Press "Enter" to skip to content

THE HUMANE DIMENSION IN THE THOUGHT OF IMAM NURSI



Abstract

The paper tries to expose and to present the features of Imam Nursi’s thought. It tries to shed light on the humane dimension of Imam Nursi’s concept of worship. The writer accentuate the importance of man in this universe according to Imam Nursi.

The method adopted in the article is the analytic method. In his prolonged article, the writer makes the grade in exposing the estimated role of Nursi in evaluating the status of human being in this universe.

Keywords: Humane Dimension, Nursi, Universe



البعد الإنساني في مشروع الإمام النورسي

د.عبد الصمد الرضى

أستاذ باحث- المغرب

المستخلص

إن هذه المقالة تحاول أن توضح وتعرض مظاهر ومميزات فكر الإمام النورسي، وتحاول إلقاء الضوء على البعد الإنساني لمفهوم العبادة عند الامام بديع الزمان سعيد النورسي.

إن الباحث قد أكد على أهمية دور الإنسان في هذا العالم بحسب ما ذهب إليه الإمام. إن المنهج الذي اتبعه الباحث في مقالته هو المنهج التحليلي. وفي مقالته الطويلة، فإن الباحث قد تميز غاية الامتياز في عرضه لدور الإمام النورسي في تقييم واعتبار مكانة الإنسان في هذا العالم.

الكلمات المفتاحية: البعد الإنساني، النورسي، العالم

تقديم

مشروع الإمام النورسي مشروع إنساني فريد ورديف في بعده الإنساني، فريد من حيث تميزه الخاص في الزمان والمكان الذين ظهر فيهما، وأثر فيهما أيما أثر، ورديف التجديد المتراكم الذي قام به الأنبياء والمرسلون وختموا بالبعد الإنساني الكمال المتجسد في سيدنا محمد، وكذا الصالحون الأولياء المجددون من أمة النبي الرحمة للعالمين عليه صلاة ربي وسلامه..

الإمام النورسي رحمه الله تعالى واحد من المجددين الذين بشر بهم الرسول، ونرى أن كل تجديد سابق يفضي لتجديد لاحق يشيد صرح بناء إسلامي متكامل، وإن جميع المجددين كانوا ذوي بعد إنساني في التفكير والعمل، ولم يكن بديع الزمان بدعا من هذه القاعدة.

 لقد نظر النورسي رحمه الله تعالى إلى الإنسان من خلال التدبرات القرآنية الشمولية في نسق كلي منسجم يفضي بالإنسان إلى الكمالات المتاحة له بالعطاء الرباني ابتداء، وبالكسب العملي في هذه الحياة. وهو بذلك النظر التبصري يتميز عن النظرات القاصرة التي لا ترى فيه إلا آلة لاستهلاك المتعة والشهوة ولو على حساب أخيه الإنسان.

إنّ الحقيقة القرآنية للإنسان التي رشف منها النورسي غاية في التمايز عن النظرة المادية الشائعة بين بني البشر،

وبهذا تتميز كل أعمال الإنسان وحركاته، سواء باعتباره فردا أم جماعة، كيانا ماديا أومعنى لطيفا بكونها عبادة لله تعالى، وذاك أحد أوجه الاستخلاف كما يبينه قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). (القرآن الكريم: 51/56)

فكمال العلم وكمال الخلق المؤسسين على كمال الإيمان هي الركائز الثلاث التي بنى عليها النورسي مشروعه التكريمي للإنسان في بعدين متوازيين، بعد عبادة الله وإفراده بذلك، وبعد تّعمير في الأرض وحسن الاستخلاف فيها.

      ـ بعد العبادة الممثلة في الشعائر التي هي ” خيط وصالٍ يحوّل وجه الإنسان من الفناء إلى البقاء، ومن الخلق إلى الحقّ، ومن الكثرة إلى الوحدة، ومن المنتهى إلى المبدأ، أو هي نقطة اتصال بين المبدأ والمنتهى”. (النورسي، 2012: 222)

     ـ وبعد التّعمير الذي يجعل من هذا المخلوق المكرم على الله تعالى ذي الصنعة البديعة خليفة لله تعالى جل شأنه معمرا للأرض:” فالإنسان الكامل هو من يجعل القلبَ -كالصحابة- يسيرُ بشجاعة في نطاق واسع جامع إلى المقصد بجنود مكونة من اللطائف، وكأنه قائد يسوق كل تلك اللطائف إلى جانب الحقيقة في طريق العبودية المخصوصة لكل واحدة منها، وإلا فإن سير القلب وحده تاركًا جنوده لكي ينقذ نفسه فقط، ليس مدارَ افتخار بل نتيجة لاضطرار” (النورسي،2011: 117)تعبير غاية في البيان عن العبادة القلبية لا تكتمل صورتها إلا بالعبادة الجارحية ومنها السعي الدؤوب للعمل والإثمار الدنيوي والأخروي. 

هذه الكمالات الجمالية الجلالية هي التي تؤهل الإنسان لأن يصبح أهلاً للخطاب الإلهي، هي جوهر الإنسانية وملاك أمرها، فلا بد من الإقرار بأن الدين له القول الفصل في صلاح الحياة الإنسانية وفسادها، وأن الشريعة الإلهية ـ الكونية والشرعية ـ هي سبيلُ حصول الكمال النفساني للإنسان وجعله الكائنَ المتفرِّد الذي يسود الخلائق الأجمعين، ويتميز عن العالمين “فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت الكمال فالله هو المستحق له على الكمال. وكل ما في غيره من محبوب فهو منه سبحانه وتعالى. فهو المستحق لأن يُحب على الحقيقة والكمال. وإنكار محبة العبد لربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودا. كما أن إنكار محبته لعبده يستلزم إنكار مشيئته، وهو يستلزم إنكار كونه ربا خالقا. فصار إنكارها مستلزما لإنكار كونه رب العالمين، ولكونه إله العالمين. وهذا هو قول أهل التَّعطيل والجمود” (عبد السلام ياسين :170)

هذا، ولم يكن النورسي في بعده هذا نظرياً حالماً، أو محلّلاً فلسفيّاً مجردا، بل كان صاحب مشروع تربوي تجديدي واقعي عملي ذي بعد إنساني عملي شامل من خلال رسائل النور التي هي في حقيقتها نداء لطلاب النور أصالة ولكل إنسان تبعا.

هذا البعد الإنساني يُظهر حدَبَ النورسي على الإنسانية قاطبة؛ فالإنسانية بحسبه هي الرابطة الأم التي لا ينبغي للإنسان المؤمن ألا يتنكَّر لرَحِمِها بانصرافه عن مقتضيات التآخي والتراحم التي ينبغي أن تربط الإنسان بأخيه الإنسان، إذ أن الرؤية القرآنية بمنطلقاتها العالمَية هي دعوة صريحة لتحقيق غايات إنسانية مشتركة بين البشر جميعاً، وتتلخص في ” إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة”.

البعد الإنساني في مشروع  الإمام النورسي رحمه الله تعالى ممايز كامل الممايزة للبعد الإنساني في مشروع «العولمة»، الذي يكون  الإنسان بموجبه مجرد آلة مسخرة لا روح فيه، وعبارة عن بضاعة مصوغة في قالب واحد وفريد مفروض اليوم على شعوب العالم، يقول رحمه الله تعالى:” وظلَّت عيناه تخايلان غد الإسلام الأغر الذي سوف تتفيَّأ الإنسانية قاطبة ظلاله الوارفة الرحيمة، والذي يجعل من الإنسان لا ” أجل؛ اعلم يقينًا أن الحقيقة العالية الساطعة التي بيُّنت في هذه الرموز الخمسة والإشارات الخمس لا تُشاهَد إلا بنور القرآن، ولا يمكن امتلاكها إلا بقوة الإيمان، وإلا فستحلّ ظلماتٌ ظلماء حالكة محلَّ هذه الحقيقة الباقية، فالدنيا بالنسبة لأهل الضلالة مليئةٌ بالفراق والزوال، وطافحةٌ بالعدم، ويصبح الكون جهنم معنويةً بالنسبة لهم، فكل شيء عدمٌ بالنسبة لهم، إذ يحيط به وجودٌ آني وعدم غير محدود، والماضي والمستقبل كلُّه بالنسبة لهم مليءٌ بظلمات العدم، ولا يجدون إلا نورَ وجودٍ حزين في الحاضر القصير جدًّا، أما بسر القرآن ونور الإيمان فسيشاهَد نورُ وجودٍ من الأزل إلى الأبد، فيرتبط به الإنسانُ ويحقق به السعادة الأبدية” (النورسي،2011: 89)

تسعى هذه الورقة البحثية لمقاربة هذا الموضوع من خلال ثلاثة جوانب أساسية في مشروع الإمام في هذا الصدد:

أولا: من حيث الماهية والحقيقة

ثانيا: من حيث شرف أمانة الاستخلاف

ثالثا: من حيث كمال الغاية وخلود والمآل.

أولا: من حيث الحقيقة والماهية

لحقيقة الإنسان وماهيته في الثقافة الغربية صولة شديدة الوقع في زحمة التدافع الحضاري، لا ترى فيها إلا بُعدا وحيدا هو البعد المادّي، سواء في طبيعة تكوينه وأصله () أو في مهمّة وجوده أو في مصيره، هذه الصولة واجهها الإمام النورسي بصولة مضادة مبنية على الحقيقة القرآنية، ويبشّر به النّاس عامّة والمسلمين خاصّة.

 ولتحقيق هذا الهدف اختار الإمام النورسي منهج المقارنة  لكلّ من الرّؤية القرآنية لحقيقة الإنسان، والرّؤية الفلسفيّة المعبّرة عن وجهة الثقافة الغربيّة، فإما أن يكون في أحسن تقويم أو في أسفل سافلين: “إن الإنسان قد أرسل إلى هذه الدنيا كمعجزة للقدرة ونتيجةٍ للخلقة وأعجوبةٍ للصنعة، أُلْقِي به في ميدان امتحان وفُتِحَ أمامه طريقان يؤدِّيان إلى ما لا نهاية له من السقوط والصعود؛ بحيث يمكن أن يتأرجح بين مقامات ومراتب ودرجات ودركات رُصَّتْ وَاصْطَفَّتْ من أسفل سافلين إلى أعلى عليين ومن الفرش إلى العرش، ومن الذرة إلى الشمس؛ لأنه خُلق في أحسن تقويم، وأُعطي استعدادًا جامعًا للغاية”. (النورسي ،2012: 160)

الرؤية القرآنية تحتفي بالإنسان وتجعله يملك ما به يترجح على الملائكة في إقامة الخلافة:” فهذه الآية تذكر(وعلم آدم الأسماء كلها)  -أولا- في مسألة خلافة آدم عليه السلام حادثة جزئية وهي أن له علما يجعله يترجح على الملائكة، ثم بعد ذلك يذكر ضمن تلك الحادثة حادثة مغلوبية الملائكة من ناحية العلم أمام آدم عليه السلام، ثم يُمِل هاتين الحادثتين باسمين كليين من الأسماء الحسنى، أي ﴿أَنتَ الْعَلِيمُ الْحكِيمُ﴾ أي ولأنك أنت العليم والحكيم؛ لذا علَّمت آدم فغلب علينا، ولأنك أنت الحكيم تعطينا وتمنحنا حسب استعداداتنا، وتعطيه وتمنحه رجحانية حسب استعداداته” (النورسي،2017: 76)

 وعليه فالرؤية المادية للإنسان تجعله سفليا بمقتضى إعماله للعلم والحكمة الممنوحة له في غير مستحقها:” فمثلاً: الكفر شر وتخريب وعدم تصديق، إلا أن تلك السيئة الواحدة تتضمن تحقير جميع الكائنات، وتزييف جميع الأسماء الإلهية، وإهانة الإنسانية كافة؛ لأن لهذه الموجودات مقامًا عاليًا ساميًا ووظيفة مهمة؛ إذ إنها مكتوبات ربانية، ومرايا سبحانية، وموظفات ومأمورات إلهية، والكفر يُسقِطها من مقام كونها مرايا وموظفات ودالة على معانٍ ومغازٍ جمة) 1(، كما أنه يُنْزِلها إلى دركة لعبة العبثية والتصادف وإلى مواد فانية تتفسخ وتتغير سريعًا بتخريب الزوال والفراق وإلى مرتبة التفاهة والحقارة والعدم،…كذلك يُزَيِّف بالإنكار الأسماء الإلهية التي تَظهر وتتراءى نقوشها وتجلياتها وجمالها على كل الكائنات ومرايا الموجودات، ويقذف بمن هو صاحب مرتبة الخلافة الأرضية التي تسمى بالإنسانية، ومن هو قصيدة حكمة منظومة تعلن عن تجليات كل الأسماء القدسية الإلهية بأحسن صورة، ومَن هو معجزة باهرة للقدرة كبذرة جامعة لأجهزة شجرة باقية، ومَن تفَوَّقَ على الأرض والسماء والجبال بتحمله الأمانة الكبرى، ومَن اكتسب رجحانا على الملائكة؛ يقذفه – الكفرُ – إلى دركةٍ أذل وأضعف وأعجز وأفقر من دركةِ أذل حيوان فانٍ زائلٍ، ويهوي به إلى دركة لوحة بسيطة مُشَوَّشَة لا معنى لها، تَفسُد وتَخرُب سريعًا.”  (النورسي،2012: 161ـ162). الكفر قي حقيقته ـ حسب النورسي ـ تحقير بيّن للكائنات كلها، وإنكار لما يشاهد من أنوار الأسماء الحسنى كلها، والعلاقة بين الإنسان وحريته قائمة في إطار هذه الحقيقة؛ فالإنسان إما أن يكون منسجما مع مقتضيات ماهيته، مجسداً لحريته الحقَّة، فائزاً بسعادة الدارين، فليست الدنيا إلا قاعة انتظار لجنته؛ وإما أن يكون غافلا عن هذه الحقيقة مقيداً بأنانيته، سجيناً في دنياه حقيقةً ومعنىً، حتى لو كان يتمتع ظاهرا بالملذات والشهوات في بحبوحة النعيم.

 إن خَلْع رِبقة الدين ليس معناه إلا الانحراف عن الماهية، وهذا سيؤدي حتما إلى فقد الحرية من خلال وقوع الإنسان أسير نفسه وشيطانه وهواه، يقول النورسي رحمه الله:” ونتيجة الكلام: إنك إن أصغيت إلى النفس والشيطان؛ فستسقط إلى أسفل السافلين، أما إن استمعت إلى الحق والقرآن؛ فستَسْمُو إلى أعلى عليين، فتكون أحسن تقويم للكائنات. ” (النورسي، 2012: 173.)

إن حياة الإنسانية بدون الدين الحق لا معنى لها تستحيل جحيما وسجنا رهيب:” فإذا أردت أن تدرك حقيقةَ هذه الدنيا وما فيها من الروح الإنسانية وماهيَّةَ الدين وقيمتَه عند الإنسان، وأنه لولا الدينُ الحقُّ لكانت الدنيا زنزانةً وأن الشخص المنكر الملحد أشقى مخلوقٍ، وأن] يَا اَللهُ [و] لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللهُ [تكشف وتَحلُّ طَلْسَمَ هذا العالَم؛ وتنقذ روح البشر من الظلمات” (االنورسي،2012: 32(

   وفي سبيل مزيد من توضيح هذه الصّورة بطريق المقارنة، يوازن النورسي بينها باعتبارها صورة لحقيقة الأنا الإنسانيّة، جاءت تبشّر بها الرؤية القرآنية النّبوّية، وبين الصّورة التي جاءت تبشّر بها الفلسفة، وهي صورة تمثّل وجهاً مناقضاً للوجه القرآني النّبوي، إذ الفلسفة ” فمن أجل ضلال الفلسفة التي لم تطع الدين قد أخذ “أنا” زمام نفسه بيده وجرى وراء كل نوع من أنواع الضلالة، فنشأت ونمت شجرة زقوم على رأس “أنا” الذي في هذا الوجه، حتى شملت أكثر من نصف عالم الإنسانية” (النورسي،2012: 311)

إنّ الحديث عن حقيقة الكينونة الإنسانيّة ليست قيمته في ذاته فحسب، بل قيمته أيضاً فيما ينشأ عنه من آثار عمليّة في السّلوك الفردي والاجتماعي، وذلك ما كان النّورسي يعمل دوماً على تبيانه والوقوف على تجلياته الواقعية. 

ومن الآثار العملية لهذه القضية الأثر المعرفي، فالإنسان لمّا يكون معتبراً نفسه أثراً لله تعالى، متقوّماً في وجوده به، ورامزاً بكينونته إليه، فإنّه يفيض عليه من النّور ما يستطيع به أن يكشف عن الحقائق الكونيّة المحيطة به؛ إذ تلك الحقائق هي ذاتها مطبوعة ٌبنفس ما الذّاتُ الإنسانية مطبوعة به، فيفضي ذلك التّجانس البديع إلى استقبال صحيح من قِبل النفس لمظاهر الكون، فتتمّ المعرفة الحقّة. (  الرحمن *علم القرآن (  .(القرآن الكريم، الرحمن 1-2)

وإذن فإنّ النّفس الإنسانيّة حينما يقع فيها أنّها ظلّ للوجود الأعظم؛ فإنّها تستقبل الإشارات المعرفيّة الكونيّة بما يحوّلها إلى معرفة حقّ، أمّا حـينما يقع فيها أنّها قائمة في وجودها بذاتها فإنّها تعجز عن ذلك الاستقبال، فتضطرب عليها المعارف، ويفوتها تحصيل الحقائق.

الرؤية القرآنية النبويّة لكينونة الإنسان بما تقوم عليه من الرّمزيّة للموجود الأعلى تثمر في النّفس العبودية للّه الواحد، إذ هي بتلك الرّمزيّة والظّلّية تثمر في النّفس بالنّسبة لمن يؤمن بها إيمانا بـ” أنّ أن غاية الإنسانية ووظيفة البشرية هي التحلي بالأخلاق الإلهية، وبالسجايا الحسنة، وأن يعلم الإنسان عجزَه فيلتجئ إلى القدرة الإلهية، وأن يرى ضعفَه فيستند إلى قوة الله، وأن يرى فقرَه فيعتمد على الرحمة الإلهية، وأن يشعر بحاجته فيَستَمِدَّ من الغِنَ الإلهي، وأن يرى تقصيرَه فيستغفرَ الله راجيًا عفوَه، ويرى نقصَه فيسبِّحَ الله ذا الكمال دائمًا. ” (النورسي،2012: 311)

وتلك هي العبودية لله تعالى في صورتها المشرقة، كينونة الإنسان تابعة للوجود الحقّ وظلاّ له، يسعى إلى التّخلّق بأخلاق الله، وهو ما ينتهي إلى التّوحيد الحقّ، عكس ما تريده منه الفلسفات الوضعية التي جعلت ـ الغاية القصوى لكمال الإنسانية هي ” تأله الإنسان نفسه ” فأطلقوه حكماً فرعونياً طاغياً، ومهّدوا الطريق لكثير من الطوائف المتلبسة بأنواع من الشرك، أمثال: عَبدة الأسباب، وعَبدة الأصنام، وعبدة الطبيعة، وعبدة النجوم؛ وذلك بتهييجهم ” الأنانية ” لتجري طليقة في أودية الشرك والضلالة، فسدّوا سبيل العبودية إلى الله، وغلّقوا أبواب العجز والضعف والفقر والحاجة والقصور والنقص المندرجة في فطرة الإنسان، فضلوا في أوحال الطبيعة ولا نجوا من حمأة الشرك كلياً، ولا اهتدوا إلى باب الشكر الواسع . فيا سبحان الله! ما أعجب هذا الإنسان! إن الموجودات قاطبةً من الذرات إلى الشموس لتدل دلالة واضحة على إرادة الخالق الحكيم؛ بتعيُّناتها، وانتظامها، وحِكَمها، وموازينها، كيف لا تراها عينُ الفلسفة؟ أعمى الله أبصارهم!  فمثلاً: أطلقت طائفة من الفلاسفة على الله سبحانه وتعالى: اسم “الموجب بالذات” فنفوا الإرادة والاختيار منه تعالى، مكذّبين شهادة جميع الكون على إرادته الطليقة…. وادّعت … أن العلم الإلهي لا يتعلق بالجزئيات”، نافين إحاطة علم الله سبحانه بكل شيء، رافضين شهادة الموجودات الصادقة على علمه المحيط بكل شيء”. (النورسي،2012: 316)

وهذه مزية أخرى ندرك من خلالها سعة اطلاع بديع الزمان النورسي رحمه الله تعالى على تراث الفكر الإنساني عموما والفلسفي خصوصاً، فلقد مهد هؤلاء الفلاسفة لمسخ إنسانية الإنسان التي تنبني على حاجته المطلقة إلى خالقه.

إن حقيقة إنسانية الإنسان هي حين يدرك تمام الإدراك أنه عاجز فيلتجئ إلى قدرته تعالى، وأنه ضعيف فيحتمي بقوته تعالى، ويشاهد فقره فيلوذ برحمته تعالى، وينظر إلى حاجته فيستمد من غناه تعالى، ويعرف قصوره فيستغفر ربه تعالى، ويلمس نقصه فيسبّح ويقدّس كماله تعالى. (النورسي،2012: 642)

   فبناء الإنسان في الرؤية القرآنية بناء على العبودية لله تعالى، لأنه السبيل الأوحد لبناء صرح الإنسان المكرم المستخلف.

وهي في الرؤية الفلسفيّة المنكِرة للدين وجود معناه في ذاته، وهو دالّ على نفسه بنفسه.

ومن هنا نجد الفرق البَّين، والتناقض الصارخ بين الحضارة الغربية ـ المعتمدة على الرؤية الفلسفية ـ والحضارة الإسلامية ـ المستندة إلى الرؤية القرآنية النبوية ـ، فالحضارة الغربية تقوم على الأنا المتشبه بالخالق “الله”، والحضارة الإسلامية تقوم على الأنا المتصفة بصفات الله، الخاضعة لأمر الله، المستمدة منه سبحانه، المنسجمة مع هذا الكون العظيم، بحيث تعمل جميع الطاقات الإنسانية عملها الذي خُلقت من أجله، وفي الوقت ذاته يبلغ الإنسان أقصى كماله الإنساني المقدَّر له.

نعم إنه الإنسان الفطري المُكرَّم الذي خلقه الله ليستخلفه في الأرض، فينطلق فيها بالخلافة والعمران على حدود طاقاته واستعداداته، وفضائله ورذائله، وضعفه وقوته، وشِرَّته وفترته …، مستجيباً للأمر القرآني: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). (القرآن الكريم: 30/ 30.)

استناداً إلى هذه الخاصية القرآنية جاءت رسائل النور موجِّهة الأبصار والبصائر نحو حقيقة أوَّلية ذات أهمية بالغة تُفيد أن الإنسان مخلوق متميز، فهو أشرف المخلوقات وأنه خُلق أحسن خلق وأكمله بإرادة هادفة، وزُين وزود بأحاسيس مادية ومعنوية عديدة، بحيث وُهبت له استعدادات واسعة ورغبات لانهاية لها بوَّأته منزلة استحق فيها أن يكون مخاطَباً من قِبَل الله عز وجل، لذا فرسائل النور تشير إلى الرغبات الغير المحدودة للإنسان، وتقيمه من كافة نواحيه المادية والمعنوية، مستشعِرة ضعفه الذاتي وتَوَقانه الفطري إلى الأبد والخلود والسُّمو.

 فعلى هذا النحو الرَّاقي المتوازن يشير بديع الزمان النورسي إلى: ” إن الإنسان ضعيف، كثيرةٌ بلاياه، وهو فقيرٌ كثيرُ الاحتياجات، وهو عاجز وعبءُ حياتِه ثقيل جدًّا، فإن لم يستندْ إلى القدير ذي الجلال ولم يتوكل عليه، ولم يعتمد عليه ولم يستسلم له، يبقَ وجدانه في عذاب دائم، وتُغرِقه المشقاتُ والآلامُ والحسراتُ والأحزانُ دون فائدة أو ثمرة؛ وتجعلُه إما سِكِّيرًا ثَملاً أو حيوانًا مفترسًا متوحشًا. “. (النورسي،2012: 24)

من هنا فإن كلَّ رؤية لا تتناول الإنسان من نواحيه المادية والمعنوية معاً رؤية ناقصة لا تناسب طبيعته المتميِّزة، وأهدافه الغائية، فهي بعيدة كل البعد عن أن تُحققَ له السعادة والهناء في خاصيَّة نفسه، وفي الأسرة وفي المجتمع.

إنه حيوان، وماهيته هذه «الحيوانية»، ومن زاويتها يُنظر إليه ويتعامل معه، ويُفسر سلوكه الفردي، وتُحدد علاقاته الاجتماعية، وبالتالي فإن غاية مثل هذا الإنسان تأمين احتياجاته الشخصية، ونزواته النفسية، ومحاولة العيش بأفضل صورة في حياته المحدودة في هذه الدنيا.

لقد سارت المدنية الغربية ـ كما يقول النورسي ـ بالإنسان نحو طريق الاستعباد المادي، ذلك لأنه بدل أن يُهيئ الرقي الحضاري والإنجاز الصناعي والمعرفي فضاء من الإيمان يثبت الصلة الوثيقة بين الخالق والمخلوق، فإن هذه المنجزات الهائلة قد دفعت بالإنسان المادي إلى الاعتداد بمكاسبه وبقدراته؛ فصار يلهث وراء روحية تكديس الأشياء والمتع والملذات، متنكراً لصانعه وخالقه، وركن إلى اعتداد مَرَضي بذاته، جعله أشد المخلوقات ظُلماً لنفسه وغيره، وهذا ما صرح به النورسي بقوله: ” اعلم!  أن أظلم الخلق هو الإنسان. فانظر ما أشده ظلماً! فلشدة حبه لنفسه لا يعطي الأشياء قيمة إلا بمقدار خدمتها لنفسه، وينظر إلى ثمرتها بمقياس نفعها للإنسان، ويظن العلّة الغائية في الحياة عين الحياة. كلا، إن للخالق في كل حي حِكَماً تدق عن العقول”. (النورسي،2009: 280.)

 لقد اعتبر النورسي داء الأنانية من أخطر ما أصاب الإنسان المادي من عِلل وأسقام أفرغته من جوهر إنسانيته، وأحالته وقوداً للآلة الصماء، وعبدا ذليلا لمُثُل أفرزتها المدنية الجاحدة والتعاملات المالية المسعورة، فانغمس في عالم الكسب الخسيس والهيمنة الشرسة، ونسي مواعيده الروحية التي قررها له مَن خلقه في أحسن تقويم.

إنه العبث المادي الذي تختنق في ظُلماته الكالحة روح الإنسانية، بل يهددها بالنكسة والتراجع إلى البربرية والوحشية على الرغم من ضخامة الإنتاج المادي والفتوح العلمية والثورة الصناعية، وذلك ما استشعر عواقبه الوخيمة حتى فضلاء الغرب من غير المتدينين أمثال الفيلسوف الوجودي (سيوران)، إذ قال: “إن المدنية تعلمنا كيف نتعلق بالأشياء مع أن من واجبها أن تلقننا فن التخلي عن الأشياء… إني أستولي على شيء وأحسب نفسي سيداً له، والواقع أني عبدٌ له، كما أني عبدٌ للآلة التي أصنعها وأديرها.”.( عشراتي سليمان، 240-244.) وهذا الدكتور الفرنسي (ألكسيس كاريل) الحائز على جائزة نوبل عام 1912م لأبحاثه الطبية الفذة، يؤلف كتابا بعنوان: «الإنسان ذلك المجهول» ضمنه شهادة ضد الحضارة المادية الغربية، لقتلها أهم خصائص الإنسان؛ من أهم ما جاء فيه، قوله:” يجب أن يكون الإنسان مقياساً لكل شيء، ولكن الواقع هو عكس ذلك، فهو غريب في العالم الذي ابتدعه! إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه، لأنه لا يملك معرفة عملية بطبيعته… ومن ثَمَّ فإن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي عانت منها الإنسانية، فالبيئة التي ولدتها عقولنا واختراعاتنا غير صالحة لا بالنسبة لقومنا ولا بالنسبة لهيئتنا، إننا قوم تعساء، ننحط أخلاقياً وعقلياً…”. (أسعد فريد، 2003، 41)

 هكذا هو الإنسان في تصور الفلسفة المادية، مخلوق ذو طبيعة دوابيته يسعى بفلسفته إلى فنائه، بل إلى بقائه معذبا أبدا، فماذا عساها الفلسفة أن تُقدم لروح الإنسان المشتاق للبقاء؟ وأية كمالات تستطيع هذه الفلسفة تزيين الإنسان بها؟ وماذا أعطت وماذا قدمت لأنصارها حتى الآن غير التيه الفكري، واليأس النفسي، والغبن الوجودي، والضجر الروحي المردي؟ وماذا يمكن أن ننتظر منها غير هذا بعد الآن؟!

لقد أصيبت عقول الفلاسفة بالعقم والوبال المُخزي، لأنهم إنما انبعثوا من أسس مناقضة لفطرة الإنسان، وسنة الله تعالى: “أنهم صنفوا أنفسهم، وهم العقلاء الخبراء، مع الدواب. حيوانيتهم لهم بادية، والشبَه تشهد به علوم البيولوجيا والفزيولوجيا، ومُسْتَحثّات الحفائر تؤلِّف تسلسلا يعرفه جيدا علم البليونتولوجيا وفي خدمته علوم مدقِّقة لها آلات من آخر ما اكتشفه العقل البشري مثل طرائق تأْريخ العظام الحيوانية والآثار النباتية، ومثل الميكرسكوبات البصرية والإلِكترونية واللازيرية، ومثل التصوير بالراديو واللازر… (عبد السلام ياسين :137)

في المقابل، نجدُ الرؤية القرآنية، المستحقة لصفة الإسلامية، سلكت مساراَ موافقاً للطبيعة التكوينية للإنسان، وللحاجات الحقيقية لبني الإنسان، وللقيم الصحيحة التي ينبغي أن تصطبغ بها الحياة الإنسانية الكريمة، فأودعت قلب الإنسان إيمانا وطمأنينة وعقله حِكمة ورجاحة، وجسمه صلابة وعافية؛ فبالإيمان يكتسب الإنسان المؤمن حركية تختلف في كيفها عن حركية المادي الجاهلي، وترمي لغاية هي من وراء الحس ومن وراء زمن الدنيا ومن خلالها أيضا.

وبالعقل الحكيم يكتسب المؤمن جهازاً مدبراً مجتهداً، يخوض به غمار الفتنة، ويقتحم لُجَّة عقبتها، ليقترح الحلول الناجعة والتشريعات البديلة، التي تُغالب تيار المادية، وتمهد لنورانية الإسلام، لتغزو دار الفكر وساحة العمل ساطعة من التصور الإسلامي الأصيل المستقل ببوارق الإيمان والإحسان.

وبالأجسام الصلبة، أجسام الرجال، ينفذ المؤمنون خطة جهادهم وحصيلة اجتهادهم، لا يسكنون لزخارف الدنيا إلا استجماماً وإعداداً لعزمة جديدة ونَصَب جديد في طريقهم القاصد، دار الكرامة في الدنيا وعند الله.

يشرح بديع الزمان ـ الذي أخذ دروسه من القرآن ـ هذا المعنى الشامل المتكامل، الذي ينفذ إلى أغوار طبيعة الإنسان، ويعترف بكل جوانبه وخصائصه، دون ميل أو شطط، ليصبح ـ أي الإنسان ـ بموجب كل هذا سلطاناً مهيمناً على الكون، رغم صغره وحقارته، فيهتف: “نعم أيها الإنسان، إنك من ناحية جسمانيتك النباتية ونفسك الحيوانية جزء صغير، وجزئي حقير، ومخلوق فقير، وحيوان ضعيف؛ بحيث إنك تترنح وتتماوج في أمواج جميع هذه الموجودات السيّالة المذهلة، ولكنك من ناحية الإنسانية التي تتكمل بنور الإيمان الذي يتضمن ضياء المحبة الإلهية، وبالتربية المنوّرة للإسلام سلطانٌ في عَبديتك، وكليٌّ في جزئيتك، وعالمٌ في صغرك، وناظرٌ ومشرفٌ في حقارتك، دائرة نظارتك وإشرافك واسعة، ولك مقام عظيم؛ حيث يمكنك أن تقول: إن ربي الرحيم قد جعل الدنيا مسكَنًا ومأوىً لي، وجعل الشمس والقمر مصباحًا لمسكني هذا، والربيعَ باقة ورد، والصيفَ مائدة نعمة، والحيوانات خدمًا، والنباتات لوازمَ مزينة لمسكني هذا.

“نعم أيها الإنسان! إنك من جهة جسمك النباتي ونفسك الحيوانية جزء صغير وجزئي حقير ومخلوق فقير وحيوان ضعيف، تخوض في الأمواج الهادرة لهذه الموجودات المتزاحمة المدهشة. إلاّ أنك من حيث إنسانيتك المتكاملة بالتربية الإسلامية، المنورة بنور الإيمان المتضمن لضياء المحبة الإلهية، سلطانٌ في هذه العبدية، وأنك كليٌ في جزئيتك، وأنك عالَمٌ واسع في صغرك، ولك المقام السامي مع حقارتك فآنت المشرف ذو البصيرة النيرة على هذه الدائرة الفسيحة المنظورة، حتى يمكنك القول: إن ربي الرحيم قد جعل لي الدنيا مأوىً ومسكناً، وجعل لي الشمس والقمر سراجاً ونوراً، وجعل لي الربيع باقة وردٍ زاهية، وجعل لي الصيف مائدة نعمة، وجعل لي الحيوان خادماً ذليلاً، وأخيرا جعل لي النبات زينة وأثاثاً وبهجة لداري ومسكني”. (النورسي،2012: 173.)

يظهرُ سرُّ هذا المعنى جلياً في نظام التربية الذي ينتهجه النورسي في رسائل النور، ذلك أنه لا يكتفي في مؤلفاته بمخاطبة العقل، بل تأخذ اللطائف الأخرى والأحاسيس والمشاعر أيضا حظها من النظر والخطاب، حتى كأنك عندما تتحدث إلى الأشخاص الذين يقرأون رسائل النور ستجد أن كُلا منهم قد استفاد من حقائقها السامية حسب قابلياته الروحية، وسَعَته الفكرية، فازداد إيمانُه توهجاً، وتوسعت مداركه المعرفية، وقويت روابطه مع أفراد بلده ومع أمته، واستيقظت أحاسيس الإخاء والفداء والتضحية… عنده.

 ويدلي بديع الزمان بالشهادة الآتية في هذا الخصوص: يتحصل لنا مما سبق “أن الإنسان ـ في الرؤية القرآنية ـ نوع متفرد متميز عن سائر الحيوانات؛ فإنها ـ وإن شابهته في عناصر تكوينها الطيني ـ تخالفه ويخالفها في التكوين المعنوي، وإذا لم يكرمها الله بما كرمه به من الروح والعقل، لأنها لم تكلَّف ما كلفه الله من عمارة الأرض وخلافة الله فيها (…). ولاريب أن إيحاء هذا المعنى في نفس الإنسان غير إيحاء الذين ينظرون إليه على أنه ليس إلا حيوانا تطور وترقى حتى صار إلى ما هو عليه الآن”. (القرضاوي، 75-76)

من هذه المفارقة اعتبر النورسي أن النظرة القرآنية أحلَّت الإنسان محل التكريم والاستخلاف، وجعلته سيداً للمادة دون أن يهملها، واعترفت به كُلًا متماسكاً كما فطره الله: جسمه وروحه، قلبه وعقله، إرادته ووجدانه، فلم تُهمل ناحية لأجل أخرى؛ بحيث أنه ” لو انخرم هذا القَوام التركيبي بالميل إلى أحد العنصرين على حساب الآخر لسقط الإنسان في أحد وضعين مرذولين: فإما روحانية مغرقة يضطهد فيها الجسد، فلا يقوى على فعل تعميري. وإما مادية مغرقة تَكِلُّ بها الروح عن أن تتصل بربها لتستلهم هداه، وتصل الإنسان به على حبل من العبادة. وفي كِلا الوضعين يتعطل الترقي في ذات الفرد، بل يكون الانتكاس في مجال الخلافية”. (النجار، 55)

الأساس القرآني الذي يتبناه النورسي إذن هي تزكية الكيان المزدوج للإنسان بالعدل بين عنصريه، فلا ينسى نصيبه من الدنيا فيستغرق في حياة العزلة والتقشف، كما يفعل أهل التصوف، ويبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة، ولا ينغمس بكليته في أوحال حياة المادة والترف واللذة الماجنة كما هو شأن أصحاب النظرة المادية التطورية. ولعل ذلك هو أحد معاني قوله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ). (القرآن الكريم: 28/ 77.)

 فابتغاء الآخرة يكون بتزكية النفس الأمارة بالسوء وإصلاحها بالمجاهدة المستمرة حتى يصبح للإنسان حال راسخ من العبودية الحقة لله سبحانه، فيرقى بموجبها إلى درجة الإحسان، مصداقا لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)، (القرآن الكريم :29/ 69.) والنصيب من الدنيا هو إشباع المطالب المادية للجسد دون مغالاة أو تعطيل، وذلك هو عين الانسجام مع الإحسان الإلهي الذي ركب الكيان الإنساني تركيباً مزدوجاً يجمع بين النواحي المادية والمعنوية، وهذه السِمة هي التي خَلت منها الفلسفة المادية.

وهكذا جاءت التربية الإسلامية منسجمة مع الإرشاد القرآني الخالد، فكان من أهدافها الكبرى: تزكية نفس الإنسان، وبعثَ إرادته بتصفية رؤيته لنفسه ومصيره وللعالَم، وتحرير عقله ببث روح الإيمان بالغيب.

ينضاف إلى الدليل الأول دليل آخر أكثر وضوحا من سابقه في الدلالة على الحياة الأخرى، وهو أن النفس البشريّة تنطوي على أقدار واسعة جدّاً من المطالب الرّوحية والآمال السرمدية المغروزة غرزاً لا انفصام لها في فطرة هذا الانسان تتجاوز إلى غير حـدّ ما هو متاح لتلبيتها في حياة الشّهادة، ّ هذه الأقدار الواسعة من آمال الإنسان وأشواقه التي لا تجد لها في الحياة الدّنيا تحقّقا ممكنا، إنّما تحمل في نفسها دلالة على أنّ حياة الإنسان ليست هي هذه الحياة التي تعجز عن تحقيق تلك المطالب والأشواق، بل هي حياة ممتدّة بعد الموت إلى آماد الخلود، حيث يمكن هناك أن تتحقّق كلّ الآمال والأشواق والتّطلّعات.

وإذ كان الإنسان هو لبَّ الدنيا الذي تتوجه إليه رسائل النور بمعارفها، فإن الدنيا قشرته، أو بالأحرى إن الدنيا لا شيء، بينما الإنسان كل شيء، ومآله الأخروي هو أعظم الأشياء، وأكثرها أهمية وخطورة.

إنّ الإنسان إذن قد أودع فيه خالقه قدرات واستعدادات تزيد عن حاجته من مطالب حياته الدّنيا، ومن جهة أخرى ينطوي على أشواق وسبحات روحية لا يكفي ما في هذه الحياة الفانية لتحقيقها، وليس من حلّ منطقي يعدّل طرفي المعادلة في الوجهين، ويدفع ما ينطوي عليه ذلك الميلان من العبثيّة في الخِلقة الإنسانيّة إلاّ بحياة أخرى تمتدّ إلى الأبد، وتصل بها الاستعدادات والقدرات إلى مداها في تحقيق مقتضياتها، كما تصل فيها الأشواق والآمال إلى مداها في إشباع مطالبها الفطرية السَّنية.

يظهر من هذا جلياً أن هذا الإنسان الذي له هذا الاستعداد الفطري والذي له آمالٌ تمتد إلى الأبد، وأفكار تحيط بالكون، ورغباتٌ تنتشر في ثنايا أنواع السعادة الأبدية. هذا الإنسان إنما خلق للأبد وسيرحل إليه حتماً. فليست هذه الدنيا إلا مستضافاً مؤقتاً، وصالة انتظار الآخرة.

كما أن لهذا العالم الغيبي امتدادات نسبية في عالم الشهادة ـ كما يقول النورسي ـ تظهر أوضح ما تظهر في الإنسان، خلاصة هذا العالم، وأرقى مخلوقاته، فكيانه ـ باطنه وظاهره ـ مرآة كبرى تعكس بنسبيتها شؤون الغيب المطلقة: فوجود الإنسان النسبي يرمز إلى وجود مطلق. وعلمه النسبي يرمز إلى علم مطلق. وقدرته النسبية ترمز إلى قدرة مطلقة. وإرادته النسبية ترمز إلى إرادة مطلقة.

وهكذا، فكل ما هو نسبي من الصفات عند الانسان، يقابله ما هو مطلق فيما وراء هذا العالم، وحيث إن الموجودات ـ حتى الجامد منها ـ مفطورة على حب الكمال، والارتقاء من الأدنى إلى الأعلى، ومن المحدود إلى اللامحدود، ومن النسبي إلى المطلق، ولما كان الإنسان أرقى هذه الموجودات من ذوي العقل والشعور، وأكمل ثمرة لهذا الكون، وأحب مخلوق إلى خالق الكون، وهو أوثق صلة مع موجودات الكون كله، صار همه الانعتاق من سجن النسبية أكبر همومه، وشوقُهُ إلى المطلق أعظم أشواقه.

إن هذا الشوق هو عذاب الروح المستطاب الذي يجعل الإنسان ينظر إلى بشريته بشيء من الحزن لأنه سجين هذه البشرية التي كان مقدراً لها أن توجد على هذه الأرض لتعاني الاغتراب، وتكابد عذابه، فكيف لا تعاني أشواق الإنسان الغربة في هذا العالم الذي تحكمه النسبية، ويهيمن عليه السَّلب والموت والفناء والعدم…؟

إن الخلاص من براثن عالم الفناء هذا، والنجاة من حبوسه الضيقة المحدودة ـ كما يرى النورسي ـ إنما يكون بالتعلق بشدة بأستار الغيب، والاستمساك بقوةٍ بحباله الممدودة إلينا، فباب الغيب العظيم المشرع لكل مشتاق وراغب إنما هو القرآن الكريم، إذ ” إن قلت: القرآن ما هو؟ قيل لك: هو الترجمة الأزلية لهذه الكائنات، والترجمان الأبدي لألسنتها التاليات للآيات التكوينية، ومفسّر كتاب العالم، وكذا هو كشافٌ لمخفيات كنوز الأسماء المستترة في صحائف السماوات والأرض، وكذا هو مفتاح لحقائق الشئون المُضْمَرة في سطور الحادثات، وكذا هو لسان الغيب في عالم الشهادة، وكذا هو خزينة المخاطبات الأزلية السبحانية والالتفاتات الأبدية الرحمانية، وكذا هو أساسٌ وهندسةٌ وشمسٌ لهذا العالم المعنوي الإسلامي، وكذا هو خريطة للعالم الأخروي… وكذا هو مربٍّ للعالم الإنساني، وكالماء وكالضياء للإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية ” (النورسي،2012: 354)

فالوقوف الدائم على مشارف عوالم القرآن سيجعلنا نبصر حبال الإنقاذ النورانية الممدودة إلينا لنتعلق بها بقوة، ونعضَّ عليها بالنواجذ. إنه يخترق بنا أعماق الزمان الأبدي الذي لا نهاية له، ويطلعنا على ما يحتويه من صور الجلال والجمال ليزداد حُبُّنا له، وشوقنا إليه.

من هنا تبدو الهوة شاسعة ـ حسب النورسي ـ بين الرؤية القرآنية الحافلة بالمعاني الغيبية، والرؤية الفلسفية المتنكرة لكل ما وراء الحس والمادة، ذلك أن الرّبط بين آيات التّكوين الإنساني، وبين المدلولات العقدية الغيبية لتلك الآيات حينما تستقر أنوارها في قلب المسلم وعقله، تجعله دائم الاستحضار لأبعاد الغيب، فيسمو في أخلاقه وسلوكه الفردي والجماعي عن أن يقترف منكرات الأعمال، وسفاسف الأهواء إذ يرتفع به ما يستحضر من رفيع المعاني وسموِّ الحقائق عن أن يستعمل عناصره التكوينيّة في غير ما يناسب مدلولاتها العقدية من رفيع السلوك في القول والعمل، فينتهي الأمر إذن بهذا المنهج إلى الترقّي المطرد بالإنسان، سواء في ذاته الفردية، أو في كينونته الاجتماعية، أو في رسالة أمته التاريخية.

فكل مؤمن يستطيع أن يكون بنور القرآن والإيمان سعيداً بسعادة جميع الموجودات وبقائها ونجاتها من العدم وصيرورتها مكاتيب ربانية ويغنم نوراً عظيماً بعظم الدنيا. فكلٌ يستفيد من هذا النور حسب درجته”. (النورسي،2012: 303)

من خلال  ما سبق ـ استطاع النورسي أن يبرز بجلاء أحقية الرؤية القرآنية النبوية بصفة الإنسانية بما تحمله من مقومات تقوم عليها سعادة الكائن البشري في هذا الكون، ليخلص إلى أن التباين الحاصل بين الرؤيتين مرده إلى اختلاف في المنشأ، معتبرا أن رؤية الشريعة للإنسان، ورؤية كل فلسفة ارتبطت بالدين تمثل شجرة الطوبى النورانية العظيمة، وأن رؤية كل الفلسفات المنفلتة من عقال الدين تمثل شجرة الزقوم الرهيبة، يقول رحمه الله: ” سنشير إلى جوهرة واحدة من الخزينة العظيمة لهذه الآية، وهي: أن وجهًا واحدًا من وجوه متعددة للأمانة التي أَبَتْ تحملَّها وأشفقت منها السَّماواتُ والأَرْضُ وَالجبال، وفردًا واحدًا منها هو “أنا”. أجل؛ إن “أنا” بذرة ونواة لشجرة طوبى نورانية، ولشجرة زقوم رهيبة، أَرسلتا فروعهما وأغصانهما إلى أطراف عالم الإنسانية منذ زمن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا.”. (النورسي،2012: 303)

لقد نشأت شجرةُ طوبى العبودية لله، تلك هي سلسلة النبوة، فأثمرت ثمرات يانعة طيبة في بستان الكرة الأرضية، ومدّتها إلى البشرية، فتدلّت قطوفاً دانية من غصن القوة العقلية: أنبياء ومرسلون وصديقون وأولياء صالحون. كما أثمرت في غصن القوة الدافعة: حكاماً عادلين وملوكاً طاهرين طهر الملائكة. وأثمرت في غصن القوة الجاذبة: كرماء وأسخياء ذوي مروءة وشهامة في حسن سيرة وجمال، صورة ذات عفة وبراءة. حتى أظهرت تلك الشجرة المباركة: أن الإنسان هو حقاً أكرم ثمرة لشجرة الكون.

وهكذا فمنشأ هذه الشجرة المباركة، ومنشأ تلك الشجرة الخبيثة، هما جهتا “أنا “ووجهاه، أي أن “أنا “الذي أصبح بذرة أصلية لتلكما الشجرتين، صار وجهاه منشأ كلٍ منهما.

هكذا نظر الأنبياء والمرسلون عليهم السلام، ومَن تبعهم من الأصفياء والأولياء إلى “أنا” بهذا الوجه. وشاهدوه على حقيقته هكذا. فأدركوا الحقيقة الصائبة، وفوّضوا المُلك كله إلى مالك الملك ذي الجلال …

لقد استند النورسي في نظرته إلى فهم رفيع وموضوعي لحقيقة الإنسان، لاسيما المؤمن، وقدَّر النتائج المترتبة عن كلا الرؤيتين، معتبراً أن الرؤية القرآنية النبوية تكفل للإنسانية الإطار الروحي الفسيح المثمر الذي تسمو به القيم وتسود الأخلاق وتعمر الأرض، بينما الرؤية الفلسفية تمثل جنوحاً مناهضاً للماهية البشرية، ووجهاً من أوجه معاكسة القوانين الفطرية التي تحكم الكون والإنسان، بل هي سمٌ زعاف لحياة البشر الشخصية والاجتماعية والمعنوية.

ثانيا: من حيث شرف أمانة والاستخلاف

القرآن الكريم عند ذكره للإنسان في معرض الموجودات يخصه دوما بالتمييز والرفعة، ويصنِّفه في المقام الأول من سلّم التفاضل القيمي للمخلوقات، وهو ما جاء صريحا في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). (القرآن الكريم: 17/ 70)

وقد جمعت الآية خمس منن: التكريم، وتسخير المراكب في البر، وتسخير المراكب في البحر، والرزق من الطيبات، والتفضيل على كثير من المخلوقات؛ فأما منة التكريم فهي مزية خص بها الله بني آدم من بني سائر المخلوقات الأرضية.

والتكريم: جعله كريما، أي نفيسا غير مبذول، ولا ذليل في صورته ولا في حركة مشيه وفي بِشرته… وقد مثل ابن عباس للتكريم بأن الإنسان يأكل بأصابعه، يريد أنه لا ينتهش الطعام بفمه، بل يرفعه إلى فيه بيده، ولا يكرع في الماء، بل يرفعه إلى فيه بيده، فإن رفع الطعام بمغرفة والشراب بقدح فذلك من زيادة التكريم وهو تناول باليد.

والحمل: الوضع على المركب من الرواحل؛ فالراكب محمول على المركوب. وأصله في ركوب البر؛ وذلك بأن سخر لهم الرواحل وألهمهم استعمالها.

وأما الحمل في البحر فهو الحصول في داخل السفينة. ومعنى حمل الله الناس في البحر: إلهامه إياهم استعمال السفن والقلوع والمجاذيف، فجعل تيسير ذلك كالحمل.

وأما الرزق من الطيبات: فلأن الله تعالى ألهم الإنسان أن يطعم ما يشاء مما يروق له، وجعل في الطعوم أمارات على النفع، وجعل ما يتناوله الإنسان من الطعومات أكثر جداً مما يتناوله غيره من الحيوان الذي لا يأكل إلا أشياء اعتادها، على أن أقرب الحيوان إلى الإنسية والحضارة أكثرها اتساعاً في تناول الطعوم.

وأما التفضيل على كثير من المخلوقات: فالمراد به التفضيل المشاهد، لأنه موضع الامتنان. وذلك الذي جِماعُه تمكين الإنسان من التسلط على جميع المخلوقات الأرضية برأيه وحيلته، وكفى بذلك تفضيلا على البقية.

والفرق بين التفضيل والتكريم بالعموم والخصوص؛ فالتكريم منظور فيه إلى تكريمه في ذاته، والتفضيل منظور فيه إلى تشريفه فوق غيره على أنه فضله بالعقل الذي به استصلاح شؤونه ودفع الأضرار عنه، وبأنواع المعارف والعلوم. هذا هو التفضيل المراد، والإتيان بالمفعول المطلق في قوله (تفضيلا) لإفادة ما في التنكير من التعظيم أي تفضيلا كبيرا. (ابن عاشور، 1/ 2482.)

ويجعل النورسي رحمه الله هذا التكريم أحد أهم أسباب التشريف بأمانة الاستخلاف، فيقول: ” ثبت بالاستقراء التام وتحريات العلوم وأبحاثها أن الإنسان هو أكرم المخلوقات وأشرفها. لأنه يستطيع أن يكشف بعقله عن مراتب الأسباب الظاهرية في خلق الكائنات ونتائجها، ويعرف العلاقات بين العلل والأسباب المتسلسلة، ويستطيع أن يقلّد بمهارته الجزئية الصنائع الإلهية والإيجاد الرباني المنتظم الحكيم، ويستطيع أن يدرك بعلمه الجزئي وبمهارته الجزئية إتقان الأفعال الإلهية، وذلك بجعل ما لديه من جزء اختياري ميزاناً جزئياً ومقياساً مصغّراً لدرك تلك الأفعال الإلهية الكلية والصفات الجليلة المطلقة. كل ذلك يثبت أن الإنسان أشرف مخلوق وأكرمه”. (النورسي،2013: 503.)

وهذا التفضيل للإنسان، والإعلاء لشأنه بين سائر المخلوقات أظهرته قصة خلق سيدنا آدم وما وقع فيها من أحداث، فسجود الملائكة لآدم وقد كانوا أشرف المخلوقات ونيلهم بذلك الرضى الإلهي، وامتناع إبليس من السجود ونيله بذلك اللعنة والخسران، إنما هو رمز دالّ على القيمة الذاتية العليا لهذا القادم الجديد الذي أصبح يمثل القطب الوجودي الذي تدنو منه المخلوقات جميعا دُنُوَّ تقدير وخدمة.

إن التركيب الرباني للإنساني أُودع فيه من عظيم القدرات ووفير الطّاقات، ومن لطيف الأسرار ودقيق الآلات ما ينبئ يقينا بأنّه أُعدّ لغايات عليا، وأُنيطت بعهدته مهامّ جسيمة تفوق الغايات والمهامّ التي خُلقت من أجلها جميع الكائنات الأرضية الأخرى، فقد “خلقه الله سبحانه على فطرة جامعة، لها من القدرة ما يثمر ألوف سنابل الأنواع، وما يعطي طبقات كثيرة بعدد أنواع سائر الحيوانات، إذ لم يحدّد سبحانه قوى الإنسان ولطائفه ومشاعره كما هو الحال في الحيوانات، بل أطلقها واهباً له استعداداً يتمكّن به من السياحة والجولان ضمن مقامات لا تحدّ، فهو في حكم ألوف الأنواع وإن كان نوعاً واحداً، ومن هنا أصبح الإنسان في حكم خليفة الأرض”، وكفى بمهمّة الخلافة من مهمّة عظيمة، وكفى بذلك علوّ قيمة للإنسان، وكفى به رفعة في مقام العزّة والشرف.

كما أن الإنسان قد استجمع في تركيبه من العناصر ومن الهيئات الكيفيّة ما تفرّق في آفاق الكون، حتى غدا بذلك “صفوة العالَم ولُبابه وخُلاصته ( الأصفهاني، 1319، 20)، أو كعالم صغير يحاكي في تكوينه ذلك العالم الكبير، يقول النورسي: ” وهكذا فالإنسان تحفةٌ فنيةٌ للحق تعالى، وهو ألطف وأرق معجزة لقدرته؛ بحيث خلق الإنسان في صورة مَظهرٍ لتجليات جميع أسمائه، ومدارٍ لنقوشها، ومثالٍ مُصغَّر للكون، فإذا دخل نورُ الإيمان فيه تُقرأ عليه بذلك النور والضياء كلُّ النقوش ذاتِ المعاني، يَقرأ المؤمنُ ذلك بالوعي والإدراك ويُقرِئُها بذلك الانتساب، أي تتبدى الصنعة الربانيَّة في الإنسان بمعانٍ، مثل: إنني مصنوعُ الصانع ذي الجلال، ومخلوقُه ومَظهرُ رحمته وكرمِه. إذن فالإيمان الذي هو عبارة عن انتساب الإنسان إلى صانعه يُظهر كلَّ آثار الصنعة الموجودة فيه، وتكون قيمة الإنسان بحسب تلك الصنعة الربانية وباعتبار كونه مرآةً صمدانية. وعليه فالإنسان الذي لا أهمية له يكون بهذا الاعتبار مخاطَبًا إلهيًّا فوق جميع المخلوقات، وضيفًا ربانيًّا لائقًا بالجنة. (النورسي،2012: 150)

ولمّا كان الإنسان على هذا النّحو من المحورية التكوينيّة للكون كلّه، وعلى هذا النحو من المركزية بالنّسبة لسائر الموجودات، فإنّه خص أيضا “بقطبية للكون على المستوى المعرفي، وهي المتمثلة في قدرته الخارقة على الاستيعاب المعرفي للكائنات، إذ هو مهيأ بوسائله الإدراكية لأن ينقل العالم الخارجي في مواصفاته الكمية إلى عالمه الداخلي على سبيل التصور” ( النجار، 41.)،وذاك وجه عظيم من وجوه أمانة الاستخلاف وشرفه، وهو ضرب من الرفعة أكدها قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ،( القرآن الكريم: 2/31  ) فجملة (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) أي خلقه باستعداد  لتحمل الأمانة العظمى، وجهزه بما يعينه على ذلك ، ويستحق أن يكون  مخدوما من قبل كل ذرات الكون ومجراته: يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) ،( القرآن الكريم: 31/20) وقوله :(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)  ،( القرآن الكريم: 45/ 13) وقوله تعالى: (اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (القرآن الكريم : 14/ 32- 33-34). فحين حديثه عن بعض تسخيرات الله الكون قال:”أما وقت العِشاء: فهو وقت تَغِيب فيه تلك البقيةُ الباقيةُ كذلك في الأفق من آثار النهار، ويخيم  عالم الليل على الكون، وهو زمان يُذَكِّرُ بالتصرفات الربانية للقدير ذي الجلال الذي هو مُقَلِّبُ اللَّيْلِ والنَّهَارِ في تحويله تلك الصحيفةَ البيضاءَ إلى هذه الصحيفةِ السوداءِ، ويُذَكِّر بالإجراءات الإلهية للحكيم ذي الكمال الذي هو مُسَخِّرُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، في تحويله صحيفةَ الصيفِ المزينةَ الخضراءَ إلى صحيفة الشتاء الباردةِ البيضاء، ويُوحي بالشئون الإلهية لِخالِقِ الْمَوْتِ وَالْحيَاةِ في انتقال بقيةِ آثار أهل القبور  مع مرور الزمان إلى عالم آخَرَ كليًّا بانقطاعها عن هذه الدنيا، وهو زمانٌ يوحي ويُذكِّر بالتصرفات الجلالية والتجليات الجمالية لِخالِقِ الأرضِ  وَالسَّمَاوَاتِ في انكشاف عالم الآخرة الواسعِ الأبدي العظيم بعد السكرات العظيمة لوفاة الدنيا الضيقة الفانية الحقيرة، وخرابها تمامًا، وهي – حالٌ تثبت أن المالكَ والمتصرفَ الحقيقيَّ في هذا الكون والمعبودَ والمحبوبَ الحقيقيَّ له إنما هو ذاتٌ قادرٌ مطلقٌ، يقلِّب الليلَ والنهارَ والشتاءَ والصيفَ والدنيا والآخرةَ بسهولةٍ كسهولةِ تقليبِ صحائفِ كتابٍ، ويكتبها ويمحوها ويغيرها ويبدلها ويحكم عليها كلِّها” (النورسي،2012: 48)

يسلك بديع الزمان النورسي منهج المقارنة دائما لتوضيح السر الكامن وراء هذا التسخير الرباني وأن الناس في ذلك صنفان،” وكما أن الطفل يحصل على ما لا تصل إليه يده من مرام ورغبات إما بالبكاء وإما بالطلب، بمعنى أنه يدعو بلسان العجز إما فعلا وإما قولا فيوَفَّق لمقصوده؛ كذلك الإنسان فهو في حكم طفل ضعيف رقيق في عالم الأحياء كلها، فينبغي عليه إما البكاءُ بالضعف والعجز، وإما الدعاءُ بالفقر والاحتياج بين يدي الرحمن الرحيم، حتى تُسَخَّر له مقاصدُه، أو يكون قد أدى شكر ذلك التسخير.  وإلا فإذا قال -كطفل أحمق غَرِيريبكي ويصرخ من ذبابة -: “إنني أُسَخِّرُ بقوتي الشخصية هذه الأشياء العجيبةَ التي لا تقبل التسخيرَ بل الأشياء التي تفوقها بألف درجة وأجعلها بفكري وتدبيري مطيعة لي”، وانحرف إلى الكفران بالنعمة؛ فإن هذا يكون منافيًا لفطرة الإنسان الأصلية، فضلاً عن أنه يجعل نفسه مستحقًّا لعذاب شديد”. (النورسي،2012: 156ـ157)

إن الإيمان بتسخير الكون للإنسان على الوجه الذي صوره النورسي ينشئ في النفس الشعور بالقرابة من الكون والوفاق معه، ويجنِّبها مشاعر السيطرة عليه والعَداء له، وهو المدخل الطبيعي والشرط الضروري لتحرر القدرات الإنسانية وإقبالها على الكون لتباشره بالنماء والاستثمار، فتتحقَّق بذلك خلافة الإنسان في الأرض على وجهها الأتم والأكمل، وهو ما وصفه الله تعالى في قوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ). (القرآن الكريم: 43/ 10-13.)

  إن الإنسان لا يغترب عن الكون، ولا يشعر بالصغار إزاء الطبيعة إلا عندما يلغي إيمانه بالله ويخل بأمانة الاستخلاف ولو امتلك من الأسباب ما امتلك. لقد أوقع الإنسانَ المادي في هذا التيه والتخبط. بلا دليل ولا مرشد اعتقادُه أنه اجتاز ـ بما حقق من مكاسب ومنجزات وما أحكم من أهلية تنفيذية ـ عتبة الوصاية، وأنه بات مستقلا بإرادته عن سلطان الغيب (…) لقد اعتد بالعقل الأغلف، ودان له، وفصله على قوامته الإلهية التي هيأته للإنسان وجهزته به كي يكون له نبراسا ودليلا. (سليمان، 1999: 244.)

تلك بعينها، هي الروح الوضعية الغربية التي تُقرر أن العالَم مكتفٍ بذاته، وأن الإنسان مكتفٍ بذاته؛ تدبره الأسباب الذاتية والمادية المودعة في عوالمه ومجتمعاته وقواه، دونما حاجة إلى تدبير إلهي أو رعاية ربانية، أو شريعة دينية يأتي بها الوحي من وراء الطبيعة والوجود المادي إلى الأنبياء والمرسلين، والإنسان هو سيد الكون، فلا سلطان على الإنسان إلا للعقل الإنساني وحده. جحود ونكران وعمى بصيرة واضح.

إن الله تبارك وتعالى هو المصدر الأول لكل علم إنساني، وإنه من أجل جعل الإنسان مخلوقا عالما، خلق الله تعالى فيه أجهزة عضوية وظيفتها الإحساس والتفكير والبيان، وجعل هذه العمليات المعنوية الثلاث مشتركة في وظيفة معنوية واحدة هي القراءة (سميح نزال، 2004، 192)، ولذلك أخبر المولى تبارك وتعالى في أول سور القرآن نزولاً ـ هي سورة العلق المكية ـ فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)  (القران الكريم،96/1-5)، وأنه قال في سورة الرحمن: (الرَّحْمَنُ  عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) . (القرآن الكريم،55/ 1-4.)

 فالله سبحانه وتعالى خَلق ” أن الإنسان خُلق ليكون فاتحًا وكاشفًا مريئًا، وبرهانًا نيّرًا، ودليلاً مبصّرًا، ومعكسًا نورانيًا، وقمرًا مستنيرًا للقدير الأزلي، ومرآة شفافة لتجلي الجمال الأزلي، وقد انجلت وتصيقلت بحمل الأمانة التي تدهّشتْ من حملها السماوات والأرض والجبال؛ إذ من مضامين تلك الأمانة صيرورة الإنسان واحدًا قياسيًا لفهم الصفات المحيطة، وصيرورة ما فيه من “أنا” – الذي هو النقطة السوداء بالغفلة والشرك الخفي – مفتاحًا لتنوير الصفات، فكيف ولأي شيء صار أكثر الإنسان حجابًا وبابًا وسدًا، وكان لازمًا عليه أن يفتح فأغلق، وأن ينوِّر فأظلم، وأن يوحِّد فأشرك، وأن ينظر بمرصاده إلى الله فيسلم الملك إليه، لكن نظر إلى الخلق بمرصاد “أنا”، فقسّم ملك الله عليهم. نعم؛ إن الإنسان لظلوم جَهُول “. (النورسي،2009: 272.)

إن النورسي عبر تلمذته للقرآن الكريم يستشعر بعمق قيمة الإنسانية التي هي المجْلى الأعظم للصّنعة الإلهية، والمعرض الأكبر لصفاته تعالى وأسمائه الحسنى، فهي إذن الرّابط الأمتن بالله تعالى، ولهذا السبب فإن ” قيمة الإنسان المؤمن قيمةُ ما فيه من الصنعة العالية، والصبغة الغالية ونقوش جلوات الأسماء. وقيمة الإنسان الكافر أو الغافل قيمة مادته الفانية الساقطة”. (النورسي،2009: 352.)

نعم، قيمة الإنسان تتجلى فيه نهوضه الحق وقيامه الدائم بشرف الاستخلاف، وامتلاكه مفتاح الكنوز الإلهية السامية لخزائن الكون، بنور الإيمان وقوة التوحيد، فلولا التوحيد لأصبح الإنسان أشقى المخلوقات، وأدنى الموجودات، وأضعف الحيوانات، وأشد ذوي المشاعر غماً وحزناً، وأكثرهم عذاباً وكمداً، مصداقاً لقوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ). (القرآن الكريم: 95/ 4-5-6.)

يقول النورسي في تفسير هذه الآيات: “إن الإنسان يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين فيكتسب بذلك قيمةً تجعلُه لائقاً بالجنة، بينما يتردّى بظلمةِ الكفر إلى أسفل سافلين، فيكون في وضعٍ يؤهّلُه لنار جهنم؛ ذلك لأنّ الإيمان يربطُ الإنسان بصانعهِ الجليل، ويربطه بوثاق شديد ونسبةٍ إليه؛ فالإيمان إنما هو انتساب؛ لذا يكتسب الإنسان بالإيمان قيمة سامية من حيث تجلِّي الصنعةِ الإلهية فيه، وظهورِ آيات نقوشِ الأسماء الربانية على صفحةِ وجوده. أما الكفر فيقطع تلك النسبة، فتختفي من جرّاء ذلك القَطْعِ الصنعةُ الربانيةُ وتكون قيمته باعتبار المادة فحسب. أما المادة لكونها حياةً حيوانيةً فانيةً وزائلةً ومؤقتةً فقيمتُها بحكم اللاشيء. “. (النورسي،2012: 149.)

وإذا عرف الإنسان ربه بدلائل التوحيد، وبديع الصنع لزمه الانسجام مع تعاليم الخالق وأوامره ونواهيه، لأن الرؤية القرآنية لا تجعل الله مجرد خالق؛ وإنما هو الخالق والراعي والهادي والمدبر لكل عوالم المخلوقات: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) .( القرآن الكريم،7/ 54.) (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ). (القرآن الكريم: 10/ 3.) (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى). (القرآن الكريم: 20/ 50.)

فالاختراعات المادية لا تقوم دليلا على لاستقلالية الإنسان وسيادته ومطلقيته، بل هي معراج رقيّ للإنسان السائر على نور وهدى من الله الخالق والمدبر؛ الذي ارتضاه واستخلفه لعمارة الأرض، وسخر له كل ما في الوجود، وحَبَاه قدرة الحرية والاختيار والاستطاعة والتمكين، لكن في حدود ثوابت عَقد الاستخلاف وعَهد الإنابة والتوكيل.

هذا الإنسان وفق الرؤية الإسلامية ليس ذلك الحقير الفاني المجبر الذي لا حول له ولا قوة، وأيضا ليس هو سيد الكون، المكتفى بذاته عن تعاليم الدين، ووحي السماء، وإنما هو بهذه الرؤية القرآنية: سلطان الأرض، المحكومة سلطاته بسلطان السماء؛ لأنه خليفة في الكون، ولأن سيد الكون ـ الله سبحانه تعالى ـ ليس مجرد خالق، وإنما الخالق الذي يدبر أمور الكون ويهيمن على شؤونه وعوالمه بمنتهى الحكمة والسهولة، والذي تنقاد إليه الذرات وتأتمر بأمره وتخضع لحكمه.

فالرحمة الإلهية حسب تعبير سعيد النورسي هي التي ترفع الإنسان إلى ديوان حضور ذلك الغني المطلق، وتجعله خليلاً لذلك السلطان السرمدي الأعظم، بل تعرج به إلى مقام خطابه الجليل، وتجعله عبداً مكرماً محبوباً عنده.

وكل شيء في الوجود يذكر هذا الإنسان بهذا الشرف العظيم والأمانة الثقيلة شرف الاستخلاف وأمانة الرجعى إلى الله تعالى:” نعم؛ إن الذي يُلبس الإنسانَ -الذي يُغلَب من حشرات كعقرب أعمى وثعبان بلا أرجل -الحريرَ من دودة صغيرة ويطعمه العسلَ من حشرة سامة ليس قدرته هو، بل هو التسخير الرباني والإكرام الرحماني اللذان هما من ثمرة ضعفه. أيها الإنسان؛ ما دامت الحقيقة هكذا فاترك الغرور والأنانية، وأعلن عجزَك وضعفَك أمام الحضرة الإلهية بلسان الاستمداد، وفقرَك وحاجاتك بلسان التضرع والدعاء، وأَظهر أنك عبد، وقل:﴿ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾( سورة آل عمران: ٣/ ١٧٣ ) وارتق واسمُ. (النورسي،2012: 172)

ثالثا: من حيث كمال الغاية وخلود والمآل.

مَنْ يحب الخلود ويسلك إليه سبيل القرآن والسنة يخلدْ. ومَنْ يحبّ البقاء ويتعلق قلبه بالباقي الأبدي الأزلي يذقْ حتماً وقطعاً طعم البقاء؛ إذ القرآن والسنة يقران بقاء الإنسان وخلوده من خلال ما يترك من أعمال أو من تبعة وخلفة: عن أبي هريرة ر ضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

هكذا، يرسم النورسي الغاية التي من أجلها خلق، ما خُلق إلا ليتعبد، وأنه لا يكون له من الإنسانية إلا على قدر ماله من التعبد الذي من أجله خُلق، بحيث إذا أقام بشرطه على تمامه حقق الإنسانية فيه، وإذا تركه سقط إلى رتبة البهيمة؛ ” فبين عظمة الربوبية وعظمة العبدية صلة ونسب، بعيدان موغلان في قديم الخلاّقية الأولى حين تجلى الرب سبحانه وتعالى على أرواح عبيده في ملكوت التجريد وسألهم: (أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى )  ففي إقرارهم بربوبيته للرب المقدس المعبود، نالت العبودية منذ ذلك الوقت بارقة من بوارق الجلال، وقبست قبسة من عظمة أنوار عظمة صاحب العظمة والكبرياء”. (أديب الدباغ، 46.)

لهذا السبب اقترن مفهوم ” الإنسانية” في فكر النورسي بمبدأ الخلود، ومعنى ذلك أن حياة الإنسان في دنياه حياة موصولة بامتدادها الغيبي الأخروي، انطلاقا من معايشته للجماعة التي يحيى بين ظهرانيها، مما يستنبت في أعماقه روابط المحبة والتعاطف مع الإنسانية قاطبة، فالإنسانية بحسب النورسي هي الرابطة الأم التي لا ينبغي بأي وجه من الوجوه للإنسان أن يتنكر لها أو يحيد عنها بحيدته عن سنن التآخي، كما أن تأكيده ـ أي النورسي ـ على خلود الإنسان وسرمديته يتضمن جسامة المسؤولية الجماعية والبشرية التي يتحملها الإنسان المؤمن إزاء نفسه وإزاء المجتمع الإنساني في كليته.

إن النورسي في رسائله إذ ينشد بالإنسان الكمال الذي يتجلى عبودية كاملة لله تعالى، تؤهله لاستقبال تجليات الربوبية ونشرها في العالمين، وبقائها ببقائه مع الفائزين يوم القيامة خلودا في الجنان،  فإذا استمر العبد في الارتقاء أحبه الرب المعبود، وإذا أحبه أحبه الكون كله، ووالته الموجودات، وصارت روحه مرآة كبرى تعكس من صور الجلال والجمال والكمال ما تعكس، فإذا نظر، نظر بعين الله، وإذا سمع، سمع بسمع الله، وإذا بطش، بطش بيد الله، وإذا عاداه أحد قصمه الله، مصداقا للحديث القدسي: فعن أبي هريرة رضي الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» ،( البخاري،(6137)، 5/ 2384) وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي  قال «إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض ». (البخاري، (2637)، 4/2030)

يتحدث النورسي عن هذا المقام العالي المنيف، فيقول: “وكذا حسبي مَن جعلني من أمة حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام، فأنعم عليّ بما في الإيمان من المحبة والمحبوبية الإلهية، التي هي من أعلى مراتب الكمالات البشرية، وبتلك المحبة الإيمانية تمتد أيادي استفادة المؤمن إلى ما لا يتناهى من مشتملات دائرة الإمكان والوجوب”. (النورسي، 2008: 101.)

فالعبودية إذن بهذا المغنم السَّني ليست مَحقاً للذات الإنسانية، ولا سحقاً لروحها؛ بل توكيداً لماهيتها، وإجلالا لوظيفتها، لذلك نجد النورسي يسعى دائما في رسائله إلى وصل الإنسان بآفاق فوق الإنسان العادي كأفق الأنبياء المعصومين وأفق الملائكة المطهرين، ويعيش بالحضرة الإلهية معاني الخلود يقول:” أما العبودية فهي خيط وصالٍ يحوّل وجه الإنسان من الفناء إلى البقاء، ومن الخلق إلى الحقّ، ومن الكثرة إلى الوحدة، ومن المنتهى إلى المبدأ، أو هي نقطة اتصال بين المبدأ والمنتهى” (النورسي:2012: 222)

وحين يرتقي الانسان إلى مقام أن يسمع بالله ويبصر بالله و. فإنه يقيناً سيكون دليلا على شهود الحق سبحانه، ومرآة عاكسة لتجليات أسمائه وأوصافه، فيستحق بذلك صفة الإنسانية المسلِمة: ” فما غايات حياتك، وما حقوقها إلا إظهارك لآثار تجليات أسمائه، وتشهير غرائبها لدى أنظار المخلوقات. وما إنسانيتك إلا شعورك بهذه الوظيفة. وما إسلاميتك إلا إذعانك بهذه المظهرية”. (النورسي،2009: 386.)

ولأجل هذه الوظيفة الكبرى بعث الله الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ليُذَكِّروا الإنسان إذا ما نسي بأصل رسالته، والمغزى من وجوده، ويحذره من انغماسه فيما من شأنه أن يجعله فانيا حسا ومعنى، فيقول: “ثم إن الإنسان مثلما يتعدد ويتجدد هكذا. فإن العالم الذي يسكنه سيار أيضا لا يبقى على حال، فهو يمضي. ثم إن الإنسان تتحكم فيه النفس والهوى والوهم والشيطان، وتستغل غفلته وتحتال عليه لتضيق الخناق على إيمانه، حتى تسد عليه منافذ النور الإيماني بنثر الشبهات والأوهام، فضلاً عن أنه لا يخلو عالم الإنسان من كلمات وأعمال منافية لظاهر الشريعة، بل تُعد لدى قِسم من الأئمة في درجة الكفر” (النورسي،2011: 428)

الإمام النورسي بنُور بَصرِه وعُمق بصيرته يستقصي الحكمة البالغة وراء هذه الحجب والفتن والبرازخ ـ  النفس والهوى والشيطان ـ التي تحاول أن تزحزح الإنسان عن القيام بمهمته الوجودية، فيجدها ـ أي الفتن ـ مضماراً للمجاهدة والتسابق بين بني الإنسان، مما يعطي للحياة الإنسانية رونقاً بديعاً وجمالية خاصة، ينعدم العثور عليها في عالم الملائكة والحيوان الذي ينطوي على وضعية ثابتة رتيبة لا تعرف معنى للتبدل أو درجات للارتقاء، مما يجعل من صفة الترقي وطلب الكمال خِصِّيصة إنسانية بامتياز، وهذا ما أشار إليه بقوله: “.. وهكذا فإن خلق الشرور والأضرار والبلايا والشياطين، ليس شراً ولا قبيحاً، لأن هذه الأمور خُلقت للحصول على نتائج مهمة كثيرة جداً.  فالملائكة مثلاً لا درجات رقي لهم، وذلك لعدم تسلط الشياطين عليهم؛ لذا يكون مقامهم ثابتاً لا يتبدل، وكذا الحيوانات فإن مراتبها ثابتة وناقصة حيث لم تسلط عليها الشياطين، بينما في عالم الإنسان تمتد المسافة بين مراتب الرقي ودركات التدني إلى أبعاد مديدة طويلة جداً، إذ بدءً من النماردة والفراعنة وانتهاءً إلى الصدّيقين والأولياء والأنبياء عليهم السلام هناك مراتب للرقي والتدني؛ لذا بخلق الشياطين؛ وبسر التكليف، وبإرسال الأنبياء، انفتح ميدان الامتحان والتجربة والجهاد والمسابقة، وبه تتميز الأرواح السافلة التي هي كالفحم في خساسته عن الأرواح العالية التي هي كالألماس في نفاسته. فلولا المجاهدة والمسابقة لبقيت الاستعدادات كامنة في جوهر الإنسانية، أي لتساوى الفحم والألماس، أي لتساوت الروح السامية لسيدنا أبى بكر الصديق رضى الله عنه وهي في أعلى عليين مع روح أبي جهل التي هي في أسفل سافلين! (النورسي، 2011: 52.)

ويذكر الإمام بديع الزمان دليلاً واضحاً، وبرهاناً قاطعاً، من بين آلاف الدلائل على هذه الوظيفة الإنسانية ـ الترقي وطلب الاكتمال ـ، وهي التفاوت والفروق، بين مجيء الحيوان والإنسان إلى دار الدنيا، يقول الإمام بديع الزمان في هذا الدليل: “نعم، إن التفاوتَ بين مجيء الحيوان والإنسان إلى هذه الدنيا يدل على أن اكتمالَ الإنسانية وارتقاءها إلى الإنسانية الحقة إنما هو بالإيمان وحدَه، وذلك لأن الحيوانَ حينما يأتي إلى الدنيا يأتي إليها كأنه قد اكتمل في عالمٍ آخرٍ، فيرُسَلُ إليها متكاملاً حسب استعداده. فيتعلم في ظرف ساعتين أو يومين أو شهرين جميع شرائط حياته وعلاقاته بالكائنات الأخرى وقوانينَ حياته، فتحصلُ لديه مَلَكةٌ؛ فيتعلّم العصفورُ أو النحلةُ -مثلاً -القدرةَ الحياتية والسلوكَ العملي عن طريق الإلهامِ الرباني وهدايتِه سبحانه. ويحصلُ في عشرين يوماً على ما لا يتعلمه الإنسان إلا في عشرين سنة. إذن الوظيفةُ الأساس للحيوان ليست التكمّل والاكتمال بالتعلّم، ولا الترقي بكسب العلم والمعرفة، ولا الاستعانة والدعاء بإظهار العجز. وإنما وظيفتُه الأصلية: العمل حسب استعداده، أي العبودية الفعلية”. (النورسي،2012: 354)

   فهذه الكلمات الجامعة تبرز أن تفاوت قيمة الأفراد خاضعة لتفاوت قلوبهم وأرواحهم بخلاف أجناس الحيوانات، إذ أنها على تفاوت صورها فهي متقاربة في قيمة أرواحها، في حين تتباعد الفوارق القلبية الإيمانية بين بني البشر: “. وكذا من أعجب فطرة البشر أن أفراده، مع تقارب درجاتها في الصورة الجسمية، تتفاوت معنىً بدرجات، كما بين الذرة إلى الشمس إلى شمس الشموس خلافاً لسائر الحيوانات؛ إذ هي مع تفاوت أفرادها في الصور الجسمية، كالسمك والطير، تتقارب في قيمة الرّوح؛ فكأن الإنسان الذي قام من “مخروط الكائنات” في حاق الوسط، () منه إلى الذرة ومنه إلى شمس الشموس سوآء؛ إذ لم يُحدَّد قواه ولم تُقيّدْ، أمكَنَ له أن يتنزل ويتسفل “بالأنانية” إلى أن يكون هو والذرة سواء. وكذا جاز له أن يتجاوز بالعبودية وبترك “أنا” ويتصاعد بإذنه تعالى إلى أن يصير بفضل الله كشمس الشموس مثل محمد عليه الصلاة والسلام”. (النورسي،2009: 231.)

فقيمة كل إنسان إذن تكمن فيما يحوزه من قابلية للترقي واستعداد للمجاهدة لتحقيق الخلود المعنوي، وفيما يكتسب من مصادر تنويره ليصمد إلى النور الجليل فيكون بنيل رضاه باقيا في الآخرين، بل مع السعداء الشهداء، وذلك ب:

ـ قيامه بالشكر الكلي تجاه كل نوع من أنواع النعم التي أسبغها عليه المنعم سبحانه، الذي يعني العبادة الشاملة.

ـ معرفته أقسام تجليات الأسماء الحسنى التي تعم الوجود كله فرداً فرداً، معرفةً تذوقيه خالصة.

فقابلية بعض الأفراد لا تكون منشأً لانكشاف بعض أركان الإيمان، وبالتالي يكون مآل مِعراجها القلبي والروحي العجز والخَوَر، وهذا ما صوره النورسي بأقصى ما تكون الدِّقة، فأدلى بالمثال الآتي: “رجل يمسك مرآة تجاه الشمس، فالمرآة تلتقط -حسب سعتها -نوراً وضياء يحمل الألوان السبعة في الشمس. فيكون الرجل ذا علاقة مع الشمس بنسبة تلك المرآة، ويمكنه أن يستفيد منها فيما إذا وجهها إلى غرفته المظلمة، أو إلى مشتله الخاص الصغير المسقف، بيد أن استفادته من الضوء تنحصر بمقدار قابلية المرآة على ما تعكسه من نور الشمس وليست بمقدار عِظمَ الشمس”. (النورسي،2012: 146)

لذا يكون مفهوم البقاء الإنساني الحقيقي الأتم ـ حسب النورسي ـ هو مجموع القابليات التي يتعدى بها الشرط الإنساني المحدودية والقصور، ويسعى بإحيائها أو تجديدها لأن يكون مداراً فسيحاً لتجلي الأسماء الحسنى تجلياً كاملاً، وهو المقصود بالحديث الشريف: «إن الله خلق آدمَ على صـورة الرحـمن».

 يقول النورسي: “ولهذا الحديث الشريف مقاصد جليلة كثيرة، منها: أن الإنسان مخلوق على صورة تُظهر تجلي اسم الله “الرحمن” إظهارا تاماً. وفي الحديث الشريف إشارة أيضا إلى أن في الإنسان والأحياء من المظاهر الدالة على “الرحمن الرحيم” ما هو بمثابة مرايا عاكسة لتجلياته سبحانه، فدلالة الإنسان عليه سبحانه ظاهرة قاطعة جلية، تشبه في قطعيتها وجلائها دلالة المرآة الساطعة بصورة الشمس وانعكاسها على الشمس نفسها. فكما يمكن أن يقال لتلك المرآة: إنها الشمس، إشارة إلى مدى سطوعها ووضوح دلالتها عليها، كذلك يصح أن يقال -وقد قيل في الحديث -إن في الإنسان صورة “الرحمن”، إشارة إلى وضوح دلالته على اسم “الرحمن” وكمال مناسبته معه ووثوق علاقته به. (النورسي،2011: 11)

الإنسان الكامل هو الذي يسوق جميع لطائفه من قلب وعقل وروح إلى مقصودة الأساس وهو عبادة الله مع رغبة جامحة في الترقي من إسلام إلى إيمان إلى إحسان، رغبة في المسارعة إلى الخيرات، رغبة في المسابقة. امتثالاً لما نقرأ في كتاب الله عز وجل: “سابقوا”، ونقرأ ذكر السابقين وفوزهم، وذكر المقربين وميزتهم عند الله عز وجل في مقعد الصدق.

هذا الكمال الإنساني أجمله النورسي في هذه العبارة ” وبهذا الوعي الإيماني -الذي يؤدي إلى معرفة وجود الكمال المطلق وهو المحبوب المطلق-تُشبَع المحبة الذاتية الفطرية الشديدة. وبهذا الوعي الإيماني الذي يخص بقاء الباقي السرمدي ووجوده تُعرَف كمالات الكائنات وكمالات نوع الإنسان وتُصَّل، ويتخلص الافتتان الفطري بالكمالات من الآلام غير المحدودة ويتلذذ ويستمتع. وبهذا الوعي الإيماني يحصل انتسابٌ إلى الباقي السرمدي، وبهذا الانتساب الإيماني تَنتج علاقةٌ مع جميع ملكه تعالى. “. (النورسي،2011: 184)

فبقوة الإيمان، وكمال العبودية تتحقق قيمة الإنسان كإنسان، وتتألق وظيفته الجمالية، ويرقى إلى مرتبة أسمى المخلوقات قاطبة، ليس هذا فحسب، بل إن ” الإنسان الذي تاه في كثرة المخلوقات وغرق في الكائنات، وأخذ حُبُّ الدنيا بِلُبِّه حتى غَرَّه تبسُّمُ الفانيات وسقط في أحضانها، لا شك أن هذا الإنسان يخسر خسراناً مبيناً، إذ يقع في الضلال والفناء والعدم، أي يعدم نفسه معنى.

ولكن إذا ما رفع هذا الإنسان رأسه، واستمع بقلب شهيد لدروس الإيمان من لسان القرآن، وتوجّه إلى الوحدانية فإنه يستطيع أن يصعد بمعراج العبادة إلى عرش الكمالات والفضائل فيغدو إنساناً باقياً”. (النورسي،2011: 172)

لذا لا يفتأ النورسي يُذَكِّر بأن توجه الإنسان إلى ربه صُعُداً وارتقاء، وما يطلبه هذا التوجه الكلي الكامل من صدق المحبة والاتباع للعابد الكامل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اللائق لأن يكون مرآة للربوبية المطلقة، وخلوص النية، وتذلل العبودية، وترقيق القلب بالمداومة على الذكر، والتقرب بالفرض والنفل، ومن إطلاق الروح وحثها نحو الكمال والبقاء، والدوام والخلود والفوز بسماع المناد يا أهل الجنة خلودا، ويرضي الرحمن عباده المقربيت بالنظر إلى وجهه الكريم سبحانه.

“إن ما رُكّب عليه الإنسان من أجهزة مادّية وروحية، ومن استعدادات وقدرات أكثر بكثير ممّا يحتاجه الإنسان في حياته الدّنيويّة القصيرة إنّما هي دالّة دلالة القطع على أنّ حياة الإنسان ممتدّة في الوجود إلى ما بعد هذه الحياة الدّنيا، حيث يكون البعث والحشر والحساب، ثمّ الخلود في حياة أبدية، وتلك المقدّرات الواسعة للتّكوين الإنساني إنّما خُلقت على ذلك النّحو لتُصرف في جزء منها على المطالب المحدودة للحياة المشهودة، ثمّ لتُصرف فيما زاد على ذلك لتلبية مطالب أخرى تقتضيها الحياة الباقية في أقدار غير محدودة، إذ هي سعادة غير خاضعة لقياس كمّي ولا زمني، وعلى هذا النّحو يتمّ التّكافؤ بين مقدّرات التكوين الإنساني، وبين الآماد الزمنيّة للحياة المحدود منها والباقي، ويتمّ التّعادل المنطقي بين الطّرفين، وينتهي ذلك التفاوت بين قدرات الإنسان وما تتطلّبه حاجاته الضّروريّة في حياته الدّنيا”. (عبد المجيد النجار، 216-217)

خاتمة:

لقد أكبر النورسي الإنسان وخاطبه في اتجاه جميع مقوِّمات كيانه من حواس ومدارك فكرية وشعورية، الظاهرة منها والباطنة، وبذل الجهد الجهيد في بيان حقيقته، وشرف كرامته التي أهدرتها سخافات الفلسفة حين جعلت “الإنسان آنا مجرد غريزة شبقية يثار ويسكن على إيقاع الشهوة والباعث الجنسي الحيواني، وجعلته آنا آخر مستوفزا، يقطع الرقاب ويزهق الأنفس استئثارا باللقمة وحده، مغالبة وصراعا طبقيا لا مرحمة فيه، وجعلته آنا ثالثا كائنا لا عقل له ولا عقال، انبثق من الصدفة وستبتلعه الصدفة، وبين هذا وذاك عليه أن يراوح بين الأشواط عابثا، مستهترا بالمثل وبكل ما يسوس الإنسان ويعلو به عن حضيض النزوات”. (عشراتي سليمان، 62-63.)

ـ بهذا الربط ارتفع بالإنسان إلى صعيد الإكبار والغيرة على حصانته القدسية التي قررتها تعاليم القرآن الكريم بجعله خليفة في الأرض، فالخالق اصطنع هذا الإنسان لنفسه، وصنعه على عينه، وأوجده ليعرفه، وبَوَّأه شرف أن يكون أجمع مرآة تعكس أنوار أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فلا يسمى الإنسان إنسانا “لأجل جسمانيته وحيوانيته، بل لأجل صفاته الخُلقية. وليس مما يميز الإنسان من غيره من الموجودات في هذا العالم، أنه يحتاج لجسده إلى محل يحله، أو لأنه يتنفس ويأتي النسل والولد، بل الميزة التي تُفرق بينه وبين سائر الموجودات وتُفضله عليها جميعا ولا تجعله نوعا مستقلا عنها فقط، بل وخليفة الله في الأرض أيضا، إنما احتيازه للصلاحية الخُلُقية والتبعة المعنوية وتفرده بهما”. (المودودي، 1985: 19-20)

“إن العالم اليوم وغدا ينتظِر رَوْحَ الرحمة التي تنفس عنه كرْب الحضارة المادية الهائمة بلا غاية. الوسائل فيها تعملقت، وتعملق الاختراع والتكنولوجيا، وتقزم الإنسان، وأصبح دابة استهلاكية لا تعرف لنفسها معنى ولا لسعيها الحثيث على الأرض قرارا. الإنسانية تنتظر دين الله الحقَّ يَبْلُغُها خبرُه وسط ضوضاء العالم وجنونه، تنتظر وجه الربانيين تتوسم قسمات الآمال المكبوتة عليه فتستجيب الفطرة المردومةُ المطمورة لنداءِ الشاهدين بالقسط.” (ياسين العدل :68)

والمسلمون اليوم في أشدّ الحاجة إلى أن يُصحّح في أذهانهم هذا المفهوم لينطلقوا في عبادة الله تعالى بالتّعمير في الأرض؛ باعتباره جزء أساسيّا من مفهوم شرف الخلافة. وهذا ملحظ دقيق يجب على الفكر الإسلامي المعاصر أن يعمل على تِبيانه وترسيخ مراميه في الحياة الإسلامية العامة وِفق المنهجيّة النّورسيّة في تقرير حقيقة الإنسان، التي توازي في خطوطها العامة بين العبادتين.

إن الإنسانية تكتسب قيمتها وحقيقتها المطلقة حين يغدو مصير الفرد في هذه الدنيا مشروطا بمصيره الأخروي ومصير الإنسانية التاريخي، بهذا الشرط الحيوي تترقى الإنسانية ويغدو واقعها الحياتي بالفعل وجها من وجوه البقاء والخلود الذي ينتظره الإنسان المؤمن، ذلك البقاء الأبدي الذي على الإنسان أن يباشر وضع أسسه انطلاقا من هذه الدار الفانية، وذلك بتوثيق صلات الأخوة والقرابة مع الجنس البشري بأسره، بل مع سائر الموجودات، فيسعد بسعادتها، ويشقى بشقائها، ” إن للدنيا وللأشياء “ثلاثة أوجه”: الوجه الأول: ينظر إلى الأسماء الإلهية، وهو مرآة لها، ولا زوال ولا فراق ولا عدم في هذا الوجه، بل فيه تجدد. الوجه الثاني: ينظر إلى الآخرة، وإلى عالم البقاء، وهو كمزرعة له، وفي هذا الوجه تُزرع الثمار الباقية، وهو يخدم البقاء والخلود، ويجعل الفانيات باقياتٍ خالدات، وفي هذا الوجه أيضًا تجليات الحياة والبقاء، لا الموت والزوال. الوجه الثالث: ينظر إلى الفانين، أي: إلينا نحن، فالدنيا في هذا الوجه معشوقةُ الفانين

وأهلِ الأهواء، ومتجرٌ لأهل الوعي العاقلين، وساحة امتحان للموظفين المأمورين؛ والذي سيكون مرهمًا لآلام الفناء والزوال والموت والعدم الكامن في هذا الوجه الثالث هو تجليات البقاء والحياة التي في حقيقة هذا الوجه الثالث. الحاصل: إن هذه الموجودات السيّالة، وهذه المخلوقات السيّارة هي مرايا متحركةٌ ومظاهرُ متبدلةٌ لتجديد أنوار إيجاد واجب الوجود ووجوده.  (النورسي،2011: 80-81.)

من مراتب الإحسان والجمال، وآلافٌ من طبقات الكمال والمحبة المشروع التجديدي للإمام النورسي جوهرة في عقد جواهر المجددين الذي ميز الله تعالى به هذه الأمة للارتقاء بالإنسان ليكون قرآني المشرب، قرآني المقصد، قرآني المسار، على هدي من كان خلقه القرآن “إن الروح باقية قطعا، فإن كل الدلائل المذكورة في المقصد الأول التي تدل على وجود الملائكة والروحانيات تدل كذلك على مسألتنا هذه، وهي بقاء الروح، وعندي أن هذه المسألة قطعية بحيث إن الإكثار من الإيضاح فيها يكون عبثًا. أجل؛ إن المسافة بيننا وبين قوافل الأرواح الباقية التي لا تعد ولا تحصى، الموجودةِ في عالم البرزخ وعالم الأرواح، التي تنتظر الرحيل إلى الآخرة؛ قصيرة ودقيقة إلى حد لا تبقى معه حاجة إلى إيضاحها بالبرهان” (النورسي:2012: 274)

اللهم صل على صاحب الكمالات الإلهية والأنوار المصطفوية وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه ومن أحيى هذه المعاني الجليلة في العالمين.

والحمد لله رب العالمين.

المراجع والمصادر

القرآن الكريم

  1. سعيد النورسي. الكلمات من كليات رسائل النور، مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق، دار السنابل الذهبية، ط. الثانية، 1433هـ ـ 2012م
  2. 2.     سعيد النورسي، الطلاسم، مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق، ط. الأولى، 1433هـ ـ 2012م
  3. سعيد النورسي،  ذو الفقار، مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق، ط. الأولى، 1433هـ ـ 2012
  4. 4.     تعريب شفيق أسعد فريد، مكتبة المعارف، بيروت- لبنان،ط. الأولى المجددة، 1423ه-2003م،.
  5. 5.      الراغب الأصفهاني، تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، ط.بيروت، 1319هـ
  6. 6.      عبد المجيد النجار، خلافة الإنسان عشراتي سليمان، النورسي في رحاب القرآن وجهاده المعنوي في ثنايا رحلة العمر، سوزلر للنشر، فرع القاهرة، ط. الأولى، 1999م
  7. عمران سميح نزال، شرعية الاختلاف بين المسلمين، دار القراء، دمشق- سوريا، ط. 1425هـ – 2004م،
  8. صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة،(3037)، 3/ 1175؛ صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده، (2637)،
  9. سعيد النورسي، المثنوي العربي النوري، مركز الترجمة والبحوث العلمية       بمؤسسة آلتين باشاق، ط. الأولى، 1433هـ ـ 2012م
  10. سعيد النورسي، المكتوبات ، مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق، ط. الأولى، 1433هـ ـ 2012
  11. 11.   – أبو الأعلى المودودي، الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية، الدار السعودية للنشر والتوزيع ـ جده، ط. 1405هـ ـ 1985م.

3 Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published.