Press "Enter" to skip to content

RENEWAL IN ISLAMIC THOUGHT AND ITS IMPACT ON DA’WAH ACCORDING TO BEDIUZZAMAN SAID NURSI

مهند عبد العزيز فواز الهيتي

باحث في الدراسات العليا – العراق

Abstract

The aim of the research is to identify the effect of renewal in Islamic thought on the da’wah of Imam Nursi, to identify the concept of renewal in the da’wah of Imam Nursi, and to reveal the implications of the da’wah renewal in the thought of Nursi. The researcher used the descriptive historical method, and the research reached several results, the most important of which are: Nursi derived his ideas in renewing the call from a deep understanding of the origins of Islam and its branches.

The features of the era of Nursi, his society, and its intractable problems, in addition to the conflict imposed by the global time development in Nursi’s ideas, contributed to the renewal of the call. The study recommended researchers and postgraduate students to follow up and document the scientific efforts of contemporary thinkers. It also recommended that the Majalis al-Nour should be studied and studied because of the benefits and impact of all preachers.

Keywords: Renewal, Islamic Thought, Islamic Da’wah, Means of Da’wah.

التجديد في الفكر الإسلامي وأثره في الدعوة عند بديع الزمان النورسي

المستخلص

هدف البحث إلى التعرف على أثر التجديد في الفكر الإسلامي على الدعوة عند الإمام النورسي، التعرف على مفهوم التجديد في الدعوة عند الإمام النورسي، والكشف عن الآثار المترتبة على التجديد الدعوي في فكر النورسي. استخدم الباحث المنهج التاريخي الوصفي وقد توصل البحث لعدة نتائج أهمها: استمد النورسي أفكاره في تجديد الدعوة من الفهم العميق لأصول الإسلام وفروعه، أسهمت ملامح عصر النورسي ومجتمعه ومشكلاته المستعصية بالإضافة إلى الصراع الذي يفرضه تطور الزمان العالمي في أفكار النورسي في تجديد الدعوة. وأوصت الدراسة الباحثين وطلاب الدراسات العليا لمتابعة وتوثيق الجهود العلمية للمفكرين المعاصرين، كما أوصت بالتأكيد على مجالس النور دراسة ومدارسة لما فيها من نفع وتأثير لكل الدعاة.

الكلمات المفتاحية: التجديد، الفكر الإسلامي، الدعوة الإسلامية، وسائل الدعوة.

مقدمة:

الحمدُ للهِ رَبِّ العالمين القائلِ في مُحكمِ التنزيل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين) (القرآن،33:41) والصلاةُ والسلامُ على رسولِهِ الأمين وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعين، ومن سارَ على دربِهم، واهتدى بهديهِم، ودعا بدعوةِ الإسلام إلى يومِ الدين.

إن التجديد في الفكر الإسلامي لا يعد بدعاً في ثقافتنا الإسلامية، ولا ضعفاً في جوانبها المادية والمعنوية، بل التجديد هو إعادة ما طمس من معالم الدين، وتطهير له من كل بدع مستجدة، والحديث عنه أصيل في ثقافتنا الإسلامية، وقديم قدم عهد النبوة نفسه، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. (أبو داود، حديث :4291)

إن التغير الذي طرأ على مستجداتنا العصرية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كان له بالغ الأثر على معتقداتنا الدينية والثقافية، وواجبنا تجاه الدعوة إلى دين الله، والتي هي دعوة إلى تصويب المسار، وإحياء ما اندرس من معالم الدين. والتجديد لا يعني مجاراة الغرب في فصله للدين عن الدنيا، وليس هو العمل المرتجل، ولكنه التجديد العقلاني، والرشيد، الذي يراعي مقاصد الشرع ويأخذ بفقه الأولويات، مع وضع اعتبار للمصلحة العامة من دون تجاوز للثوابت في نصوص القرآن الكريم وصحيح الحديث النبوي.

يعد الإمام النورسي من المجددين وأعلام النهضة الذين تصدوا للإصلاح، ويمثل التجديد مدرسة متفرّدة في الفكر الإسلامي، فقد كان له دور كبير في إحياء الفكر الإسلامي، ويدعو إلى حمل الدعوة الإسلامية ومواجهة تحدياتها العصرية وفق منهج سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم

جاءت هذه الدراسة لتبحث أثر التجديد في الفكر الإسلامي في الدعوة الإسلامية عند بديع الزمان النورسي.

التعريف بالإمام النورسي

أولاً: حياته الشخصية (اسمه، مولده، نشأته)

ولد سعيدٌ النُورسي عام 1877م في قرية نُورس التابعة لقضاء هيزان في مدينة بتليس التركية (النورسي، 2008:51) في عهد السلطان عبد الحميد الثاني،(فريد باشا،587:1981) لأبوين متدينين وصالحين ومتصوفين، وهو الرابع بين إخوته، ولقبه “بديع الزمان” وقد بين سبب اطلاق هذا اللقب عليه بقوله “البديع يعني الغريب، فأخلاقي غريبة كمظهري، وأسلوب بياني غريب كملابسي، كلها مخالفة للآخرين، فأنا أرجو بلسان حال هذا العنوان عدم  جعل المحاكمات العقلية والأساليب  المتداولة والرائجة مقياساً لمحاكمتي العقلية. . . هذا وإن لقب بديع الزمان الذي منحته مع عدم استحقاقي له ليس لي، وإنما هو اسم معنوي لرسائل النور… “. (النورسي، 2008:81)

إن المتمعن في الحياة الدينية والتعليمية والتربية الأسرية التي نشأ فيها النورسي يجد أنها أبرزت مخايل النبوغ على النورسي في سن مبكرة، وزادت شغفه بالعلم.

ثانياً: الحياة العلمية للإمام النورسي

اهتم والده بالتعليم بصورة عامة وبتعليم أبناءه اهتماماً بالغاً، فأرسل النورسي وهو في التاسعة من عمره إلى الكُتّاب والمرافق التعليمية في تلك النواحي (النورسي، 2008:81)  فظهر شغف النورسي بطلب العلم منذ صغره، وأخذ يتنقل لطلب العلم من مكان إلى آخر، وفي سنه المبكرة التحق بمجموعة من الكتاتيب والمرافق التعليمية المنتشرة في تلك النواحي حول قريته نُورس، كما بدأ في عام 1882م بإلقاء الدروس بالرغم من حداثة سنه، ودرس العديد من العلوم المختلفة منها القرآن الكريم الذي كان له كبير الأثر في تكونه الفكري والنفسي، كما درس العلوم الإسلامية كالحديث والفقه والتفسير والسيرة، أيضاً درس اللغة العربية بمختلف علومها من نحو وصرف وبلاغة، بالإضافة إلى العلوم الكونية من فلك وفيزياء وكيمياء وجغرافيا وتاريخ ورياضيات والعلوم الغربية والفلسفة اليونانية القديمة والحديثة.(النورسي،2008:48)   وكان صبوراً في طلب العلم، وتمتع بذكاءٍ عالٍ وذاكرة قوية، الأمر الذي جعله لا يلازم شيوخه فترة زمنية طويلة، كما أخذ يتنقل بين الشيوخ ليشبع رغبته ونهمه للعلم.(النورسي،2008:43)  

تلاميذه وآثاره العلمية

للنورسي عدد كبير من التلاميذ حول العالم الإسلامي، وكانوا مخلصين له وملتفين حوله، ومنهم من تكبد المشاق لتوديعه عند انتشار خبر وفاته التي كانت في 1379ه/1960م، بعد مرض شديد ألم به، فصار قبره بمدينة أورفة قبلة للمحبين يأتون إليه من جميع نواحي تركيا لإلقاء السلام والترحم عليه، إلا أن السلطات التركية قامت بنقل رفاته إلى مكان مجهول إلى يومنا هذا. (النورسي،2008:420) 

زرت مدينة “بارلا” موطن الإمام النورسي عام ٢٠١٨م مع رفقة العلماء لبرنامج ملتقى القلوب برعاية مجلس علماء العراق حيث كان الفضل بعد الله للشيخ حسين البرزنجي الذي كان يحدثني كثيراً عنهم وكان لي وقفات طيبة في بيت الشيخ النورسي ومسجده والشجرة التي كان يجلس عليها، والتقينا بطلاب مجالس النور الذين هم نور على نور ونظمت قصيدة في دار الإمام النورسي وهي مسجلة وبثت على القناة، وجاء بعض كلماتها في الآتي:

من أين ابدأ بالمآثر ،،، بالشـعر أنسج لا كناثـــر

متحدثاً عن فارس   ،،،  مقوال قد عشق المنابر

النورسي إمامنا    ،،،  رجل الشهامات المثابــر

فشموخه من طيب بارلا ،،،، ويعانق الغيم المسافر

عشق العقيدة فاستقى ،،، صوتاً به هز المشاعر

 وذهبت الى”أسبارطة” والتقيت بالشيخ  سعيد النوري ورأيت الطلاب كأنهم سرب حمام يطير في السماء، كما زرت المطبعة التي تعد ثاني أكبر مطبعة بعد مطبعة الملك فهد، وبقيت عشرة أيام في “بارلا” ارتاحت فيها روحي وزاد إيماني وعظمة همتي واستفدت الكثير، وعند زيارتي للغابة ورأيت تأملات الشيخ النورسي فوق الشجرة وتحمله التعب من أجل الدعوة زاد يقيني بأن الله هيأ لهذا الدين رجالاً، كما التقيت بالشيخ أحمد ذاكر الرجل الصالح وسمعت منه وسمع مني، كانت الرحلة رحلة جبرت كسري وكلما تذكرت “بارلا” دمعت عيني وأخذت أشدو بحبها وأهلها وناسها ومجالس النور فيها. وفقهم الله لكل خير وسدد خطاهم ورزقهم خيري الدنيا والآخرة.

توفي بديع الزمان النورسي تاركاً موسوعة علمية، أدبية، إيمانية ضخمة تسد حاجة هذا العصر، وتخاطب مدارك أبنائه، وتدحض أباطيل الفلاسفة الماديين، وتزيل شبهاتهم من أسسها، وتثبت حقائق الإيمان وأركانه بدلائل قاطعة، وبراهين ناصعة، جمعت في 14 مجلد، وقد ترجمت إلى عدد من اللغات من بينها اللغة العربية

مفهوم التجديد وأهميته

التجديد لغة: التجديد لغة هو تصيير الشيء جديداً، وجد الشيء أي صار جديداً (الرويفعي،1986:59) وهو خلاف القديم، وجدد فلان الأمر وأجده واستجده إذا استحدثه (الفيومي،2001:245) وجدد الثوب تجديدا: صيره جديدا. وتجدد الشيء تجددا: صار جديدا، تقول: جدده فتجدد وأجده أي الثوب وجدده واستجده: صيره. والجديد نقيض البالي والخلق (الفارابي،1987:454) وهو وجود شيء كان على حالة ما، ثم طرأ عليه ما غيره وأبلاه، فإذا أعيد إلى مثل حالته الأولى التي كان عليها قبل أن يصيبه البلى والتغيير كان ذلك تجديداً. ( بسطامي،2021:10)

التجديد في اصطلاح الفقهاء

عرف العلقمي[1] التجديد بأنه: “إحياء ما اندرس من العمل من الكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما”(المناوي، 2001:14)

وقال المناوي[2]: “يجدد لها دينها: أي يبين السنة من البدعة، ويكثر العلم، وينصر أهله، ويكسر أهل البدعة وبذلهم. (المناوي، 2001:357)

ويعرفه العظيم آبادي[3] بأنه ” إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والأمر بمقتضاهما، وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات” (أبو عبد الرحمن، 2005:391) وذهب السيوطي في تعريف التجديد إلى أنه ” تجديد هداية الدين، وبيان حقيقته وأحقيته، ونفي ما يعرض لأهله من البدع والغلو فيه، أو الفتور في إقامته، ومراعاة مصالح الخلق، وسنن الاجتماع والعمران في شريعته. (محمد الفران، 2007:88)

أما المودودي فقد أورد تعريفاً مقتضاه: “التجديد في حقيقته: هو تنقية الإسلام من كل جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصاً محضاً على قدر الإمكان” (المودودي، 1985:25)

            يشرح الكاتب عمر عبيد حسنه ماهية التجديد بأنه: “ليس المراد بالاجتهاد والتجديد الإلغاء والتبديل وتجاوز النص، وإنما المراد: هو الفهم الجديد القويم للنص، فهماً يهدي المسلم لمعالجة مشكلاته وقضايا واقعة في كل عصر يعيشه، معالجة نابعة من هدي الوحي. (عبيد حسنة، 1998:20)

            لاحظ الدكتور عبد الفتاح إبراهيم: أن “التجديد: يعني العودة إلى المتروك من الدين، وتذكير الناس بما نسوه، وربط ما يجدُّ في حياة الناس من أمور، بمنظور الدين لها، لا بمنظارها للدين”. (عبد الفتاح محجوب، 1995:53) يقول وحيد الدين خان:” إن تجديد الدين لا يعني اختراع إضافة لدين الله، وإنما يعني تطهير الدين الإلهي من الغبار الذي يتراكم عليه، وتقديمه في صورته الأصلية النقية الناصعة” ( وحيد الدين خان، 1986:9)

أما الطيب برغوث فيقول عن التجديد هو “تمكين الأمة من استعادة زمام المبادرة الحضارية في العالم كقوة توازن محورية، عبر إحكام صلتها من جديد بسنن الآفاق والأنفس والهداية، التي تتيح لها المزيد من الترقي المعرفي والروحي والسلوكي والعمراني.( محمد مراح، 1999:1)

 جاء تعريف حسن الترابي للتجديد هو: “أن ينفذ النظر عائدًا إلى أصول الدين الأولى التي احتوتها النصوص الشرعية لعهد التنزيل، وأن يمعن في تراث الفقه والتجريب الذي أضافته الخالفة، وأن يتبصر في ثنايا الواقع الحاضر ووجوه الابتلاء المتجددة التي يطرحها، من أجل استيحاء الشرع والاستئناس بالتراث وتعرف الواقع لانجلاء صور التطبيق الإسلامي الواجبة في سياق الأوضاع المعاصرة” (الترابي، 1993:105)

يتبين للباحث أن مفهوم التجديد حسب التعاريف الواردة أعلاه يدور حول ثلاثة معان، الأول: إحياء السنن مما أصابها من طمس ونشرها بين الناس، وحملهم على العمل بها، والثاني: التجديد بمعنى قمع البدع المحدثات وتعرية أهلها وإعلان الحرب عليهم، وتنقية الإسلام مما علق عليه من أوضار الجاهلية، والعودة به إلى ما كان عليه زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار، أما المعنى الثالث فقد حصر مفهوم التجديد بأنه تنزيل الأحكام الشرعية على ما يجد من وقائع وأحداث ومعالجتها معالجة نابعة من هدي الوحي.

أهمية التجديد

تتمثل أهمية التجديد في أنه السبيل لنهضة الأمم، ومصدر فخرها العلمي والحضاري ونهضتها وتجديد وبث الحيوية في عروقها، وللتجديد أهمية كبيرة في تراث الأمة الإسلامي. فالدين الإسلامي دين كامل تام (الحسن العلمي، 2003:181) كرم الله به أمة الإسلام، فقال في كتابه الكريم: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا(القرآن،3:5)

هذا الدين حفظه الله سبحانه وتعالى من كل ما يذهب صفاءه ونقاءه إلى قيام الساعة، وذلك بأن يسر من ورثة أنبيائه وحملة شريعته من يقوم بهذا الواجب، من نفي التحريف ونبذ البدع عن دين الإسلام. وقد خصّ الله عز وجل هذا الدين بأن جعله صالحاً لكل زمان ومكان، فما جد من أمور في حياة الناس أو نزلت بهم نازلة إلا كانت هناك قدرة على استنباط الحكم الملائم لها، وأن الشرع أحاط بكل ما استجد من حياة الناس العلمية والإنسانية والاجتماعية ليوحد بينهم فلا يفترق أمرهم، حتى يتمكنوا من السير في ركب علمهم الديني والدنيوي فتتحقق لهم السيادة والعز والسؤدد. ( بن شاكر الشريف، 2004:33)

إن صلاح الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، كما أنها خاتمة الشرائع التي أنزلها الله تعالى إلى الإنسان، مقيدان بالتجديد الدائم في الفكر والفقه والخطاب الإسلامي، لمواكبة التطور الدائم في مقتضيات ومتطلبات ومستجدات الواقع، ولبقاء حجة الله على عباده قائمة إلى يوم الدين. (عمارة،2011:5)

أدلة التجديد ودواعيه من القرآن الكريم والسنة النبوية

أولاً: أدلة التجديد من القرآن الكريم والسنة النبوية

ورد في القرآن الكريم عدد من الآيات التي تدل على المعنى اللغوي والاصطلاحي للتجديد، كما جاءت السنة النبوية بعدد من الأحاديث النبوية الدالة عليه، ويأتي ذكر بعض منها فيما يلي:

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم

لم يرد لفظ التجديد في القرآن الكريم بصورة صريحة، ولكن ورد عدد من مشتقاتها كما في قوله تعالى،( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ. (القرآن الكريم،15:50)

وورد معنى التجديد بمفهومه الاصطلاحي في قوله تعالى مخاطباً عباده آمراً اياهم بالحفاظ على شريعته وذلك بأن حثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: كنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. (القرآن الكريم،2:110)

ثانياً: الأدلة من السنة النبوية

أما أدلة السنة النبوية على التجديد فكثيرة، فقد تعددت الأحاديث التي جاء فيها موضوع التجديد أو ما يدل على سنيته في الأمة الإسلامية، ففي حديث أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) (أبي داؤود،4293)، وورد لفظ تجديد في هذا الحديث بصورة صحيحة، وفيه من الدلالات ما يشير إلى أن التجديد لابد منه عند رأس كل مائة سنة، وأن إرسال المجددين سنة ربانية. (محمد أمامة،51:2010)

ولقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم بصيانة العلم وحفظه، وذلك كما ورد في حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين).( البيهقي، 209:2003)

ثانياً: دواعي التجديد

إن الحاجة إلى التجديد في الفكر الإسلامي أمر تقتضيه الطبيعة الدينية وتفرضه خصائص الشريعة الإسلامية لإحياء الدين وتنقيته من المحدثات والبدع، تلك الخصائص التي يتحتم وجودها على وجود التجديد واستمراريته، ومن هذه الخصائص ما يلي:

1/ الخلود.

إن الحكمة من تواتر الأديان والشرائع هي أن تكون كل شريعة ناسخة لما قبلها، ومجددة لما طمس من معالم الدين السابق، وقدر الله سبحانه وتعالى أن جعل رسالة الإسلام ناسخة لكل ما تقدم منها، والنبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل، وشريعته خاتمة لكل الشرائع، قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا(القرآن الكريم،33:40)  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “وأنا خاتم النبيين”،(حديث، 3271) وقال: “لا نبي بعدي” (حديث، 3196)

إن شريعة الإسلام هي الشريعة الخالدة إلى يوم الدين، وليس بعدها نسخ، فهي ناسخة لما قبلها، ولا يعتريها تبديل، وإنما إحياء لمعالم الدين، وتأتي دواعي التجديد لثلاثة أسباب هي:

السبب الأول: استنباط الأحكام الشرعية في مسائل الحياة المتجددة

إن الشريعة الإسلامية هي الشريعة القادرة على بيان الحكم الشرعي في أي مسألة مستحدثة في الحياة، وذلك لأنها شريعة كاملة شاملة صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، ولهذا السبب كان لابد من الاجتهاد والتجديد للمجددين كل حسب عصره وما صاحب مجتمعه وبيئته من تغيير .( محمد أمامة،22:1424)

يقول الشاطبي: “إن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، فلابد من حدوث وقائع لا تكون هناك نصوص على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك فإما أن يترك الناس فيها مع أهوائهم، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهو أيضاً اتباع للهوى، وذلك كله فساد، وهو معنى تعطيل التكليف لزوماً، وهو مؤد إلى التكليف بما لا يطاق، فإذن لابد من الاجتهاد في كل زمان، لأن الوقائع لا تختص بزمان دون زمان. ( الشاطبي،1975:104)

السبب الثاني: تنقية الشريعة الإسلامية من غلو الغالين، وانتحال المبطلين

إن تغير الأزمان وبعد الناس عن مصدر الوحي يؤدي إلى طمس كثير من معالم الدين، وكثرة الفساد، واتساع رقعة الانحراف، وتفشي الضلالات والبدع، فالشريعة الإسلامية تحتاج في كلّ عصرٍ من العصور إلى من يدافع عنها وينافح عن أحكامها التي ترتكز على مبادئ الوسطية البعيدة كل البعد عن الغلو والتطرف، فكان بروز القيادات الإسلامية المتميزة التي تعمل على إظهار الإسلام وتقديمه كما أنزله الله، لإبعاد كل ما هو دخيل على الإسلام وشريعته الغراء وإحياء ما اندرس من معالمه وأحكامه. (المجلة،12:2009)

السبب الثالث: محاربة البدع التي تخالف الدين

تستحدث الناس في الدين ما ليس فيه في كلّ عصرٍ من العصور، ويأتي الإمام المجدّد لكي يعيد إلى الدين صفاءه، وينقّي أحكامه وشرائعه من البدع والمخالفات.

2/ الشمول

الشريعة الإسلامية شاملة لكل الأحكام التي تغطي جميع جوانب الحياة، وتعني شمولية المكان أن الرسالة الإسلامية هي لكافة الناس على اختلاف أجناسهم وأعراقهم. قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.” (القرآن الكريم، 34:28)

وجاء في الحديث، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة” (حديث، 419) وقال: “والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار”.(حديث،218)

أما شمولية تغطيتها لحوائج الإنسان فتعني أنها شاملة لكل ما يحتاجه الفرد والمجتمع والإنسانية جمعاء في كل زمان ومكان، قال تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚوَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (القرآن الكريم، 89:16)

التجديد في الفكر الإسلامي الدعوي عند بديع الزمان النورسي

أولاً: التجديد في مفهوم الدعوة عند الإمام النورسي

فرض الله سبحانه وتعالى على الأمة الإسلامية أن تعلي كلمته في الأرض وأن تسعى لأن يكون الدين الظاهر على الأرض هو دين الله سبحانه، وأوجب على كل مسلم أن يكون مؤثراً فيمن حوله والمجتمع الذي يعيش فيه بالخير، ناهياً عن الشر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”  (حديث، 49)

وقد خص الله تعالى الأمة الإسلامية برسالة الدعوة الحقة، وأسند لها مهمة إرشاد الخلق إلى طريق الهداية، وحثهم على الإتيان بالمعروف والانتهاء عن المنكر وفق منهج إلهي قويم تصلح به الحياة والنفس البشرية، وأثنى عليها بالأفضلية على سائر الأمم السابقة.

 وعليه فإن مفهوم الخطاب الإسلامي: هو ذلك البناء الاهتدائي الشرعي المتشابك الدقيق(عيساوي،2014:446) المحكوم والمضبوط بجملة من الأنساق: الفكرية والثقافية والأدبية ويكون بناء الخطاب الإسلامي: معرفة كان أم علما، أم حقيقة، أو قيمة، أوتصوراً، أو سلوكا، أو أمراً أونهياً، أو رغبة، مصدره التوجه الإلهي أو النبوي والتوجيه الإجتهادي أو الإجتماعي، وغيره من مصادر التشريع (المذعوري، 34:2014)

وفي ظل ظهور دعوات متعددة في سماء الفكر الإسلامي، جاءت نتيجة تأثر المسلمين بالثقافة الغربية، كان على الفكر الإسلامي الذي تقررت أصوله وأسسه على مر التاريخ بما لا يفسح مجالاً لأحد لطرح نوع من العبث بها إلا طريقة التواصل الخاضعة للمتغيرات البيئية والزمانية والمكانية والثقافية للمتلقي، ففي ظل هذا تأتي الدعوة إلى التجديد في الفكر، وهذه الدعوة تندرج تحت عنصر عام وهو عنصر المفاهيم. فمن الدعوات المعاصرة التي تتجاذب أطرافها مختلف الأفكار والطوائف والخلفيات الثقافية دعوة (التجديد في الفكر الدعوي الإسلامي) وعلى إثر هذه الدعوة صار التجديد من المفاهيم التي باتت كثيرة التردد في مجتمعنا وتحتاج لتحرير وتوضيح وتنقيح وإبراز للمعالم والمقاصد والأهداف بما يكون جليًا لعامة المسلمين ليتميز الخير فيها عن غيره.

التجديد في مفهوم الدعوة عند النورسي

الإسلام عند النورسي دين سلم ومسالمة يرفض النزاع والخصام في الداخل، وهو بهذا الخلق المتسامح يشجع المسلمين على التواصل والتعاون والترابط فيما بينهم، كما يحثهم على إحسان الظن ببعضهم البعض كما قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى…) شرح النورسي هذه الآية بقوله: “هذه الآية تشير إلى الحياة الاجتماعية ودستور الحركة، والالتحاق بصدق وتضحية بقافلة أهل الحق بكمال الضعف والعجز متفكراً في مدى ضرر الاختلاف بالإسلام، ومدى تسهيله غلبة أهل الضلالة على أهل الحق، وكسب الإخلاص بنكران الذات، وبالتخلص من الرياء والتصنع”. (النورسي، 2011:168)

يتضح منهج النورسي في تجديد الدعوة من خلال دعوته إلى السلم ورفض النزاع والخصام، فسعادة الأمة في وحدتها وتكاتفها وتعاونها على البر، أي أنه يدعو إلى التمسك بشرع الله ودستور الإسلام الذي بين للمسلمين أن الحياة الاجتماعية الكريمة تكمن في اتباع شريعته ومنهجه وسنة نبيه.

ومن المفاهيم الدعوية التي دعا النورسي لتجديدها هي التعاون، فهو من أسباب قوة المسلمين، ويقول: “إن العداوة بين المؤمنين تخالف منهج الإسلام ألا وهو السلم. والحاصل أن الإسلام يطلب الأخوة، أما المحبة فهي من لوازم الإيمان، وأن سوء الخلق عذابه في أثنائه، وإن حسن الخلق ثوابه في طياته، إذا فوض الأمور إلى العادل الحكيم”. (النورسي، 2012:549)

يشرح النورسي مفهوم المساواة والدعوة إليها في الإسلام، حيث يقول في اللمعات: “إن فطرة البشر وسر حكمة خلقه منافيان لقانون المساواة المطلقة؛ إذ كما أن الله الفاطر الحاكم ينشئ من شيء قليل محاصيل كثيرة، ويكتب كتبا كثيرة في صحيفة واحدة، ويجعل شيئا واحدا يؤدي وظائف كثيرة، فيسوق كذلك نوع البشر إلى أداء وظائف آلاف الأنواع من أجل إظهار كمال قدرته وحكمته. فبناءً على هذا السر العظيم قد خلق الله سبحانه وتعالى نوع الإنسان على فطرة قابلة لتسنبل آلاف الأنواع منه، ولإظهار طبقات بعدد سائر الحيوانات التي تبلغ الآلاف، ولم يضع حدا لقوى الإنسان ولطائفه ومشاعره مثلما وضع للحيوانات، ……؛ لذا فقد صار الإنسان خليفة الأرض، ونتيجة الكائنات، وسلطان الأحياء” (النورسي، 2012:187)

من ضمن منهج النورسي في تجديد مفهوم الدعوة، هي الدعوة إلى العمل والسعي لتحقيق منفعة الفرد والمجتمع وأنه سبب سعادة المسلم، وشبه الكسل والعمل بالموت والحياة، حيث قال، “لا كسل ولا خمول في عالم الوجود فالعاطل يسعى في الوجود لحساب العدم أي إن أشد الناس شقاء وقلقا وضجرا وضيقا هو العاطل عن العمل، إذ الكسل والخمول والبطالة عدم في الوجود وموت في حياة، أما السعي فلا شك أنه حياة الوجود ويقظة الحياة”.(النورسي، 2012:512)

بدا منهج النورسي واضحا في تجديد الدعوة وذلك بإبراز المفاهيم الاجتماعية ومكارم الأخلاق من تعاون وترابط الذي هو أساس قوة المسلمين، وعدل ومساواة بين الناس، واجتناب الخلاف والخصام، ودعا إلى حسن الظن، وإلى كل ما يمثل قيم المجتمع المسلم، وكل ما يمثل إحياءه في مجتمعاتنا الإسلامية إحياءً لدين الله ومنهاج شريعته الغراء.

مفهوم التجديد ووسائله:

أولاً: مفهوم التجديد في وسائل الدعوة

إن الدعوة هي غاية الرسالة، ومفتاح التغيير، والحركة التجديدية حركة دعوية بالأساس، ولا يتصور أي تجديد دون الاعتناء بالدعوة، فقهًا وتنظيرًا، وعملًا وتطبيقًا، لكن التجديد في هذا الباب لا يعني تجديد الأصول والمرتكزات، ولكن تجديد الصيغ والأساليب، والموازنات والأولويات، وهو أمر لا بد منه؛ لأن الدعوة لا بد لها أن تتفاعل مع كل المتغيرات النفسية والفكرية والسياسية والاقتصادية، وإلا كانت كمن يصب ماءً في رمل أو ينفخ في ريح.

ثانياً: التجديد في وسائل الدعوة عند النورسي

إحدى وسائل التجديد في وسائل الدعوة عند النورسي يكمن في العودة إلى القرآن الكريم في الرؤية والمعرفة، قال النورسي: “فطريق المعراج القرآني الذي يعلنه ببلاغته المعجزة، لا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق وأوضحه وأقربه إلى الله وأشمله لبني الإنسان ونحن قد اخترنا هذا الطريق”.(النورسي،1995:122)

كما دعا النورسي إلى التغيير وعدم اتباع الفلاسفة والانقياد وراء أفق المتصوفة الواحد، وتجديد الإيمان والإسلام وذلك باستقاء الأدلة من عالم الأنفس والآفاق على أصول العقائد الإسلامية، وهو منهج متفرد لأنه ينقل كيانه القرآني في تجربة كونية معرفية خصبة، حيث يدفع المسلمين إلى قلب القرآن في إطار التغير العصري، من خلال تفسير شهودي لكتاب الله سبحانه وتعالى، وذلك بتدبر الكون من خلال تجليات أسماء الله الحسنى، والتفكر بآي القرآن الكريم في ضوء ذلك الاستشهاد، والتمعن في سيرة الرسول الله. (النورسي، 2012:239)

يرى النورسي أن التغيير يبدأ من تأسيس الجوانب المعنوية والمادية، حتى تتشبع النفس بالإيمان، فلا يكون التغيير مؤقتاً، وهو منهج الإسلام وهو كفيل بإبعاد الأمة عن الإلحاد والضلال، وهو منهج يحض المسلمين للوقوف أمام الحضارة الغربية التي أتت بأفكار وعقيدة جديدة. (النورسي،2013:440)

اتصف منهج النورسي في تجديد أسلوب الدعوة بعدم الدخول في تصادمات وصراعات داخلية مع التيارات الإسلامية الأخرى وتوجيه الجهود الدعوية كلها إلى الجاهلية المعاصرة، فطبيعة العصر تقتضي عدم اتخاذ مواقف معادية دعويا أو سياسياً مُعَيَّنًة تجاه الدعوات والجماعات السياسية الأخرى، بل يجب أن توجّه إليهم الدعوة جميعاً، لأنهم في رأيه يدخلون جميعاً في دائرة ملة الإسلام، على الرغم من أخطائهم وانحرافهم عن المنهج السوي. (النورسي، 2021:242)

إحدى وسائل التجديد في وسائل الدعوة عند النورسي هي إنقاذ الجيل من الانشغال بالتصوف والانصراف عن حماية أصل الإيمان. فلقد أثبت النورسي للأجيال المعاصرة المثقفة الحالية والقادمة أن العصر ليس عصر الحفاظ على الطريقة بل هو عصر إنقاذ الإيمان، باعتبار أن التصوف تجربة ذاتية، ولا يستطيع أن يقف في وجه حملة الصراع الحضاري الإسلامي وما يصاحبها من انحراف وهجمات لا دينية آتية من الغرب. قال النورسي: “لقد كنت أقول إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة فالبدع تحول دون ذلك، مفكراً في حقائق الإيمان وحدها. ولكن الزمان أظهر أنه يلزم لكل صاحب طريقة بل الالزم له أن يدخل دائرة رسائل النور التي هي أوسع الطرق” وذلك في قوله: “إن أخطر شيء في هذا الزمان هو الإلحاد والزندقة والفوضى والأوهام وليس تجاه هذه المخاطر إلا الاعتصام بحقائق القرآن الكريم”. (النورسي،1995:263)

ومن معالم النورسي التجديدية في وسائل الدعوة، التعامل مع المجتمع كوحدة متجانسة، فقد ركز النورسي على وحدة المجتمع الإسلامي، ورفض الإخلال بنظامه الداخلي، واستعمال العنف في سبيل زعزعة أركانه، تحت مظلة إعلان الجهاد على الكافرين اللادينيين. وأكد على أن الجهاد في الإسلام لا يوجه إلى المسلمين داخل العالم الإسلامي وإنما يكون جهاد دعوة وعلم وبذل ونصيحة لإعادة المسلمين إلى حقيقة الإسلام، وإنما يوجه الجهاد إلى العالم الخارجي. (النورسي،1995:263)

يؤكد النورسي في دعوته الإسلامية على أن الصراع بين العالم الإسلامي والعالم الغربي اليوم ليس صراع قوة، وإنما يجب أن يكون صراعاً ثقافياً وفكرياً وشرحاً لحقيقة الإسلام لهم. والدليل على ذلك انتشار الإسلام في الغرب، وعلى المسلمين مواجهة الغرب بسيف القرآن، إذا أرادوا هداية شعوبه إلى نور الإسلام.

إن إدراك النورسي لحقيقة الصراع المستقبلي بين المسلم والعالم دفعه إلى تعميم الدعوة إلى عامة الناس، فقد عرض الإسلام ومشكلات العالم الإسلامي، لاسيما الصراع بين الإيمان والكفر وكأنها مشكلات الإنسانية جميعها. وبالتالي كانت دعوته موجهة إلى الإنسانية جمعاء لأنه أثبت الإيمان عن طريق نتائج العلم الذي يفهمه الغربيون، ونقد مساوئ الحياة الغربية ومناوأتها للدين، كما أورد الاعتراضات الفكرية على الدين والتي خرجت أساساً من الغرب، ووضع نظماً فكرية في المجالات التي يفهمها الغربيون. (مجلة،185:2010)

 نرى أن قصد النورسي من منهجه هذا الدعوة إلى استخدام الحجة في التعامل مع الغرب لا القوة، فحتمية الصراع فكرية ثقافية تتطلب توجيه الدعوة إلى جميع الأمة وشرح حقيقة الإسلام للعالم الغربي وإثبات الإيمان عن طريق العلم، فالإسلام لا يعادي العلم، بينما الحقيقة أن الإسلام هو الدين الذي احتضن العلم واحتكم إلى العقل، وما اكتشافات الغربيين لحقائق وردت في الإسلام إلا أكبر دليل على إثبات الإيمان بالعلم، فقد عبر عن ذلك عالم الفيزياء آرثر كومبتون حين تحدث عن اكتشافاته في الذرة فقال: “في المعمل لا أبحث عن إثبات حقيقة الحياة بعد الموت ولكني أصادف كل يوم ما يدل على وجود قوة عاقلة أحس إزاءها بأنه يجب أن أركع لها”، أيضاً أثبات جيمس برادلي في القرن الثامن عشر انحراف النجوم، والحركات المدارية للنجوم الثنائية والقياس الدقيق للمناظر النجمية من قبل ويليام هيرشيل في القرن التاسع عشر.

بذلك يستطيع المسلمون إعادة الإسلام إلى حقيقته التي شابتها البدع والتحريف، وطمس معالمها التغيير والانجراف وراء الدعوات المنادية برفض الإسلام.

الخاتمة

الحمد الله الذي وفقني لإكمال هذا البحث الذي وسمته بعنوان التجديد في الفكر الإسلامي وأثره على الدعوة عند بديع الزمان النورسي، وفيما يلي أهم نتائج البحث وتوصياته:

أولاً: النتائج

  1. استمد النورسي أفكاره في تجديد الدعوة من الفهم العميق لأصول الإسلام وفروعه.
  2. أسهمت ملامح عصر النورسي ومجتمعه ومشكلاته المستعصية بالإضافة إلى الصراع الذي يفرضه تطور الزمان العالمي في أفكار النورسي في تجديد الدعوة.
  3. يتطلب التجديد في الدعوة احتواء الأجيال الناشئة بالتلمذة على القرآن الكريم ثم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وقراءة الكون وفهمه بكل آفاقه.
  4. يؤكد النورسي على أن الصراع بين العالم الإسلامي والعالم الغربي اليوم، ليس صراع قوة وسيف، بل يجب أن يكون جهاد فكر وشرح لحقيقة الإسلام لهم.
  5. دعا النورسي لتطبيق القيم والأخلاق الحسنة في المجتمع لإحياء الدين وما اندرس منه والدعوة إليه.

ثانياً: التوصيات

  1. العناية بالمفكرين المعاصرين وإظهارهم للأمة الإسلامية.
  2. توصية الباحثين وطلاب الدراسات العليا لمتابعة وتوثيق الجهود العلمية للمفكرين المعاصرين.
  3. التأكيد على مجالس النور دراسة ومدارسة لما فيها من نفع وتأثير لكل الدعاة.

المصادر والمراجع:

1/ القرآن الكريم

2/ مؤلفات النورسي

  1. الموافقات في أصول الشريعة، إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق : عبد الله دراز،  دار المعرفة، بيروت، 1975م.
  2. اللمعات، كليات رسائل النور، بديع الزمان النورسي، ترجمة دار الخيرات للنشر، استانبول،  2011م
  3. الكلمات من كليات رسائل النور، بديع الزمان سعيد النورسي، القاهرة: دار السنابل الذهبية، الطبعة الثانية، ٢٠١٢م،
  4. صيقل الإسلام المحاكمات، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، سوزلر، استانبول 1995م.
  5. الشعاعات، بديع الزمان سعيد النورسي، بديع الزمان النورسي، ترجمة دار الخيرات للنشر، استانبول 2021م
  6. الكلمات، بديع الزمان سعيد النورسي، بديع الزمان النورسي، ترجمة دار الخيرات للنشر، استانبول 2012م
  7. سيرة ذاتية، كليات رسائل النور، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان صالحي، ط1، دار النيل، مصر، 2008م.
  8. الاجتهاد للتجديد سبيل الوراثة الحضارية، عمر عبيد حسنة، الدار العربية، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، 1998م.
  9. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي (المتوفى: 1393ه)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1415ه-1995م.
  10. الأعلام، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: 1396هـ)، ط5، دار العلم للملايين، 2002م.
  11. تاريخ الدولة العلية العثمانية، محمد فريد بك ابن أحمد فريد باشا، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1401 – 1981م.
  12. تجديد الخطاب الديني بين التأصيل والتحريف، محمد بن شاكر الشريف، ط1، مجلة البيان، الرياض، 2004م.
  13. تجديد الفكر الإسلامي، الحسن العلمي، ط1، مكتبة التراث الإسلامي، 2003م.
  14. تجديد الفكر الإسلامي، حسن الترابي، ط ٣، بدون دار نشر، ١٩٩٣م.
  15. تجديد علوم الدين، وحيد الدين خان، دار الفكر، القاهرة، ط 3، 1986م.
  16. التجديد في الفكر الإسلامي، عدنان محمد أمامة، دار ابن الجوزي، 1424ه.
  17. تهذيب اللغة، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ)، المحقق: محمد عوض مرعب، ط1، دار إحياء التراث العربي – بيروت، 2001م.
  18. حسن الترابي وفساد نظرية تطوير الدين، عبد الفتاح محجوب إبراهيم، بيت الحكمة للنشر، القاهرة، 1995م.
  19. الخطاب الاسلامي المعاصر، دعوة للتقويم وإعادة النظر، احمد عيساوي، بدون دار نشر، وتاريخ.
  20. الخطاب الديني بين التجديد الإسلامي والتبديد الأمريكاني، محمد عمارة، ط1، مكتبة وهبة، 2011م.
  21. سنن أبي داؤود، أبو داود؛ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، أبو داود (المتوفى: 275ه)، المحقق: شعيب الأرناؤوط وآخرون، دار الرسالة العلمية، 1430ه-2009م.
  22. السنن الكبرى، البيهقي؛ أحمد بن الحسين بن علي، أبو بكر، المحقق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، 1424ه-2003م.
  23. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: 393هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ط4، دار العلم للملايين – بيروت،1407هـ‍ – 1987م.
  24. صحيح البخاري، بو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (194ه- 256 هـ/ 810م-  870م)، دار ابن كثير، بيروت.
  25. صحيح مسلم، الإمام مسلم؛ مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابورى، أبو الحسين، المحقق: نظر بن محمد الفاريابي أبو قتيبة (المتوفى: 875ه)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1427ه-2006م.
  26. عون المعبود على شرح سنن ابي داؤود، شرف الحق العظيم آبادي أبو عبد الرحمن، تحقيق: أبو عبد الله النعماني الأثري، دار ابن حزم، 1426ه-2005م.
  27. فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي، محمد بن الرؤوف، تحقيق: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، 1422ه-2001م.
  28. لسان العرب، الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (المتوفى: 666ه)، دار صادر – بيروت، 2/202. مكتبة لبنان، 1986م.
  29. محمد عبد الرؤوف المناوي القاهرة الشافعي، من مصنفاته: فيض القدير شرح الجامع الصغير، شرح الشمائل للترمذي، توفي عام 1031هـ.
  30. معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، 1414ه-1993م.
    مختار الصحاح، ابن منظور؛ محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (1232 م – 1311 م) ‏ (630 هـ – 711هـ).
  31. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، دراسة وتحقيق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العلمية – بيروت.
  32. مظاهر التجديد في الخطاب الديني الإسلامي المعاصر، محمد الفران، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 2007م.
  33. مفهوم تجديد الدين، سعيد بسطامي محمد، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، جدة، ط1، 2012م.
  34. الملاحق في فقه دعوة النور، كليات رسائل النور، بديع الزمان سعيد النورسي، ملحق أميرداغ/1، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، سوزلر، استانبول، 1995م.
  35. موجز تاريخ تجديد الدين وإحياؤه، واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم، أبو الأعلى المودودي، الدار السعودية للنشر والتوزيع، 1985م.
  36. الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، إشراف وتخطيط ومراجعة: د. مانع بن حماد الجهني، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1420ه.
  37. النورسي الرائد الإسلامي الكبير، محسن عبد الحميد، مطبعة الزهراء الحديثة، بغداد، 1987م.
  38. الخطاب الإسلامي الواقع والتجديد (رؤية معاصرة)، أكرم علي مسعد المذعوري، رسالة ماجستير الجمهورية اليمينة جامعة عدن كلية التربية، 1435هـ – 2014م.
  39. الفكر العقدي عند الإمام النورسي، رائد بني عبد الرحمن، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت، المفرق- الأردن، 2005م.
  40. 40. جوانب من حياة بديع الزمان النورسي، في جهود سعيد النورسي في تجديد الفكر الإسلامي، إحسان الصالحي، بحوث الندوة العلمية المنعقدة في مارس 1999م، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب، المغرب.
  41. الدعوة والإرشاد في الغرب، سعيد ابراهيم، بحث ضمن المؤتمر العالمي الثالث لبديع الزمان سعيد النورسي.
  42. مجلة القافلة، مقال بعنوان: مفهوم التجديد في الفكر الإسلامي، محمد مراح، العدد 3، المجلد رقم 48، 1999م.

[1] هو محمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي بكر العلقمي، شمس الدين، فقيه شافعي عارف بالحديث، درس في القاهرة، وهو أحد تلاميذ جلال الدين السيوطي، من أشهر مؤلفاته “الكوكب المنير بشرح الجامع الصغير، توفي عام 969ه-1561م. المصدر: الاعلام، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: 1396هـ)، ط5، دار العلم للملايين، 2002م، 7/68.

[2] محمد عبد الرؤوف المناوي القاهرة الشافعي، من مصنفاته: فيض القدير شرح الجامع الصغير، شرح الشمائل للترمذي، توفي عام 1031هـ. معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، 1414ه-1993م، 10/166. الأعلام للزركلي، 6/204.

[3] هو محمد شمس الحق العظيم آبادي الهندي، أبو الطيب، محدث، من أشهر كتبه: العون المعبود شرح سنن أبي داؤود، توفي سنة 1858م. معجم المؤلفين، مرجع سابق 3/346.