Press "Enter" to skip to content

THE PROPHETIC ASCENSION IN THE RISALE-I NUR

Mohammed Mostafa Muhammed Salih

Abstract

This article aims at explaining the way that Imam Nursi deals with The Prophetic Ascension in Risale-i Nur. It tries to shed light on The trend that Imam Nursi adopts in claifying the necessity, the essence, the philosophy, and The benefits of the ascension (Mi’raj) of the Prophet Muhammed(PBUH). The article follows the analytical method. It comes To the coclusion that the Ascension of the Prophet Muhammed(PBUH), according To Imam Nursi, indicates the great position of the Messenger of Allah and his closeness to Allah (swt).

Keywords: Prophetic Ascension, Resale-i-Nur, Imam Nursi.

المعراج النبوي على ضوء رسائل النور

مستخلص

يهدف هذا المقال إلى توضيح الطريقة التي اتبعها الإمام النورسي في مناقشة المعراج النبوي في رسائل النور. ويحاول المقال إلقاء الضوء على نهج الإمام في محاولة الكشف عن لزوم المعراج، وحقيقته، وحكمته، وثمرات وفوائده. اتبع المقال المنهج التحليلي، وتوصل لخلاصة مفادها أن معراج النبي صلى الله عليه وسلم، بحسب ما ذهب إليه الإمام النورسي، يدلل على المكانة المرموقة للرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى أقربيته من الله سبحانه وتعالى.

كلمات مفتاحية: المعراج النبوي، رسائل النور، الإمام النورسي.

مقدمة

تعتبر قضية الإيمان هي القضية الأولى والأساسية التي نذر الإمام النورسي حياته من أجلها؛ فحياته منذ بدايات نشأته كانت نموذجاً لحياة مسلمٍ مؤمنٍ يريد تحقيق الإيمان والإسلام في الحياة برمّتها. ومن هنا تقلّب الإمام مع تقلبات عصره ومع ظروف زمانه، لكنه مع كل تلك التقلبات التي تحكيها سيرة حياته العامرة كان مستقيماً على جادةٍ واحدة، وعلى صراطٍ مستقيمٍ معتدلٍ يهدف لترسيخ بذرة الإيمان في القلوب والنفوس والأرواح. لقد عرف الدارسون لحياة الإمام سعيدٍ النورسي أنه قد وحّد قبلته، وجعل القرآن الكريم هادياً ومرشداً له، ونذر نفسه لإثبات أن كتاب الله شمس لا يخبو ضياؤها أبداً. كان الإمام النورسي يعتمد في إثبات قضايا الإيمان على الكون، والقرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم. لقد نظر إلى الكون باعتباره قرآناً منظوراً، وإلى الكتاب العزيز باعتباره قرآناً مسطوراً، وإلى النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام باعتباره قرآناً ثالثاً وأسماه القرآن الناطق. وأفاض الإمام في شرح كل هذه الجوانب، وهي جوانبٌ يرتبط بعضها ببعض، ويؤيد بعضها البعض الآخر.

 حظي النبي صلى الله عليه وسلم باهتمام كبير، وعناية فائقة من الإمام النورسي، واعتبره الشخصية المحورية في حركة الإيمان، وفي ربط الأكوان بربها سبحانه وتعالى كما سوف يتضح من خلال مناقشة قضية المعراج النبوي، كما حظيت المعجزات الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام بقدر كبير من العرض والتفسير والشرح في رسائل النور. وبالطبع فإن المعجزة القرآنية كانت في مقدمة المعجزات، بل هي المعجزة الكبرى التى ظلت، وسوف تظل باقية ما بقي الزمان، وهي المعجزة الباهرة التي جاءت الرسائل النورية لتخدمها، ولتبيّن ما بها من أنوار وإشارات وشعاعات ولمعات بارقة وباهرة من خلال التفسير المعنوي البارع الدال على عظمة الكنوز القرآنية، والمؤكّد على قدرة هذه الكنوز القرآنية على نزع الغشاوة من الأعين، وعلى إزاحة الوقر والصمم من الآذان، وعلى إزالة الران من القلوب!!!

من ضمن المعجزات الأحمدية معجزة المعراج النبوي التي خصّ الله تعالى بها نبيه الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم، وميّزه من خلالها على سائر إخوانه من النبيين والمرسلين.

لقد نوقشت هذه المعجزة وعُرضت ورويت حكايتها في كثير من كتب التراث الإسلامي، وقد تشابهت طريقة العرض والتقديم مع اختلافات يسيرة هنا وهناك، بينما نجد أن الإمام النورسي قد عرضها بطريقة جديدة متجددة فيها الكثير من عناصر التشويق، وتحاول هذه الورقة الوقوف عند عناصر التجديد التي أضفاها الإمام على هذه المعجزة النبوية.

عرض للمعراج عند بعض المتقدمين:

سيقف المقال هنا ليعرض بعض مناقشات المعراج النبوي عند المتقدمين حيث تناول بعضهم الحكم والأسرار والمعاني التي يمكن أخذها من المعراج باعتباره إحدى معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يقول ابن الجوزي في التذكرة: “… وكم أطلع الله نبيه ليلة المعراج على بناءٍ عظيمٍ وأمرٍ عجيب”. (ابن الجوزي، تذكرة الوعظ، ١٤٠٦: ١)

 عن الآيات التي رآها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم يقول ابن الجوزي:”… أن الآيات هي الأعاجيب وأكثر أعاجيب المعراج كانت من المرئيات لا المسموعات كسدرة المنتهى وفراش الذهب والنهرين البطنين (كذا) الباطنين والظاهرين وغير ذلك من عوالم الملكوت”. (ابن الجوزي، تذكرة الوعظ، ١٤٠٦: ١)

 إن أخص فوائد المعراج كانت هي رؤية وجه الله سبحانه وتعالى التي تحققت للنبي محمد عليه الصلاة والسلام… قال تعالى:” لنريه” ولم يقل:” لنسمعه” وفيها إشارة لأخص فوائد المعراج؛ فبرغم أنه أُرِيَ فيها وأُسْمِعَ إلا أن جانب الرؤية غُلِّبَ في الآية لأن النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى كان من قسم المرئيات؛ فرجح جانب المرئيات على المسموعات. (ابن الجوزي، تذكرةالوعظ، ١٤٠٦: ١)

أورد القشيري في الرسالة رواية عن الأستاذ أبي علي الدقّاق قال: ” سمعت الأستاذ أبا علي الدقّاق يقول ليس شىء أشرف من العبودية ولا اسم أتم للمؤمن من الاسم له بالعبودية ولذلك قال سبحانه في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وكان أشرف أوقاته في الدنيا: سبحان الذي أسرى بعبده”. (القشيري، الرسالة، ب. ت. ج٢ : ٣٤٩)

جاء في كتاب (شجرة الكون) لمحي الدين بن عربي ما يدل على عظم مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيذهب ابن عربي إلى القول إن لله تعالى قد ” جعله مصباح مشكاة الوجود” .( ابن عربي، شجرة الكون، ١٤٠٥- ١٩٨٥: ٨٥)

يمضي ابن عربي إلى القول: “فهو الخصوص بالدنو والعلو والشهود.. إذ كان هو المقصود من كل الوجود.. لأن الوجود لمّا كان شجرةً كان هو ثمرتها.. وكان هو جوهرتها”. (ابن عربي، شجرة الكون، ١٤٠٥-١٩٨٥ :٨٥)

إن الشجرة المثمرة إنما تنتج في ثمارها الحبة التي نبتت منها أول مرة، والتي هي أصل هذه الشجرة، وحين تُغرسُ تلك الحبة وتُغذّى وتُربى فإنها تَنبُتُ وتكتسي فروعاً وأوراقاً، وتهتز وتثمر. والمناظر لتلك الشجرة لا يراها إلا في تلك الحبة التي كانت أصل الشجرة ومستودعها؛ فالحبة هي البداية… فكذلك كان صلى الله عليه وسلم. (ابن عربي، شجرةالكون، ١٤٠٥-١٩٨٥ :٨٥)

يقول ابن عربي: “… وكان الخصوص بأتم المعارف قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن معارف الكل كانت تصديقاً وإيماناً، ومعرفة (كذا) صلى الله عليه وسلم مشاهدةً وعياناً”. ويقول:” وبنور معرفته تعرّفوا، وبفضله عليهم اعترفوا”. (ابن عربي، شجرة الكون، ١٤٠٥-١٩٨٥ : ٥٩)

حين جاء جبريل عليه السلام لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج وسأله عليه الصلاة والسلام عما يراد منه ويراد به أجابه جبريل عليه السلام بعبارات يصورها ابن عربي كما يلي:” أنت مراد الإرادة مقصود المشيئة.. فالكل مراد لأجلك، وأنت مراد لأجله.. وأنت مختار الكون.. أنت صفوة كأس الحب، أنت درة هذه الصدفة.. أنت ثمرة هذه الشجرة.. أنت شمس المعارف.. أنت بدر الطائف.. ما مهدت الدار إلا لرفعة محلك.. ما هيأ هذا الجمال إلا لوصلك.. ما روق كأس المحبة إلا لشربك.. فقم.. فإن الموائد لك أمتك محدودة (كذا) – لعلها ممدودة- والملأ الأعلى يتباشرون بقدومك”. (ابن عربي، شجرة الكون، ١٤٠٥- ١٩٨٥: ٩٠)

كل هذه الأطروحات السابقة من علماء أفاضل اختلفت مشاربهم ومناهلهم، ولكنهم اتفقوا على المكانة السامية والمرموقة لسيد الخلق عليه الصلاة والسلام، واتفقوا على معجزات الباهرة وأفضاله الظاهرة، ورأوا في معراج خاصِّية عظمى، وآيةً كبرى، وعلى ذات المنهج سار الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في تبيين مكانة سيد الخلق لكنه أضاف نهجاً جديداً تمثل في جعل كل جهده ينصبُّ في خدمة قضية الإيمان.

التجديد في طرح المعراج:

إن أهم نقطة من نقاط التجديد التي أضفاها الإمام سعيد النورسي على هذه القضية هي الربط الإيماني الواضح؛ فالمعراج النبوي عند النورسي “نتيجة تترتب على أصول الأركان الإيمانية، وهي نور يستمد من انوار الأركان الإيمانية” . ومن هنا كان النورسي يخاطب بها المؤمنين بالله تعالي، والملائكة، والرسل وخاصة بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ولكنه كان يجعل من الملحدين مستمعين لهذا الكلام الإيماني عن معجزة المعراج النبوي. إن المعراج النبوي يمثل عند الإمام النورسي مرآة لجمال الكمالات الأحمدية. يقول الإمام النورسي:”إن مسألة المعراج نتيجة تترتب على أصول الإيمان وأركانه، فهي نور يستمد ضوءه من أنوار الأركان الإيمانية”. (النورسي، الكلمات، ٢٠٠٨ :٣٣٦)

اعتبر الإمام النورسي أن معجزة المعراج لا تتوجه للملحدين والمنكرين الذين لا يؤمنون بالله سبحانه وتعالى ولا بالملائكة ولا يعترفون بعوالم الغيب، وإنما يتوجه الخطاب حولها نحو المؤمنين الذين ساورتهم الشكوك والأوهام حولها، وهو يريد دفع هذه الشكوك والاوهام والشبهات عن المؤمنين، لكنه لا يتجاهل الملحد المنكر بالكلية بل يفترض أنه يستمع فيتوجه إليه بالخطاب لعله يتذكر أو يخشى. (النورسي، الكلمات،٢٠٠٨ : ٣٣٦)

ترتبط معجزة المعراج النبوي بمعجزة الإسراء التي جاءت الإشارة القرآنية إليها في سورة الإسراء في صدر هذه السورة وفي الآية الأولى من آياتها. أما المعراج فقد ورد ذكره في الآيات ٤-١٨ من سورة النجم. وقد جاء ذكر هذه المعجزة في كتب الحديث والسيرة والتفسير.

إنها معجزة كبرى، وحادثة خارقة للعادة، لكنها تندرج تحت إطار المعقول والمقبول، وتحظى بإذعان العقل المستنير المتنور المنور بهداية الوحي السماوي.

إن آية الإسراء الذي كان بداية وتمهيدا للمعراج بدأت بالتسبيح والتنزيه لله تعالى الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بفلسطين ببلاد الشام التي بارك الله فيها، وبارك في البقعة المحيطة بالمسجد الأقصى، وكانت الغاية من ذلك بحسب الآية الكريمة أن يشهد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من آيات الله تعالى، وتعقب الآية الكريمة بقول الله تعالى :”إنه هو السميع البصير “فالضمير في “إنه” إما ان يكون راجعاً لله تعالى، وإما ان يكون راجعاً للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام؛ وفي حالة رجوع الضمير للنبي عليه الصلاة والسلام فالسياق يتوافق مع ما ورد في سورة النجم من أنه عليه الصلاة والسلام رأى من آيات ربه الكبرى، وشاهد وسمع في منطقة القرب بدرجة قاب قوسين أو أدنى. (النورسي، الكلمات، ٢٠٠٨ : ٣٣٧)

إن الفعل هو فعل الله تعالى القادر على كل شىء، والمؤمن عندنا يعرف قوة الله تعالى وعظمته يقبل هذه المعجزة، ويذعن لها، ويراها تتسق مع إيمانه العميق، وعلى معرفته التامة بأسماء الله تعالى وصفاته.

إن الآية تسند الأمر برمته لله تعالى صاحب الأمر من قبل ومن بعد؛ فالفعل هنا فعل الله تعالى المنزه عن العجز والنقص والقصور، وهنا ناسب ان يفتتح المقال بالتسبيح!!!

ثم تطل علينا عبارة (بعبده) التي تحمل كمال الاستسلام والتذلل والخضوع والانقياد بصورة تامة وكاملة في أعلى صور تمامها وكمالها! إنها عبودية محمد صلى الله عليه وسلم لربه، وهي أعلى صور العبودية وأكملها وأسماها وارقاها!!! وهذه العبودية تحمل في طياتها معاني المحبة من جانب الله سبحانه وتعالى لنبيه ورسوله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك لأن الله تعالى لحبه أسماء الحسنى يحب محمداً العربي صلى الله عليه وسلم الذي هو أسطع مرآة لتلك الأسماء، ويحب من يتشبهون به صلى الله عليه وسلم حسب درجاتهم، يقول الإمام النورسي في المكتوبات حول هذا الامر: ” وإنه تعالى لحبه مصنوعاته البديعة، يحب محمداً العربي صلى الله عليه وسلم حباً جماً أكثر من غيره”. (النورسي، المكتوبات، ٢٠١٣: ١٦٦)

إن الحركة المتسامية للذات الأحمدية كانت تقوم على العبودية، والعبود ية هي السر الذي تكمن فيه الرفعة والعلو؛ ذلك لأن العزة لله جميعاً، ومن هذه العزة تخرج عزة النبيين والمرسلين والمؤمنين، وقد أثبت القرآن العزة لله ورسوله وللمؤمنين. هذه العبودية النبوية المحمدية الكاملة والنموذجية استندت على القدرة الربانية غير المحدودة وغير المتناهية فأنتجت ذلك الإسراء المبارك في جزء من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ويلاحظ الباحث انها بين مسجدين، وذكر المسجدين هنا في غاية الأهمية، لأن الرحلة كانت تمثل الصلة وحلقة الربط بين الأكوان بمجموعه وبين خالق الأكوان. يقف الإمام النورسي عند بعض القضايا المتصلة بالمعراج هي: سر لزوم المعراج، وحقيقة المعراج، وحكمة المعراج، وثمرات المعراج وفوائده. وعند حديثه عن سر لزوم المعراج يقف الإمام النورسي عند “تجلى الأحد الصمد الذي هو شمس الأزل، وسلطان الأبد” الذي يظهر على الماهية الإنسانية في صورتين:

إحداهما: تجلْ بنسبة ربانية تمتد إلى مرآة القلب.

الثانية: تجلى الحق تعالى بذاته التجلي الأعظم على أعظم فردٍ لنوع الإنسان – معنىً- في أعظم مرتبة للأسماء الحسنى من حيث كون الإنسان يحمل فطرةً جامعةً وكونه أنور ثمرات شجرة الكون. هذا التجلي “هو سر المعراج الأحمدي على صاحبه الصلاة والسلام؛ بحيث إن ولايته تكون مبدأ رسالته”. ولقد انقلب المعراج إلى مرتبة الرسالة لكونه “الكرامة الكبرى” و “المرتبة العليا” للولاية الأحمدية… فباطن المعراج ولاية، انطلقت من الخلق إلى الحق، وظاهره معراج الرسالة؛ إذ يأتي من الحق إلى الخلق”. (النورسي، الكلمات، ٢٠٠٨: ٣٤١)

إن الرحلة جاءت بالصلاة، وهي الصلة بين العبد وبين الله تعالى رب العالمين. وذكر المسجدين يذكر بالسجود، ومعلوم أن المرء يكون أكثر قرباً من ربه وهو ساجد. ومن هنا تكون الصلاة معراج مستمر يومي بين العبد وبين الرب سبحانه وتعالى. وتذكرنا آية الإسراء بصفتين من صفات الله تعالى وهما السمع والبصر وتقرنهما بذكر الآيات التي يريد الله تعالى أن يريها لرسوله صلى الله عليه وسلم. وهنا تتضح الرابطة الوثيقة بين رحلة الإسراء بين المسجدين ورحلة الصعود نحو المراقي العالية التي أرادها الله تعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام. إن رحلة الإسراء تمهيد لرحلة الصعود لرؤية بعض الآيات (لنريه من آياتنا الكبرى) وهنا يحتمل أن تكون صفتي السمع والبصر ترجعان للنبي عليه الصلاة والسلام وذلك إذا اعتبرنا أن الضمير في (إنه) يرجع للنبي صلى الله عليه وسلم كما أشارت الورقة إلى ذلك آنفاً، وهنا يكون السياق ان النبي عليه أفضل الصلوات والتسليم قد تمكن من رؤية الآيات وسمع ما سمع بكل قوة، ووعى ما خاطبه الله تعالى به، وفهم ما اوحاه إليه من الآيات. وقد صرحت آيات سورة النجم بذلك حيث بينت انه صلى الله عليه وسلم قد رأى من آيات ربه الكبرى، وأن فؤاده ما كذب ما رأي، وأن بصره ما زاغ وما طغى!! وهنا تأتي المكالمة الخاصة بين المولى عز وجل وبين عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه المكالمة الخاصة واحدة من أسرار لزوم معجزة المعراج كما رآها الإمام النورسي. (النورسي، الكلمات، ٢٠٠٨ : ٣٣٩)

الأسس الأربعة للمعراج النبوي:

يغوص الإمام – كما عوّدنا- في قضية المعراج فيسأل عن لزوم المعراج، وعن حقيقته، وعن حكمته، وعن ثمراته وفوائده.

سأحاول في هذه الورقة البحثية أن يُختصر القولُ والبحثُ في هذه القضايا الأربع او الأسس الأربعة التي أدرج تحتها الإمام النورسي مناقشته لمعجزة المعراج النبوي؛ فمن ناحية لزوم المعراج تتبدّى أهميته وضرورته في (ظهور الولاية الأحمدية بصورة كلية وعلوية تفوق جميع الولايات؛ بحيث إنه تشرّف بمناجاة الحق تعالى ومحادثته بوصفه رب جميع الكون، وبعنوان خالق جميع المخلوقات) وهنا تتجلى صفة التمثيل والمندوبية التي اتصف بها النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان حينها منتخباً من خالق الأكوان والمخلوقات ليقف في ذلك الموقف العظيم المهيب!!!

في هذه الرحلة الإعجازية المباركة تجلى الحق تعالى بذاته التجلي الأعظم على أعظم فرد لنوع الإنسان!!! والإنسان أنور ثمرات شجرة الكون، والنبي صلى الله عليه وسلم هو قمة هذه الثمرة!! إنه ثمرة الثمرة!! وخلاصة الخلاصة!! وهو قابل لإظهار الأسماء الحسنى التي تتظاهر تجلياتها في جميع ارجاء الكون. من هنا يتجلى ويتضح لزوم وصول مثل هذا الفرد الإنساني المتكامل لذلك المقام الشريف المنيف ليحظى باللقاء والقرب والدنو ليحصل التواصل والتلاقي بين الكمالين: كمال الربوبية وكمال العبودية. والمعراج عند الإمام النورسي له ظاهر وباطن؛ فباطنه ولاية، وظاهره رسالة، والولاية سلوك في مراتب الأقربية، والرسالة نور أعظم يتوجه إلى سر انكشاف الأقربية الإلهية. (النورسي، الكلمات،٢٠٠٨ : ٣٤١)

أما حقيقة المعراج فإنه سير وسلوك للذات الأحمدية في مراتب الكمالات، وإظهار وإطلاع من الله تعالى لعبده على آثار الربوبية المظهر بالأسماء والعناوين المختلفة التي أظهرها الله تعالى في ترتيب المخلوقات وفي دوائر التدبير والإيجاد في سلطنة الربوبية. هذا الانطلاق في السماوات سماء بعد سماء، ومرتبة بعد مرتبة إنما كان بغرض جمع ذلك (العبد) الكمالات الإنسانية، وأن يكون مظهراً لجميع التجليات الإلهية. (النورسي، الكلمات، ٢٠٠٨ : ٣٤٢)

لعل ما أورده الإمام النورسي في الكلمات يصور بطريقة بديعة حقيقةً من حقائق المعراج حيث يقول: “فالمعراج النبوي صورة وغلاف لخيط العلاقة النورانية ذاك، حيث فتح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ذلك الطريق، ودرج فيه بولايته، وعاد برسالته، وترك الباب مفتوحاً، ليسلكه أولياء أمته الذين يتابعونه سلوكاً بالروح والقلب؛ فيدرجوا في تلك الجادة النورانية تحت ظلال المعراج النبوي ويعرجوا فيها إلى مقامات عالية كلٌّ حسب استعدادات وقابلياته”. (النورسي، الكلمات، ٢٠٠٨ : ٣٦٦)

أما حكمة المعراج فالإمام النورسي يرى ان حكمة المعراج عالية وسامية!! ولكن هل يمكن للعقل البشري بمفرده ان يحيط بها، وأن يدرك كنهها، وأن يسبر اغوارها؟! لا يمكن للعقل بمفرده ان يعرف حكمة المعراج، ولكن يمكن للعقل المتنور بنور الوحي ان يقف على سواحلها، ولعل اهم ما يرد على الخاطر هنا هو أن صاحب الكمال والجمال غير المتناهيين يعجب بهما، ويريد أن يريهما لأجمل خلقه وأكملهم!!! يقول الإمام النورسي: ” إن خالق هذا الكون لكي يظهر نور وحدته، وتجليّات أحديَّته في طبقات الكثرة هذه، يتخذ فرداً ممتازاً مخاطباً له لحساب جميع المخلوقات بمعراجٍ على صورة خيط اتصال من منتهى طبقات الكثرة إلى مبدأ الوحدة، ومبيناً له باسم جميع ذوي الشعور مقاصده الإلهية ومبلغاً به، وإنه جل وعلا يشاهد ويُشهد بنظره – أي بنظر ذلك الفرد الممتاز- جمال صنعته وكمال ربوبيته في مرآة مخلوقاته”. (النورسي، الكلمات، ٢٠٠٨ : ٣٥٦)

إن المتأمل لمكانة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام التي تعرضها رسائل النور يجدها مكانة عظيمة للغاية، وهي المكانة المتفق عليها بين كل المسلمين، وهذه المكانة السامية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تستدعي هذه الرحلة العلوية المباركة التي ترتبت عليها حقائق كثيرة ونتائج متعددة. ونستخلص من الصلوات المباركات التي اشتملت عليها رسائل النور تلك المكانة السامية العلوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو بحر الأنوار الإلهية، ومعدن الأسرار، وشمس الهداية، وعين العناية، ولسان الحجة، ومليك صنع القدرة، ومثال المحبة، وتمثال الرحمة، وأحب الخلق إلى الله. (النورسي، المثنوي العربي، ٢٠٠٩: ٣٧٥)

إنه – صلى الله عليه وسلم- مركز دائرة الإسلام، ومنبع أنوار الإيمان، ونواة شجرة الكون وثمرتها، ونوره عقل إنسان الكون الكبير، وعند ليب حديقة العالم المزهرة. (النورسي، المثنوي النوري، ٢٠٠٩: ١٨٥)

يستمر الإمام النورسي في التنقيب عن الأسرار المحمدية، وعن المزايا المصطفوية؛ فهو ” أفضل الخلائق الإنسانية، ومجمع الحقائق الإيمانية، وطور التجليات الإحسان ية، ومهبط الأسرار الرحمانية… حامل لواء العز الأعلى بالتوحيد، ومالك أزمّة المجد الأسنى بالإسلام، شاهد أسرار الأزل، ومشاهد أنوار السوابق الأوَل، وترجمان لسان القِدَم، ومنبع العلم والحلم والحِكَم المتحقق بأعلى رتب العبودية، والمتخلق بأخلاق المقامات الاصطفائية، الخليل الأعظم والحبيب الأكرم”. (النورسي، المثنى العربي، ٢٠٠٩: ٣٠٠)

إن محمداً – صلى الله عليه وسلم–هو ذلك الفرد الفريد، وهو يمثل قمة دائرة العبودية المنوّرة المزهرية المنظمة في غاية الانقياد والاستقامة في مقابل دائرة الربوبية المحتشمة المنظمة في غاية الاحترام والانتظام. وهو يمثل كذلك – عليه الصلاة والسلام – لوح تفكر واستحسان في غاية السعة، وصحيفة تشكر وإيمان في غاية الجمع، في مقابل لوح صنعِ مصنِّعٍ مرصَّعٍ في غاية الإتقان والاتزان. (النورسي، المثنى العربي، ٢٠٠٩: ٣٩)

إن صاحب اللوحة الجميلة يعجب بها!! ويعجب حين يرى الآخرين من أهل المعرفة والتخصص يعجبون بها!! ولله المثل الأعلى، فليس بين الخلق من هو أعرف وأعلم بالله من سيد المرسلين وإمامهم وخاتمهم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام!!! وهو صلى الله عليه وسلم في درجة ثمرة منورة لشجرة الخلقة، وقلبه بمنزلة نواة قادرة على استيعاب الحقائق الأساسية لتلك الشجرة عن طريق معراج هو في حكم خيط اتصال من النواة التي هي المبدأ الأول إلى الثمرة التي هي المنتهى”. (النورسي، الكلمات، ٢٠٠٨ : ٣٥٧)

أما ثمرات المعراج وفوائده فعديدة، ومنها رؤية حقائق أركان الإيمان بالعين، ومنها مجيئه عليه الصلاة والسلام بالصلاة التي هي صلة ورابطة وثيقة بين العبد وربه، وهي معراج متكرر، وهي رحمة من الله تعالى لعباده، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم رأى السعادة الأبدية، ووقف على مصير الأكوان والمخلوقات والإنسانية، وتيقن من مصيرها المقاصد إلى الله، وبشرها بالحياة الباقية، وأخرجها من شقاوة التفكير في المصير المظلم، وأخرجها من توهم الفناء والإعدام الأبديين!! ومن الثمرات والفوائد رؤية الجمال الإلهي والقدم بهدية عظيمة للجن والإنس!! ومن فوائد المعراج معرفة أن الإنسان ثمرة قيمة للكون، وأن أفضل هذه الثمرة وأكملها وزبدتها وخلاصة خلصتها هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه وحدها كافية لتبيين القيمة الكبرى للمعراج النبوي.

خاتمة:

هذه مؤشرات سريعة، ووقفات عجلى مع المعراج النبوي من خلال رسائل النور، حاولت الورقة من خلالها ان تستشرف المنهج الذي اتبعه الإمام النورسي وهو يعالج قضية المعراج بطريقة جديدة تقف مع لزوم المعراج، ومع حقيقته، ومع حكمته، ومع ثمراته وفوائده. يتضح من خلال عرض المقال أن الإمام النورسي – كغيره من المجددين- قد بنى دعائم أطروحته في التعامل مع معجزة المعراج النبوي على الأسس التي بناها العلماء السابقون، وكان الإمام معلياً لشأن الأخبار المروية في شأن المعجزات النبوية، ومنها معجزة المعراج، ولكنه، كعادته، كان يضفي على القضية ذلك البعد الإيماني المكتسي بالقوة والحرارة والحماية الروحية شأنه في ذلك شأن العلماء الربانيين المشغولين بهمِّ بناء الجيل المؤمن إيماناً تحقيقياً لكي يمضي على بصرٍ وعلى بصيرةٍ من أجل إعادة بناء الأمة.

لعل النتيجة الأساسية التي خلصت إليها الورقة هي أن معالجة الإمام لهذه المعجزة معالجة إيمانية بحتة ترمي لربط هذه المعجزة الكبرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقضية الإيمان، وبقضية المسألة الوجودية المحورية للإنسان وهي إيمانه بالله تعالى رباً وخالقاً ومدبراً قديراً عالمياً سميعاً بصيراً حكيماً قائماً بنفسه قيّوماً على الأكوان كلها وعلى أمر هذا الإنسان الذي هو ثمرة هذا الكون، ومعرفته بنفسه عبداً مخلوقاً مكرماً عابداً لله سبحانه وتعالى، ومعرفته بالأكوان مخلوقة مسخرة له؛ ومن ثم فلا ينبغي له أن يستعبد نفسه لغير الله سبحانه وتعالى. كما أن أبرز ما يلاحظه الدارس لمعالجة الإمام النورسي لمعجزة المعراج هو اتّضاح المنحى التجديدي والعمق الإيماني القائم على إبراز دور الشخصية المعنوية للرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، والتركيز بصورة خاصة على ترقيّاته العلوية في مراتب الولاية الأحمدية، وفي سموه ومحبوبيته وأقربيته من الله سبحانه وتعالى، وفي مشاهداته ومسموعاته التي جعلته مثلاً ومنتدباً من الكائنات إلى ربها باعتباره زبدة هذا الوجود الكوني وثمرته، وجعلته أعرف الخلق بالله ومبلغاً عن الله، وجعلته رحمة الله تعالى للعالمين.

المصادر والمراجع:

  1. سعيد النورسي، بديع الزمان، إشارات الإعجاز في مظانِّ الإيجاز، مركز الترجمة والبحوث العلمية، القاهرة، دار السنابل الذهبية للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى،2010م.
  2. سعيد النورسي، بديع الزمان، الكلمات، مركز الترجمة والبحوث العلمية، القاهرة، دار السنابل الذهبية للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٨.
  3. سعيد النورسي، بديع الزمان، اللمعات، مركز الترجمة و البحوث العلمية، القاهرة، دار السنابل الذهبية للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى، ٢٠١٠.
  4. سعيد النورسي، بديع الزمان، المثنوي العربي النوري، مركز الترجمة والبحوث العلمية، القاهرة، دار السنابل الذهبية للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٩.
  5. عبدالرحمن بن علي بن محمد الجوزي، التذكرة في الوعظ، تحقيق احمد عبدالوهّاب فتيح، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الأولى،  ١٤٠٦.
  6. عبدالكريم بن هوازن بن عبدالملك القشيري، الرسالة القشيرية، تحقيق الدكتور عبدالحليم محمود والدكتور محمود بن الشريف، القاهرة، دار المعارف،  ب. ت.
  7. محي الدين بن عربي، شجرة الكون، ضبطه وحققه وقدّم له رياض العبدالله، الطبعة الثانية، ١٤٠٥- ١٩٨٥.