ، وحوكم بين جدرانها ، وظن سجانوه ، واعتقد قضاته ومحاكموه أنهم سينالون منه وسيوهنون عزيمته ويغلقون باباً طالما أقض مضجعهم وأرق ليلهم وسود بياض نهارهم وكدر سماءهم الصافية ، وليسمح لي القارئ أن أنقل نبذة من تلك المحاكمة كي يرى ونرى كيف يكون التطبيق وعلى أي وجه تترجم الحقائق .

لقد قال لمحاكميه : “لو أن لي ألف روح لما ترددت أن أجعلها فداء لحقيقة واحدة من حقائق الإسلام.. إنني لا أعترف إلا بملة الإسلام.. إنني أقول لكم وأنا أقف أمام البرزخ الذي تسمونه السجن إنني في انتظار القطار الذي يمضي بي إلى الآخرة … “( من الفكر والقلب ، البوطي : 280.).

خاتمة وتعقيب

وختاماً فهذه هي النفس، وتلكم هي حقيقتها الماثلة في فكر العظيم الإمام سعيد النورسي رحمه الله، ما أجدر المسلمين اليوم  – على توزعهم في جغرافية العالم الإسلامي – أن يقرؤوا كلامه، ويدركوا مرامه؛ حتى تثمر التربية، وتلقى من المربين آذاناً واعية ، فتصلح الأحوال، وتنتظم الفعال في الحال والمآل .

وفي الحقيقة: إن هناك الكثير مما يمكن أن يستنبط من كلام الإمام وفكره حول النفس، لكن لضيق المساحة وقصر الوقت نكتفي من ذلك بهذا ، كما يكتفى من السوار بما أحاط بالمعصم .

وإني لأرجو أن أكون قد وفقت إلى قراءة راشدة واستنباط محكم من رسائل النور مما يتعلق بالنفس وأدوارها وأحوالها ، وأكون قد أسهمت في هذا الجانب بما يحمد لي … والله من وراء القصد … وهو الموفق إلى كل صواب.

فاللهم آت نفوسنا تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ، اغفر لها وتولها يا أرحم الراحمين.  

المراجع :

1-      إحياء علوم الدين ، المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ)، الناشر: دار المعرفة – بيروت .

2-      إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول للإمام الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250هـ)، المحقق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق – كفر بطنا، قدم له: الشيخ خليل الميس والدكتور ولي الدين صالح فرفور، الناشر: دار الكتاب العربي، الطبعة: الطبعة الأولى 1419هـ – 1999م.

3-      تاج العروس للمرتضى الزبيدي ، (فصل الرَّاء مَعَ المثنّاة الفوقيّة)، مادة ربت.

4-      الحكم العطائية ، بشرح فضيلة الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر ، تقديم د. عطية مصطفى ، طبعة دار كشيدة .

5-      صحيح البخاري .

6-      الظلاميون والنورانيون ، تأليف الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله ، طبعة دار الفكر المعاصر ، الطبعة الثالثة عام 2016م.

7-      كتاب الزهد للإمام أبي بكر البيهقي ، بتحقيق: عامر أحمد حيدر، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية – بيروت، الطبعة: الثالثة، 1996م.

8-      المثنوي العربي النوري ، تأليف الإمام بديع الزمان سعيد النورسي ، طبعة دار السنابل الذهبية ، الطبعة الأولى عام 2009م.

9-      مرشد الشباب للنجاة في يوم الحساب ، تأليف الإمام بديع الزمان النورسي ، ترجمة إحسان قاسم صالحي ، طبعة دار سوزلر ، الطبعة السابعة عام 2011م.

10-    مسند إسحاق بن راهويه (المتوفى: 238هـ)، المحقق: د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، الناشر: مكتبة الإيمان – المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1412 – 1991 . 11-    من الفكر والقلب ، تأليف الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله ، طبعة دار الفكر ، الطبعة الأولى عام 201