Press "Enter" to skip to content

RESEARCH SUMMARY: (EDUCATION BETWEEN THE HEART, MIND AND SOUL)

أ.م.د. منير هاشم خضير العبيدي

جامعة كركوك – كلية التربية للعلوم الإنسانية

The balanced Islamic character set by the Holy Quran is what focuses on the completion of the three main circles: Department of belief and faith. (Creed) The Department of Sharia and Judgments. The Department of Behavior and Ethics (Sufism)

And all the distortions that occur in the personality of the Muslim, and even all the tragedies that we are witnessing today in the Islamic educational scene is the result of the superiority of the circle and focus on and amplify, of course at the expense of the remaining two circles; these departments are not completed unless the trainee takes the need of his heart and mind and self and Bdnh, one of the controls governing the educational process As the Holy Prophet (peace and blessings of Allah be upon him) put it: The necessity of education includes the four aspects of personality (heart, mind, soul and body), and man begins his journey on earth – The growth of these components necessitates the continuous supply of food that suits them, all of which contribute to the formation of the reformed Muslim who performs his basic function; namely the knowledge of his Lord, his worship and his fear. And the establishment of his religion in himself, then in the hearts of Muslims, and strive to communicate it to all human beings. Any neglect of some of them leads to the failure of the emergence of the fruit of the right education; and the damage to the Muslim individual and the Muslim family and thus the entire Muslim community as a result of this imbalance educational.

Keywords: education, Heart, Mind, Soul

 المستخلص

الشخصية الإسلامية المتوازنة التي رسمها القرآن الكريم هي ما يتمّ التركيز فيها على إكمال الدوائر الرئيسة الثلاث: دائرة الاعتقاد والإيمان. (العقيدة) دائرة الشريعة والأحكام. (الفقه) دائرة السلوك والأخلاق. (التصوف)

وكل التشوهات الحاصلة في الشخصية المسلمة، لا بل كل المأسي التي نشهدها اليوم في الساحة التربوية الإسلامية ناتجة من تغليب دائرة والتركيز عليها وتضخيمها ، طبعاً على حساب الدائرتين الباقيتين؛ وهذه الدوائر لا تكتمل مالم يأخذ المتربي حاجة قلبه وعقله ونفسه وبدنه، فمن الضوابط الحاكمة للعملية التربوية المتوازنة كما رسمها القرآن الكريم وطبقها النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم- في من ربّاهم : ضرورة أن تشمل التربية الجوانب الأربعة للشخصية (القلب والعقل والنفس والبدن)، والإنسان يبدأ رحلته على الأرض -منذ خروجه من رحم أمه- بهذه المكونات الأربع وهي غير مكتملة النمو، بل جعلها الله سبحانه تبدأ صغيرة، محدودة الإمكانات، لتنمو بعد ذلك بما أودع فيها من خاصية النماء. ونماء هذه المكونات يستلزم دوام إمدادها بالغذاء الذي يناسبها، لتساهم جميعاً في تنشئة المسلم الصالح المصلح الذي يقوم بوظيفته الأساسية؛ ألا وهي معرفة ربه وعبادته وخشيته بالغيب، وإقامة دينه في نفسه، ثم في نفوس المسلمين، وأن يجتهد في تبليغه للبشر جميعًا. فأي إهمال لجانبٍ منها يؤدي إلى عدم ظهور ثمرة التربية الصحيحة؛ ويعود بالضرر على الفرد المسلم وعلى الأسرة المسلمة وبالتالي على المجتمع المسلم بأسره نتيجة هذا الاختلال التربوي.

الكلمات المفتاحية: التربية، القلب، العقل، النفس

المقدمة:

إنَّ المتتبع بدقّةٍ لحال المسلمين اليوم وبالأخص حال من يتصدى للعمل الإسلامي الدعوي أو السياسي أو الإجتماعي والإغاثي يلاحظ بوضوح أنّ هناك حلقة مفقودة بين الأقوال والأفعال، والسبب الرئيسي في ذلك هو ضعف الإيمان والخلل في التربية، فعندما يُهيمن الإيمان الحيّ على القلب، فإنه يُولِّد في قلب صاحبه طاقةً عظيمةً، وقوةً روحيةً هائلةً تدفعه للقيام بالأفعال التي تناسب المواقف المختلفة من سرَّآء أو ضرَّآء .. لذلك فلو تجاوزنا البدء بالتربية الإيمانية فإن الفجوة ستزداد بين الواجب والواقع وبين العلم والعمل.

والتربية كما يقول الإمام البيضاوي: هي تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً (النحلاوي: 12)، ويمكن تعريفها كذلك بأنها الأداة التي تقوم بإحداث تغييرٍ أو أثرٍ دائم في الشيء.

لذلك فإنَّ من أهم أهداف التربية الإسلامية الصحيحة هو: إحداثُ أثرٍ إيجابي دائم في المكونات الأربعة للإنسان، ينتج عنه تغيير حقيقي في ذاته ليشمل:

  • المفاهيم والتصورات في العقل.
  • إصلاح الإيمان في القلب.
  • تزكية النفس وترويضها على لزوم الصدق والإخلاص والتواضع ونكران الذات.

ويشمل كذلك ضبط حركة المرء والتعود على بذل الجهد في سبيل الله عز وجل، لتكون ثمرة هذا التغيير -في هذه المحاور -تنشئة المسلم الصالح المصلح الذي تتأسس عليه الأسرة المسلمة، فالمجتمع المسلم، ومنه تنبثق الحكومة المسلمة وصولاً إلى الإتحاد الإسلامي أو الخلافة الإسلامية أو إستاذية العالم.

ومن الضروري أن تستمر التربية ولا تنقطع أو تتوقف عند فترة معينة، لأن الأمر الذي استوجبها دائم لا ينقطع ولا يتوقف حتى الموت: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر/99].

تأمل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ …} [النساء/136].

يقول الأستاذ محمد قطب معلقًا على هذه الآية: أي حافظوا على إيمانكم، استمروا فيه، لا تغفلوا عن المحافظة عليه. لا تفتروا عن معاهدته ورعايته وتغذيته وتقويته والحرص عليه. (محمد قطب: 26)

ومما يؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الإيمان يخلق في القلوب كما يخلق الثوب، فجددوا إيمانكم»، فمهما تقدم عمر المرء، ومهما ارتقى في سُلّم المسؤولية، فلا بدَّ له من الاستمرار في التربية حتى يستمر قيامه بحقوق العبودية لله عزَّ وجلَّ.

وقال صاحب الظلال-رحمه الله-:” إنَّ القلب البشري سريع التقلب، سريع النسيان، وهو يشف ويشرق فيفيض بالنور… فإذا طال عليه الأمل بلا تذكير ولا تذكُّر، تبلد وقسا، وانطمست إشراقته، وأظلم وأعتم، فلا بدَّ من تذكير هذا القلب. ولا بدَّ من اليقظة الدائمة كي لا يصيبه التبلد والقساوة”. (سيد قطب: 6/ 3489.)

وأما النفس فهي كالأسير الذي يحاول مقاومة الأسر، فإن أسَرْتَه فلا بدَّ من اليقظة الدائمة معه حتى لا يفلت منك ويأسرك ويجعلك طوع أمره.

والعقل أيضًا يحتاج باستمرار إلى تزويده بالعلم النافع حتى تتسع مداركه، وتُفتح نوافذه، فتزداد معرفته بربه، وما يُقربه إليه {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] (مجدي الهلالي: 6)

ومن المعلوم أن نهوض أي أمة ورقيها معقود بمدى ارتباطها بأخلاقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)، ولقد أحكم صلى الله عليه وسلم تربية الجيل الأول من صحابة هذه الأمة، حيث جمع صلى الله عليه وسلم أشلاء ذلك الجسد الدامي، وجمع بين تلك النفوس المتباغضة، ليعيد سبك ذلك النسيج الممزق، ويصوغه صياغة نوعية متميزة متفوقة، تحيي الضمائر، وتحقق رقي هذه الأمة الذي لا يتأتى إلا بجودة التربية. وكانت تربية الرعيل الأول من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم تجسيدا للأخلاق والقيم الإسلامية على أرض الواقع.

وقد حمل الرسول صلى الله عليه وسلم الوالدين مسؤولية تربية أبنائهم مسؤولية كاملة، فعن ابن عمر -رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم).

وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.). فلا بد من بدل الجهد، والعمل الدؤوب، في تربية الأبناء، وتعويدهم الخير، وقد قال الغزالي في رسالته: “أيها الولد”: “إن معنى التربية يشبه عمل الفلاح، الذي يقلع الشوك، ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ريعه (الرازي. 1 /267) (الغزالي، 128.). وهذه التربية هي حق الابن على والديه. 

المبحث الأول: التعريفات

التربية لغةً: اسمٌ مشتقٌ من الربّ.

والربّ: يطلق في اللغة على المالك والسيد والمُدِّبر والمُربيِّ والقيِّم والمُنعم. ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، وإذا أُطلق على غيره فيقال: رَبُّ كذا.

وقيل [ألك نعمةٌ تُربيها] إي: تحفظها، وتُراعيها وتُربيِّها كما يُربي الرجل ولده. يُقال: رَبَّ فُلان ولده يَرُبُّه رَبَّاً ورَبَّتَه ورَبَّاه كله بمعنى واحد.

والرباني هو: منسوب إلى الربّ بزيادة الألف والنون للمبالغة، وقيل هو من الرًّب بمعنى التربية. وقيل للعلماء: ربّانيون؛ لأنهم يربُّون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها.

والرَّبَّانيُّ: العَالمُ الراسخُ في العلمِ والدِّين. أو الذي يطلبُ بعلمه وجه الله (ابن الأثير، 1979: 450.)

وتستعمل كلمة التربية بمعنى التهذيب وعلو المنزلة، وقد ذكر ذلك الزمخشريُّ، فقال: ” ومن المجاز: فلان في رَبَاوة قومه: في أشرفهم”. (الزمخشري،1922: 158)

التربية اصطلاحاً:

 “يختلف تعريف التربية اصطلاحاً باختلاف المنطلقات الفلسفية، التي تسلكها الجماعات الإنسانية في تدريب أجيالها، وإرساء قِيمِها ومعتقداتها، وباختلاف الآراء حول مفهوم العملية التربوية وطرقها ووسائلها”. (الزهورين بهاء الدين، 2002: 16)

فقد ورد في تعريف التربية تعاريف متعددة منها:

  1. التربية: إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام (. المناوي، 1990، 169)
  2. التربية تعني: ” تغذية الجسم وتربيته بما يحتاج إليه من مأكل ومشرب ليشّب قوياً معافى قادراً على مواجهة تكاليف الحياة ومشقاتها. فتغذية الإنسان والوصول به إلى حد الكمال هو معنى التربية، ويقصد بهذا المفهوم كلّ ما يُغذي في الإنسان جسماً وعقلاً وروحاً وإحساساً ووجداناً وعاطفة “ (محجوب عباس1978: 15.)
  3. والتربية تعني:”الرعاية والعناية في مراحل العمر الأدنى، سواء كانت هذه العناية موجهة إلى الجانب الجسمي أم موجهة إلى الجانب الخُلقي الذي يتمثل في إكساب الطفل أساسيات قواعد السلوك ومعايير الجماعة التي ينتمي إليها”.

القلب: يُطلق لمعنيين (. الغزالي، 505هـ: 3/ 3.)

:

أحدهما: اللّحم المعروف الذي يضُخُّ الدم.

والثاني: هو لَطيفة ربانيّة روحانيّة لها تعلق بهذا القلب الجسماني وهذه اللطيفة هي حقيقة الإنسان والمدرك العام العارف منه والمخاطب بالتكليف، والمجازى عليه ولم يستطع أن يُدرك العَلاقة بين هذين المعنيين للقلب؛ لأنَّ ذلك من علوم المكاشَفة التي لا تُفيد معها الحواسّ المعروفة؛ ولأنّه يؤدّي إلى إفشاء سِرّ الرُّوح الذي لم يتكلّم به الرسول فغيره أولى. وقال: إذا استعملنا لفظ القلب في الكتابة والشرح فالمراد به اللطيفة الربانيّة لا القلب العُضوي.

العقل: وهو أيضًا مشترك لمعان مختلفة ذكرناها في كتاب العلم، ويُهِمّنا هنا معنيان.

 أحدهما: أنّه يُراد به العلم بحَقائق الأمور، فيكون العَقل عِبارة عن صفة العلم الذي محله القلب.
والثاني: أنّه المدرك للعلوم، فيكون هو القلب بمعنى اللطيفة الربانيّة المدركة العالمة.

النفس: وهو لفظ مشترك بين عدة معانٍ، يُهِمُّنا من هذه المعاني الكثيرة معنيان:-
أحدهما: أن يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان، ويَهتم أهلُ التصوّف بهذا المعنى؛ لأنّهم يُريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان، فلا بدَّ من مجاهَدتها.
والمعنى الثاني: هي اللّطيفة التي ذكرناها، التي هي الإنسان بالحقيقة، وهي نفس الإنسان ذاته، ولكنّها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها، فإذا سكنت تحت الأمر وفارَقها الاضطراب بسبب معارَضة الشهوات سُمِّيت النفسَ المطمئنة ، قال تعالى: (يا أيّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنّة.ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيةً مَرْضِيّة)(سورة الفجر: 27 ـ 28).والنفس بالمعنى الأول لا يتصوّر رجوعها إلى الله فهي مبعثرة عنه وهي من حزب الشيطان.وإذ لم يتمّ سكونها ودافعت الشهوات واعترضت عليها سُمّيت النفس اللوامة، وإن تركت المدافعة والاعتراض وأطاعت الشهوة والشيطان سُمّيت النفسَ الأمارة بالسوء(.الغزالي ، 505هـ: 3/ 3.)

التربية على مر العصور:

 في كل عصر كان للتربية مميزات خاصة، وهي:

  1. التربية في العصور القديمة، حيث كانت التربية في العصور القديمة كما يلي:
  2. الحضارة الصينية، وكانت التربية تتلخّص في جملة من العادات والتقاليد المحافظة التي تقوم على تعريف الفرد بواجباته، وأعمال الحياة بجميع أشكالها، وعلاقاتها مع بعضها.
  3. الحضارة المصرية الفرعونية، وكانت التربية تتلخص في المعرفة وطريقة البلوغ للمجد والثروة، واحترام وتقدير عمل التدريس التي صنّفت من أفضل المهن وأسماها، وكان النظام التربوي في الحضارة الفرعونية يعقد في المعابد.
  4. الحضارة اليونانية، وكانت التربية تتلخص في بثّ روح الحرية الفردية، والابتكار، والتقدّم، والتجديد، والتطوّر في كلّ المجالات، فكانت التربية غاية لوصول الإنسان إلى درجة عالية من السعادة.
  5. الحضارة الرومانية، وكانت التربية مقتبسة من عادات التربية في الحضارة اليونانية، لكن باختلاف جوهري بين الحضارتين تتمثل في أنّ فلاسفة الرومان اهتموا بالنظريات والابتكارات الموضوعة من قبل لتحسين حياتهم وأحوالهم، بينما فلاسفة اليونان بحثوا عن الغاية من الحياة.
  6. الحضارة العربية، وكانت التربية تتلخص في أنّ العائلة هي المكان التي يتعلّم منها الفرد أسس الحياة، سواء كان ذلك الصيد، أو رعي المواشي، أو صنع الآلات الحربية، أو تعلّم الصناعات الحرفية، أو المهنية، والتجارة، أو التعلم في المدارس، والمعاهد، والكليات، والجامعات.
  7. التربية في العصور الحديثة، والتي أصبحت التربية فيها مبنية على أسس علمية وعقلية، ظهرت في الدراسات التربوية، والأبحاث.
  8. التربية المعاصرة، حيث ازداد الاهتمام بمجال التربية، واتسمّت بأنهّا متقدمة في مجالات التعليم، وأصبح الطفل هو محور العملية التربوية.

المبحث الثاني: أهمية التربية الإيمانية وضرورة التوازن التربوي

المطلب الأول: أهمية التربية الإيمانية

لقد أعطى علماء السلف لموضوع التربية اهتماما بالغا، فوضعوا له بابا ضمن مصنفاتهم، فقد خصص البخاري كتابا في صحيحه سماه: كتاب الأدب وشرحه بقوله: “الأدب هو: ترويض النفس على محاسن الأخلاق، وفضائل الأقوال والأفعال، التي استحسنها الشرع وأيدها العقل، واستعمال ما يحمد قولا وفعلا. وهو مأخوذ من المأدبة وهو طعام يصنع ثم يدعى الناس إليه سمي بذلك، لأنه مما يدعى كل أحد إليه والمراد هنا بيان طرقه وأنواعه وما يتحقق به”.

  وخصص العبدري في كتابه: “المدخل” فصلا في تربية الأولاد وحسن سياستهم. ذكر فيه قول القاضي أبي بكر ابن العربي في كتابه “مراقي الزلفى”: “اعلم أن الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورته، وهو قابل لكل نقش وقابل لكل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة يشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم به والولي عليه. وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من القرناء السوء”[.

  كما وضع ابن خلدون بابا في مقدمته سماه: في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه. تحدث فيه عن طرق التعليم في المغرب والأندلس وباقي الأمصار. والتي تختلف من بلد لآخر.

ولعلنا نذكر بعض الأمور التي تبيّن لنا أهمية التربية الإيمانية وضرورة الاعتناء بها فيما يأتي:

  • الإيمان هو أفضل الأعمال؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: “إيمان بالله ورسوله” قيل: ثم ماذا؟ قال: “الجهاد في سبيل الله” قيل ثم ماذا؟ قال: “حج مبرور”. والإيمان مناط النجاة يوم القيامة؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”.
  • تفاوت الناس يوم القيامة على أساس الإيمان؛ وهذا يتفاوت من ميدان إلى ميدان فمثلا أهل الجنة يتفاوتون فيما بينهم من درجات وكذلك أهل النار يتفاوتون فيما بينهم من دركات.
  • الإيمان هو الأساس والأصل في التربية الإسلامية، وهو الزاد للمرء في مواجهة الشهوات.
  • قوة الإيمان هو العلاج الأنجح لكثير من المشكلات؛ فمثلا (قسوة القلب، الفتور، ضعف العناية بالعبادات…)، وغيرها من المشكلات لا يعالجها إلا قوة الإيمان، وقوة الإيمان هي أهم ما يعين المرء على الثبات على دين الله؛ خاصة ونحن اليوم نعاني من كثير من حالات التقهقر والتراجع.
  • قوة الإيمان هي أعظم حاجز بين المرء وبين مواقعة الحرام والمعاصي؛ قال الله تعالى عن الشيطان:﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾[النحل: 99]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.”، والشاب في مرحلة المراهقة ينبغي أن يُركّز على تقوية إيمانه بالعبادة والتوبة.
  • أننا في آخر الزمان، وقد عُرف فضل العبادة والتمسك بالدين، قال عليه الصلاة والسلام: “فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون بمثل عمله”. وهو زمن يبتعد فيه الناس عن العبادة.” .

التربية هي عمل الرسل واتباعهم:

إن قضية تغيير ما بالنفس ووضعها في قالبها الصحيح لمن أهم الأمور التي ينبغي أن يبذل فيها الجهد، وهي لن تتم بالمحاضرات والكتب فقط، ولكن بدوام

التوجيه والتعاهد والتربية، لذلك نجد أن من مهام الرسل تزكية نفوس أتباعهم {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2].

وهذا ما فعله رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يكتفي بتعليم أصحابه بل بتربيتهم وتعاهدهم كذلك … انظر إليه صلى الله عليه وسلم وكيف كان غضبه من أبي ذر عندما عير بلالًا بسواده، وتأمل كيف كان قدوة لأصحابه في التواضع. فقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يرقع الثوب، ويخصف النعل، ونحو هذا. وفى غزوة أحد أنه صلى الله عليه وسلم رأى أبة دجانة يتبختر بين الصفين. فقال: ” إنها مشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن”.

وجاء من بعده صلى الله عليه وسلم الصحابة رضوان الله عليهم، وقد شربوا مشربه، وتعلموا طريقته، فقد عاشوا في ذلك الجو التربوي الفريد، واستنشقوا هواءه، فكان كل واحد منهم يحرص على أخيه ويفعل ما فيه فلاحه، انظر إلى عمر بن الخطاب ومدى خوفه الشديد على خالد بن الوليد وفتوحاته المستمرة وافتتان الناس به، فكان قرار عزله من إمارة الجيش حرصًا عليه.

ولقد أتى أبو أمامة على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي في سجوده ويدعو ربه، فقال له: أنت أنت. لو كان هذا في بيتك (ابن المبارك: 50).

وهذا ابن المبارك يسأله بعض إخوانه ذات ليلة وكانوا على ثغر من ثغور القتال يتذاكرون في مسائل العلم: أترى يا أبا عبد الرحمن أنّ في أعمال البرّ ما هو أرضى لله تعالى مما نحن فيه؟ قال: نعم. رجل يسعى على عياله، قام من جوف الليل، يتفقد حال صبيته، ويطمئن إلى راحتهم وأغطيتهم.

يقول البوطي تعليقًا على الخبر: ولا يخامرني شكٌ في أنّ ابن المبارك إنما قال هذا كي لا تزهو بالسائل نفسه بما هو فيه من الرباط على الثغر مع العكوف على العلم، فيرى أنه قد أتى بذلك ما لم يعطه أحد غيره (للبوطي – 66).

فلابد إذن لمن ينشد الصلاح لنفسه أن يحيطها بجو تربوي من خلال صحبة صالحة من النصحاء الذين يوجهونه وينصحونه ويتعاهدون (مجدي الهلالي، 2004: 194-195).

والتربية هي الطريق الوحيد للنهضة:

كما اعتقد الإمام محمد عبده-رحمه الله-أن التربية هي البلسم الشافي لكل علة. واعتبر فقر العقول والتربية أشد ضروب الفقر. وفي نظره أن الإنسان إذا فقد التربية فقد كل شيء وأن الإنسان لا يكون إنسانا حقيقيا إلا بالتربية”(محمد عمارة: 1972: 154)”، وكان يرى أن الطريق الوحيد للنهضة والتجديد في العالم الإسلامي هو التربية وفي ذلك يقول: “إنني أدعو إلى التربية لأنني عرفت أية ثمرة تجنيها الأمم من غراس تغرسه اليوم وتقوم على تنميته السنين الطوال”.

العمل التربوي بديل العمل السياسي:

وهذا أيضاً مما آمن به الإمام محمد عبده، حيث ذكر أنّ قدرة التعليم على تكوين طبقة واعية مستنيرة تستطيع أن تحقق الحكم النيابي الصحيح. وكان يرى أن الجهل عقبة في طريق تحقيق الديمقراطية، وهو رأي سديد. وقد طالب بشدة بأن يكون العمل التربوي بديل العمل السياسي، وفي ذلك يقول: “إني لأعجب لجعل نبهاء المسلمين وجرائدهم كل همهم في السياسة وإهمالهم أمر التربية الذي كان كل شيء وعليه كل شيء. إن السيد جمال الدين كان صاحب اقتدار عجيب لو صرفه ووجهه للتعليم والتربية لأفاد الإسلام أكبر فائدة”(محمد عمارة: 1972: 156)”.

ومن مبادئ أصول التربية:

  • تقديمُ التربية على التعليم: وهو المبدأُ الذي يشيرُ إلى أهميّةِ التربية، بصفتها المُحرك الرئيسي للتعليم، لذلك يعتبرُ أن التربية أهم من التعليم؛ لأنها تساهمُ في توجيه سلوك الأطفال، وتزويدهم بمجموعةٍ من المهارات الأساسيّة، وخصوصاً المرتبطة بالتواصل والتفاعل مع الأفراد المحيطين بهم، ثم يأتي دور التعليم في دعمِ قدراتهم الفكريّة والمعرفيّة.
  • الربطُ بين التربية وعلم النفس: وهو المبدأ الذي يهتمُ بالحالةِ النفسيّة عند الطفل، عن الطريق الحرص على توفيرِ أسلوب التربية المُناسب، والذي يعتمدُ على الملاحظة، والمتابعة لسلوك الطفل، مما يساهم في تطورِ نموه وتشجيعه على تطوير مهاراته، وخصوصاً المرتبطة بالهوايات التي تنمي من موهبته في مجالٍ ما.
  • تطبيقُ التربية الفرديّة ضمن البيئة الاجتماعيّة: وهو من المبادئ المهمة في أصول التربية، والذي يعتمدُ على فكرة تطبيق التربية بصفةٍ فرديّةٍ أي الاهتمامُ بمتابعة كُلٍ طفلٍ بطريقةٍ مختلفةٍ عن الأطفال الآخرين داخل العائلة، وهكذا يتمكن الوالدان من تقييم الحالة النفسيّة لكل طفلٍ منهم، وبعد ذلك يتمُ اختيار وسائل التربية المناسبة لتطبيقها في التعاملِ مع كافة الأطفال، مما يساهمُ في ضمانِ تحقيقِ التوازن التربوي داخل العائلة الواحدة (مجد خضر، ٢٠١٩)

المطلب الثاني: ضرورة التوازن التربوي

كما أسلفنا أنَّ التربية هي: إحداث أثر دائم في الشيء … مع العلم بأن هذا الأثر قد يكون إيجابيًا أو سلبيًا، كمن يتربى على الكذب فيصير كذَّابًا، أو من يتربى على الشُّح فيصير شحيحًا، أو من يتربى على الإنفاق فيكون كريمًا جوادًا. وعملية التربية تحتاج إلى ممارسة دائمة ومتكررة حتى تظهر ثمارها. قال صلى الله عليه وسلم «الخير عادة. ».

خلق الله عزَّ وجلَّ الإنسان وجعل تكوينه يشمل أربعة مكونات رئيسية هي: (العقل والقلب والنفس والجسد).

والإنسان يبدأ رحلته على الأرض -منذ خروجه من رحم أمه-بهذه المكونات الأربع وهي غير مكتملة النمو، بل جعلها الله سبحانه تبدأ صغيرة، محدودة الإمكانات، لتنمو بعد ذلك بما أودع فيها من خاصية النماء.

ونماء هذه المكونات يستلزم دوام إمدادها بالغذاء الذي يناسبها، لتساهم جميعاً في تنشئة المسلم الصالح المصلح الذي يقوم بوظيفته الأساسية؛ ألا وهي معرفة ربه وعبادته وخشيته بالغيب، وإقامة دينه في نفسه، ثم في نفوس المسلمين، وأن يجتهد في تبليغه للبشر جميعًا.

ضرورة التربية المتوازنة:

من هنا تبرز أهمية التربية الصحيحة المتوازنة، فالمسلم لن ينصلح حاله، ولن يكتمل نموه، ولن يرى الثمار الصحيحة لعبوديته لربّه عزّ وجلّ إلا إذا اهتم بالجوانب الأربعة التي تشكل كينونته.

فعندما يُترك العقل دون تربية وإنماء في الاتجاه الصحيح، فمن المتوقع أن يفشو الجهل، وتتغير الأولويات، وتضطرب المفاهيم، وتكثر الشبهات، وتظهر البدع والعقائد الفاسدة.

وعندما يُترك القلب بدون تعاهد وإمداد إيماني فإنه سيصبح أسيرًا للهوى تابعًا له. كلما اشتهى فعل، وكلما رغب اندفع. لا يبالي بحلالٍ أو حرامٍ. تتبلد مشاعره وتقسو، فلا يكاد يتأثر بموعظة.

وعندما تترك النفس بدون تزكية، فستجد أمامها المجال مفتوحًا للفجور والطغيان وسوق صاحبها لفعل الفواحش والموبقات.

وعندما تُترك حركة المرء وجهده البدني بدون توجيه فمن المتوقع أن يستهلكها في تحقيق شهواته ورغائبه دون ضوابط.

كل هذا سيؤدي إلى التخبط والضياع في الدنيا، والابتعاد عن الطريق المستقيم. طريق العبودية لله عزّ وجلّ ومن ثمَّ يكون الخسران -والعياذ بالله -في الآخرة. تأمل قوله -جل ثناؤه-وهو يصف حال أناس تركوا التزكية والتربية الصحيحة، فتعطلت عقولهم، ومرضت نفوسهم وقلوبهم، واتجهت حركاتهم ونشاطهم نحو الأرض والطين لتحصيل واستيفاء الشهوات:” وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” [الأعراف: 179].

لذلك فإن من يهمل التربية الصحيحة فإنه ينحدر إلى أسفل، ويزداد هذا الانحدار كلما كانت تغذيته لعقله وقلبه ونفسه تغذية عكسية. وهكذا حتى يصل إلى أسفل السافلين، ويصبح مثل الأنعام في الاهتمامات، ودونها في المرتبة، قال تعالى: “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ” [الأنفال: 55]. (مجدي الهلالي،2009: 4.)

المبحث الثالث: التطبيقات والنتائج التربوية.

من الضوابط الحاكمة للعملية التربوية ضرورة أن تشمل التربية الجوانب الأربعة للشخصية (القلب والعقل والنفس والبدن)، فأي إهمال لجانبٍ منها يؤدي إلى عدم ظهور ثمرة التربية الصحيحة: –

  • فعندما يحصل اهتمام بتحصيل العلم، دون الاهتمام بزيادة الإيمان، فستكون النتيجة المتوقعة: شخص كثير التنظير، حافظاً للنصوص، كثير الحديث عن القيم والمبادئ، والمعاني العظيمة، لكنك قد تجد في المقابل واقعاً يختلف عن الأقوال، فهو يتحدث عن العدل والمساواة، بينما لا يتعامل مع الآخرين بهذه القيم، وبخاصة مع من يرأسهم. يتحدث عن الزهد في الدنيا وأهمية العمل للآخرة، في حين تجده يحرص على جمع المال، وينفق منه بحسابٍ شديدٍ، ويدقق في كل شيء مهما كان صغيراً، كل هذا وغيره بسبب عدم الاهتمام بالإيمان بنفس درجة الاهتمام بالعلم، فالذي يُقرّب المسافة بين القول والفعل، ويُترجم العلم إلى سلوك هو: «الطاقة والقوة الروحية المتولدة من الإيمان»، وهذا ما وجدته واضحاً في الوسط الديني العراقي من مشايخ واساتذة جامعات شرعية ودعاة مما يؤشر إلى خطرٍ كبيرٍ في إنهيار المنظومة الدينية برمتها، لأنَّ الناس تقيس الدّين بمن يمثله من مشايخ وعلماء واساتذة – والواقع أنَّ الفرق هائل بين أقوال هؤلاء وأفعالهم- ومالم يتم تدارك الأمر بإنحياز واضح من قبل ثُلّة كبيرة من العلماء وطلبة العلم إلى إنقاذ الأيمان وإحياءه في قلوبهم أولاً ثمَّ في قلوب الناس جميعاً.
  • وعندما يتم الاهتمام بالإيمان دون العلم فستجد أمامك شخصاً جاهلاً، يتشدد فيما لا ينبغي التشدد فيه، ويترخص فيما لا ينبغي الترخص فيه. ستجد شخصًا ضيق الأُفق لا يستطيع أن يتعامل مع فقه الواقع ومستجدات العصر، وهذا ما وجدته فعلاً في كثيرٍ من شباب الأتراك المتدينين، حبٌّ كبيرٌ للدين وعاطفة جيّاشة لنصرة الإسلام والعمل لأجله ولكن هذه العاطفة غير محددة بعلمٍ شرعي رصينٍ مما يُخشى من استغلال هذه العاطفة من قبل أعداء الإسلام وجنودهم المتطرفين بكافة مسمياتهم وأشكالهم. وهنا كان الدور الكبير والملحوظ الذي قام به بديع الزمان سعيد النورسي من خلال مؤلفاته القينة رسائل النور التي قامت بمهمة عظيمة في تقوية روح الإيمان في نفوس الكثير من المسلمين داخل تركيا وخارجها، وخاصة ان رسائل النور لها حيلة واضحة بموضوع دراستنا حيث ركزت على تزكية القلوب وتربية الأنفس كما قامت بدور كبير في لفت أنظار الناس إلى عملية التفكر العقلي وذلك من خلال التأمل والنظر في الأكوان التي تؤكد على وجود الخالق واجب الوجود سبحانة وتعالى ، ولعل الدور الذي قام به الإمام النورسي سوف تظهر ثمارة يانعة في مجالات التربية بكل أبعادها القلبية والعقلية والنفسية  وقد لاحظنا في الواقع العراقي أن الشباب المسلم المتدين الذي أنضم إلى التطرف المتمثل بالقاعدة أولاً ثمَّ داعش ثانياً على صنفين: الأول أصحاب عاطفة قوية وحب للاسلام وفي نفس الوقت جهل بالدّين وأحكامه من شباب القرى والأرياف الذين أستغلوا واستدرجوا تحت عناوين مقاتلة المحتل والجهاد في سبيل الله والشهادة وما إلى ذلك فلمّا تبيّنَ أنّ الواقع غير ذلك لم يستطع الخروج منهم. والثاني من رأي قتل ذويه أمام عينيه أو تفجير بيته أو حرق بستانه من قبل المحتل أو الجيش أو الحشد فانتسب للمتطرفين بغية الانتقام والثأر (وكلا الصنفين بسبب العاطفة مع الجهل).
  • وفي حالة الاهتمام بالعلم والإيمان مع عدم الانتباه للنفس، وإهمال تزكيتها، فسيكون النتاج: شخصاً كثيرَ العبادة، كثيرَ المعلومات، سبَّاقاً لفعل الخير وبذل الجهد، لكنه متورم الذات، يرى نفسه بعدسة مُكبِّرة، ويرى غيره بعكس ذلك، لأنَّ عبادته وأوراده وبذله -في الغالب -ستغذي إيمانه بنفسه وبقدراته، وأنه أفضل من غيره، فيتمكن منه -بمرور الأيام واستمرار الإنجازات والنجاحات -داء العُجْب، ومن وراءه الغرور والكِبر والعياذ بالله، فيُعرِّض نفسه لمقت ربه وحبوط عمله.
  • ومع ضرورة الاهتمام بالتربية المعرفية والإيمانية والنفسية تأتي كذلك أهمية التعود على بذل الجهد في سبيل الله، وفي دعوة الناس إليه، فلو لم يتحرك المسلم، ويُعلّم الناس ما تعَلّمه، ويأخذ بأيديهم لتغيير ما بأنفسهم -بإذن الله -فإنه سيصاب بالفتور والخمول والكسل، ولن يدرك أسرار الكثير من المعاني التي يتعلمها، وقبل ذلك فإن الواجب الشرعي والواقع الأليم الذي تحياه أمتنا يُحتِّمان عليه فعل ذلك.
  • وفي المقابل، فإنَّ الحركة وبذل الجهد في سبيل الله إن لم يكن وراءها زادٌ متجدد، فإنَّ عواقبَ وخيمةً ستلحق بصاحبها، ويكفيك في بيان هذه الخطورة قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تُضيء للناس وتحرق نفسها» (صحيح الجامع برقم 5837). فلا بدَّ من الأمرين معاً: لا بدَّ من الزاد، ولا بدَّ من التحرك بهذا الزاد (مجدي الهلالي: 7.).

الخاتمة

وفي الختام أكرر أهمية هذا الموضوع وخطورته ووجوب سرعة تدارك النقص الحاصل في الجوانب التربوية والعلمية والسلوكية. والشخصية الإسلامية المتوازنة التي رسمها القرآن الكريم هي ما يتمّ فيها إكمال الدوائر الرئيسة الثلاث:

  • دائرة الاعتقاد والإيمان. (العقيدة)
  • دائرة الشريعة والأحكام. (الفقه)
  • دائرة السلوك والأخلاق. (التصوف)

وكل التشوهات الحاصلة في الشخصية المسلمة، لا بل كل المأسي التي نشهدها اليوم في الساحة التربوية الإسلامية ناتجة من تغليب دائرة والتركيز عليها وتضخيمها، طبعاً على حساب الدائرتين الباقيتين فظهرت السلفية والوهابية والتكفير والتطرف بكافة أشكاله وأنواعه ومسمّياته، وكذلك ظهرت الطرق الصوفية المنحرفة التي تصل بشيخ الطريقة إلى العصمة ومنحه صفات الأله.

وبعد صدق العزم والتوكل على الله علينا أن نشرع في استكمال ما ينقصنا من جوانب التربية المختلفة، وإن كان من الأفضل أن نبدأ بالتربية الإيمانية كما أسلفنا ونتبعها بعد ذلك بالجوانب الأخرى حتى يتحقق التوازن التربوي بعون الله.

ولعل من أهم الأسباب التي تعين المرء على الاستمرار في تربية نفسه وبذل جهده في سبيل الله هو وجوده في وسط صالح، وصحبة طيبة، إذا نسي ذكروه، وإذا عزم أعانوه، وإذا غاب تفقدوه (مجدي الهلالي،2009: 44). قال تعالى: “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا” [الكهف: 28].

ومن الضوابط الحاكمة للعملية التربوية المتوازنة كما رسمها القرآن الكريم وطبقها النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم-فيمن ربّاهم: ضرورة أن تشمل التربية الجوانب الأربعة للشخصية (القلب والعقل والنفس والبدن)، فأي إهمال لجانبٍ منها يؤدي إلى عدم ظهور ثمرة التربية الصحيحة؛ ويعود بالضرر على الفرد المسلم وعلى الأسرة المسلمة وبالتالي على المجتمع المسلم بأسره نتيجة هذا الاختلال التربوي.

وفي النهاية نسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ما وفقنا إليه، وأن يعيننا جميعًا على استكمال ما ينقصنا لكي نكون عبيدًا مخلصين له غير ضالين ولا مضلين.

والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

المصادر:

القرآن الكريم.

  1. «أصول التربية الإسلامية وأساليبها المختلفة» لعبد الرحمن النحلاوي، دار الفكر.
  2. ابن الأثير، أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري (ت 606 هـ/ 1189م) (النهاية في غريب الأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بيروت، المكتبة العلمية، 1399هـ /1979م.
  3. أحمد، محمد حسين، الأهداف التربوية للعبادات في الإسلام، رسالة لنيل درجة الدكتوراه في التربية، كلية التربية، جامعة طنطا، قسم أول التربية، غير منشورة: رابط الموضوع: http://www.alukah.net/social/0/94173/#ixzz5NfkcdI7M
  4. التوازن التربوي وأهميته لكل مسلم، مجدي الهلالي، دار السراج، الطبعة: الأولى، 2009م.
  5. حطِّم صنمك وكن عند نفسك صغيرًا، مجدي الهلالي، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع، (2004م).
  6. الرحيق المختوم للمباركفوري.
  7. الزمخشري، محمود بن عمر جار الله (ت 583هـ) (أساس البلاغة، القاهرة، دار الكتب، ط1، (1922م).
  8. الزهوري، بهاء الدين، المنهج التربوي الإسلامي للطفل، حمص، مطبعة اليمامة، (2002م).
  9. شخصيات استوقفتني للبوطي -دار القلم – دمشق.
  10. الغزالي، إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد الغزالي الطوسي (ت505هـ)، دار المعرفة، بيروت.
  11. محجوب، عباس، أصول الفكر التربوي في الإسلام، دمشق، دار ابن كثير، (1978م).
  12. مقالة بعنوان (ما هي التربية الإيمانية؟ وما أهميتها)، للأستاذ سعيد بن محمد أل ثابت، نشرت على شبكة الألوكة بتاريخ 15/8/2015م، الرابط: http://www.alukah.net/sharia/0/90396/#ixzz5NgEnU57U
  13. مكانة التربية في العمل الإسلامي لمحمد قطب، دار الشروق.
  14. المناوي، محمد عبد الرؤوف (ت 1031هـ/1612م)، التوقيف على مهمات التعاريف، تحقيق محمد رضوان الداية، بيروت، دار الفكر المعاصر، 1410 هـ / 1990م.