Press "Enter" to skip to content

THE NECESSITY OF PROPHETHOOD AMONG SCHOLARS OF ALSUNNA AND ALJAMAA ACCORDING TO RISALE-I NUR’S VIEW

Usama A. Alani

Abstract

      Allah sent the apostles and prophets as guides and teachers for people so that man can understand his role in the earth and his duties towards his Creator. The importance of the messengers and prophets ’mission to the people of the Sunnis and the community, is the subject of this paper. This paper aims to prove the hypothesis that Bediüzzaman Said al-Nursi was an imam who accommodated all the ideology of the Islamic nation with its various ramifications, and it was in agreement with the public of scholars and did not deviate from them with a different opinion.

 To validate the hypothesis, the paper was divided into two paragraphs. The first is the concept of prophecy and the second is the necessity of it. The researcher used the inductive method in his review of the views of some of the most prominent scholars of the nation, such as Imam Al-Ghazali, while showing the fragmentation of philosophers in this field. The deductive approach was not neglected, when needed, in arriving at results and recommendations.

The researcher reached to; the absorption of Imam Bediuzzaman Said al- Nursi, may God have mercy on him, to Islamic schools of jurisprudence throughout the development of Islamic thought, and he was aware of the idea of ​​ Imam Abu Hamid al-Ghazali. It turned out that Imam al-Nursi, agreed with the majority of scholars in terms of the concept of prophecy, and in terms of the necessity of the mission of the prophets and messengers to humanity, in a modern and renewed spirit without departing from the ancestors, but by absorbing the development of the human mind according to time and place. Also, Imam al-Nursi was aware of the deviations of philosophers in this matter, warned of their mistake, and the necessity of avoiding it because that would lead to a departure from Islam.

Keywords: Prophethood, Alsunna and Aljamaa, Risale-i Nur

مستخلص

      بعث الله الرسل والأنبياء مرشدين ومعلمين للناس كي يفقه الإنسان دوره في الأرض وواجباته تجاه خالقه. أهمية بعثة الرسل والأنبياء الى الناس عند جمهور أهل السنة والجماعة، هي موضوع هذه الورقة. تهدف هذه الورقة الى إثبات فرضية مفادها أن بديع الزمان سعيد النورسي، كان إماما مستوعبا لجل فكر الأمة الإسلامية باختلاف تشعباتها، وكان موافقا للجمهور ولم يشذ عنهم برأي مخالف.

 ولإثبات صحة الفرضية تم تقسيم الورقة الى فقرتين، الأولى مفهوم النبوة والثانية ضرورتها. واستخدم الباحث المنهج الاستقرائي في استعراضه لآراء بعض من أبرز أعلام الأمة، كحجة الإسلام الإمام الغزالي، مع تبيان شذوذ الفلاسفة في هذا المجال. ولم يغفل استخدام المنهج الاستنباطي عند الحاجة اليه في الوصول الى النتائج والترجيحات.

  وتوصل الباحث الى استيعاب الإمام بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله، للمدارس الفقهية الإسلامية على مر تطور الفكر الإسلامي، فكان مدركا لفكر حجة الإسلام الإمام ابو حامد الغزالي. وتبين أن الإمام النورسي رحمه الله كان موافقا لجمهور العلماء من حيث مفهوم النبوة، ومن حيث ضرورة بعثة الأنبياء والرسل الى البشرية، بروح عصرية تجديدية دون الخروج عن السلف، ولكن من خلال استيعاب تطور العقل البشري حسب الزمان والمكان. كما أن الإمام النورسي رحمه الله كان واعيا لانحرافات الفلاسفة في هذا الموضوع، ونبه الى خطئهم وضرورة تجنبه، لأن ذلك يؤدي الى الخروج عن الإسلام، وحذر من مجاراة فساد الفلسفة التي مآلها الى شجرة الزقوم الخبيثة.

الكلمات المفتاحية: النبوة، أهل السنة والجماعة، رسائل النور

لم يُخلق الإنسان عبثا، بل خلق للنهوض بواجب الاستخلاف الذي تمثل العبادة فيه ركنه الأساس. وتعرف الفطرة السليمة خالقها، إلاّ أنها غالبا ما تصدأ بسبب براثن البيئة المحيطة، أو المبالغة في تنامي حاجات الفرد وزيادة جشعه. ومن كون الباري رحيم بعبادهم ويريد بهم الفلاح، بعث الله الرسل والأنبياء مرشدين ومعلمين للناس كي يفقه الإنسان دوره في الأرض وواجباته تجاه خالقه.

   أهمية بعثة الرسل والأنبياء الى الناس عند جمهور أهل السنة والجماعة، هي موضوع هذه الورقة. حيث تهدف الى إثبات فرضية مفادها أن بديع الزمان سعيد النورسي، كان إماما مستوعبا لكل فكر الأمة الإسلامية باختلاف تشعباتها، وكان موافقا للجمهور ولم يشذ عنهم في رأي مخالف.

    ولإثبات صحة الفرضية تم تقسيم الورقة الى فقرتين، الأولى مفهوم النبوة والثانية ضرورتها. واستخدم الباحث المنهج الاستقرائي في استعراضه لآراء بعض من أبرز أعلام الأمة، كحجة الإسلام الإمام الغزالي وابن سينا، مع تبيان شذود الفلاسفة في هذا المجال. ولم يغفل المنهج الاستنباطي عند الحاجة اليه في الوصول الى النتائج والترجيحات.

أولاً: مفهوم النبوة

    سنحاول في هذه الفقرة تناول مفهوم النبوة من خلال استعراض آراء بعض العلماء والفلاسفة، ثم نلاحظ المفهوم عند الإمام النورسي ومدى قربه او ابتعاده عمن سبقوه.   

  • عند حجة الإسلام الإمام الغزالي (للتعريف به راجع المصادر):

       إن المتصفح لمؤلفات الإمام الغزالي يجد تنوعا عند تحديده للمفهوم، ويرجع السبب في ذلك الى تعدد مؤلفاته، وأيضا الى التطور الفكري في مراحل حياته المختلفة رحمه الله. فنجده تارة يعرف النبوة من خلال خواصها المتمثلة في إدراك الغيب الذي لا يمكن تصوره من خلال ادراك العقل او النظر في الواقع التجريبي. يقول الغزالي (امكان وجود طريق لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل، وهو المراد بالنبوة، لا أن النبوة عبارة عنها فقط، بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة)، (الغزالي ب، 1409هـ، 7/ 66-68 ).

     وفي مكان آخر نجده يقول (اعلم أن الرسالة أثرة علوية وخطوة ربانية وعطية إلهية لا تكتسب بجهد ولا تنال بكسب)، (الغزالي أ، 1409هـ، 131)، ويضيف (أنه لطيف الشمائل إذا تحرك وسكن، قد نهض باحتمال أعباء ما حمل من الرسالة فأدّاها، وأفاض رحمته على العالمين فأوفاها، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين)، (الغزالي أ، 1409هـ، 132).

    يفرق الإمام الغزالي بين النبوة والرسالة تبعا للجمهور، إذ يقول (فأما علم الوحي فخاص بالرسل موقوف عليه، كما كان لآدم وموسى عليهما السلام……وغيرهم من الرسل، وفرق بين الرسالة والنبوة، حيث يقول فالنبوة: قبول النفس القدسية حقائق المعلومات والمعقولات الى المستفيدين والقابلين، وربما يتفق قبول لنفس من النفوس ولا يتأتى لها التبليغ لعذر من الأعذار وسبب من الأسباب)، (الغزالي،1994، 103).

   مما تقدم نجد أن النبوة عند الإمام الغزالي مقرونة بالوحي، وهي هبة من الباري لمن يصطفي من عباده، الذين يتمتعون بصفات نبيلة عالية من الفطنة والأدب والأخلاق مما يعجز عن اكتسابه بنو آدم. وأنها من أعلى المراتب، ويلاحظ أن الإمام رحمه الله استخدم اسلوب الفلاسفة في تبيانه لمعاني النبوة، وهو ما ساد في عصره.

ب- عند ابن سينا (للتعريف به راجع المصادر):

     الرسالة عند ابن سينا: (هي ما قُبل من الإفاضة المسماة وحياً على أي عبارة استصوبت لصلاح عالمي البقاء والفساد علماً وسياسة). ويعرِّف الرسول بقوله: هو (المبلغ ما استفاد من الإفاضة المسماة وحياً على عبارة استصوبت ليحصل بآرائه صلاح العالم الحي بالسياسة، والعالم العقلي بالعلم)، (ابن سينا، 1908، 124). والمراد بالإفاضة في قول ابن سينا: ما فاض على نفس النّبي من المعاني من العقل الفعّال (للتعريف راجع المصادر) – وهو الملك جبريل- ثمّ فاض من ذلك العقل على النفس الناطقة الزكية المستعدة لذلك. وقد تبين لنا رأي الجمهور في هذه المسألة.

     يذهب ابن سينا إلى ضرورة وجود النّبي، وأن بعثة النّبي واجبة عقلاً، يقول في ذلك: (فواجب إذاً أن يكون نبي، وواجب أن يكون إنساناً، وواجب أن تكون له خصوصية ليست لسائر الناس، حتى يستشعر الناس فيه أمراً لا يوجد لهم، فيتميز به عنهم، فتكون له المعجزات التي أخبر به)، (ابن سينا، 1985، 339). ويقول أيضاً: (أن النّبي من عند الله، وبإرسال الله، وواجب في الحكمة الإلهية إرساله، وأن جميع ما يسنه فإنما هو ما وجب من عند الله أن يسنّه، وإنما يسنّه من عند الله …)، (ابن سينا، 1985، 343).

   ويربط ابن سينا بين العناية الإلهية والنبوة، فيقول:(فلا بدّ في وجود الإنسان وبقائه من مشاركة، ولا تتم المشاركة إلا بمعاملة، كما لا بد في ذلك من سائر الأسباب التي تكون له، ولا بد في المعاملة من سُنة وعدل، ولا بد للسُنة والعدل من سانْ ومعدِّل، ولا بد أن يكون هذا بحيث يجوز أن يخاطب الناس ويلزمهم السنة، ولا بد من أن يكون هذا إنساناً)، (ابن سينا، 1985، 339).

      ويُرَدُّ على ابن سينا في قوله: فوجود النبوة واجب، وأن بعثة النّبي واجبة عقلاً، ممّا لا يقبل في حق الله تعالى، فالعباد لا يجوز لهم أن يوجبوا على الله شيء، أو يحرّموا عليه شيء، فالوجوب يجب أن يعلم بالسمع واللهو الذي يوجب على نفسه، قال تعالى ( كتب على نفسه الرحمة، الأنعام، من/54)، وقال ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين، الروم/47). ولا يلزم من كونه تعالى أوجب على نفسه شيئاً أن يكون فاعلاً بالإيجاب، أي لا اختيار له، لأنه سبحانه وتعالى أوجبه على نفسه باختياره ومشيئته، وأهل السُنّة والجماعة متفقون على أنه تعالى خالق كل شيء وربّه وملكه، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئاً، لمنافاته مشيئة الله واختياره المطلق في مخلوقاته، ولأن في ترك هذا النوع من الواجب إمّا حصول مضرة أو فوات منفعة أو لزوم محال، والله تعالى يتنزه عن هذه كلها، لأنه لا ينتفع بإرسال الرسل، ولا يتضرر بترك إرسالهم، ولا يلزم من عدم إرسالهم محال بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ( الغزالي، 1962، 175).

وللإمام النورسي رأي في هؤلاء الفلاسفة حيث يقول (ونظراً لاستناد الفلسفة إلى مثل هذه الأسس السقيمة ولنتائجها الوخيمة، فإن فلاسفة الإسلام الدهاة، الذين غرهم مظهر الفلسفة البراق، فانساقوا إلى طريقها – كابن سينا والفارابي، لم ينالوا إلاّ أدنى درجة الإيمان، بل لم يمنحهم حجة الإسلام الإمام الغزالي حتى تلك الدرجة )، ( النورسي، الكلمات، 2008، 633).

د – عند الإمام بديع الزمان النورسي:

   إن المتصفح لرسائل النور يجد أن الإمام النورسي يتناول موضوع النبوة برؤى متنوعة، فتارة يعتبرها ضمن مقاصد القرآن بكون (مقاصد القرآن الأساسية وعناصره الاصلية المنبثة في كل جهاته أربعة: إثبات الصانع الواحد (التوحيد)، والنبوة، والحشر الجسماني، والعدالة)، (النورسي، 2008؛ الكلمات، 523؛ إشارات الإعجاز،24؛ الشعاعات، 310؛ صيقل الإسلام، 29).

   وأحياناً يقرن بين النبوة ووظيفتها، كحديثه عنها في الدلالة على وجود اليوم الآخر حيث يقول (إن إخبار مائة وأربعة وعشرين ألفاً من المصطفين الأخيار وهم الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام. إخبارا بالإجماع والتواتر.. عن وجود الدار الآخرة)، (النورسي، الكلمات، 2008، 126).

   كما أن الرسول هو الوسيلة والدليل المعرّف عن الله تعالى، إذ يقول النورسي (وأنه هو كذلك

– كما هو بديهي- اكرام دال على جمال في كمال مطلق لخالق العالم، وأفضل معرف لبى إرادة الله سبحانه في إظهار ذلك الجمال بوساطة مبعوث كما تقتضيه الحكمة والحقيقة)، (النورسي، الكلمات، 2008، 675).

       ويستنتج من ذلك على أن اصطفاء الرسول من لدن الباري سبحانه، وعلى تفرد النبي بصفات تفوق البشر العاديين (فالحكيم ذا الجلال الذي زيّن هذا الكون بمعجزات صنعته الى هذا الحد، سيجعل بالبداهة من هو المختار الممتاز من أرباب الشعور مخاطبا له، وترجمانا لأوامره، ومبلغاً لعباده، وإماماً لهم. وأن الجميل              ذا الكمال الذي جعل هذا الكون مظهراً بما لا يعد ولا يحصى لتجليات جماله وكماله سيهب بالبداهة لمن هو أجمع، نموذج لبدائع صنعته، وأكمل من يظهر ما يحبه ويريد اظهاره من جمال وكمال وأسماء حسنى.. سيهب له أكمل حالة للعبودية جاعلا منه أسوة حسنة للآخرين ويحثهم لإتباعه، ليظهر عندهم ما يماثل تلك الحالة اللطيفة الجميلة)، (النورسي، الللمعات، 2008، 79).

   والنبوة لا تكون إلاّ بوحي فرسالته تستند الى حقيقة الوحي. والوحي قسمان:

الأول: الوحي الصريح كالقرآن الكريم وبعض الأحاديث القدسية. فالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا مبلّغ محض لا غير، من دون أن يكون له تصرف أو تدخل في شيء منه.

الثاني: الوحي الضمني، وهو الذي يستند في خلاصته ومُجمَله الى الوحي والإلهام، إلاّ أنه في تفصيله وتصويره يعود الى الرسول صلى الله عليه وسلم. فتفصيل الحادثة الآتية مُجملةً من هذا الوحي وتصويرها، إما يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم أحياناً استناداً الى الالهام، أو الى الوحي، أو يبينه بفراسته الشخصية. وهذه التفاصيل التي يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم باجتهاده الذاتي. إما أنه يبينها بما يتمتع به من قوة قدسية عليا، بمقتضى الرسالة، أو يبينها بخصائصه البشرية وبمستوى عرف الناس وعاداتهم وأفكارهم)، (النورسي، المكتوبات، 2008، 122-123) .

    وينبغي أن يكون النبي عند النورسي بشرا، حيث يقول: إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بشر، فهو يتعامل مع الناس انطلاقاً من بشريته هذه. وهو كذلك رسول، وبمقتضى الرسالة هو ناطق أمين باسم الله تعالى ومبلّغ صادق لأوامره سبحانه، فرسالته تستند الى حقيقة الوحي (النورسي، المكتوبات، 2008، 123) . وإنسانية النبي هي سر تصديق النبوة وإتباع بني آدم لها (فلو كان صلى الله عليه وسلم في جميع أفعاله خارقاً للعادة، خارجاً عن طور البشر، لما تسنّى له أن يكون أسوةً يُقتدى به، وما وَسِعه أن يكون بأفعاله وأحواله وأطواره إماماً للآخرين)، (النورسي، المكتوبات، 2008، 122) .

     وتجدر الاشارة الى أن الإمام النورسي لم يتطرق الى موضوع الفرق بين الرسول والنبي على قدر علمي المتواضع كما هو الحال عند أهل السنة والجماعة.  السؤال الذي يثار هو، اتضح أن النورسي يوافق جمهور أهل السنة والجماعة في غالبية ماورد من مفاهيم في شأن النبوة من حيث اصطفاء الباري وإنسانية الرسول، وإعداده من الخالق سبحانه ليكون كفئا لحمل اعباء الرسالة، ووجود الوحي، ورده على الفلاسفة كما لاحظنا آنفا. فلماذا لم يجار الجمهور في التفريق ما بين النبي والرسول ويقرن بينهما، كما لاحظنا في مقاصد القرآن؟

   الإجابة على هذا التساؤل تنحصر في محورين محددين وهما: إما جهله لهذه المسألة، وإما العلم بها، إلاّ أنه تجاوزها لغاية ما. الجهل مرفوض أصلا ذلك لأن الأدلة التي ساقها الإمام النورسي رحمه الله على النبوة ومتطلبتها من الكتاب والسنة يدلل على علمه الشمولي بهذا الموضوع. لذا فأن النورسي- حسب رأي الباحث – على علم بالفرق ما بين النبي والرسول، والجواب سيكون بالنفي قطعا، فلماذا لم يتطرق الى الموضوع، هل ساند الفلاسفة في رأيهم؟ والجواب سيكون قطعا بالنفي، دلّ على ذلك هجمومه عليهم في أكثر من موضع في رسائل النور.

     يذكر الأستاذ ياسر اسماعيل راضي (راضي، د.ت، موقع رسائل النور) أن القارئ لرسائل النور يلاحظ أن النماذج التي تحدث عنها النورسي تختص بالرسل الذين جمعوا بين النبوة والرسالة، ولم نر ذكره لنبي مبعث غير مرسل.

     لذا والله اعلم، أن النورسي لم يرد الخوض في هذا الموضوع، لأنه لا يمثل عنده أهمية ملحة في هذا الوقت من الزمان، ولم يرد أن يشتت ذهن طالب رسائل النور في هذه الجزئية، كونه استدل في رسائله على الأنبياء المرسلين، مع تركيزه على المسائل الملحة في النبوة، من حيث مفهومها واختيار الباري للنبي، وصفات النبي والرد على الفلاسفة ومغالاتهم، إذ عادت الحياة الى الفلسفة في عصره تأثرا بالفلسفة المادية الأوروبية، وانبهارا لما وصل اليه الغرب وتردي حال المسلمين.

ثانياً: حاجة البشرية للنبوة:

    حاجة البشرية الى النبوة وضرورتها لهم، هو ما سيسعى الباحث لتناوله في هذه الفقرة من خلال استعراض آراء الفقهاء في هذا المجال.

أ – عند حجة الإسلام الإمام الغزالي:

   يرى الإمام الغزالي أن الإنسان خلق بسيطا لا يستطيع إدراك ما يحيط به من موجودات، حيث يقول (أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة خلق خاليا ساذجا لا خبر معه عن عوالم الله تعالى. والعوالم – كما يقول- لا يحصيها إلاّ الله تعالى… وإنما خبره بواسطة الإدراك)، (الغزالي ب، 1409هـ، 60). ويعني الإمام الغزالي بـ(العوالم) الموجودات المحسوسة التي يتعرف عليها الإنسان باستخدام حواسه (سمعا أو نظرا أو تذوقا أو لمسا)، ويرتقي الإنسان بمعرفته لهذه الحواس على وفق درجة تطوره حتى يدرك عالم المحسوسات (يخلق له العقل فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات)، (الغزالي ب، 1409هـ، 60).

    وعلى الرغم من أهمية جوهرة العقل منه، وهو أعظم ما شرف به الإنسان وميزّ به عن سائر المخلوقات الأخرى، إلاّ أن هذا العقل يظل عاجزا (عن معرفة نفسه إذ لا يمكنه أن يصف نفسه بنفسه بصفة وهيئة أكثر من الإقرار بأنه مسلم للذي وصفه للعلم به ومقر بالجهل بنفسه)، (الغزالي أ، 1409هـ، 1/ 43).

    من هنا تبرز الحاجة الى مرشد ومعلم لما غفلت العقول عن إدراكه (فالنبي يرد مخبرا بما لا تشتغل به العقول بمعرفته، ولكنه تستقل بفهمه إذا عرف، فأن العقل لا يرشد الى النافع والضار من الاعمال والأقوال والأخلاق والعقائد، ولا يفرق بين المشقي والمسعد)، (الغزالي، 1962، 123).

       فبعجز العقل عن إدراك الواجبات والجائزات والمستحيلات المتعلقة بوجود الله تعالى وربوبيته، جاءت حاجة الناس للنبوة والرسالة عند الإمام الغزالي، فالعقل (لا يشتغل بما وراء ذلك علمنا أن معرفة الله تعالى بألوهيته واسمائه وصفاته وما يرضيه وما يسخطه وما يأمر به أو ينهى عنه وما يسعد عنده السعداء أو يشقي الأشقياء وما أعده لعباده المؤمنين من الثواب وما ينتظره الكفار من العذاب والنكال، لا يعلم ذلك كله إلاّ بتعليم من جهته بواسطة رسله وأنبيائه)، (الغزالي أ، 1409هـ، 1/ 79؛84؛105).

      ينظر الإمام الغزالي الى حاجة الناس للنبوة من منطلق رسم الحدود ما بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والخير والشر، وضرورة إرشاد البشر الى المباح منها واجب الفعل وترك الشر منها واجب الترك. (فالتمييز بين حركة وحركة بالحدود، ولا يخلو إما أن يعرفه كل واحد أو لا يعرفه أحد أو يعرفه بعض دون بعض. وظاهر أنه لا يعرفه كل واحد وباطل أنه يعرفه كل أحد، فظهر أنه يعرفه أحد دون أحد. فثبت بالتقسيم حدود في الحركات وثبت بالتقسيم الثاني: أصحاب حدود يعرفونها وهم الأنبياء واصحاب الشرائع عليهم الصلاة والسلام)، (الغزالي أ، 1409هـ، 133).

        فالتمييز ما بين الحق والباطل والصدق والكذب والخير والباطل في حركات الإنسان الاختيارية، لا يدركها إلاّ من كن يملك برهانا زائدا على بني جنسه يميزهم به، ولا يملك ذلك المميز الفارق إلاّ أصحاب الحدود والشرائع، وواجب على من لم يكن عارفا بالحدود أن يكون في حكم أصحاب الحدود (الغزالي أ، 1409هـ، 133).

   أدرك الغزالي أيضا ضرورة أن تكون للإنسان من ملة وشريعة نظرا لحاجته لإصلاح حاله في تلك الحركات الاختيارية فهو محتاج الى الاجتماع والمعاملات وتبادل المصالح وجلب الخير ودفع الشر وتجنب الضر)،(الغزالي أ، 1409هـ، 134). (وبيان ذلك أنه- أي الإنسان- في استبقاء حياته واستحفاظ نوعه وحراسة ماله وحريمه يحتاج الى تعاون وتمانع)، (الغزالي أ، 1409هـ، 134).

     والذي ذكره الإمام الغزالي من ضروريات وجود الإنسان وبقائه في حالة من الاجتماع والتعاون والاستقرار، هو الذي يكفل له حياة كريمة بوصفه مخلوقا مكرما لم يخلق عبثا ولم يترك سدا، لذا أوضح الغزالي (أن كل عقل لا يفي يتمهد هذه السُنة على قانون يشمل مصالح النوع جملة، ويخص حال كل شخص تفصيلا، إلاّ أن يكون عقلا مؤيد بالوحي مقيض للرسالة)، (الغزالي أ، 1409هـ، 134)..

   ويعد الإمام الغزالي إرسال الرسل والأنبياء الى البشرية رحمة بها حيث يقول (ومن رحمة الله سبحانه وتعالى لعباده، أن أرسل إليهم مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي يعلّمون الناس)، (الغزالي، د.ت.، 6-7133)، ابتداء من آدم عليه السلام الى محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لعلمه تعالى بحاجتهم – أي البشرية – الى هذه البعثة في دنياهم وآخراهم، (الغزالي، 1994، 104- 105).

    وقد تم بيان حاجة البشرية في الدنيا، أما في الآخرة، فهي دار الجزاء التي لابد لها من علم وعمل، وهذا العلم لا يتحصل إلا بواسطة تعليم من الله تعالى.  قال الغزالي (ولا شك أن أفضل المعلومات وأعلاها وأشرفها وأجلّها هو الله الصانع المبدع الحق الواحد، فعلمه هو علم التوحيد أفضل العلوم وأجلّها وأكملها… فعلماء علم التوحيد بالإطلاق هم الأنبياء وبعدهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء)، (الغزالي، 1994، 89).

    مما تقدم تتضح أهمية النبوة للبشرية عند الإمام الغزالي، فحيث أن عقل الإنسان محدود في إدراكه لعالم المحسوسات، من حيث لإدراك النافع والضار، وما يسعد السعيد ويشقي الشقي، وما أعدّ الباري سبحانه لعباده المؤمنين، او ما توعد به عباده الجاحدين، وحيث أن رسم الحدود بين الخير والشر والحق والباطل والصدق والكذب، لا يدركها إلاّ أصحاب حدود يعرفونها، كانت الحاجة الى أناس يدركون الحدود ويعلمون الناس وهم الأنبياء.

    وحيث أن الإنسان لم يخلق عبثا، كانت الحاجة الى ملة وشريعة لإصلاح البشر، يبلغ بها الناس عن طريق النبوة. ولأن الإنسان اجتماعي بطبعه محتاج الى التعاون، كان لابد من قانون يحافظ على مصالح النوع، وضعه الباري، يبلغ به البشر بواسطة النبوة. ومن رحمته سبحانه أن أرسل الأنبياء يعلمون الناس علم التوحيد ويعرفونهم بخالقهم كي يفوزون بالآخرة ويتجنبون العذاب.

ب – عند ابن سينا:

      ضرورة وجود النّبي، و بعثته واجبة عقلاً، عند إبن سينا، حيث يقول في ذلك:( أن النّبي من عند الله، وبإرسال الله (الرقب، د.ت.)، وواجب في الحكمة الإلهية إرساله، وأن جميع ما يسنه فإنما هو ما وجب من عند الله أن يسنّه، وإنما يسنّه من عند الله ..)، (ابن سينا، 1985، 343). ويربط ابن سينا بين العناية الإلهية والنبوة، فيقول (فلا بدّ في وجود الإنسان وبقائه من مشاركة، ولا تتم المشاركة إلا بمعاملة، كما لا بد في ذلك من سائر الأسباب التي تكون له، ولا بد في المعاملة من سُنة وعدل، ولا بد للسُنة والعدل من سان ومعدِّل، ولا بد أن يكون هذا بحيث يجوز أن يخاطب الناس ويلزمهم السُنة، ولا بد من أن يكون هذا انساناً)، (ابن سينا، 1985، 343).

ووجود النّبي – في نظره– أكثر حاجةً وأشدّ من وجود كثير من المنافع الدنيوية فوجوده أشدّ حاجةً من الحاجة إلى غنبات الشعر على الأشفار، وعلى الحاجبين، وتقعير الأخمص من القدمين، وغيرها من المنافع التي لا ضرورة إليها في البقاء الإنساني، ووجود النّبي تقتضيها العناية الإلهية، وليس من المعقول أن تقتضي العنايـة وجـود تلك المنافع وأمثالها التي لا ضرورة لها في البقاء، ولا تقتضي النّبـوة التي هـي أسُّها، إذ لولا النّبوة لما كأن هناك بقاء للنوع الإنساني، (ابن سينا، 1985، 339).

    أن وجود النّبي أكثر حاجةً وجود كثير من المنافع الدنيوية، وأشدّ حاجةً من الحاجة إلى أنبات الشعر على الأشفار، وعلى الحاجبين، وتقعير الأخمص من القدمين، وغيرها من المنافع التي لا ضرورة إليها في البقاء الإنساني، امر حق وهذا موافق لما ذكره أئمة أهل السنة في هذا الموضوع.

   ويرد على ابن سينا أن قوله فوجود النبوة واجب، وأن بعثة النبي واجبة عقلا، مما لا يقبل في حق الله تعالى، فالعباد لا يجوز لهم أن يوجبوا على الله شيء، أو يحرّموا عليه شيء، فالوجوب يجب أن يعلم بالسمع، والله هو الذي يوجب على نفسه، قال تعالى:( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة، الأنعام/من /54). ولا يلزم من كونه تعالى أوجب على نفسه شيئاً أن يكون فاعلاً بالإيجاب، أي لا اختيار له، لأنه سبحانه وتعالى أوجبه على نفسه باختياره ومشيئته، وأهل السنة والجماعة متفقون على أنه تعالى خالق كل شيء وربّه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئاً، لمنافاته مشيئة الله واختياره المطلق في مخلوقاته، ولأن في ترك هذا النوع من الواجب إمّا حصول مضرة أو فوات منفعة أو لزوم محال، والله تعالى يتنزه عن هذه كلها، لأنه لا ينتفع بإرسال الرسل، ولا يتضرر بترك إرسالهم، ولا يلزم من عدم إرسالهم محال اليه سبحانه وتعالى (الغزالي، 1962، 175).

د- عند الإمام النورسي:

    ينطلق النورسي رحمه الله في تبيانه لضرورة النبوة للبشرية من مداخل عدة، تدّل على إحاطته الواسعة بعلم الفقهاء الذين سبقوه، محاولا غسقاطها على الواقع الذي عاشه بما يتطلبه من تحديث لكي تلائم التطور الفكري الذي لحق بالفكر البشري إبان القرن العشرين، حيث (أن للمحيط الزماني والمكاني تأثيراً عظيماً في محاكمات العقول)، (النورسي، الكلمات، 2008، 254).

     الغاية الاولى من بعث النبوة عند الإمام النورسي هو تعريف العباد بخالقهم، فيقول (أن ما يعرف لنا ربنا هو ثلاثة معرفين بدلاء عظام: أوله: كتاب الكون، ثانيه: هو الآية الكبرى لهذا الكتاب العظيم، وهو خاتم ديوان النبوة صلى الله عليه وسلم، ثالثه: القرآن الحكيم). (النورسي، الكلمات، 2008، 252). وحيث أن القرآن قد نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، يبقى لنا معرفين بربنا هو الكون البديع بكل مخلوقاته وآياته والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت النبوة لتعرفنا بخالقنا.

    وحيث أن معرفة الخالق الحقة لا تكون إلاّ بتوحيده سبحانه وتنزيهه عن باقي المخلوقات ونبذ الشرك عنه، تأتي الضرورة الثانية للنبوة وهي تعريف العباد بالتوحيد، فبمعرض حديثه عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول بديع الزمان (اعلم أن هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهور في العالم بشؤونه العلوية، كما أنه برهان ناطق صادق على الوحدانية، ودليل حقٍ بدرجة حقانية التوحيد، كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية؛ بل كما أنه بدعوته وبهدايته سببُ حصول السعادة الأبدية ووسيلة وصولها، كذلك بدعائه وعبوديته سببُ وجود تلك السعادة الأبدية ووسيلة إيجادها ..)، (النورسي، الكلمات، 2008، 258).  فالنبوة جاءت لتحقيق السعادة للبشرية الابدية التي لن تتحقق إلاّ بمقتضى التوحيد الخالص للخالق سبحانه، والذي لا يتمكن العقل البشري من إدراكه إلاّ من خلال ضرورات النبوة.

      ومن ضرورات النبوة تعريف العباد بربوبية الخالق، يقول النورسي في هذا المجال (بل هم من الدلالين الذي يعلنون إجراءات الربوبية، ومن النظار الذي يشاهدون ويشهدون، ويكتسبون – في الانقياد للأوامر التكوينية – عبادات تناسب استعداداتهم. فهذه الوسائط لإظهار عزة القدرة وحشمة الربوبية)، (النورسي، المثنوي العربي، 2008، 39).

  كما تقتضي النبوة التعريف بتوحيد الألوهية ايضا حيث يقول (وهكذا فإن هناك دلائل أخرى …، كلها براهين قاطعة تبين “وظائف النبوة ومهامها” وتوضح أن الألوهية لا تكون إلاّ برسالة). (النورسي، الكلمات، 2008، 64).

   تنبع حاجة النبوة للبشرية كي تحافظ على الفطرة السليمة لدى البشر، يقول الإمام النورسي في هذا المجال (فلا يجد وجدانه الملهوف إلاّ الله سبحانه. وهو مضطر ايضاً الى تحري نقطة استمداد يستمد منها حاجاته التي لا تتناهى، ويسد بها فقره غير المتناهي، ويشبع آماله التي لا نهاية لها، فلا يجد في غمرة تحريه إلاّ الاستناد – من هذه الجهة – الى باب غني رحيم، فيتضرع اليه بالدعاء والتوسل. أي أن في كل وجدان نافذتين صغيرتين من جهة نقطة الاستناد والاستمداد، فيتطلع الإنسان منهما دوماً الى ديوان رحمة القدير الرحيم)، (النورسي، الكلمات، 2008، 810).  فالوجدان (أي الفطرة) السليمة تعرف الخالق، إلاّ أنّ فقر البشر غير المتناهي والآمال المتجددة له قد تحيد به عن الصواب، فيأتي دور النبوة للمحافظة على هذا الوجدان.

   وحيث أن ضرورات النبوة متعددة ومتنوعة لعموم البشر، تأتي النبوة كي تقوم بإيضاح الحكمة من خلقهم والوظيفة التي أنيطت بهم والمالات التي سيؤول اليها حالهم سلبا بالعصيان وايجابا بالطاعة والعبادة. يقول بديع الزمان في هذا المجال (أم هل يمكن ألا يبين مالك هذا الكون بوساطة رسول: ما الغاية من تحولات هذا الكون وما المقصد من هذا الطلسم المغلق؟ وألا يجيب بوساطته عن ألغاز الأسئلة الثلاثة المستعصية في الموجودات، وهي من أين؟ والى أين؟ ومن تكون؟  أم هل يمكن للخالق ذي الجلال الذي عرّف نفسه الى ذوي الشعور بهذه المخلوقات الجميلة، وحببها إليهم بنعمه الغالية، ألا يبين لهم بوساطة رسول ما يريد منهم وما يرضيه إزاء هذه النعم السابغة؟)، (النورسي، الكلمات، 2008، 64).

      نستنبط من ذلك أن الباري يبعث الرسل والأنبياء كي يبين الى العباد وظيفة خلقهم وهي العبادة على الشكل الذي يرضي الله سبحانه وشكره على نعمائه ومآل ذلك كله والمتمثلة باليوم الآخر، حيث (أنه لا يمكن بوجه من الوجوه أن تكون لسلطان عظيم مملكة مؤقتة – كأنها دار ضيافة – ثم لا تكون له مملكة أخرى دائمة مستقرة، ولائقة لأبهته وعظمته ومقام سلطنته السامية. كذلك لا يمكن بوجه من الوجوه أن لا ينشئ الخالق الباقي سبحانه عالما باقيا بعد أن أوجد هذا العالم الفاني)، (النورسي، الكلمات، 2008، 65).

  ويضيف (أن ثلث القرآن المبين يبحث في الآخرة والحشر، ويبني كل الدعاوى على تلك الحقيقة. كذلك جميع معجزات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الشاهدة على صدق نبوته وجميع حجج دلائل نبوته وجميع حجج صدقه تشهد على الآخرة والحشر، لأن أعظم ما دعا اليه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم طوال حياته كلها هو الآخرة. كما أن مائة واربعة وعشرين ألف من الأنبياء الكرام عليهم السلام قد دعوا جميعهم الى الحياة الباقية والسعادة الأبدية وبشروا البشرية بها)، (النورسي، الشعاعات، 2008، 638-639). هذه السعادة الأبدية تمثل رحمة الباري سبحانه (أن رحمة الرحمن الرحيم تبشر بقدوم أعظم الرحمة أعني السعادة الأبدية، إذ بها تصير الرحمة رحمة، والنعمة نعمة… إذ لو لم يجيء روح النعم أي السعادة الأبدية، لتحول جميع النعم نقما)، (النورسي، إشارات الإعجاز، 2008، 64).

    كما تنبع أهمية النبوة من حاجة المجتمع البشري الى نظام يحكم مسيرته ويأخذ بيده الى جادة الصواب، هذا النظام وضعه الخالق بما يليق بالمخلوق، ولابد من نقل طبيعة وأسس وأبعاد هذا النظام عن طريق نبي. فالنبوة والشريعة الإسلامية هما اللتين نظمتا الحياة البشرية وألجمت الاضطرابات الإنسانية، فيذكر الأستاذ في هذا المجال (أن القدرة الإلهية التي لا تترك النمل من دون أمير والنحل من دون يعسوب، لا تترك حتماً البشر من دون نبي، من دون شريعة.)، (النورسي، المكتوبات، 2008، 611).

    والإنسانية كي تحافظ على توازنها واستقرارها لابد لها من ضوابط من الصانع، بواسطة، فيقول النورسي في هذا المجال: (ولكن لتجاوز قوى الإنسانية على الآخرين.. بسر عدم التحديد .. تحتاج الجماعة إلى العدالة في تبادل ثمرات السعي .. ثم لأن عقل كل واحد لا يكفي في درك العدالة، أحتاج النوع إلى وضع قوانين كلية ثم لمحافظة تأثيرها ودوامها لابد من مقنن يجربها. ثم لإدامة حاكمية ذلك المقنن في الظاهر والباطن يحتاج إلى امتياز وتفوق .. مادةً ومعنىً ويحتاج أيضاً إلى دليل على قوة المناسبة بينه وبين مالك الملك صاحب العالم..)، (النورسي، صيقل الإسلام، 2008، 138).

    ثم يصل النورسي الى نتيجة مفادها (اعلم! أن حكمة الصانع الجليل.. وعدم العبثية في أفعاله.. ومراعاته النظام في أقل ما في العالم.. وعدم إهماله أخسّ ما فيه.. وضرورة حاجة البشرية الى مرشد.. كل ذلك يستلزم قطعاً النبوة في نوع البشر…) (النورسي، صيقل الإسلام، 2008، 136).

       مما سبق يمكن أن نحدد اسباب بعث الرسل والأنبياء الى البشرية، تكمن في تعريف العباد:

  1.  بالخالق سبحانه وتعالى.
  2. 2-      بالتوحيد.
  3. 3-      بتوحيد الربوبية وكذلك توحيد الالوهية.
  4. 4-      بالمحافظة على الفطرة السليمة وصيانتها من الانحراف.
  5. 5-      بمهمتهم في المعمورة من حيث العبادة والنهوض بواجب الخلافة.
  6. بالنظام الذي رسمه الباري لعباده لكي تسير البشرية على وفق طاعته.
  7. باليوم الآخر ومالات اعمالهم.
  8. بالابتعاد عن العبثية والمعصية.

الخاتمة:

    بعد هذه السياحة الموجزة في آراء بعض من علماء الأمة الإعلام، اتضح لنا بما لا يقبل الشك أن الإمام بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله، ذو دراية واسعة بالمدارس الفقهية الإسلامية على مرّ تطور الفكر الإسلامي، فكان مستوعبا لفكر حجة الإسلام الإمام ابو حامد الغزالي، وكان يقضا متنبها لمغالاة الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم ممن شذوا عن جمهور أهل السنة والجماعة.

   وأوضحت الورقة أن الإمام النورسي رحمه الله كأن موافقا لجمهور العلماء من حيث مفهوم النبوة، ومن حيث ضرورة بعثة الأنبياء والرسل الى البشرية، بروح عصرية تجديدية دون الخروج عن السلف ولكن من خلال استيعاب تطور العقل البشري حسب الزمان والمكان.

   كما وعى الإمام النورسي رحمه الله لانحرافات الفلاسفة في هذا الموضوع، ونبه الى خطأهم وضرورة تجنبه لأن ذلك يؤدي الى الخروج عن الإسلام، وحذر من مجاراة فساد الفلسفة التي مآلها الى شجرة الزقوم الخبيثة.

  لا أدعي أني أعطيت الموضوع حقه، ولكن الباحث نجح في إثبات فرضيته من حيث موافقة الإمام لآراء جمهور أهل السنة والجماعة. وأن كان هناك قصور فهو من عندي، حيث أن الاحاطة بكل ما جاء برسائل النور أمر ليس بالهين، والله الهادي الى سواء السبيل.

ترجمة الأعلام:

ابن سينا : كان عالماً وفيلسوفاً وطبيباً وشاعراً ولُقِّب بالشيخ الرئيس والمعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي، كما عرف بأمير الأطباء وأرسطو الإسلام، ولد ابن سينا في قرية (أفشنة) الفارسية في صفر من سنة 370 هـ. ثم أنتقل به أهله إلى بخاري، وفيها تعمّق في العلوم المتنوعة من فقه وفلسفة وطب، وبقي في تلك المدينة حتى بلوغه العشرين. ثم أنتقل إلى خوارزم، حيث مكث نحواً من عشر سنوات (392-402 هـ)، ومنها إلى جرجأن، فإلى الرّي. وبعد ذلك رحل إلى همذان وبقي فيها تسع سنوات، ومن ثم دخل في خدمة علاء الدولة بأصفهان. وهكذا أمضى حياته متنقلاً حتى وفاته في همذان، في شهر شعبان سنة 428هـ. وقد كفّر جمع من أهل العلم ابن سينا، بل حكم عليه بعضهم بالزندقة والإلحاد، ومن هؤلاء: أبو حامد الغزالي، لقوله بعدة عقائد فاسدة منها: قدم العالم، وعدم علم الله تعالى بالجزئيات، وأنكاره البعث الجسماني.

 الغزالي: هو محمد بن محمد بن محمد بن احمد الطوسي، ابو حامد الغزالي، ولد في عام 450 هـ في بلدة طوس، نشأ في كنف اسرة متصوفة فقيرة مات ابوه وهو صغير، دخل مدخل العلم منذ صغر سنه، وجاب الكثير من المدن طلبا للعلم، أنتظم في مدرسة الإمام الجويني، ظهر نبوغه في مجلس الوزير نظام الدين في بغداد فعينه في مدرسته، ناظر الفلاسفة ومختلف العلماء، له العديد من المؤلفات، تدرج ما بين الصوفية والاشاعرة، توفي في 505 هـ

  العقل الفعّال عند الفلاسفة: هو جوهر بسيط مجرد من المادة وعلائقها، المخرج لنفوس الآدميين في العلوم من القوة إلى الفعل، ونسبته إلى المعقولات والقوة العاقلة، نسبة الشمس إلى المبصرات والقوة الباصرة، إذ بها يخرج الإبصار من القوة إلى الفعل (صليبا،1973، 2/84-85).

قائمة المصادر والمراجع:

1- كتاب النبوات،  دار الكتب العلمية، بيروت، لبنأن، 1985،

2- درء تعارض العقل والنقل، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، ط1، 1403هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية،

3-        راضي، ياسر اسماعيل، النبوة وضرورتها للإنسانية في القرآن بمنظور رسائل النور، متاح على موقع رسائل النور.

4- ابن سينا، رسـالة في إثبـات النبوات وتأويل رموزهم – ضمن مجموعة تسع رسائل في الحكمة – لابن سينا – مطبعة هندية- مصر- 1326هـ- 1908م،

5- النجاة، دار الآفاق الجديدة – بيروت- الطبعة الأولى:1405هـ- 1985م– تحقيق د. ماجد فخري           

6- صليبا، جميل المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني – بيروت- الطبعة الأولى 1973م

7- الغزالي، أبو حامد، اب مجموعة الرسائل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1409ه

8- معارج القدس في مدارج معرفة النفس، دار الكتب العلمية، ط1، 1409هـ،    

9-معيار العلم، تحقيق د. سليمان دنيا، دار المعارف بالقاهرة

10- إحياء ابو حامد، علوم الدين، صحح بإشراف الشيخ عبد العزيز عز الدين السيروان، دار القلم، بيروت، ط3،

11-     النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور، ترجمة لجنة الترجمة والبحوث العلمية دار الخيرات للنشر، ط2(2012)، إسطنبول.