Press "Enter" to skip to content

JURISPRUDENCE OF THE OPPOSITION BETWEEN HASSAN AL-BANNA AND SAID NURSI

MUHAMMED AL-SABTI

Abstract:

Political opposition is not a common concept in jurisprudential literature, but rather a concept that is born out of modernity. In spite of this, researchers do not hesitate to characterize Islamic movements as opposition groups, and this is what stops us to explore the approaches of these groups in the practice of this modern political act from a traditional reference, in this sense The experiences of Hassan Al-Banna (1906-1949) and Said Al-Nursi (1877-1960) impose themselves on the researcher on this topic, as they are foundations of two important opposition movements each in his region on the level of influence in the course of political and social history, focusing in our presentation on the relationship of science Heritage is a doctrine and jurisprudence, and mysticism in the formation of the two reformist Banna and Seagrass characters and their methodology in opposition.

Keywords: Opposition, Succession, Legal Policy, Sunnis, Jurists, Mystical Methods.

مستخلص:

ليست المعارضة السياسية مفهوما دارجا في الأدبيات الفقهية، بل هي مفهوم وليد الحداثة ، وبالرغم من ذلك لا يتورع الباحثون في توصيف الحركات الإسلامية بوصفها جماعات معارضة، وهذا ما يستوقفنا لسبر مناهج هذه الجماعات في ممارسة هذا الفعل السياسي الحديث انطلاقا من مرجعية تقليدية، من هذا المنطلق تفرض تجربتا كل من حسن البَنّا (1906-1949) وسعيد النُّورْسِي (1877-1960) نفسيهما على الباحث في هذا الموضوع، بما هما مؤسسان لحركتين معارضتين مهمتين كل في إقليمه على مستوى التأثير في سير التاريخ السياسي والاجتماعي، مرَكِّزِين في عرضنا هذا على علاقة علوم التراث من عقيدة وفقه وتصوف في تكوين شخصيتي كل من البَنّا والنُّورْسِي الإصلاحيتين ومنهجيهما في المعارضة.

الكلمات المفتاحية: معارضة، خلافة، سياسة شرعية، أهل السنة، فقهاء، طرق صوفية. 

مقدمة:

شكلت لحظة انهيار الخلافة الإسلامية صدمة حضارية وثقافية لم يعرفها الإسلام السني من قبل، فمنذ الهدنة بين سيدنا معاوية والحسن بن علي خبر الإسلام السني الاصطفاف وراء السلطة القائمة. ولئن سمح هذا السلطان للمؤسسة الدينية السنية بأن تشيد أركانها وأن تبني أنساقها المعرفية أصولا وفروعا في تفاعل مع سرديته، فإن هذه الأخيرة لعبت دورا في إضفاء شرعية على المؤسسة السياسية، كما اضطلعت هذه المؤسسة بدورين اجتماعيين مهمين:

أول هذه الأدوار كان الإشراف على المسار التعليمي عبر الواجهة المدرسية التي اضطلعت بدور تكوين كوادر للدولة تحتكر خطة القلم الإدارية (قضاة – وزراء – كتاب – حجاب …) في مقابل خطة السيف السياسية التي كانت حكرا على أهل العصبية بالمعنى الخلدوني.

في حين كان ثاني هذه الأدوار وظيفة الوسيط الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم وذلك عبر الواجهة الصوفية التي انتقلت من طورها الزهدي الأول إلى طور طرقي أكثر تنظيما بما يسمح لها أن تقوم بدور استقطاب الأفراد وتعبئتهم نحو القيام بوظائف اجتماعية تضامنية دون نسيان التنشئة الأخلاقية والروحية.

شكّل هذا التنظيم الوظيفي تاريخيا نصوصا ذات بعد قانوني – أخلاقي عرفت بالسياسة الشرعية كانت في بعدها الأول مقاربة لما يعرف اليوم بالقانون الدستوري، في حين اضطلعت في بعدها الثاني بشكل يقاربها لما يعرف بالأخلاق السياسية.

إلا أن هذه المنظومة مكتملة الأركان سرعان ما شهدت اضطرابا بدأ بفقدان السلطنة العثمانية لأغلب أراضيها تدريجيا لصالح المستعمر الغربي، وانتهت بإعلان سقوط الخلافة سنة 1923 على يد مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938) وإعلان الجمهورية التركية الحديثة جمهورية لائكية (العلمانية) تتقاطع مع التشريع الإسلامي باعتباره مصدرا للقوانين، وتمنع الطرق الصوفية بنص القانون، بينما عرف العالم العربي قيام جمهوريات قومية مارست هي أيضا تحييدا للمؤسسة الدينية وإن بمنهج مغاير، وهو ما فتح الإسلام السني التقليدي على وضعية سياسية لم يشهدها من قبل، فكانت ردة الفعل ظهور تنظيمات احتجاجية ” معارضة ” وهو مفهوم لم يعرفه العقل السياسي السني، في ما بات يعرف بالإسلام الحركي الذي ستتعدد مقارباته وسيرورته التاريخية.

ويشد انتباهنا بين هذه المقاربات الكثيرة نموذجان ظهرا في نفس الفترة التاريخية تقريبا لكنهما متباعدان جغرافيا، وهما نموذج جماعة الإخوان المسلمين التي سيؤسسها الأستاذ بالمعاهد المصرية الحكومية حسن البَنّا، ونموذج رسائل النور التي سيؤسسها عالم الدين الكردي بديع الزمان سعيد النُّورْسِي بتركيا.

ذلك أن النُّورْسِية أو حركة رسائل النور كانت دائما حركة دينية سلمية ذات طابع اجتماعي، حيث كان للنُّورْسِي الذي عارض موجة التحديث الكمالية العديد من الأتباع ما شكل مشكلة للنظام. وأدى إلى تعرضه طيلة أيام حياته للاعتقال والمحاكمات والمنافي الذي كتب “رسائل النور التي نسخها العديد من أتباعه يدويا. وانتشرت بين كلّ فئات المجتمع التركي، حيث لم تعتبر الحركة نفسها منفصلة عن المجتمع ولم تكفره بل نشطت بوصفها جماعة من المسلمين تدعو إلى القيم الإسلامية، ودعت إلى إدخال التعاليم الإسلامية في مناهج التدريس، وركزت نشاطاتها على الأنشطة الدعويّة والإعلامية والخيرية (الموصللي، 2005 : 305-306 و 406).

بينما أسّس حسن البَنّا جمعية الإخوان المسلمين في مصر بوصفها جمعية دعوية ولكن سرعان ما اكتسبت الحركة شعبية هائلة فتحولت إلى حركة سياسية، حيث كان للبنا تصورات اقتصادية وتربوية وسياسية، ولذلك لم تعزل الحركة هي كذلك نفسها عن المجتمع بل مارست العمل العسكري ضد المستعمر الانجليزي وكان لها دور في الحرب العربية-الصهيونية، كما أسّست شركات تجارية ربحية استقطبت الطبقات العاملة، وتوسعت مصالحها ومطالبها لتصل إلى عدد أكبر من الناس، لتوجّه كلّ جهودها ونشاطاتها ضدّ الحكومات المتعاقبة التي أدركت في النهاية قدرات الإخوان على تعبئة الموارد فقامت بمحاصرتها وتضييق الخناق عليها الأمر الذي بلغ حد منع الجماعة من نشر صحفها واعتقال مؤسسها وتلاميذه كلما سنحت الفرصة، في حين نددت الحركة بسياسات الحكومات المصرية بسبب قمعها واضطهادها(الموصللي، 2005 : 133- 136).

كان النُّورْسِي يرى أن ” طلاب النور -الذين هم بمثابة خلف الاتحاد المحمدي السابق – يمثلون الاتحاد الإسلامي في الأناضول. أما في البلاد العربية فكان يرى أن الإخوان المسلمون هم الذين يمثلون الاتحاد الإسلامي. [وأن] طلاب النور والإخوان المسلمين -من بين صنوف عديدة- يشكلان صفين مترافقين ومتوافقين ضمن حزب القرآن، وضمن دائرة الاتحاد الإسلامي المقدسة” (النورسي، 2011: 319). ومع أن مسارات الجماعتين وان اتفقا في خلفيتهما الإسلامية إلا أن توافقهما في التخطيط للمعارضة والمنهج الإصلاحي ليس أمرا ضروريا نظرا لاختلاف الأحداث التاريخية وطبيعة الأنظمة السياسية والخصوصيات الثقافية بين القطرين:

فإلى أي مدى تختلف إستراتيجيات المعارضة عند حسن البَنّا مع مثيلتها عند سعيد النُّورْسِي؟ وكيف نفسّر هذا الاختلاف إن وجد؟

إن المتبادر إلى الذهن أن الاختلاف بين كل من البَنّا والنُّورْسِي لن يكون جذريا نظرا لاتفاقهما المذهبي والإيديولوجي، بينما قد يقودنا اعتبار الفوارق الثقافية بين المركز والهامش إلى القول بتناقض التجربتين وهو ما نرجحه من فرضيات، بينما تتوسط هاتين الفرضيتين فرضية ثالثة تقول باختلاف جزئي بين منهج العالمين المبحوثين واتفاق في الأصول والمنهج.

وسنعتمد للإجابة على سؤالنا الإشكالي هذا وسبر صحة فرضياتنا على ثلاثة مناهج نذكرها بالترتيب:

1. المنهج التاريخي: حيث سنعرض للسيرروة التاريخية والصراعات الاجتماعية التي أفرزت التنظيمين المعارضين محل البحث.

2. المنهج المقارن: حيث سنقوم بعرض مواقف العلمين من خيارات المعارضة السياسية الممكنة.

3. المنهج التحليلي: حيث سنقوم بممارسة تفهمية لمواقف العلمين لسبر الأسباب العميقة التي أدت لاختلافهما في التوجه والتخطيط.

ولكن قبل أن نشرع في بحثنا هذا لا بد أولا من عرض مختصر لمفهوم المعارضة بوصفه المفهوم المركزي الذي يتمحور حوله هذا البحث، فما المعارضة؟ وما المقبول منها والمرفوض في الفقه الإسلامي السني؟   

١. تعريف مفهوم المعارضة:

نشأت المعارضة فعليا بنشوء السلطة في المجتمعات البشرية، أي منذ أن انقسم الأفراد إلى حكام ومحكومين، ومع ذلك لم ينشأ هذا المصطلح بوصفه مفهوما علميا إلا في العصور الأخيرة، وذلك بنشوء الدولة الحديثة التي تدار عبر تقسيم السلطات والانتخابات البرلمانية والرئاسية والتداول على الحكم سلميا(الرواحنة، 2015 : 853) ، ذلك أن هذا المفهوم الذي أشتق من جذر العين والراء والضاد وهو بناء ترجع مشتقاته كلها إلى أصل واحد، وهو العرض الذي يخالف الطول(ابن فارس، 1979م : 4/ 269)، يدل على مقابلة الشيء للشيء ومباراته له(ابن منظور، 1993 : 7/ 167). بينما يستعمل في اصطلاح علماء السياسة والقانون الدستوري ليقصد به في حالة بعض الدول التي تتيح في تشريعاتها حرية المنافسة السياسية للحاكم تلك الأحزاب والجماعات التي تخالف جزئيا الطبقة الحاكمة فتناضل للوصول للحكم سلميا، وقد تتطرف بأن تطالب بإلغاء الأنظمة بالكلية (كيالي، دت :  6/ 231) فتمارس العنف. بينما تعرف عند أهل السياسة الشرعية المعاصرين بكونها: إبداء الرأي السياسي المخالف للجهات الحاكمة الرسمية بالقول أو الفعل المشروع بعد التثبت والحوار (الرواحنة، 2015 : 853)، وهو تعريف على رسم القدامى المدرسيين يكون فيه الإبداء جنسا(مصطلح منطقي)، بينما احترز صاحب هذا التعريف بقوله ” الرأي السياسي” على الرأي غير السياسي كالرأي العقدي والأخلاقي، وقوله “المخالف” قيد على الرأي الموافق، أما قوله ” الجهات الحاكمة الرسمية” فقيد على ما دونها كالبغاة والمحاربين، واحترز بقوله ” القول أو الفعل المشروع” عما خالف الشريعة الإسلامية من قول أو فعل، أما قوله ” التثبت”  فقيد عن النقل عن غير العدول، وأخيرا احترز بقوله “الحوار” عن المعارضة التي لا تقبل التفاوض.

إن مقارن بين هذا التعريف ” القانوني الوضعي ” والتعريف ” السياسي الشرعي ” يمكنه أن يلاحظ أن قسما من التعريف الأول لا يدخل في التعريف الثاني، ذلك أن أهل السياسة الشرعية لا يرون ممارسة العنف معارضة مقبولة شرعا، ومن الطريف أن الدلالة العربية للمعارضة في الاستعمال التداولي القديم حمالة لمدلولات سلبية، ذلك أن العرب تطلق المعارضة على معاشرة الرجل المرأة بلا نكاح ولا ملك، وتقول المولود من سفاح: هو ابن المعارضة (ابن منظور، 1993 : 7/ 175) في مقابل الابن الشرعي الذي أتى من نكاح، ولعلّ هذه الإشارة اللغوية الكامنة في لاوعي العربي تعطيه استعدادا لموافقة سياسات الحاكم “الشرعي” مقابل المعارضة التي لن تكون إلا “غير شرعية”، ولذلك يطلق مفهوم ” الخروج ” أو “البغي”  على مثل هذا الصنيع، والبغاة وفق التصور السني هم “الخارجون من المسلمين أصحاب الشوكة عن طاعة “الإمام الحق” بتأويل، ويقابلهم “أهل العدل” وهم الذي خالفوهم وثبتوا على موالاة الإمام ( وزارة الأوقاف الكويتية، د ت، 8/130). أما المعارضة “الشرعية” بعد تطور الفكر السياسي السني الحديث وخضوعه لضغوط ثقافية خارجية هي المعارضة السلمية الدستورية فردية كانت أو جماعية وبهذا تكون المعارضة التي تهدف إلى قلب نظام الحكم، خصوصا تلك التي تستعمل الوسائل المسلحة غير شرعية، صحيح أن الخروج بالسلاح يسمى معارضة ولكنها عند أهل السياسة الشرعية ممّا يجب محاربته، وإذا ذكرت فمن باب التنبيه بمخاطرها (العموش، 2010: 239)، ولذلك أباح الفقهاء للحاكم قتال أهل البغي “لينزعوا عن المباينة ويفيئوا إلى الطاعة” (الماوردي، 2006 : 101).

ولكن إذا كان هذا الرأي هو ما استقر عليه فقهاء أهل السنة قديما في تحديد العلاقة بين الحاكم “الشرعي” والمحكوم “الباغي” ، فإن الانقلاب الحضاري الذي ذكرناه آنفا حيث سيشهد العالم الإسلامي انهيارا لمنظومة الخلافة وتعويضها بمنظومات قومية تتفاوت في جرعتها العلمانية، سيطرح على العقل الفقهي السني ضرورة إعادة النظر في مواقفه من السلطة، ليس على الجانب النظري فقط، بل تطبيقيا أيضا، إذ ستنشأ بالموازاة مع المؤسسات الدينية الرسمية تنظيمات سنية معارضة كالإخوان المسلمين وحركة طلاب النور التي قد تختلف في توصيفها للواقع، وبالتالي ستختلف استراتيجياتها لممارسة فعل المعارضة نظرا لاختلاف سياقاتها التاريخية .

فكيف أثر السياق التاريخي في نشأة كل من دعوة الإخوان المسلمين ودعوة رسائل النور بوصفهما جماعتين معارضتين؟ وكيف بررت هاتان الحركتان لوجودهما مع وجود المؤسسات الدينية الرسمية؟

٢. المؤسسة الدينية المصريّة وظروف نشأة الإخوان المسلمون:

لقد كان للأزهر منذ تأسيسه عام 973م علاقة شد وجذب مع حكام مصر. إذ ظل يقوم بدور الوسيط بين الدولة والمجتمع بوصفه مركز المؤسسة الدينية في مصر، فيتعاون مع حكام مصر أحيانا ويعارضهم في أحيان أخرى. وفي المقابل واجه الأزهر ضغوطًا شديدة من قبل الدولة لإضفاء الشرعية على حكمها، وإن لم يكن للدولة سلطة مطلقة للهيمنة على هذه المؤسسة من قبل، إلا أنه خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ستدخل الدولة المصرية بشكل متزايد في مجالات المؤسسات الدينية(Moustafa،2000  : 2) .

بدأ ذلك منذ حملة تحديث التعليم على النمط الغربي التي دشنها محمد علي باشا (1760-1849)، مقلصا بذلك الاحتكار الذي ظل يمارسه الجامع الأزهر لقرون في تزويد الدولة بما تحتاجه من كوادر إدارية وقضائية، وقد تلت حقبته تأسيس مدارس عصرية مستلهمة من النموذج الفرنسي في اختصاصات الطب والتقنية، كما أنشئت الكلية الخديوية للقانون، وكلية دار العلوم اللاتي أستحدثن بين 1860-1880، أي قبل الانتداب البريطاني لمصر سنة 1882(Abecassis ،2001 : 102)، وقد أزهد ملوك مصر المتعاقبين على إصلاح الأزهر استقلالية مشايخه ونفورهم من تدخل السلطة في شؤون ترتيب الدروس والمواد، وخوفهم من صولة العلماء عليهم، فإنهم إذا ثاروا يثورون باسم الدين ويجيشون العامة(الصعيدي، 1943 : 37)، وقد تمثلت هذه الاستقلالية في ثلاثة أبعاد :

  • الاستقلال الفكري: فقد حافظ الأزهر على هويته السنية التقليدية المتمثلة في العقيدة الأشعرية والماتريدية في علم الكلام، وفي الفقه على تقليد المذاهب الأربعة، وفي التصوف على السلوك وفق الطرق الصوفية “المعتبرة”، وكان الطلاب فيه يتلقون متون القدماء بحواشي المتأخرين فكانت فرصة تلاعب الدولة فيه ضعيفة.
  • الاستقلال المالي: وقد بدأت محاولة تدخل الدولة فيه منذ عهد محمد علي الذي بدأ بإنشاء ديوان للأوقاف مرورا بأحداث كثيرة في عهود متتالية منها القانون الذي صدر عام 1946 والذي سمح بمن أوقف وقفا أن يتراجع عنه.
  • المساندة الشعبية: والمتمثلة في أتباع الطرق الصوفية من عوام الشعب، ففي زمن الحملة الفرنسية على مصر لم يكن هناك مصري إلا وكان منتميا لطريقة صوفية، وكان مشايخ هذه الطرق من علماء الأزهر (منتدى الدين والحريات، 2017: 13- 14).

أما إبان الحقبة الاستعمارية فستعرف مصر على المستوى الإداري نظام حكم مزدوج، حيث تكون الحكومة البريطانية الاستعمارية السلطة الفعلية، بينما لن تكون الحكومة المصرية سوى واجهة دون أي تأثير على القرارات السياسية، وبينما تهيمن الآلة العسكرية الانجليزية على شرايين البلاد، سيضطلع الجيش المصري الذي أعيدت هيكلته بوظيفة حماية الخديويين ملوك مصر(LE QUINIOU ، 2016 : 5)، وبانتهاء الحرب العالمية الأولى كانت مصر تحت الانتداب البريطاني مسرحا لصراع ثلاثي الأقطاب قوامه الملك، والبريطانيون، والمعارضة الوطنية الحداثية التي تسيطر على البرلمان وتنادي بملكية دستورية وتوحيد التعليم في شكل مدني، وهو ما سيفرض على الملك الشاب فاروق (1920-1965) أن يتحالف مع البريطانيين ضد البرلمان طورا، وأن يتحالف مع النواب الموالين له داخل البرلمان ضد الأنجليز طورا آخر، لكن حليفا واحدا سيبقى على وفائه للعرش المصري هو المؤسسة الأزهرية، وهو ما زاد عداء المعارضة الحداثية ضده. ومحاولة منها لتجاوز الأزهر دون المجازفة بالسعي إلى إنهاء وجوده بالكلية قامت النخبة الحداثية المسيطرة على البرلمان منذ سنة 1900 بتوسيع نظام المدارس الحكومية على النمط الأوروبي، فتم إحداث معهد عال للقضاة سنة 1907 ليكرس التقنين الغربي، وفتحت جامعة القاهرة أبوابها سنة 1908، وفي إطار سعي البرلمان لإخضاع الأزهر لسلطته تم إخضاع ميزانية الأزهر والنظر في التعيينات الرئيسية فيه لنظر البرلمان عبر القانون رقم 15 لسنة 1925، ما اضطر الملك إلى تمويل الأزهر من ميزانيته الخاصة، كما نجح البرلمان في عزل خريجي الأزهر من الوظائف الحكومية بل من الانخراط في الحياة المدنية ما ضيّق الخناق عليهم أكثر، وفي المقابل تخلصت قيادات التيار التقليدي داخل الأزهر من دعوات الإصلاح ومن الشخصيات المنادية به والموالية للمعارضة ليحافظ التعليم الديني على سكونيته (كيرسيليس، 2002 : 18-19).

في خضم هذه الصراعات السياسية كانت مصر تشهد تحولات سوسيوثقافية هائلة، تمثل في انفتاح المجتمع المصري على القيم الغربية ففتحت الخمارات والملاهي الليلية ودور البغاء، وشجعت الصحافة التعليم المختلط ونزع الحجاب وغيرها من العادات التي لم يكن المواطن المصري المحافظ بطبعه قد ألفها من قبل (البنا فؤاد، د ت : 64)، كما فتحت المدارس المخصصة للأقليات الكاثوليكية في الشرق أبوابها لاستقبال أبناء العائلات المسلمة. فعلى سبيل المثال لا الحصر سيهتم معهد “العائلة المقدسة” اليسوعي بتكوين النخبة التي ستهيمن على مصر، وفي غضون أربعين عامًا ستنجح المعاهد المسيحية في تخريج فئة متميزة من موظفي الخدمة المدنية والوجهاء، ومن اختراق العديد من المحامين. أما في الإسكندرية ثاني المدن المصرية ثقلا ديمغرافيا واقتصاديا، فقد انعقد عزم قادة معهد “القديس فرانسوا غزافييه” أن تكون مؤسستهم “أكبر المؤسسات الرسالية في الشرق الأوسط” حيث نجحت خلال عشر سنوات في استقطاب أبناء العديد من العائلات المتنفذة في التجارة والتمويل والعقارات، تلك التي ستشكل قريبا النخبة المثقفة والاقتصادية على حد سواء. كما يمكننا أن نحصي بين عامي 1921 و1924 من بين اثني عشر عضوا في لجنة الطلاب السابقين في هذين المعهدين عضوية أمير وأربعة باشاوات وخمسة بايات، بينما سنسجل عضوين فقط دون ألقاب أميرية. إضافة لخريجين آخرين سيكون منهم تسعة في الإدارة العليا، وعشرة قضاة في محكمة القاهرة المختلطة، وخمسة منهم برتبة وزير. بالطبع، لم يحقق كل طلبة هذه المعاهد الرسالية مثل هذه المناصب العليا، ولكن ما يهمنا هنا أن سياسة هذه المعاهد كانت تستهدف جمهورًا محددًا (Abecassis، 2001: 89).

وفي خضم هذه الصراعات السياسية والتحولات الثقافية وأمام انسحاب المؤسسة الدينية الرسمية من الحياة العامة والفعل الاجتماعي (البنا فؤاد، د ت : 27)، سينشأ لاعب جديد في الساحة الاجتماعية سيرى في هذه التحولات تبشيرا بالسقوط الأخلاقي القِيَمي تحت مسمى التحرر العقلي والحرية الشخصية، محملا النخبة الجامعية التي لا ترى في التقدم إلا محاربة التدين والتقاليد الاجتماعية المنبثقة منه المسؤولية في ذلك، وقد واتت هذه الموجة الإعلان عن سقوط الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال وتحويل مقر الخلافة إلى مركز للعلمانية فزادت بذلك قوة هذا التيار (البنا حسن، 2012 : 54- 55). لقد كانت سنة 1928 تاريخا مهما لدارسي الحركات الإسلامية، حيث سيؤسس حسن البَنّا، ذلك المدرس المغمور المتخرج حديثا من دار العلوم، لكن المتقد حماسا، الجماعة الإسلامية الأكثر انتشارا وتأثيرا في العالم، والتي ستعرف باسم ” جماعة الإخوان المسلمين”، وخلال سنوات قليلة ستزدهر هذه الجمعية التي انطلقت من مدينة الإسماعيلية وستنجح في فتح فروع لها في محافظات وقرى عديدة، وفي سنة 1932 سينتقل البَنّا إلى القاهرة لينقل معه مقر الجمعية، وكلما كانت الجمعية تكبر ماليا وديمغرافيا كان مقر الجمعية يتوسع وكذلك نفوذها في الشارع، وبالرغم من أن الهدف الأساسي من تكوين الجماعة كان دعويا إلا أن الحراك السياسي في ثلاثينات القرن الماضي سينجح في جذب الجماعة إلى حظيرته، فمنذ سنة 1937 السنة التي تولى فيها الملك فاروق عرش مصر، والذي أحاط بلاطه برجال سياسة من المحافظين المتدينين، سيكون الإخوان المسلمون أحد أوراق النظام الملكي لإضعاف المعارضة اللبرالية (نافع،  2013 : 46-47).

لقد بدأ البَنّا حياته الدعوية بداية صوفية، حيث بايع شيخ الطريقة الحصافية الشاذلية سنة 1923 وهو طالب بالإعدادية، وواظب على حلقات ذكرها، كما أنتخب سكرتيرا لجمعيتها المسماة “الجمعية الحصافية الخيرية” التي اتخذت محاربة التبشير في مصر هدفا لها (عمارة، 2006 : 5)، إلا أن البَنّا الطالب رغم اشتغاله بالذكر والعبادة سيكون “مريدا حرا في تفكيره ” وستقوده مطالعاته واستقلاليته الفكرية إلى بداية الإنكار على كثير من المنتسبين للطرق الصوفية فيما “يتنافى” مع ظاهر الدين وأحكامه (البنا، 2012 : 48).وهو ما سيتعزز مع تعرف البَنّا على رشيد رضا (1865-1935) الذي ساهم في إدماج الفكر الوهابي داخل مشروع الإصلاح الإسلامي، حيث سيروج لأفكار الفقيهين الحنبليين ابن تيمية (1263-1328)، ومحمد بن عبد الوهاب (1703-1792) داخل مصر (El Karoui، 2018 : 15)، وقد كان للقاء البَنّا برضا في القاهرة الأثر الكبير على مسيرته، وقد وجد مشروع رشيد رضا الإصلاحي الذي دمج فكر جمال الدين الأفغاني (1838-1897) السياسي وفكر تلميذه محمد عبده (1849-1905) التربوي صدى داخل حركة الإخوان المسلمين واستمرارية فيها (البنا فؤاد، د ت : 38)، وبانتقال البَنّا للإسماعيلية للتدريس سيشهد حماسه للدعوة وفق أسلوب الطريقة الحصافية فتورا، وسيتوجه تفكيره إلى العمل الحركي الذي يمنحه مرونة وطاقة إستيعابية أوسع من الطرقية (البنا حسن، 2012 : 78)، وستبدأ بوادر الانشقاق بين الشيخ ومريده بعد تأسيس جماعة الإخوان إذ ” يخطئ من يظن أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة دراويش قد حصروا أنفسهم في دائرة ضيقة من العبادات الإسلامية، كل همهم صلاة وصوم وذكر وتسبيح. فالمسلمون الأولون لم يعرفوا الإسلام بهذه الصورة، ولم يؤمنوا به على هذا النحو” (البنا حسن، 2002 : 97) ، ومع أن البَنّا سيبقي على احترامه للمرجعية الصوفية بشروط سلفية إلا أن عبد الوهاب الحصافي مرشدِ مرشدِ جماعة الإخوان الروحي سيكون له رأي مجانب لرأي تلميذه اقتضى انشقاق هذا الأخير عن نهج شيخه واختياره لنفسه نهجا آخر (البنا حسن، 2012 : 19).

٣. المؤسسة الدينية التركية وظروف نشأة النُّورْسِية:

في الضفة الشمالية الشرقية للمتوسط، وبالتحديد في بلاد الأناضول حيث معقل الخلافة ستشهد الأمة التركية في زمن الخلافة العثمانية تجربة متوافقة في الظروف ولكن مختلفة في السياسات، فلقد كان اندماج المؤسسة العسكرية بالمؤسسة السياسية أهم سمات التراث العثماني، ذلك أن القوة العسكرية ظلت طوال التاريخ العثماني ركيزة الدولة، ولا أدل على هذا من أن السلطان وكبار موظفيه ورجال الجيش يشكلون مجتمعين طبقة يطلق عليها في العرف العثماني إسم ” العسكريين” أو “أهل السيف” بالرغم من أن أغلب مكوناتها تضم عناصر مدنية (هلال، 1999 : 13).

كما احتلت المؤسسة الدينية مركزا مهما في هذا الحمى السلطوي، ذلك أن الدين كان دائما ذا مكانة مركزية في شرعنة السلطة العثمانية، كونها “سيف الإسلام وظل الله على الأرض”، حيث ستتبنى الخلافة الإسلام السني الحنفي بوصفه أحد تأويلات التشريع الإسلامي، لتتكون بذلك طبقة نافذة هي “طبقة العلماء”، وهكذا يصبح العلماء، بعد أن يتم إدماجهم في منظومة الحكم عصب الإدارة العثمانية، وسيضطلعون بأدوار مركزية في التنظيمات السياسية والإدارية والقانونية للإمبراطورية (Monge، 2013 : 224-225).

وبما أنه لم تكن تتوفر لرعايا الإمبراطورية العثمانية وفق الادارة القديمة سلطة برلمانية أو تنظيمات نقابية ترعى مطالبهم، فقد كانت الطرق الصوفية السبيل الوحيد للتعبير عن قضاياهم. وقد شكلت الطرق بالفعل وسيلة للصعود الاجتماعي، وذلك بتقديمها خدمات تعليمية واجتماعية، وبالتالي لعبت هذه الأخويات الروحية دورا اجتماعيا بارزا، وهو ما يفسر نجاح هذه المؤسسة في استقطاب مختلف الشرائح الاجتماعية ابتداء من الحرفيين الفقراء والأميين إلى أن نصل إلى السلطان نفسه. وبشكل عام سيختلف مستوى القوة ونوعية العلاقة مع السلطان من طريقة إلى أخرى، على غرار الطريقة البكتاشية التي كانت مرتبطة بقوة بالسلك العسكري الإنكشاري. بينما ستكون الطريقة النقشبندية – وهي سنية بحتة – قريبة من عقيدة العلماء، وستمثل هذه الطريقة قوة كبيرة على مستوى الضبط الاجتماعي، حتى أنها كانت الأداة الرئيسية لبسط سلطة الخلافة في شرق الأناضول، بعد أن تم التفويض لمشائخها للحفاظ على القانون والنظام في هذا الجزء من الإمبراطورية. (Trépanier، 2001 : 278-279)

هكذا استند النظام السياسي العثماني حتى القرن التاسع عشر على توازن بين مؤسساته الثلاث، فتكون بذلك نظام هرمي رأسه السلطان العثماني صاحب السلطة السياسية وحاشيته أهل السيف ، ثم المختصون في القانون والشريعة الإسلامية وعلى رأسهم “شيخ الإسلام”، وثالثا الإسلام الشعبي المتمثل في شيوخ ومريدي الطرق الصوفية، فحتى نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن الناس يتساءلون ما إذا كانت الصوفية تتفق مع الإسلام في صورته الأولى أم لا، ولم يكن هناك فصل بين إسلام العلماء وإسلام مشايخ الطرق الصوفية، بل إن الانتماء لطريقة صوفية كان السمة الغالبة على علماء الخلافة. (Luizard، 2000 : 8-9)

إلا أن هذا التوازن بين الدين والدولة سيشهد ضعفا منذ القرن التاسع عشر وذلك لأسباب عديدة، من بينها: التطور الداخلي الذي شهده الإسلام بما لم يعد من الممكن معه اختزاله في تعبيرية السنية الحنفية، إلى جانب خسائر الإمبراطورية لأراضيها المترامية تدريجيا، وتصاعد الضغوط من القوى الأوروبية التي تطمع في تقاسم الميراث العثماني، وظهور نزاعات اثنية بين متساكني الأراضي العثمانية (العرب والألبان والأكراد)، وضغوط السكان المسيحيين واحتمائهم بقوى الغرب (Monge، 2013 : 255).

وتحت وطأة هذا التهديد ستشهد الإدارة العثمانية منذ عهد السلطان محمود الثاني (1785-1839) إلى عهد ابنيه السلطان عبد المجيد (1823-1851) والسلطان عبد العزيز (1830-1876) حملة إصلاحية شاملة، ابتدأت بإلغاء الجيش الانكشاري وتكوين جيش حديث سمي بـ”العسكر المحمدي المنصور”، وتطبيق نظام الحكم المركزي في الإدارة المقتبس من النموذج الفرنسي في تسيير الإيالات العثمانية، وقد مهدت هذه الإصلاحات إلى إعادة بناء الدولة وقوانينها والتوفيق بين التشريعات الإسلامية والتشريعات الأوروبية والفرنسية منها خاصة، وتفعيل العمل بدستور ينظم السلطات سنة 1876، بما سيعرف بعهد التنظيمات، كما ستنطلق الإصلاحات التركية في مجال التعليم سنة 1845 وذلك بتكوين لجنة مكونة من سبعة موظفين كبار لدراسة مؤسسات التعليم داخل ديار الخلافة، لتقدم اللجنة بعد سنة ونصف تقريرها الذي ينصح بإحداث مدارس ابتدائية وثانوية على النمط الحديث بعد أن كان التعليم مقتصرا على الكتاتيب والمدارس الدينية التقليدية، فكانت مدرسة اسطنبول الرشدية أول مدارس التعليم المدني سنة 1847، تلتها دار المعلمين سنة 1848 التي ستضطلع بمهمة تكوين الكوادر التعليمية في بقية المدارس الجديدة، وبتزايد المدارس أحدثت وزارة المعارف العمومية سنة 1856، وأقتبس النموذج الأوروبي في الإدارة (النجار، 2002 : 60).

وبالوصول إلى حقبة السلطان عبد الحميد (1842-1918) كانت النخبة العثمانية منقسمة إلى معسكرين، معسكر تحديث تغريبي، ومعسكر محافظ إسلامي، حيث يستند كلا المعسكرين إلى قاعدتين مختلفتين جغرافيا وطبقيا، بين الريف مقابل المدينة، والشرق مقابل الغرب، والأرستقراطية مقابل البرجوازية الجديدة، ولئن تمترس المعسكر الأول وراء مؤسسة الخلافة فإن المعسكر الثاني سيجد داعميه داخل المؤسسة العسكرية. (هلال، 1999 : 43 – 44)

ستسعى الإمبراطورية إلى وقف أزمتها وتجديد الدماء في شرايينها عن طريق تغريب شامل لمناحي الإدارة والجيش، لكنها في الواقع سلسلة من الإصلاحات الرمزية التي لا تعبر عن أي تغيير ثقافي حقيقي، إنه تقليد صوري للغرب في المجالات التقنية والعلمية. إذ سيحاول العقل الشرقي أن يتحصل على نفس النتائج الحضارية والتقنية التي عرفها الغرب، لكن مع إصراره على فصلها عن التجربة الثقافية الغربية، وبالتالي ترسيخ الجدلية الصراعية المعقدة للغاية بين الثقافة الإسلامية والحداثة، المتمثلة في محاولة إنتاج الثمار دون التفكير بشأن جذورها. ونتيجة لذلك، سيتحول الإسلام إلى عقبة محرجة عند الإصلاحيين: فهو يشارك في إذكاء روح الحماسة لدى الشعب، ولكن في الوقت نفسه سيكون عقبة أمام تقدم الإمبراطورية. (Monge، 2013 : 225)

ستعتبر المؤسسة العسكرية نفسها حارسة للتنوير لتؤسس جمعية ” الاتحاد والترقي” السرية سنة 1889 التي ستدبر تمردا على السلطان عبد الحميد سنة 1908 لترغمه على إعادة العمل بالدستور الذي ألغاه قبل ثلاثين سنة، فيما سيعرف بثورة ” تركيا الفتاة “، ولقد استمرت نشاطات “تركيا الفتاة” إلى حين هزيمة الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، فتزعزعت بذلك شرعية مؤسسة الخلافة مقابل تنامي دور المؤسسة العسكرية التي عززت تماسكها وشرعيتها بمقاومة المخططات الغربية لضم الأناضول تحت سيطرتها، ولمدة ثلاث سنوات ابتدأت بسنة 1919 سيتزعم مصطفى كمال باشا حركة المقاومة الشعبية التي كللت بمعاهدة لوزان سنة 1923 تلك التي تعترف بحدود تركيا المعاصرة. وفي نفس السنة سيعلن “الغازي” مصطفى كمال قيام الجمهورية التركية وزوال عهد الخلافة (هلال، 1999 : 14-15) . لتعرف تركيا في عصره هيمنة سلطوية مطلقة من الدولة على كل مناحي الحياة. وسعيا إلى تحقيق التجانس بين مختلف الجماعات العرقية والطائفية، ستروج القيادة التركية لإسلام جمهوري علماني ذي توجه قومي “تركي”. ومع أن الإرادة السياسية كانت تعمل على تحييد الضمير الديني عن شؤون الحياة، إلاّ أن النموذج الكمالي للعلمانية سيسهّل أيضًا تسييس الإسلام “من الأسفل”، أي مِنْ قِبَلِ الأحزاب والجماعات الاجتماعية الدينية. (Karakas، 2007 : 3)

إذ مع تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 ، ستعرف تركيا جملة من القرارات التحديثية الراديكالية لعل أهمّها قانون توحيد التعليم سنة1924 ، الذي ألغيت بموجبه جميع المدارس الشرعية التقليدية التي تقدم التعليم الديني، تلاه إصدار قانون في نوفمبر1925  تم بموجبه إغلاق جميع التكايا والطرق وتجريم حلقات الذكر الصوفي، وبهذا انتهى الاعتراف القانوني بجميع الجماعات والطرق الصوفية، وتبع ذلك في عام1927  القرار بالانتقال إلى حروف الأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة التركية، وهو ما زاد من تقليص نفوذ رجال الدين على الدولة ولا سيما في مجال التعليم. لم يكن كل هذا صدفة، ذلك أن أتاتورك وأتباعه سعوا صراحة إلى تحييد التنظيمات والأخويات الدينية، وعزل أعضائها عن مناطق التأثير، وهو ما حتم على الطرق الصوفية والجماعات التعليمية العمل تحت الأرض والتكيف مع استراتيجيات لصراع طويل الأمد، خصوصا في الأجزاء الشرقية من البلاد، حيث كانت سلطة الحكومة ضعيفة ما مكن تفرعات الطريقة النقشبندية أكثر الطرق انتشارا وأكثرها التصاقا بمجتمع العلماء الشرعيين من مواصلة أنشطتها خلسة. (معهد هودسن، دت : 3)

وبدلاً من القتال ضد “الجمهورية”، سيفضل البعض التصويت لصالح الأحزاب المحافظة التي من شأنها أن تخفف من وطأة الاستبداد. فإن كان جزء من الخط المحافظ سيحاول تحقيق “حكم إسلامي” من خلال الانتخابات ونعني بذلك الأطراف المتدينة التي ستجد في حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان الأب الروحي للإسلام السياسي التركي أجلى تعبيراته، فإن فريقا آخر سيرضى بحكم ديمقراطي يحترم حريتهم الدينية.

 سيكون الاسم البارز في هذا المعسكر الأخير سعيد النُّورْسِي، مؤسس “حركة النور” وقائدها، التي تختلف مثلها مثل بقية الحركات الدينية عن الطرق الصوفية مع أنها فرع من فروعها التاريخية، إذ يقر النُّورْسِي أنه بدأ حياته صوفيا بقوله: “وأستاذي في الطريقة النقشبندية: سيد نور محمد. وأستاذي في الطريقة القادرية: نور الدين” (النورسي، 2011: 277)، ولكن إن بدت هذه الأخيرة أكثر هرمية وتقليدية، حيث أن للطرق الصوفية تاريخا طويلا من التقاليد وتعتمد القيادة فيها على الروابط العائلية الوراثية، فإن الحركات – مثل النُّورْسِية – اتسمت على الرغم من وجود نوع من التسلسل الهرمي داخلها، بتنظيم فضفاض، فهي ظاهرة حديثة مع تاريخ قصير نسبيا. لا يبدو هذا الفصل اعتباطيا إذ تصر الحركات الإسلامية أن الجماعة ليست طريقة (AKYEŞİLMEN، 2014 : 32-33). يقول “بديع الزمان” سعيد النُّورْسِي : ” أيها السادة! إنني لست شيخا صوفيا، وإنما أنا عالم ديني. والدليل على هذا، إنني لو كنت قد علمت أحدا من الناس الطريقة الصوفية، طوال هذه السنوات الأربع التي قضيتها هنا، لكان لكم الحق في الارتياب والوقوع في الشكوك. ولكني لم أقل لمن أتاني إلا أنَّ الزمان ليس زمان الطريقة. الإيمان ضروري، والإسلام ضروري.” (النورسي، 2011: 81)، لكن ذلك لا يعني قطيعة مع المرجعية الصوفية إذ يقدم النُّورْسِي طرحا آخر بإعلانه أنه ” ما دامت الحقيقة هكذا؛ فإني أخال أن لو كان الشيخ عبد القادر الكيلاني و الشاه النقشبند والإمام الرباني وأمثالهم من أقطاب الإيمان رضوان الله عليهم أجمعين في عصرنا هذا، لبذلوا كل ما في وسعهم لتقوية الحقائق الإيمانية والعقائد الإسلامية، ذلك لأنهما منشأ السعادة الأبدية، وأن أي تقصير فيهما يعني الشقاء الأبدي.  نعم، لا يمكن دخول الجنة من دون إيمان، بينما يدخلها الكثيرون جدا دون تصوف، فالإنسان لا يمكن أن يعيش دون خبز، بينما يمكنه العيش دون فاكهة. فالتصوف فاكهة والحقائق الإسلامية خبز ” (النورسي، 2011 : 27).

وبعد هذا العرض التاريخي للسيرورة التاريخية الثقافية التي أسهمت في ظهور هذين التنظيمين علينا أن ننظر بعد ذلك في منهج الرجلين، فما هي الفروق بين منهج البَنّا والنُّورْسِي في تطبيقهما للمعارضة؟

٤. منهج المعارضة بين البَنّا والنُّورْسِي:

لقد تصور البَنّا مرجعية جماعته بشكل شمولي حين قال أن الإخوان المسلمين ” دعوة سلفية … وحقيقة صوفية … وهيئة سياسية … وجماعة رياضية … ورابطة علمية ثقافية … وشركة إقتصادية … وفكرة اجتماعية ” (البنا حسن، 2002 : 170-171)، حتى كأنها الدين نفسه أو الدولة نفسها، ولا ضير في هذا الشمول مادام الإسلام نفسه ” دين ودولة، مصحف وسيف “(البنا حسن، 2002 : 97- 98)، إذ يمكن تلخيص فكر حسن البَنّا في مسلّمة جوهرية مفادها ” أن تكون مسلما هو أن تسعى لأسلمة الحياة والمؤسسات والهياكل “، بشكل يكون فيه الإسلام نظام حياة عالمي، خلافا لتصورات علماء الدين المدرسية الغارقة في الجدليات الكلامية والفقهية، والتجريد الصوفي، أما إسلام الإخوان فيريد أن يصنع شعبًا، إسلاما للجميع. فبالنسبة لحسن البَنّا، لا يرتبط إنشاء الدولة الإسلامية بسلطة تطبيق الشريعة الإسلامية بقدر ارتباطها بأسلمة تبدأ من الفرد، ثم الأسرة، ثم المجتمع ككل. عندها ستحدث الدولة الإسلامية بشكل تلقائي. ولعل ذلك ما يشرح الأهمية التي يوليها حسن البَنّا للحياة النقابية الإسلامية والأنشطة المدنية: الأندية الرياضية، وتجمعات النساء، والمخيمات الصيفية وغيرها. (El Karoui، 2018 : 45)

أما النُّورْسِي فقد اعتبر الوظيفة الأساسية للمنتسب لرسائل النور تكمن بكل بساطة في ” كتابتها، ودعوة الآخرين إلى كتابتها، وتعزيز انتشارها” (النورسي، 2011 : 108)،  إلا أن هدف النُّورْسِية الأساسي من وراء ذلك كان في تنشئة أجيال جديدة مدربة في مجالات التعليم الديني والعلوم الحديثة، ومن ثم سد الفجوة بين العالم المسلم والعالم الغربي المتقدم مادياً. وفي حين تعرضت الحركة النُّورْسِية للاضطهاد في الأيام الأولى للجمهورية التركية، وأرسل النُّورْسِي إلى المنفى، فإنه تمكن من مضاعفة جهوده خلال ستينات القرن العشرين إبان عهد الحزب الديمقراطي، وانتشر طلاب النُّورْسِي لاحقاً في جميع أنحاء تركيا، وبدأوا في إنشاء بيوت طلاب لدراسة رسائل النور التي كتبها النُّورْسِي، التي مثلت النص المركزي الذي يعكس الرؤية الإصلاحية والتخطيط الاستراتيجي للحركة. ومع بعض الاستثناءات تميل النُّورْسِية إلى الامتناع عن السياسة الحزبية المباشرة (معهد هودسن، دت : 6). يعلل النُّورْسِي ذلك قائلا ” إن الحقائق الإيمانية والقرآنية ثمينة غالية كغلاء جواهر الألماس، فلو انشغلت بالسياسة، لخطر بفكر العوام: أيريد هذا أن يجعلنا منحازين إلى جهة سياسية؟ أليس الذي يدعو إليه دعاية سياسية لجلب الأتباع؟ بمعنى أنهم ينظرون إلى تلك الجواهر النفيسة أنها قطع زجاجية تافهة، وحينها أكون قد ظلمت تلك الحقائق النفيسة، وبخست قيمتها الثمينة، بتدخلي في السياسة” (النورسي، 2011 : 81)، ورغم أن النُّورْسِي سيتجنب طوال حياته المشاركة في الحياة السياسية، كما أنه لن يسمح لطلابه بالانخراط في السياسة باسم حركة رسائل النور.  ولا يدخلون في السياسة باسم الجماعة. إلا أن منهجه في خدمة القضية الإسلامية إبان صعود الحزب الديمقراطي إلى السلطة سيشهد شيئا من التغير مع الحفاظ على خطه الأوّلي، إذ ستتحول النُّورْسِية بعد صعود هذا الحزب إلى سدة الحكم نحو الانخراط أكثر في الشأن العام، وسيجد النُّورْسِي في الديمقراطيين جبهة لمقاومة الشيوعية واللادينية. وهكذا قدم النُّورْسِي دعمه المادي والمعنوي للحزب الديمقراطي، حين منحهم وأتباعه أصواتهم في انتخابات عام 1957، ففي رسالة كتبها إلى عدنان مندريس (1899-1961) ، رئيس الوزراء في ذلك الوقت سيقول فيها (Hörkür، 2004 : 135) :  ” لقد كنت – برغم مرضي الشديد وعدم علاقتي بالسياسة – أودُّ اللقاء ببطلٍ من أبطال الإسلام كعدنان مندريس، لكن بما أن الظروف والأوضاع لا تسمح بذلك، فقد كتبتُ هذه الرسالة لتحلَّ محلَّ اللقاء، وتتحدث بدلاً مني. أتوجه للمتدينين أمثال عدنان مندريس أحد أبطال الإسلام ببيانِ بعضِ الأسس بإيجازٍ بالغٍ…” (النورسي، د ت).

لكن في الحالة الإخوانية سيكون الانخراط في العمل السياسي الحزبي أحد الخيارات المطروحة والممكنة على الجماعة الجديدة، إذ أن الجماعة لم ترفض أبدًا المشاركة في الانتخابات من حيث المبدأ، بل حاول مؤسسها الترشح للبرلمان وفشل في تحقيق مبتغاه (Hamzawy & Brown، 2010 : 6)، فرغم نجاح البَنّا في المرور للدور الأول في دائرة الإسماعيلية إلا أنه أنه سيفشل في الفوز بمقعد نيابي رغم التأييد الساحق لمتساكني المحافظة، بينما سقط زملاؤه الخمسة الذين ترشحوا باسم الإخوان في دوائر أخرى، وذلك في الانتخابات التي أعقبت انقلاب الملك على الحكومة الوفدية سنة 1944 (رمضان، 1993 : 57)، غير أن الفشل أو النجاح في ذلك لم يكن من الأهداف الأساسية للجماعة. بل إن أدبيات المؤسس تعرب بشكل صريح عن ازدراء لسياسات الأحزاب، مؤكدة أن مصالح المجتمع بأكمله لها الأسبقية على الانقسام الحزبي (Hamzawy & Brown، 2010 : 6) ذلك أن ” الحزبية أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم، وعطلت مصالحهم، وأتلفت أخلاقهم، ومزقت روابطهم، وكان لها في حياتهم العامة والخاصة أسوأ الأثر… [ إن ] النظام النيابي، بل حتى البرلماني، في غنى عن نظام الأحزاب، بصورتها الحاضرة في مصر، وإلا لما قامت الحكومات الائتلافية في البلاد الديمقراطية، فالحجة القائلة بأن النظام البرلماني لا يتصور إلا بوجود الأحزاب حجة واهية، وكثير من البلاد الدستورية البرلمانية تسير على نظام الحزب الواحد“. (البنا حسن، 2002 : 197)  

ويبدو أن تحمس البَنّا لنظام الحزب الواحد كان يشجعه على المغامرة بتنفيذ انقلاب عسكري إن سنحت الفرصة، ذلك أن دراسة في أصول أعضاء حركة الضباط الأحرار ومسار الضباط الموالين لهم سيمكننا من تتبع محاولات الإخوان للتسلل إلى الجيش، هذه المحاولات التي سيشرف عليها حسن البَنّا شخصيًا والرائد محمود لبيب (1882-1951)، العسكري المتمرس والقيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين، وقد نجحت الجماعة فعلا في تشكيل عدة خلايا تابعة لها في صفوف الجيش المصري، إلا أن هذه الخلايا لن تتحرك بيسر نظرا لأن عددا لا بأس به من الناشطين كانوا قوميين لا إسلاميين، لكنهم كانوا مع ذلك حريصين على التعاون من أجل الهدف الموحد وان لم يلتزموا بأطروحات الحركة وممارساتها (Aclimandos، 2001 : 255) ، وقد عملت الخلية السرية الأولى من الإخوان المسلمين داخل الجيش من 1944 حتى 1948 من أجل تجنيد أكبر عدد ممكن من أبنائه لصالحها، ولعل أبرز شخصية سيبزغ نجمها من بين الجنود الملتحقين بها اليوزباشي “جمال عبد الناصر” (1918-1970) الذي كانت الاجتماعات السرية لخلية الإخوان تعقد في بيته. (حمودة، 1958 : 32)

                درس جمال عبد الناصر القانون وشارك بنشاط في احتجاجات الطلاب قبل التحاقه بالأكاديمية العسكرية، واكتسب من مشاركته في الحرب العربية الإسرائيلية التي خاضها سنة 1948 سمعة طيبة بوصفه ضابطا شجاعا ما زاده حماسا على التآمر مع زملائه ضد نظام متهالك، وبعد نجاح انقلاب 1952 سيختفي الضابط الشاب مؤقتًا خلف الجنرال نجيب (1901-1984)، مؤيدا عودة الجيش إلى ثكناته وإرساء حكم ديمقراطي، لكن سرعان ما ستتم إقالة نجيب بعد عشرين شهرًا لتولي عبد الناصر زمام البلاد بشكل علني. وهو في السادسة والثلاثين من عمره، ليكون سيد مصر المطلق وحاكمها المستبد. وستدفع جماعة الإخوان المسلمين الثمن قريبًا بعد محاولة فاشلة لاغتياله سنة 1954 ستتهم بها الجماعة التي انتمى إليها ذات يوم (Solé،2014  : 54). لقد انقلبت إستراتيجية البَنّا الثانية ضده ولم يتسن لجماعته الوصول إلى السلطة عبر المغامرة العسكرية، بعد أن فشل في الوصول إليها عبر الانتخابات البرلمانية، بل إن النخب العسكرية ستكون ألد أعدائها فيما بعد.

أما النُّورْسِي فلم يكن متحمسا للانقلابات العسكرية والثورات المسلحة، فلقد كان موقفه من ثورة شيخ الطريقة النقشبندية سعيد بيران (1865-1925) المسلحة التي انطلقت في فبراير من سنة 1925 رافضا، وذلك بعد أن زارت قيادات من الثورة الكردية المسلحة النُّورْسِي طلبا لدعمه في ثورتهم والانضمام إليها.( Awang، 2015 : 446)، ولقد علل النُّورْسِي رفضه هذا بأن مثل هذا العصيان ليس إلا ” ثورة تدفع الأخ لقتل أخيه ولا تحقق أية نتيجة، فالأمة التركية قد رفعت راية الإسلام وضحتّ في سبيل دينها مئات الألوف بل الملايين من الشهداء فضلا عن تربيتها ملايين الأولياء، لذا لا يستل السيف على أحفاد الأمة البطلة المضحية للإسلام ” (النورسي، 2011 : 242).

 ورغم أن الشيخ بيران الذي خرج رفضا لسياسات مصطفى كمال التغريبية قد نجح في بسط نفوذه على أراض شاسعة في الشرق التركي، ووصل إلى حدود ديار بكر، التي كاد أن يحتلها لولا تدخل الجيش التركي الذي ألقى القبض على الشيخ وأتباعه حيث أعدموا شنقا أمام جامع ديار بكر الكبير سنة 1925 (هلال، 1999 : 43 – 44)، إلا أن شكوك الحكومة التركية حامت حول النُّورْسِي بالرغم من عدم تورطه في هذا التمرد المسلح، وتم نفيه بشكل متكرر من محافظة إلى أخرى ( Awang، 2015 : 446). لكن اللافت للانتباه أن النُّورْسِي لم يرد الفعل بشكل عنيف طوال حياته بل كان يقول ” أيها الشقاة، يا من تضيقون عليّ الخناق، اعملوا ما شئتم واقضوا ما أنتم قاضون، فلا أهمية لعملكم، كل المصائب التي تنزل بنا هينة تافهة، بل إنها عناية إلهية محضة ورحمة بعينها…”(النورسي، 2011 : 226) .

ورغم سلمية الجماعة إلا أنه رافقت النُّورْسِي طيال حياته اتهامات بتشكيل حركة سرية ” والإخلال بالأمن مع أنه لم يسجَّل في ظرف عشرين عاما أي حادثة إخلال  بالأمن ضد أي طالب من طلاب النور الذين يتجاوز عددهم مئات الآلاف”(النورسي، 2011 : 438)، وفي سنة 1943 قدم النُّورْسِي وتلاميذه إلى المحاكمة في دنيزلي بتهمة تأسيس جمعية سرية تعمل من أجل تحريض الرأي العام ضد الحكومة، والإساءة إلى مصطفى كمال ووصفه بالدجال. وقد تألفت لجنة من أساتذة وقانونيين لدراسة بعض رسائل النور التي وقعت بأيديهم وانتهت اللجنة إلى أن تلك الرسائل، ليست إلا بحوثا دينية مجردة لا علاقة لها بالحزبية والسياسة، لذلك برأت المحكمة ساحة النُّورْسِي وأطلقت سراحه في 16 يونيو من سنة 1944 (شعلان، 2016 : 109)، وتنقل لنا المصادر دفاعات طلاب النور عن أنفسهم واعترافهم بالانتماء لدعوة النور ونفيهم التبرؤ منها ، من ذلك شهادة طالب النور زبير غوندوز آلب (1920-1971) وهو أحد تلاميذ النُّورْسِي إذ يقول : ” إنني متهم بتهمة تشكيل جمعية سرية وبالإخلال بأمن الدولة، ولأنكم سوف تقتنعون بما سأعرضه عليكم أدناه اقتناعا كاملا بأنني لم أقترف مثل هذا الجرم فإنني أردُّ هذه التهمة منذ الآن. أجل، إنني طالب من طلاب النور.. أقول هذا وأعلنه بكل سرور وقناعة لأن إنكار هذا الأمر يتناقض تماما مع دروس الفضيلة التي لقنتني إياها رسائل النور، لذا فلست مستعدا لاقتراف هذا الجرم، إن الشخص الذي يقرأ رسائل النور على الدوام لا يمكن أن يخفي قراءته هذه، بل على العكس من ذلك فإنه يفتخر بهذه ويعلنها دون تردد أو خشية، ذلك لأن رسائل النور لا تحتوي على أية جملة بل على أية كلمة توجب الخشية أو التردد”. (النورسي، 2011 : 558)

وهذا ما لم يوجد في التجربة الإخوانية إذ أن الخطوة الأخطر التي سيقوم بها حسن البَنّا كانت في إنشاء النظام الخاص سنة 1940، بوصفه تنظيما سريا مسلحا لا يخضع لمراقبة القيادة العلنية، وعين على رأسه القيادي بالجماعة عبد الرحمن السندي (1918-1962)، وسيرتبط هذا النظام لسنوات باغتيالات سياسية سيتبرأ منها الجهاز الرسمي (نافع، 2013: 48-49)، إذ سيغتال التنظيم السري انتقاما للجماعة من التضييقات والملاحقات التي طالتها القاضي أحمد الخزندار (1889-1948)، و اثنين من رؤساء الوزراء هما أحمد ماهر باشا (1888-1945) والنقراشي باشا (1888-1948) (El-Shazly، 2014 : 31) ، لقد كانت القضية الفلسطينية الغطاء الشرعي للتدريبات السرية للتنظيم الخاص مع أن تكوين التنظيم السري كان قبل ظهور القضية الفلسطينية على الساحة، وقد كانت حكومتا صدقي باشا (1875-1950) والنقراشي باشا المواليتان للقصر – قبل أن تنقلب هذه التدريبات إلى الداخل المصري – متسامحتين مع الشباب الذين قبض عليهم وبحوزتهم السلاح، ومع ذلك فقد تغاضتا عنها نظرا لنبالة الهدف كما يقول تقرير النيابة، والحق أن تلك الحكومات كانت ترى في الإخوان المسلمين ذراعا لضرب المعارضة الوفدية آنذاك قبل أن ينقلب السحر على الساحر. (رمضان، 1993 : 71-72)

                كان تصرف التنظيم السري باغتيال النقراشي باشا ردا على قراره المباغت بحل الجماعة وجميع شعبها وما تلاه من حملة اعتقالات لشباب الجماعة وقياداتها عملا بالأمر العسكري عدد 63 لسنة 1948، ولئن كان اغتيال الخازندار قد سبب امتعاضا لدى البَنّا الذي اكتشف أن الجهاز السري بات خارجا عن سيطرته، فإن خبر اغتيال النقراشي هبط عليه كالصاعقة، مع توالي الهتافات من حناجر أنصار هذا الأخير إبان جنازته منادية بـ”الموت للبنا” (نافع، 2013 : 52-54)، لقد كان البَنّا  طيلة تجربته الدعوية حريصا على تجنب الاحتكاك مع السلطات، إلا أن أعداد المنتمين إلى جماعة الإخوان ستتضخم بين سنتي 1947-1948 إلى ما يربو على 500 ألف عضو، ناهيك عن عدة آلاف من الجنود في الجناح العسكري السري، بما أعجز البَنّا عن السيطرة على تنظيم بهذا الحجم، لتؤدي الأحداث المتسارعة في النهاية إلى اغتيال زعيم الإخوان المسلمين في فبراير سنة 1949. (BRYNJAR، 2015 : 223)

 وباغتيال البَنّا انتهت حقبة مهمة من تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، لتفتح على صفحات أخرى، وهو ما حتم على الجماعة أن تواجه تحديات جديدة دون مرشدها ومؤسسها (نافع، 2013 : 57)، لعل أهمها المواجهة الشرسة مع النظام إبان الحقبة الناصرية حيث ستتعرض الحركة لحملة ملاحقات ستنتهي في غالبها بإعدام كثير من أعضائها أو اعتقالهم أو اختيار المنفى خارج مصر، ولن تشهد علاقة الجماعة بالنظام انفراجة إلا في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي  بعد إطلاق سراحهم من السجن أثناء قيادة الرئيس أنور السادات (1918-1981). (ÖZDEMİR، 2013 : 17)

  أما في التجربة التركية فسيواصل النُّورْسِي دعوته رغم التضييقات حتى آخر أيام حياته، إذ وافته المنية يوم 23 مارس من سنة 1960 حيث دفن بأورفة، إلاّ أن السلطات نبشت قبره في أوائل شهر يوليو من نفس السنة  حيث أخذ جثمانه إلى مكان مجهول (النورسي، 2011 : 38)، وبعد وفاته تمكن النُّورْسِيون من الانتشار داخل المجتمع التركي عبر منازل الأعضاء أو”الصحبة sohbet” والبدء بتنظيم شبكة من المؤسسات الإعلامية والجمعيات الاغاثية ومساكن للطلبة ذات تعريفة منخفضة، التي تعرف في اللسان التركي باسم” يُورْتْ yurt”، مما يجعل النُّورْسِية الحركة الأكثر تنظيماً وانتشاراً في تركيا المعاصرة، وبالرغم من انشقاقها إلى ما يصل إلى أربعين مجموعة داخل تركيا وخارجها، إلا أنه يمكن تصنيف 12 جماعة من بينها ذات تأثير قوي وفعال، ولعل أهم أسباب ميلاد هذه التفرعات يكمن في اختلاف تلاميذ النُّورْسِي حول تأويل ميراث أستاذهم وتطبيق النظرية على أرض الواقع بما في ذلك طبيعة الدعوة والتحالفات السياسية، إلا أنّ الجماعات النُّورْسِية حافظت في أغلبها لسنوات على دعمها لأحزاب يمين الوسط العلمانية عوضا عن تأييد النسخ المتكررة من أحزاب الإسلام السياسي تحت قيادة نجم الدين أربكان، وذلك قبل تأسيس حزب العدالة والتنمية. (معهد هودسن، دت : 6)

۵. تحليل في المفارقات :

إن النُّورْسِية شكل مربك ومختلف من التنظيمات الدينية لا تعرفه الذهنية العربية، إذ يشترك هذا الإسلام الاجتماعي مع الإسلام السياسي في كونه إسلاما إصلاحيا سليلا لحركة الإصلاح التي ظهرت منذ نهايات القرن التاسع عشر على يد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده فرشيد رضا، إذ سيؤثر رضا في تكوين مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البَنّا (زهران، 2014 : 556-557)، بينما سيتعرف النُّورْسِي في أول زيارة له لإسطنبول على أحد تلاميذ جمال الدين الأفغاني وأحد مريدي الطريقة السنوسية وهو ما سيؤثر على تصوراته الإصلاحية والسياسية حتى أنه اعتبر الأفغاني ومحمد عبده من أسلافه الفكريين (النورسي، 2011 : 80-81)، إلا أن النُّورْسِية سترفض الانخراط في الفعل السياسي المباشر طواعية سواء عن طريق التمثيل الحزبي أو العمل السري، وستحاول بقدر استطاعتها التوغل اقتصاديا وإعلاميا عبر شبكة من الجمعيات المدنية وهو ما أطلقنا عليه إسلاما اجتماعيا، بينما راهن الإخوان المسلمون منذ عصر التأسيس على أن يكونوا فاعلا مهما في الحياة السياسية واستثمار أنشطتهم الخيرية في صراعهم السياسي، دون أن ننسى انجرارهم إلى مربع العنف ردا على عنف الدولة.

وهو ما يدعونا إلى التساؤل عن سبب الاختلاف بين جذور النُّورْسِي الإصلاحية مقارنة بجذور البَنّا، التي أدت إلى هذا الاختلاف في الإستراتيجيات والخطوات الإصلاحية؟

حتى نجيب عن هذا السؤال لا بد من العودة تاريخيا إلى الماضي البعيد، إلى المرحلة التي تكوّن فيها الفقه السياسي لأغلب الفرق الإسلامية الكبرى، حيث ستدرك السلطة في الإسلام منذ بداية تحولها إلى ملك أن العالم لا يمكن أن يكون محايدا، فهو إما مبرر للسلطة أو معارض لها، مما حدا بالسلطان أن يؤدب معارضيه ويجزل العطاء لمؤيديه، ولا يقتصر هذا التأديب في كثير من الأحيان على التصفية الجسدية فحسب، بل إلى تصفية تراث العالم العلمي والعبث فيه وهو أشد وأخطر من التصفية الجسدية عينها. (الصغير، 1994 : 126)

 ذلك أن الفتنة الكبرى التي انتهت بوصفها صراعا أهليا مسلحا بعد أن أسفرت على هيمنة البيت الأموي على السلطة لم تنته بالكلية بل ستتواصل في الضمائر، وسينجم عنها إضافة للسلطة الأموية الحاكمة، التشيع بوصفه حركة سياسية معارضة ستشهد القمع نتيجة لوفائها لذكرى علي وثوراتها المتشنجة التي ستشهد الفشل (جعيط، 2000 : 326)، كما سينجم عنها الخوارج الذي كانوا أبرز تجمع عسكري مناوئ للسلطة الأموية خاض ضدها حروبا ووقائع  حتى ساد الاعتقاد في ارتباط الفكر الخارجي بالتطرف ورفض الآخر (الوريمي، 2006 : 109-110)، سينظّر العقل السياسي الخارجي والشيعي إلى شرعية الثورة، وسيوجب كل من  المعتزلة والزيدية والخوارج إزالة الحكام الظلمة بالسيف، بينما ستجوّز الجعفرية ذلك نظريا، وتعلقه تطبيقيا لحين ظهور الإمام. (الأشعري، 2005 : 2/ 336)

في المقابل سيقتنع الفقيه السني بعد تجربة عملية مريرة مع رجل السلطة بعدم جدوى المواجهة المسلحة مع صاحب السيف والعصبية، وأمام خوفهم من أن تمتد يد السلطان إلى الكتاب وتأويله بل وتوظيفه تحريفيا لمصالحه عمد الفقهاء السنة إلى إعادة تأسيس المفاهيم الشرعية عبر تسوير النص بالآلية الأصولية، ليتحصنوا من ورائها حافظين سلطتهم المعنوية من شهوة السلطان (الصغير، 1994 : 154) ، مقابل هدنة مع السلطة ستدوّن في كتب العقائد وتكرسها كتب الفقه لتدوم قرونا تقتضي أننا ” لا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو على أحد منهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة”، ومع أن الشارح المعاصر لهذا المتن سيرى أن الحاكم الذي استبدل الشريعة بالنصوص الوضعية ليس مشمولا بهذه الطاعة نظريا، إلا أنه يحرم الخروج عليه إذا تحققت الفتنة بذلك (فودة، 2014 : 1042-1043)، مما يعني استمرارا في سياسة المهادنة بنفس المسوغات.

ولكن ما علاقة هذا بكل من البَنّا والنُّورْسِي؟

إن الإجابة الممكنة عن هذه العلاقة تكمن في مدى تشبع كل من البَنّا والنُّورْسِي بهذا التراث العقدي والفقهي لأهل السنة، ففي حالة البَنّا نجد أنه لم يتكون التكوين الأزهري الذي يمكن صاحبه من معرفة عميقة بعلوم التراث، فرغم تلقيه لتعليمه الابتدائي بـ”معهد الرشاد” الأقرب للكتاتيب القرآنية إلا أنه لم يتم فيه حفظ القرآن، بل تبرم من هذا النمط التقليدي، مما دعا والده إلى إدماجه في التعليم الحديث، حيث تدرج في سنوات الإعدادية ثم واصل تعليمه في دار المعلمين في دمنهور، ومنها إلى دار العلوم في القاهرة التي تخرج منها مدرسا ابتدائيا. (غانم، 2012 : 135)

                بينما تلقى بديع الزمان سعيد النُّورْسِي تعليمه في المدارس الدينية المحلية في المنطقة الكردية. وبعد الانتهاء من تلقي علوم المدرسة التقليدية بشكل عميق في سن مبكرة، درس العلوم الطبيعية والرياضيات والفلسفة، بعد أن اقتنع أن تعليم المدرسة التقليدية وحده غير كاف (AKYEŞİLMEN، 2014 : 34). لقد كان النُّورْسِي ملما بعلوم التراث خصوصا علم الحديث ما مكنه من نيل عضوية دار الحكمة الإسلامية التابعة للمشيخة الإسلامية العامة للدولة العثمانية، التي كانت لا تضم إلا كبار علماء السلطنة. (النورسي، 2011 : 165)

لقد كان النُّورْسِي وهو يخوض حربه ضده الكمالية مستحضرا في لا وعيه التجربة التاريخية في علاقة الفقيه بالسياسي، تلك التجربة التي كان الفقيه يتولى فيها الدفاع عن السلطة في حالة ما إذا كانت السلطة تحقق أو تقترب من نموذجه السياسي، أما في حال غياب هذه الشروط فإن الفقيه سيختار الاعتزال، غير أن الامتناع عن الخيار المسلح لا يعني تأييدا للإمام الظالم، بل مجرد تقدير منه للمصلحة والمفسدة (الصغير، 1994 : 276)، ولكن في حالة النُّورْسِي لن يكون خيار الاعتزال ممكنا بل ستكون المعارضة ثقافية وطويلة المدى، ذلك أن النُّورْسِي الذي استطاع أن يتحمل كل آلامه الشخصية، لن يقدر على تحمل آلام الأمة الإسلامية التي سـحقته، إذ يقول “إنني أشعر بأن الطعنات التي وجِّهت إلى العالم الإسلامي وجهت إلى قلبي أولًا؛ ولهذا ترونني مسحوق الفؤاد، ولكني أرى نورًا سينسينا هذه الأيام الحالكة بإذن الله”. (النورسي، 2011 : 514)

بينما مكّن ضعف الاتصال بالتراث السني التقليدي وعلومه عند البَنّا وانقطاع السند به، إضافة لنزعته السلفية من إعادة تكرار للخيارات التي انساق ورائها الشيعة والخوارج من قبل، وهي خيارات بدت واعدة ومبشرة لولا انتفاء شرط العصبية بها، ولم تكن تجربة البَنّا خارجة عن سنن العمران التاريخية فـ”من هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن كثيرا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاء في الثواب عليه من الله فيكثر أتباعهم والمتلثلثون  بهم من “الغوغاء” و”الدهماء” ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك “. (ابن منظور، 1993 : 2/ 183) (ابن خلدون، 1988 : 200)

إنه الدور نفسه الذي تكرره التجارب الإصلاحية الشمولية في الإسلام معبرة عن أزمة العلاقة التي طبعت السياسة بالعلم طوال تاريخه بين مشروع نموذجي للدولة تحت ظل دولة غير نموذجية (الصغير، 1994 : 295)، ذلك أن لحظة انهيار الخلافة تساوي في نظرنا أو تكاد لحظة الفتنة الكبرى، بوصفهما لحظتي أزمتين دستوريتين، وهو ما يدعونا للبحث بشكل أعمق حول الفراغ الدستوري في النصوص الإسلامية .

الخاتمة :

إن النتيجة التي تُستخلص ونحن على مشارف الانتهاء من هذا البحث تظهر بصحة الفرضية التي تبناها هذا العرض، ولكن مع تعديل فيها، ذلك أن سبب هذا الاختلاف الجذري ليس ثنائية المركز والهامش التي انطلق منها الباحث، إذ بينت المقارنة تعرض تركيا ومصر إلى نفس مسيرة التحديث مع خلاف في حدتها، لتكشف هذه المقارنة أن المؤثر التي توصلنا إليه بعد سبر لمسالك المنهجين كان في ثنائية التقليد والسلفية، خلافا لما توحي به المرجعية الحركية الإصلاحية لأول وهلة من وحدة، ذلك أن هذا الإسلام الحركي وإن بدا محرَجا من الظاهرة الصوفية، إلا أنه في حالة النُّورْسِي سيجد حلا أكثر مرونة في تجاوزها دون أن يمثل هذا التجاوز قطيعة كاملة معها، بينما ستتحقق هذه القطيعة مع البَنّا بشكل أكثر حدّية، كما أن الدرس التقليدي الذي كان النُّورْسِي متشبعا به سيعمل على رسم منهجه في المعارضة بما يتوافق ومقرراته، بينما ستؤثر الروح السلفية لحسن البَنّا في خوض المغامرة بكل خياراتها الممكنة، فلئن اتخذ النُّورْسِي العمل الدعوي الصرف نائيا بنفسه عن الخوض في غمار السياسة مما سمح لطلابه بعد وفاته من تعميق الخيار الاجتماعي للحركة، فإن حسن البَنّا سيختار المشاركة في الحياة السياسية منذ السنوات الأولى بتأسيس جماعته التي ستتحول تدريجيا إلى أم حركات الإسلام السياسي في العالم .

قائمة المصادر والمراجع

  1. الموصللي (أحمد)، موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي وإيران وتركيا، مركز دراسات الوحدة العربية-بيروت، ط2، 2005، ص-ص 305-306 و 406.
  2. الموصللي (أحمد)، موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي وإيران وتركيا، 133- 136.
  3. النورسي (سعيد)، الملاحق، تر إحسان قاسم صالحي، دار سوزلار – القاهرة ، ط6، 2011،  319.
  4. الرواحنة (علي جمعة)، مرتكزات المعارضة السياسية وأحكامها في الفقه الإسلامي، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون – عمادة البحث العلمي : الجامعة الأردنية، المجلّد 42 ، العدد 3، 2015، ص853.
  5. ابن فارس (أحمد)، معجم مقاييس اللغة، تح عبد السلام محمد هارون، دار الفكر –بيروت، 1399هـ – 1979م، 4/ 269.
  6. ابن منظور (جمال الدين، محمد بن مكرم)، لسان العرب، دار صادر – بيروت، ط3، 1414 هـ – 1993، 7/ 167.
  7. كيالي (عبد الوهاب)، قاموس السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، دط، دت،  6/ 231.
  8. الرواحنة (علي جمعة)، مرتكزات المعارضة السياسية وأحكامها في الفقه الإسلامي، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون – عمادة البحث العلمي : الجامعة الأردنية، المجلّد 42 ، العدد 3، 2015، ص853.
  9. ابن منظور (جمال الدين، محمد بن مكرم)، لسان العرب، 1993، 7/ 175.
  10. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويتية، الموسوعة الفقهية الكويتية، دارالسلاسل – الكويت ط2، د ت، 8/130
  11. العموش (بسام)، المعارضة السياسية من منظور إسلامي، المجلة الأردنية في الدراسات الاسلامية – عمان ، مجلد 6، عدد 2، 1431 هـ- 2010 م، ص 239.
  12. الماوردي (أبو الحسن علي بن محمد)، الأحكام السلطانية، تح أحمد جاد، دار الحديث – القاهرة، دط، 2006، ص 101.
  13. Moustafa (Tamir), CONFLICT AND COOPERATION BETWEEN THE STATE AND RELIGIOUS INSTITUTIONSIN CONTEMPORARY EGYPT, In J. Middle EastStud. Cambridge University Press,2000 , p2.

14.      Abecassis )frederic(, L’enseignement du français en Egypte dans les années 1920: une nébuleuse à plusieurs degrés de francité , dans Histoire de l’enseignement du français langue étrangère ou seconde dans le bassin méditerranéen. Volume 1, no: 27,2001, p 102 .

  1. الصعيدي (عبد المتعالي)، إصلاح الأزهر وصفحات من الجهاد في الإصلاح، مطبعة الاعتماد – مصر، ط1، 1943، ص37.
  2. منتدى الدين والحريات،  المؤسسات الدينية والدولة، إعداد إسلام بركات، ط1، 2017، ص-ص 13- 14.
  3. LE QUINIOU )Romain(, L’Egypte sous la tutelle britannique, Institut d’Etudes Politiques d’Aix en Provence – 4ème Année – 2016, p 5.
  4. كيرسيليس (دانيال)، الأزهر وثورة 23 يوليو، تر حمد العيسى، ضمن كتاب الأزهر والسياسة : 1952-2002، منتدى المعارف –لبنان، ط1، 2019، ص 18-19.
  5. البنا (فؤاد عبد الرحمن محمد)، الاخوان المسلمين والسلطة السياسية في مصر، مركز الدراسات والبحوث الافريقية – جامعة إفريقيا العالمية، د ت، ص 64.
  6. Abecassis )frederic( , L’enseignement étranger en Egypte et les élites locales (1920-1960) Francophonie et identités nationales, p 89 .
  7. البنا (فؤاد عبد الرحمن محمد)، الاخوان المسلمين والسلطة السياسية في مصر، ص 27.
  8. البنا ( حسن)، مذكرات الدعوة والداعية، مكتبة آفاق – الكويت، 2012، ص-ص  54- 55.
  9. نافع (بشير موسى)، الإسلاميون، مركز الجزيرة للدراسات – الدوحة، ط2، 2013، ص-ص 46-47.
  10. عمارة (محمد)، معالم المشروع الحضاري في فكر الإمام حسن البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية – القاهرة،  ط1، 2006، ص 5.
  11. البنا (حسن)، مذكرات الدعوة والداعية، ص 48.
  12. El Karoui) Hakim(, La fabrique de l’islamisme, instutut montaigne, RAPPORT – SEPTEMBRE 2018, p15.
  13. البنا (فؤاد عبد الرحمن محمد)، الاخوان المسلمين والسلطة السياسية في مصر، ص 38.
  14. البنا (حسن)، مذكرات الدعوة والداعية، ص 78.
  15. البنا (حسن)، رسائل الإمام الشهيد، دار الدعوة – الإسكندرية، ط1، 2002، ص 97.
  16. البنا (حسن)، مذكرات الدعوة والداعية، ص 19.
  17. هلال (رضا)، السيف والهلال : تركيا من أتاتورك إلى أربكان –الصراع بين المؤسسة العسكرية والاسلام السياسي، دار الشروق – القاهرة، ط1، 1419 هـ- 1999م، ص 13.
  18. Monge (Claudio), « Petite histoire de la genèse de l’islam turc et de son rapport au politique », Revue des sciences religieuses , 87/2 | 2013 Christianisme et islam, pp 224-225.
  19. Trépanier (Nicolas), Les Ordres. Tarikats et politique dans la Turquie républicaine, revue RELIGIOLOGIQUES, no 23, printemps 2001,pp  278-279.
  20. Luizard (Pierre-Jean), Pouvoir religieux et pouvoir politique au Moyen-Orient : De la tradition ottomane à la modernité réformiste, CONFLUENCES Méditerranée – N° 33 PRINTEMPS 2000, pp 8-9.
  21. Monge (Claudio), « Petite histoire de la genèse de l’islam turc et de son rapport au politique », p255.
  22. النجار (جميل موسى)، السياسة لتعليمية العثمانية وانعكاسها على ولاية طرابلس الغرب، مجلة جامعة الملك سعود، م14، 1422هـ-2002م،  ص0 6.
  23. هلال (رضا)، السيف والهلال : تركيا من أتاتورك إلى أربكان، ص-ص 43 – 44.
  24. Monge (Claudio), « Petite histoire de la genèse de l’islam turc et de son rapport au politique », p 225.
  25. هلال (رضا)، السيف والهلال : تركيا من أتاتورك إلى أربكان، ص-ص 14-15.
  26. Karakas (Cemal), Turkey: Islam and Laicism Between the Interests of State, Politics, and Society, Peace Research Institute Frankfurt (PRIF), 2007, p3 .
  27. معهد هودسون, الطريقة النقشبندية الخالدية والإسلام السياسي في تركيا، تر ادراك للدراسات، ص3.
  28. النورسي (سعيد)، سيرة ذاتية، تر إحسان قاسم صالحي، دار سوزلار-القاهرة، ط6، 2011، ص 277.
  29. AKYEŞİLMEN )Nezir( & ÖZCAN )Arif Behiç(, Islamic Movements and Their Role In Politics In Turkey, Selcuk University, Journal of Institute of Social Sciences Volume: 31, 2014, p32-33.
  30. النورسي (سعيد)، المكتوبات، تر إحسان قاسم صالحي، دار سوزلار – القاهرة، ط6، 2011، ص 81.
  31. النورسي (سعيد)، المكتوبات، ص 27 .
  32. البنا (حسن)، مجموع الرسائل، 170-171.
  33. البنا (حسن)، مجموع الرسائل، ص-ص 97- 98.
  34. El Karoui (Hakim), La fabrique de l’islamisme, p45
  35. النورسي، الملاحق، ص 108.
  36. معهد هودسون، الطريقة النقشبندية الخالدية والإسلام السياسي في تركيا، ص6.
  37. النورسي (سعيد)، المكتوبات، ص 81.
  38. Hörkür, (Hasan), Said Nursi’s ideal for human society : moral and social reform in the Risale-i Nur. Doctoral thesis, Durham University-england,2004, p 135 .
  39. النورسي (سعيد)، سيرة بديع الزمان سعيد النورسي بلسانه وأقلام تلامذته، تر حسين عثمان وآخرون . منقول عن : http://www.rasaelalnour.com/archives/250    
  40. Hamzawy (Amr) & Brown (Nathan J),The Egyptian Muslim Brotherhood: Islamist Participation in a Closing Political Environment,Carnegie Endowment for International Peace Number 19 , March 2010, p 6.
  41. رمضان (عبد العظيم)، الإخوان المسلمون والتنظيم السري،  الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة، ط2، 1993، ص 57.
  42. Hamzawy (Amr) & Brown (Nathan J) ,The Egyptian Muslim Brotherhood :  Islamist Participation in a Closing Political Environment, p 6.
  43. البنا (حسن)، رسائل الإمام الشهيد، ص 197.
  44. Aclimandos (Tewfik),« Officiers et Frères musulmans: 1945-1948», egypte /Monde arabe, Deuxième série, L’egypte dans le siècle : 1901-2000 , 2001, p255.
  45. حموده (حسين محمد أحمد)، أسرار حركة الضباط الأحرار والاخوان المسلمين،  الزهراء للاعلام العربي- القاهرة، ط1، 1958، ص 32.
  46. Solé (Robert), « L’egypte, d’une révolution à l’autre », Société des amis de la bibliothèque et de l’histoire de l’ecole polytechnique (SABIX), Bulletin de la Sabix, 54 | 2014, p54.
  47. Awang (Ramli) ,A Challenge from Teaching to Social Movement: Bediüzzaman Said Nursi’s Struggles for Modification in Turkey,in Mediterranean Journal of Social Sciences-MCSER Publishing, Rome-Italy,Vol 6 No 6 S1 ,November 2015,p446.
  48. النورسي (سعيد)، سيرة ذاتية، ص 242.
  49. هلال (رضا)، السيف والهلال : تركيا من أتاتورك إلى أربكان ، ص-ص 43 – 44.
  50. Awang (Ramli) ,A Challenge from Teaching to Social Movement: Bediüzzaman Said Nursi’s Struggles for Modification in Turkey,p446
  51. النورسي (سعيد)، الملاحق، ص 226.
  52. النورسي (سعيد)، الشعاعات، تر إحسان قاسم صالحي، دار سوزلار – القاهرة، ط6، 2011، ص 438.
  53. شعلان (عبد القادر ابراهيم)، البعد السياسي في حياة بديع الزمان سعيد النورسي، مجلة تكريت للعلوم السياسية، المجلد 3، السنة 3، العدد 8، 2016، ص 109.
  54. النورسي (سعيد)، الشعاعات ، ص 558.
  55. نافع (بشير موسى)، الاسلاميون، ص-ص 48-49.
  56. El-Shazly, )Nadia(. ‘When the Sphinx awoke : an eye witness account of Egypt’s revolution.’, Discussion Paper. Durham University-england, 2014, p 31.
  57. رمضان (عبد العظيم)، الاخوان المسلمون والتنظيم السري، ص-ص 71-72.
  58. نافع (بشير موسى)، الاسلاميون، ص-ص 52-54.
  59. BRYNJAR (LIA), Autobiography or Fiction? Ḥasan al-Bannā’s Memoirs Revisited, Journal of Arabic and Islamic Studies Department of Culture Studies and Oriental Languages, University of Oslo- Norway,no 15, 2015, p223.
  60. نافع (بشير موسى)، الاسلاميون، ص 57.
  61. ÖZDEMİR (AHMET YUSUF) , FROM HASAN AL-BANNA TO MOHAMMAD MORSI; THE POLITICAL EXPERIENCE OF MUSLIM BROTHERHOOD IN EGYPT , A THESIS SUBMITTED TOTHE GRADUATE SCHOOL OF SOCIAL SCIENCES OF MIDDLE EAST TECHNICAL UNIVERSITY, 2013 ,p17.
  62. النورسي (سعيد)، سيرة ذاتية، ص 38.
  63. معهد هودسون، الطريقة النقشبندية الخالدية والإسلام السياسي في تركيا، ص6.
  64. زهران (مصطفى)، تحديات ما بعد 30 يونيو: السلفية المصرية بين واقعها ومستقبل مشروعها السياسي، ضمن أشغال ندوة : TARIHTE ve GÜNÜMÜZDE SELEFILIK (السلفية في الماضي والحاضر)، وقف دراسات العلوم الاسلامية ((ISAV،  ENSAR NEŞRİYAT، إسطنبول– 2014، ص 556-557 .
  65. النورسي، (سعيد)، سيرة ذاتية، ص-ص 80-81.
  66. الصغير (عبد المجيد)، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، دار المنخب العربي-بيروت، ط1، 1415-1994، ص 126 .
  67. جعيط (هشام)، الفتنة : جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، دار الطليعة – بيروت، ط4، 2000، ص 326.
  68. الوريمي (ناجية)، الإسلام الخارجي، دار الطليعة –بيروت، ط1، 2006، ص-ص 109-110.
  69. الأشعري (أبو الحسن علي بن إسماعيل )، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ، تح نعيم زرزور، المكتبة العصرية- بيروت، ط1، 1426هـ – 2005م، 2/ 336 .
  70. الصغير (عبد المجيد)، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، ص 154 .
  71. فوده (سعيد)، الشرح الكبير على الطحاوية، دار الذخائر –بيروت، د ط، 2014، ص-ص 1042-1043.
  72. غانم (إبراهيم البيومي)، الفكر السياسي للإمام حسن البنا، مدارات للأبحاث والنشر- القاهرة، ط1،  2012، ص 135.
  73. AKYEŞİLMEN )Nezir( & ÖZCAN )Arif Behiç(, Islamic Movements and Their Role In Politics In Turkey,p34.
  74. النورسي (سعيد)، سيرة ذاتية، ص165.
  75. الصغير (عبد المجيد)، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، ص 276.
  76. النورسي (سعيد)، صيقل الإسلام، ص 514.
  77. تلثلث في الأمر ولثلث: بمعنى تردد.ابن منظور ( جمال الدين، محمد بن مكرم )، لسان العرب،2/ 183.
  78. ابن خلدون ( ولي الدين عبد الرحمن بن محمد)المقدمة ، تح خليل شحادة ، دار الفكر- بيروت، ط2، 1408 هـ – 1988 م، ص 200.
  79. الصغير (عبد المجيد)، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، ص 295.