Press "Enter" to skip to content

BEYOND LEGAL POLITICS THE NURSI MODEL AND THE TUNISIAN EXPERIENCE

  محمد السبتي

باحث في العلوم الإسلامية والاجتماعية جامعة الزيتونة- تونس

Abstract

This article is not in its depth a discussion of Nursi Movement, as much as it is a research in its absence. Nursi Movement, which was founded in the midst of a feverish struggle with the secular forces that destroyed the unity of the Islamic world and isolated Turkey from its civilized environment, represents a distinct approach from the rest of the protest options that it will take the conservative segment in modern Turkey since the Kemalist period, which prompts us, after defining the characteristics of this movement, to seriously question the reasons why such a reformist model has not appeared in other Arab countries in particular, and perhaps Tunisia, which will also know violent secularization through Bourguiba modernization, is considered the most experiment similar to contemporary Turkey. Despite this, the Tunisian religious institution will experience a collapse with which it will be unable to resist, and will fail to produce a movement with the specificity of the Nursi Movement. Accordingly, this research, which ruled that the two experiments take a different path, will try, through a socio-historical approach, to answer the deep reasons behind this creative sterility, recalling the process of history and the struggle of social components to show the contradictions.

Keywords: Sharia politics, Secularism, Bourguiba, Nursi, Ali bin Ghadhahem.

ما بعد السياسة الشرعية

النموذج النورسي والتجربة التونسية

مستخلص

ليس هذا المقال في عمقه بحثا في النورسية، بقدر ما هو بحث في غيابها، إن النورسية التي تأسست في خضم صراع محموم مع القوى العلمانية التي قضت على وحدة العالم الإسلامي، وعزلت تركيا عن محيطها الحضاري، إنما تمثل نهجا متمايزا عن بقية الخيارات الاحتجاجية التي ستتخذها الشريحة المحافظة في تركيا الحديثة منذ الفترة الكمالية، وهو ما يدعونا بعد أن نحدد خصائص هذه الحركة إلى التساؤل جديا حول أسباب عدم ظهور مثل هذا النموذج الإصلاحي في غيره من الدول العربية بالذات، ولعل تونس التي ستعرف هي الأخرى علمنة عنيفة عبر التحديث البورقيبي لتعد أكثر التجارب شبها بتركيا المعاصرة. بالرغم من ذلك ستعرف المؤسسة الدينية التونسية انهيارا تعجز معه عن المقاومة، وقصورا عن أن تنتج حركة بخصوصية الحركة النورسية، وعليه سيحاول هذا البحث عبر مقاربة سوسيو-تاريخية أن يجيب عن الأسباب العميقة التي خلفت هذا العقم الإبداعي مستحضرا سيرورة التاريخ، وصراع المكونات الاجتماعية ليبين التناقضات التي حكمت بأن تتخذ التجربتان مسارا مختلفا.

الكلمات المفتاحية: السياسة الشرعية، العلمانية، بورقيبة، النورسي، علي بن غذاهم

مقدمة:

كانت لحظة سقوط الخلافة العثمانية صدمة لضمير الأمة الإسلامية الجمعي، فلطالما مثلت هذه المؤسسة منذ ظهورها في العهد الراشدي رمزا لاتحاد المسلمين ومن دخل في ذمتهم في الهدف والغاية، وجهازا تندغم فيه كل الاختلافات الإثنية واللغوية والمذهبية من أجل الحفاظ على وحدة الصف ومتانته.

 إن حالة الهرم التي بلغتها الامبراطورية العثمانية وخسارتها في الحرب العالمية الأولى قد سرّع من وتيرة انهيار دولة “رجل أوروبا المريض” لتتوزع تركتها بين الأمم الغربية التي عملت على زرع ثقافتها في مستعمراتها الجديدة، وبالرغم من استعادة شعوب تلك المنطقة لاستقلالها، بعد انطلاقها في تكوين حركاتها التحررية، ما مهد لظهور الدول الوطنية. إلا أن الغزو الثقافي قد حقق الكثير من نتائجه بظهور نزعات معادية للمظاهر الدينية وشعائرها عند قادة الدول المستقلة حديثا تأثرا بحركتي التحديث والعلمنة التي عرفها الغرب وهم الذين سرعان ما تقلدوا مقاليد الحكم.

لقد كانت هذه النزعات العلمانية التي هيمنت على سلطة القرار متفاوتة بين مخلفات الدولة العثمانية، إلا أنه من بين هذه الدول ستعرف تركيا وتونس الحديثتين عبر تجربتي مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938) والحبيب بورقيبة (1903-2000) موجتي عصرنة وصفتا بالراديكالية، تدخلت بموجبها الدولة في حركة تغيير ثقافي قسرية، ما وضع المؤسسة الدينية التي كانت عصب الحياة العلمية والإدارية في موقع التهميش والإقصاء، وعوضت بمؤسسة علمية مدنية ونمط إدارة عصرية.

مثل الانتقال من الخلافة إلى الدولة العلمانية تعطيلا لتدبير الشأن العام وفق التصور الذي صاغته كتب السياسة الشرعية، ما يستدعي مقارنة ردود الفعل حول موجة التحديث هذه من خلال النظر في البدائل المتاحة التي وجهت القيادات الدينية في القطرين آنذاك. بداية ترصد الملاحظة الاستكشافية ظهور نموذج إصلاحي مختلف عن الخيارات التقليدية في مواجهة السلطة، ونعني بذلك الحركة النورسية، ذلك أن النُّورْسِية أو حركة رسائل النور كانت دائما حركة دينية سلمية ذات طابع اجتماعي، حيث كان لسعيد النُّورْسِي (1878-1960) الذي عارض موجة التحديث الكمالية العديد من الأتباع ما شكل مشكلة للنظام. وأدى إلى تعرضه طيلة أيام حياته للاعتقال والمحاكمات والمنافي، حيث كتب “رسائل النورالتي نسخها العديد من أتباعه يدويا. وانتشرت في كلّ فئات المجتمع التركي. لم تعتبر الحركة نفسها منفصلة عن المجتمع ولم تكفره بل نشطت بوصفها جماعة من المسلمين تدعو إلى القيم الإسلامية، ودعت إلى إدخال التعاليم الإسلامية في مناهج التدريس، وركزت نشاطاتها على الأنشطة الدعويّة والإعلامية والخيرية (الموصللي، 2005: 305-306 و406.). بهذا المعنى تكون النورسية منهجا في الإصلاح يسترعي الانتباه من أجل النظر في سيرورة تجارب المؤسسات الدينية للدول المنفصلة على دولة الخلافة بما في ذلك تجربة البلاد التونسية، وما أنتجته من خيارات مقاومة. فإلى أي مدى عرفت التجربة التونسية منهجا في المعارضة الإسلامية كالحركة النورسية التي نشأت داخل الجمهورية التركية؟     

ما النموذج؟ وما الفرق بين السياسة الشرعية ونموذج الدولة الحديثة؟ كيف قامت الدولة الحديثة بتحييد المؤسسة الدينية عن إدارة الشأن العام؟ كيف واجه الوعي الإسلامي موجة العلمنة بين البلدين؟ وكيف تبرز خصوصية الحركة النورسية؟  وهل عرفت تونس نموذجا يتوافق مع خصوصيات الحركة النورسية؟

سنعتمد من أجل الإجابة عن سؤالنا المركزي وما تفرع عنه من إشكاليات فرعية عبر استخدام ثلاثة مناهج نذكرها على النحو التالي:

1. المنهج التاريخي: حيث سنعرض للأحداث التاريخية التي رافقت حركة الاستقلال بين البلدين والعوامل التي ساهمت في اعتلاء كل من مصطفى كمال والحبيب بورقيبة لسدة الحكم.

2. المنهج المقارن: حيث سنقوم بعرض أوجه الاتفاق والاختلاف بين سياسات رأسي الدولة التحديثية، من وجه، وبين استراتيجيات المقاومة التي ستعتمدها النخب الدينية في تركيا وتونس من وجه آخر.

3. المنهج التحليلي: حيث سنعمل على تفسير خصوصية المنهج النورسي في الإصلاح، وعلة ظهوره في بلاد الأناضول، في المقابل سنعمد إلى تحليل البنية الاجتماعية لتونس القرن التاسع عشر والحلول التي قد تنتجها بيئة من هذا النوع.

أما عن فرضيات البحث فيبدو للوهلة الأولى أن دولتين يجمعهما دين واحد وتاريخ واحد وبنية دولة من شكل واحد ستستجيب نخبتهما التقليدية لصدمة التحديث بنفس القدر من المقاومة، وقد تُطَوِّران نفس الحلول، إلا أن مراعاة الاختلافات الإثنية وَحِدّةَ التنوع الطائفي قد يحدثان فرقا في استراتيجيات المقاومة وهو ما سنرجحه بوصفه فرضية قد يسفر البحث عن مخالفتها الصواب. ولكن لنعرّف أولا مفاهيم بحثنا هذا الرئيسية قبل أن ننطلق في سبر المختلف والمؤتلف بين البلدين.

  1. تعريف نموذج السياسة الشرعية وما بعدها

يعرف النموذج أو الأنموذج في اللغة بكونه مثال الشيء الذي يعمل عليه، وهو لفظ معرب عن كلمة نموذه (الصغاني، 1970: 1/502) ونحوه عرفه صاحب تاج العروس بكونه صورة تتخذ على مثال صورة الشيء ليعرف منه حاله، وللزمخشري (1075-1144) وهو من أئمة اللغة كتاب في النحو سماه الأنموذج، وكذلك الحسن بن رشيق القيرواني (999-1070) وهو إمام المغرب في اللغة سمى به كتابه في صناعة الأدب (الزبيدي، 1993: 6/250). وتدل كلمة نموذج في الاستخدام العرفي على كل ما يمكن تكراره أو اتباعه من الأمثلة التقليدية، غير أن هذا المفهوم سيتطور عبر فيلسوف العلوم توماس كون (1922-1996) الذي سيعتمد هذا المصطلح عند حديثه عن “الفترات القياسية”، ففي فترات اللاثورية التي يشهدها كل علم يكون الاتفاق حول القواعد النظرية والمنهجية التي يجب اتباعها، والأدوات المثلى في الاستخدام، والمواضيع المثلى التي يجب على الجماعة العلمية أن تهتم بها، وذلك بناء على إنجازات علمية سابقة قدمت إجابات مقنعة لمشاكل عصرها، وعليه ستتخذ الجماعة العلمية هذا المنهج مثالا يحتذى به لحل مشكلات العصور اللاحقة، وقد تحصل أن تعجز هذه الأمثلة عن الإجابة على مشكلات علمية جديدة، ما يستدعي التفكير في نماذج أخرى تتلاءم مع التغيرات الخارجية (مارشال، 2000: 3/ 1546-1547)، ، وهو ما نرى تحققه في تاريخنا على مستوى المعرفة التي تنظم الشأن العام، ونعني بذلك انتقالنا من نموذج السياسة الشرعية إلى نموذج ما بعد السياسة الشرعية. 

تتعدد تعريفات السّياسة الشرعيّة، غير أن ابن القيّم يسوق تعريفا جامعا لابن عقيل يقول فيه: السّياسة ما كان فعلا يكون معه النّاس أقرب إلى الصّلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول – ﷺ -، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: ” إلا ما وافق الشرع ” أي لم يخالف ما نطق به الشّرع: فصحيح. وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشّرع: فغلط، وتغليط للصّحابة فقد جرى من الخلفاء الرّاشدين من القتل والتّمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن (ابن قيم الجوزية، دت: 29). فالسياسة الشرعية على هذا هي “العمل بمقاصد الشريعة عندما يؤدي العمل بالنص إلى إضرار بمصالح الرعية لظروف طارئة” (قلعجي& قنيبي، 1988: 1/252)، ويتواتر هذا المعنى في أغلب كلام المتقدمين ولكن باعتبار السياسة الشرعية فعلا.

أما باعتبارها فنا مخصوصا فقد عرفت بما هي علم ” يبحث فيه عمّا تدبّر به شؤون الدولة الإسلامية من القوانين والنّظم التي تتّفق وأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص. والمراد بالشّؤون العامّة للدّولة كل ما تتطلبه حياتها من نظم، سواء أكانت دستوريّة أم ماليّة أم تشريعيّة أم قضائيّة أم تنفيذيّة، وسواء أكانت من شئونها الداخليّة أم علاقاتها الخارجيّة. وموضوعها: النّظم والقوانين التي تتطلّبها شؤون الدّولة من حيث مطابقتها لأصول الدّين وتحقيقها مصالح النّاس وحاجاتهم. وغايتها: الوصول إلى تدبير شئون الدّولة الإسلاميّة بنظم من دينها. والإبانة عن كفاية الإسلام بالسياسة العادلة وتقبّله رعاية مصالح الناس في مختلف العصور والبلدان. (خلاف، 1988: 7) تستمد السياسة الشرعية من أدلة أصول الفقه شأنها شأن بقيّة الفروع الفقهية فتعتمد على القرآن الكريم والسنّة النبوية والاجماع والقياس، إلاّ أنها كثيرة الالتصاق بالأصول العقليّة كالمصلحة المرسلة، والعرف، وسد الذرائع والاستحسان. (عبد الرحيم، 2006: 73) وعلى ضوء هذا التعريف يمكن اعتبار السياسة الشرعيّة مبحثا قانونيا مقابلا لما يعرف في العلوم القانونية بالقانون العام الذي يشمل القانون الإداريّ والدستوريّ والدوليّ، إذ غايتها تنظيم سير مؤسّسات الدّولة الداخليّة وتنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم وعلاقة الدولة المسلمة بغيرها من الدول.

إذا كانت الخلفية الدينية نموذج الدولة الإسلامية الاستخلافية فإن التنوير الأوروبي هو نموذج الدولة الحديثة، إذ تتمثل الأطروحة المركزية للنموذج التنويري على فكرة فصل الفكر اللاهوتي-الديني عن الفكر الإنساني العقلاني، وما يلزم عن ذلك من فصل بين كل مؤسسات الحياة اليومية عن المؤسسة الدينية، وقد بدأ هذا النموذج في التنظير لنفسه عبر فلاسفة القرن السابع عشر الذين عملوا على تأسيس المعارف الإنسانية بمعزل عن مراقبة الكنيسة، بحيث تكون هذه المعرفة متاحة لكل صاحب مسكة من عقل. إن استبدال الأخلاق الدينية بأخلاق علمانية هو القيمة المعرفية للنموذج التنويري الذي يرتكز على قيمتين أساسيتين هما مركزية الإنسان في العالم، وعلمنة الأخلاق (مهورباشة، 2019: 387-388). أما الأساطير الكبرى -بالمعنى السوسيولوجي- التي تقوم عليها الدولة الحديثة فيمكن تلخيصها في مجموعة نقاط هي الإيمان بسيادة الشعب الذي يتساوى أفراده في الحقوق والواجبات دون تمييز، وحق الدولة في التشريع واحتكار العنف، لكن مع الفصل بين السلطات الثلاث. إن إدارة الشأن العام في الدولة الحديثة يقوم على البيروقراطية بما هي تدبير عقلاني للزمان والموارد دون الخضوع للعرف أو للمراسيم الدينية، ولأن الدولة جهاز مركزي فإنها تعمل على تفكيك كل الكيانات الداخلية نحو العشائر التقليدية أو الأخويات الدينية منعا لنشوء أي سلطة مستقلة ذاتيا، وفي المقابل تعمل الدولة على تنميط نموذجها الثقافي تكريسا لهيمنتها (ياسين، 2015: 6-9).  فهل استجابت التجربتان التونسية والتركية لهذه المعايير التحديثية؟      

  • أتاتورك وبورقيبة: بناء الدولة الحديثة والعلمنة القسرية

لم تكن عشرية الثلاثينات في تونس الخاضعة للحماية الفرنسية منذ 1881 لتحل حتى برزت مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الوطنية التونسية بعد أن أبدى الشباب الجديد المنضوي ضمن الحزب الحر الدستوري التونسي -بوصفه أهم الفاعلين السياسيين في تحقيق مطلب الاستقلال- رفضهم للخط الإصلاحي، ولسياسة المهادنة والتريث الذي اتخذته القيادة، ومع تزايد قمع سلطات الاحتلال تعمق الشرخ بين الشيوخ والشباب داخل الحزب، لتحصل بوادر الانشقاق منذ سنة 1933، ولتنتهي بتأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد سنة 1934، وقد اتخذت القيادة الشابة التي تزعمها إضافة للقيادي الحبيب بورقيبة، محمود الماطري (1897-1972) والطاهر صفر (1903-1942) والبحري قيقة (1904-1995) وآخرون استراتيجية التواصل المباشر مع الجماهير والترفيع في سقف المطالب الوطنية التي تتجسد في الدعوة إلى برلمان تونسي منتخب وحكومة مسؤولة أمامه، والفصل بين السلطات، وإقرار الحريات المدنية، وإجبارية التعليم (شاطر، 2005: 103).

لقد كان الشيخ عبد العزيز الثعالبي (1874-1944) مؤسس الحزب الدستوري التونسي القديم زعيما سياسيا ورمزا من رموز الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، وكان لخلفيته الدينية تأثير في توجهاته السياسية التي طغى عليها الإيمان بالهوية العربية الإسلامية. لقد كان الثعالبي مؤمنا بالوحدة العربية بقدر إيمانه بضرورة التمسك بالتشريع الإسلامي (المديني، 2001: 15)، وكذلك كانت قيادات الحزب الحر الدستوري التونسي بحكم أصولها الاجتماعية متأثرة بالثقافة العربية الإسلامية، وذات توجهات دينية محافظة، ولما كان أغلب قيادات الحزب من “البلدية” أي من أعيان سكان العاصمة ومن المنحدرين من العائلات البرجوازية الصغيرة والمتوسطة كذلك، فإن سياسة الحزب لم تكن متحمسة للعمل داخل الأوساط الشعبية (شاطر، 2005: 90)، أما الحزب الذي سينشق عنه أي الحزب الدستوري الجديد فقد كان حزباً مركزياً وعلمانياً يتميز بالنزعة الجمهورية، بينما كان الحزب الدستوري القديم مؤيدا للملكية الدستورية، ويتبع منهجا معتدلا في الإصلاح مفضلا الحلول التدريجية. وعلى عكس النخبة الدستورية القديمة، أراد حزب بورقيبة الاعتماد على الجماهير، وعمل على جذب المنظمات الجماهيرية. (Nagy، 1990: 83).

كانت خطة الحزب الحر الدستوري الجديد تعتمد الحوار والتفاوض بالتوازي مع الضغط الداخلي والخارجي، لكن السياسات القمعية وتعنت القيادة الفرنسية قد دفعت الحزب نحو اتخاذ خيار المقاومة المسلحة. لقد نجح الحزب في ضم القوى النقابية واتحادات الفلاحة والصناعة والتجارة إلى صفه مما ساعد في عزل الحزب الدستوري القديم، ولقد كان رهان قيادة الحزب الجديد على أن القضية التونسية العادلة لن تنال الاعتراف الدولي إلا بإثارة الاضطرابات الأمنية داخل البلاد، وهو ما تم فعلا بعد تصاعد وتيرة العنف ضد قوات الاحتلال (شاطر، 2005: 143-144). امتدت حركة المقاومة التونسية، وصاحبها على الصعيد العالمي خسارة المعسكر النازي وانتصار العالم الحر في الحرب العالمية الثانية، الشيء الذي أسهم في تصاعد دعوات مناهضة الكولونيالية وحق الشعوب في تقرير مصيرها (الشريف، 1993: 129)، وقد كان لخسارة فرنسا الحرب في فيتنام، وتكليف حكومة “مانداس فرانس” (1907-1982) التي سارعت للتفاوض من أجل إحلال السلم مع المستعمرات الفرنسية دور محفز في تصاعد وتيرة المفاوضات بين قادة الحزب الدستوري الجديد والدوائر الفرنسية ، لتنتهي هذه المفاوضات بإعلان الاستقلال الداخلي للبلاد التونسية سنة 1955 (القصاب، 1986: 649)، ليليه الإعلان عن الاستقلال التام في سنة 1956. وفي وقت لاحق سينتخب الشعب التونسي المجلس الوطني التأسيسي الذي كان الحبيب بورقيبة أول رئيس له، وليعين هذا الأخير رئيساً للمجلس من قبل الجمعية الوطنية (Bakir، 2016: 35-36)، وفي 25 جويلية (يوليو) 1957، أعلن المجلس الوطني التأسيسي بالإجماع إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية التونسية. وهكذا انتهى عهد سلالة البايات التي أسسها حسين بن علي التركي (1669-1740) عام 1705، والتي أعطت في غضون قرنين ونصف، 19 حاكما، 7 منهم سادوا تحت الحماية الفرنسية (Silvera، 1957: 594).

لم تعرف البلاد التركية استعمارا مطولا كالذي عرفته البلاد التونسية فبعد انهيار الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى ومحاصرة القوات الغربية لعاصمتها الأستانة القادة لحركة مقاومة شعبية رافضا خضوع الباب العالي للابتزازات الغربية، لقد عمل القادة على الإبقاء على وحدة الأراضي التركية ومقاومة كل أشكال الاحتلال التي تتهدد البلاد. (هلال، 1999: 56-57).

لقد كانت أول الخطوات التي اتخذنها النخبة السياسية بعد حرب التحرير سنة 1919 تأسيس أول برلمان تركي بإشراف أتاتورك سنة 1920، وقد تمثلت الصفوة الدينية فيه بنسبة 18٪ من أعضاء البرلمان، حيث ضم 61 شيخ علم معمم، و8 من مشايخ الطرق الصوفية، وسيستمر العمل على هذا المنوال إلى حدود سنة 1923 حيث تأسس حزب الشعب الجمهوري بقيادة مصطفى كمال الذي نال أغلبية ساحقة من المقاعد في الانتخابات الجديدة، دون تحقيق توازن ملحوظ ليكون غياب معارضة وازنة أهم سمات البرلمان الثاني (الحبيب، 2010: 138-139).

عمل أتاتورك منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 على إعادة تشكيل إسلام تركي يستجيب لتطلعاته العلمانية الراديكالية التي سخر لها أجهزة الدولة بوصفها أحد المبادئ الأساسية لها (Akyeşilmen & Özcan، 2014: 30)، صحيح أنه كان للطرق الصوفية  في معركة التحرير خاصة الطريقة النقشبندية دور بارز في مقاومة المستعمر الغربي، ولذلك جاء دستور 1924 وقد سمح للطرقية أن تنشر تعاليمها دون قيود، إلا أنه بعد استتباب الأمر للكماليين خشيت السلطات التركية من امتداد نفوذ الطرق، فاعتبرتها مهددة لمشروع تركيا الحديثة، وفي أوت (أغسطس) من سنة 1925 سيلقي أتاتورك خطابا توجه فيه بالنقد اللاذع لأتباع هذه الطرق قائلا : ” يجب أن تعلموا أيها السادة أنتم وأفراد أسركم، وعلى الأمة التركية بأسرها أن تعلم أن الجمهورية التركية العلمانية لا يمكن أن تكون بعد اليوم أرضا خصبة للمشايخ والدراويش وأتباعهم من أصحاب الطريقة، وإذا كان هناك من طريقة حقيقية فهي طريقة الحضارة المبنية على العلم … وعلى مشايخ الطريقة أن يفهموا هذا الكلام بوضوح وبالتالي يغلقوا زواياهم وتكاياهم عن طيب خاطر وإلى الأبد قبل أن أدمرها فوق رؤوسهم”، وهو ما أدى إلى إصدار عدد من القوانين التي تحظر نشاطات الطرق الصوفية، وتصادر أوقافها وتحول زواياها إلى متاحف، ومن خالف هذه القوانين بأن شارك في حلقة ذكر صوفية أو لبس لباسا يعبر عن انتماء طرقي فإنه كان يحبس ثلاثة أشهر ويغرم خمسين ليرة (الحبيب، 2010: 28-29)، لقد كان على تركيا أن تتعلم سريعا وأن تصفي كل الهياكل التقليدية الموجودة في ظل الإمبراطورية العثمانية وعلى رأسها الطرق الصوفية التي وجدت نفسها بين عشية وضحاها في مواجهة الدولة، وهي وضعية لم تعشها من قبل (Trépanier، 2001: 277-278).

تبدو “الإصلاحات” الكمالية، التي نشأت في الجمهورية التركية في الواقع حلقة من سلسلة حلقات تدجين الدولة للإسلام، مقابل إعادة كتابة تاريخ الأمة ليتخذ البعد القومي في ذاكرتها الجماعية المركز والصدارة، (Monge، 2013: 226)، فلم تترك الكمالية إلى جانب كونها علمانية متطرفة مجالا للأقليات العرقية، فبالنسبة لأتاتورك كانت الهوية مسألة جغرافية وليست عرقية، فأن تكون تركيا هو أن تكون من سكان تركيا بغض النظر عن الانتماء الإثني (راباسا & لارابي، 2015: 40).

لقد وُلدت القومية التركية في مطلع القرن بوصفها إيديولوجيا ثورية تعتمد على العلمانية السياسية والوضعية العلمية، وكانت هيمنة الإسلام على الثقافة والمجتمع التركيين بلا شك جزءًا مما ثار عليه القادة الجدد للدولة (Aytürk، 2014: 694)، ولقد كان آتاتورك يرى أن غلطة آل عثمان وآل سلجوق تكمن في تركيزهم على الانتماء للجامعة الإسلامية بينما أهملوا كونهم أتراكا قبل كل شي (الحبيب، 2010: 48).

ولما كانت الدولة العثمانية مركز الخلافة، وبالتالي بوصلة السياسة الإسلامية في العلاقات الدولية عند جميع المسلمين إلى حدود بداية القرن العشرين (راباسا & لارابي، 2015: 32)، عمدت النخب العلمانية طيلة عشرينات وثلاثينات القرن المنصرم على إزالة هذا التأثير الإسلامي في المجتمع من خلال إحداث “إصلاحات” جذرية، ولقد بدأ ذلك مع إلغاء الخلافة عام 1924، ومن ثم تم حظر الطربوش والملابس الدينية الأخرى في عام 1925، وتم إلغاء العمل بالشريعة الإسلامية في عام 1926، وفي العام 1928 أُسقطت المادة التي تنص أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة من الدستور، وتم استبدال الحروف العربية بأخرى لاتينية في عام 1928، واستبدلت العطلة الرسمية من يوم الجمعة على عادة المسلمين إلى يوم الأحد تأسيا بالأمم الغربية في عام 1935 (Akyeşilmen & Özcan، 2014: 30-31)، وخضعت المؤسسات التعليمية لسلطة وزارة المعارف سنة 1924، وبناء على ذلك تم منع المدارس الدينية وتصفية أوقافها، وألفيت المحاكم الشرعية (هلال، 1999: 86) ، بل إن برنامج تتريك الإسلام بلغ حد المس  بالعبادات الدينية بعد أن اتخذ القرار بترجمة الأذان العربي والقرآن إلى التركية من قبل الحكومة واعتماد هذه الترجمة الرسمية في صلوات المسلمين (Aytürk، 2014: 694)، وتحولت العلمانية إلى ما يشبه العقيدة الدينية في تركيا، وقيدت الحريات الدينية بما في ذلك الحق في ارتداء الحجاب، وحرمت المحجبات من الولوج إلى الجامعة ومواصلة تعليمهن أو الانتداب في الوظيفة العمومية (الحبيب، 2010: 24)، وحتى عام 1946 كانت السلطة في تركيا تحت نظام الحزب الواحد. ولم تخول سياسات حزب الشعب الجمهوري الحاكم الراديكالية التي لم تر في الإسلام إلا تركة ثقيلة من مخلفات الإمبراطورية البائدة التي يجب التخلص من إرثها أمام الحركات الإسلامية إلا اتخاذ موقف المعارضة (Akyeşilmen & Özcan، 2014: 30).

لقد أسس مصطفى كمال في تركيا شكلاً من العلمانية المتطرفة استلهمها من النموذج الفرنسي، مع محافظته على سيطرة الدولة على المجال الديني. أما بورقيبة في تونس فقد رأى أن أتاتورك “حاول أن يفعل الكثير بسرعة كبيرة” وعلى الرغم من كونه (لا دينيا) مثل الزعيم التركي، إلا أن بورقيبة قبل بالإسلام دينا للدولة دون أن يتقيد بكل تعاليمه (Bishku، 2016: 1). غير أن موقف بورقيبة من القضية القومية سيتميز عن بقية الدول التي كونت تركة الإمبراطورية العثمانية، بما في ذلك الحالة التركية الكمالية. حيث سيتعامل الزعيم الجديد بورقيبة مع الانتماء القومي العربي بحذر. ليعمل على أن يبقى الاندماج مع المعطى القومي العربي مقتصرا على مستوى الخطاب السياسي لا غير، أما على مستوى السياسات العملية فشيء آخر (Lozowy، 1993: 15)، لن تقبل تونس على الإطلاق السير في المشروع العروبي الذي بشر به البكباشي جمال عبد الناصر (1918-1970) – الذي كان يعتبر داخل أروقة السياسة التونسية آنذاك عدو الشعب الأول -، وفي المقابل ستحرص قرطاج -مقر رئاسة الدولة- على الحفاظ على علاقات وثيقة مع فرنسا وأوروبا. وهو ما أكسبها انتقادات الأنظمة العربية. لتكون تونس الدولة الإفريقية الوحيدة التي تعتبر الفرنسية فيها إضافة للغتها الوطنية أي العربية لغة تدريس رسمية ويتم تدريسها من السنوات الأولى في المرحلة الابتدائية (Pigasse، 1969: 621).

إن اندفاع النخبة العلمانية الحداثية نحو السلطة في تونس صاحبه توجيه ضربات قاتلة ونهائية للإصلاحية الإسلامية. أصبح الحبيب بورقيبة رئيسًا للجمهورية التونسية في 25 جويلية (يوليو) 1957، وكانت حكومته أكثر تصميماً من أي وقت مضى على حكم البلاد على الطريقة الفرنسية والسير على خطى فرنسا في مشروع تحديثها. لقد كان بورقيبة شغوفًا باللغة الفرنسية وثقافتها، وعلى الرغم من أن بداياته التعليمية الأولى كانت في المعهد الصادقي، إلا أنه تلقى بعد ذلك تعليما فرنسيا في “معهد كارنو” “Lycée Carnot” حيث أتقن الفرنسية وحصل على البكالوريا عام 1924. ثم ذهب إلى فرنسا لدراسة القانون، كان بورقيبة منغمسًا في الثقافة الفرنسية وكان مفتونًا بشدة بالمثل العليا للثورة الفرنسية وقيم الجمهورية (Haj Brahim، 2013: 304)، وسيتبع في سياسته “سباقا” حثيثا نحو الحداثة. إن العلمانية في تونس هي علمانية استبدادية تقطع الصلة مع كل ما هو تقليد وتمنح مكانة للعقل على حساب التصورات الفردية والجماعية للدين (Bakir، 2016: 37).

ستجعل العلاقات الجديدة التي مارسها بورقيبة بين السياسي والديني منذ استقلال البلاد في عام 1956 تونس الدولة الأكثر علمانية في العالم العربي. ونتيجة للإصلاحات السياسية والمجتمعية الداعية إلى تحرير المجتمع وتكريس العلمنة بما هي “العملية التي يتم من خلالها إبعاد قطاعات المجتمع والثقافة عن سلطة المؤسسات والرموز الدينية”، التي فرضها بورقيبة بشكل قسري (Mokhefi، 2015: 31)، لقد قام بورقيبة بضرب المؤسسة الدينية التقليدية قصد تحجيمها وتجريدها من أي سلطة، وأراد من ذلك تكوين مؤسسة تابعة مباشرة للنظام السياسي القائم، وهكذا أدمجت النخب الزيتونية في دواليب المؤسسات الاجتماعية والثقافية للدولة التونسية الحديثة (المديني، 2001: 237).

بدأ مشروع بورقيبة لتحديث تونس بإلغاء مؤسسة جامع الزيتونة بمرسوم في عام 1956 وتعويضها بجامعة صغيرة للتعليم العالي تقتصر على تدريس الشريعة الإسلامية يعين مديرها بقرار رئاسي. وفي ماي (مايو) من نفس العام، صدر مرسوم آخر بتجريد الزيتونة من جميع ممتلكاتها وأحباسها ووضعها تحت سلطة الدولة. وهكذا تخلص بورقيبة من سلطة الطبقة الدينية المكونة من العائلات التونسية الكبرى. وبفضل شعبيته، تمكن من ترسيخ شرعيته على أسس جديدة، مستثمرا ماضيه النضالي بوصفه ناشطا ضد الاحتلال، مما أكسبه لقب “المجاهد الأكبر” ومؤسس القيم الجديدة للجمهورية (Haj Brahim، 2013: 304-305).

لم تقتصر السياسات الدينية لبورقيبة عند هذا الحد ففي 13 ماي (َمايو) 1956، أطلقت حكومته سلسلة من الإصلاحات بإصدار أربعة مراسيم تتمثل في وضع حد لنظام الأحباس (الأوقاف) العامة وإدماجها في ممتلكات الدولة، وحظر الأحباس الخاصة، وإلغاء التشريع الإسلامي وتعويضه بقانون علماني. وإصدار مجلة الأحوال الشخصية التي اعترفت بالحق في التبني. لكن ما أثار حقاً احتجاجا وتململا سواء بين السكان كما في أوساط النخبة الفكرية والدينية، هو تشجيع بورقيبة في خطبه العمال على الإفطار في شهر رمضان، بحجة أن تونس قادمة على جهاد أكبر هو جهاد التنمية، وبهذه الحجة سمح بورقيبة لنفسه بإصدار هذه السياسات على أنها اجتهاد في الإسلام وفتوى (Haj Brahim، 2013: 305-306). ففي خطاب في الستينيات من القرن المنصرم ألقاه بورقيبة في شهر رمضان أعرب الأخير عن عدم رضاه عن التعاليم التقليدية واتهم مباشرة العلماء الذين “يعاني ذكاؤهم من عقم”، لذلك كان يرى أننا “يجب أن نكافح كل العوائق، حتى صيام رمضان إذا كان عقبة، يجب أن نلغيه” (Bakir، 2016: 33).

لقد كانت قضية المرأة إحدى أولويات النظام البورقيبي، وقد تجسدت هذه الإرادة السياسية من خلال إصدار قانون الأحوال الشخصية الذي حظر تعدد الزوجات، وحدد سن الزواج، ومنح للفتيات حرية اختيار الزوج، وألغى الاعتبار بالطلاق اللفظي، وربطه فقط بقرار المحكمة. وعلى الصعيد المؤسساتي، ترافق إصدار مجلة الأحوال الشخصية مع إلغاء المحاكم الشرعية وتوحيد الجهاز القضائي. ومن الآن فصاعدًا، ستعمل العدالة الموحدة على أساس تشريعات مستوحاة إلى حد كبير من التشريع الفرنسي على تحقيق مبادئ المساواة بين الجنسين (Hermassi، 1994: 73)

في حالة مصطفى كمال أتاتورك والحبيب بورقيبة نحن أمام زعيمين يتمتعان بكاريزما عالية، ناهيك عن شرعية نضالية، عمقتا فيهما القناعة أنهما أمام شعوب لم تنضج بعد، ولم تستعد للفصل بين الدين والدولة بما هو مفتاح الحداثة، لذلك نظر كل من “الزعيمين” إلى حركة العلمنة بوصفها واجبا وطنيا وإن كانت بطريق تعسفي (Bishku، 2016: 13)، ولكن إذا كان التحديث القسري استراتيجية اتخذتها الشخصيتان، أليس لنا أن نتساءل عن رد فعل الطرف المحافظ في البلدين؟

  • استرتيجيات المقاومة: الحلول التقليدية ونشوء النموذج النورسي
  • الحلول التقليدية: من الثورة إلى السياسة

لقد كان خيار الثورة المسلحة أول الخيارات التي وجهت الطيف المحافظ في تركيا، وكانت أشهر تلك المواجهات بين الطرق الصوفية والدولة على يد الشيخ سعيد بيران الكردي النقشبندي (1865-1925) سنة 1925، التي شارك الأكراد فيها بكثافة وكان للطريقة النقشبندية فيها دور التعبئة الجماهيرية (الحبيب، 2010: 30-31)، ولقد نجح الشيخ سعيد في احتلال أجزاء واسعة من شرقي الأناضول، بل إنه وصل إلى حدود ديار بكر لولا أن تدارك الجيش التركي الأمر بأن ألقى القبض عليه في زمرة من أتباعه وتنفيذ حكم الإعدام فيهم في أفريل (أبريل) 1925، وهو نفس المصير الذي لاقاه الشيخ النقشبندي عاطف الاسكاليبي (1876-1926) الذي ألف رسالة “الفرنجة والقبعة” التي كانت سببا في اندلاع ما سمي بثورة الطربوش سنة 1926 (هلال، 1999: 103).

بعد تمرد الشيخ سعيد بيران لم تنته موجة الحركات المسلحة عند هذا الحد، بل امتدت لتشهد البلاد التركية بعدها حركات احتجاجية قمعتها الجمهورية الناشئة بشدة، ولم تؤت أكلها على المدى الطويل أو القصير باستثناء تعزيزها لسيطرة الدولة وتضييقها على الحريات الدينية، لكن هذه التحركات تشترك كلها في شيء واحد هي أنها كانت بقيادة مشايخ من الطريقة النقشبندية. تواصلت التحركات التي كانت في شكل سلسلة من الثورات الصغيرة امتدت على مدى عدة سنوات: منها ثورة نوفمبر 1925 ضد قانون حضر الطربوش التي كانت ولاية “ريزه” مسرحها، وأحداث “مينيمن” بالقرب من إزمير عام 1930، وانتفاضة عام 1933 في بورصة ضد قرار الأذان باللغة التركية، وأخيرا انتفاضتا سنتي 1935 و1936(Trépanier، 2001: 281-282). 

أما في تونس فقد كانت هذه التحولات القانونية والاجتماعية التي هزت النسيج المجتمعي التقليدي في تونس محفزا لنشوء معارضة دينية، ولقد جاء رد الفعل الأول عنيفاً في شكل هبّة احتجاجية واسعة قادها الفقهاء، وعلى رأسهم إمام الجامع الأكبر عبد الرحمن خليف (1917-2006) في مدينة القيروان أول العواصم الدينية في المغرب العربي في 17 جانفي (يناير) 1961. غير أن ردة فعل النظام كانت قاسية للغاية، وكانت النهاية المأساوية لانتفاضة القيروان في نفس السنة باعتقال كل من شارك فيها بمنزلة إسدال الستار على المعارضة الدينية الاحتجاجية للخط التحديثي البورقيبي، إذ لم تعد شريحة الفقهاء لتجرؤ على رفع صوتها والمجاهرة بعدائها لخيارات المجاهد الأكبر العلمانية، فضلاً عن فقدانها لجهاز منظم يؤمن لها استمرار المقاومة والعمل تحت الأرض (المديني، 2001: 240-241).

يمكن أن نفسر ضعف هذه المقاومة العنيفة التي لم تتطور يوما إلى حد التمرد المسلح على أجهزة الدولة بماضي هذه المؤسسة التي تتكون طبقيا من النخب البرجوازية الحضرية المنضوية تحت سياسة الحماية الفرنسية، ما سمح لها بالحفاظ على دور ما ودمجها داخل الإدارة الاستعمارية (Haj Brahim، 2013: 307)، وقد كان لتحالف السلطات الدينية مع القوة الاستعمارية ابتداء من قمة هرم المؤسسة الدينية ونعني أعضاء المجلس الشرعي وعلى وجه الخصوص شيخي الإسلام الحنفي والمالكي، ومن ناحية أخرى، بعض مشايخ الطرق الصوفية وممثلي الزوايا الأكثر نفوذاً والمقربين من السلطة البايليكية، ولا سيما الطريقة التيجانية والقادرية (Hermassi، 1994: 66-67)، أن أضعفت حضور المؤسسة الدينية بفرعيها الرسمي والشعبي داخل سياق الدولة الحديثة. وسيستثمر بورقيبة هذا التخاذل لتصفية عدو “رجعي” لا يقل خطورة عن مؤسسة الفقهاء، وسيهاجم الطرق الصوفية ويدين ممارساتها “الخرافية” ويقرر دون مقاومة تذكر إغلاق الزوايا التي سيتم تحويل بعضها إلى مدارس حديثة أو مبانٍ لـ “خلايا” حزبه الدستوري (Hermassi، 1994: 73)، ليدافع بورقيبة عن إصلاحاته، وليصف خصومه بأنهم “عقول مجمدة” لأنهم لا زالوا يعتقدون في بعض الممارسات والبدع أنها جزء من الدين (Bakir، 2016: 49-50).

يمكننا أن نرى إذن أن الدولة التي أسسها بورقيبة كانت نتاج حربين، حربا ضد الهيمنة الأجنبية استمرت حتى عام 1964 وانتهت باستعادة الأراضي الوطنية، وحربا أهلية داخلية خاضها بورقيبة ضد الطبقات المحافظة متمثلة في السلطة المخزنية والدينية (Kraïem، 2002: 90). في الواقع علينا أن ننسب قليلا هذا الحكم، فإضافة لهؤلاء ضمت الزيتونة أسماء لعدة شخصيات قيادية داخل الحزب الدستوري الجديد. مثل عزوز الرباعي (1919-1993) زعيم الشباب الدستوري الجديد، وأحمد الخبثاني المسؤول عن دعاية الحزب في الزيتونة. وقد كان لهؤلاء وزنهم، إذ تجدر الإشارة أن كثيرا من هؤلاء الزيتونيين كانوا ينحدرون من سكان مدينة تونس الأصليين “البلدية”، الذين ينتمون إلى طبقة الأعيان والعائلات التونسية الكبيرة. وهو ما يفسر أن أغلب المنتسبين للزيتونة من أبناء العائلات العلمية العريقة لم يعارضوا أبدًا مشاريع الإصلاح البورقيبي المرتبطة بتحديث تونس (Haj Brahim، 2013: 303)، أما بقية العلماء الزيتونيين الذين رفضوا حل الاندماج مع السلطة، وحتى أولئك الذين قبلوه عن قناعة أو بانتهازية، فسيستغلون كل هدنة للنظام مع الدين للظهور من جديد عبر استقطاب دوائر الشباب الذين يترددون على المساجد أو الناشطين ضمن جمعية المحافظة على القرآن الكريم الحكومية والذين سيشكلون فيما بعد نواة الحركة الإسلامية في تونس (Hermassi، 1994: 74).  هذه الحركة التي لن تظهر نواتها الأولى إلا في سنوات 1969-1970 (الغنوشي، 2001: 51-52)، ولن تتحول إلى حركة سياسية بعد أن تغير من سمتها الدعوي إلا في سنة 1979 (محمد، 2014: 23)، أي بعد ثلاث وعشرين سنة من الاستقلال وهي مدة طويلة نسبيا. في المقابل سيهيمن الحزب الدستوري على الساحة السياسية مكرسا سلطة الحزب الأوحد عبر نظام رئاسوي سيمتد لأكثر من خمسين سنة، بين فترة حكم بورقيبة من 1957 إلى 1987، وصولا إلى حقبة زين العابدين بن علي (1936-2019) الوزير الأول الذي انقلب على بورقيبة ليكون رئيسا للجمهورية من 1987 حتى 2011 (Bishku، 2016: 2)، حيث قامت ثورة شعبية بإبعاده عن الحكم، لتخوض تونس أول تجربة ديمقراطية لا زالت تتلكأ فيها، ولكن هل عرفت الحركة الإسلامية السياسية تأخرا هي الأخرى في البلاد التركية؟

لقد كان مصطفى كمال رئيسا للدولة ولكنه كان كذلك رئيسا للقوات المسلحة، والأعلى رتبة بين الضباط برتبة مارشال، غير أن وفاته أحدثت انفصالا في السلطة بين خليفته السياسي عصمت إينونو الذي كان بدوره عسكريا لكن برتبة جنرال أي دونه في الرتبة، وبين خليفته على المؤسسة العسكرية فوزي شاقماق (1876-1950) الذي منحه أتاتورك بنفسه رتبة المارشال بعد استبساله في حرب التحرير سنة 1921 ضد اليونانيين، فاستحق بعد موت أتاتورك قيادة الجيش واكتساب زخم من السلطة بما سمح للمؤسسة العسكرية بممارسة ضغط على السلطة المدنية لا زالت تركيا تشهده حد الآن، وهو ما حدا بعصمت إينونو إلى رسم سياسة تهدف نحو تحجيم سطوة الجيش فور وفاة شاقماق، ولم يكن من سبيل إلا بانفتاح البلاد أكثر نحو الديمقراطية خصوصا بعد انتصار العالم الحر على القوات النازية في الحرب العالمية الثانية (هلال، 1999: 93-94). لقد أسهمت هذه العوامل في انتقال الجمهورية التركية التي حافظت على نظام الحزب الواحد في إعلان حزب الشعب الجمهوري بزعامة عصمت اينونو التحول إلى التعددية السياسية، وأمام هذه الانفتاح نحو التعددية سيأسس كل من جلال بايار (1883-1986) وعدنان مندريس (1899-1961) وغيرهما الحزب الديمقراطي بعد طردهما من الحزب الجمهوري بسبب رفضهم السياسة الدينية والاقتصادية للحزب، لينتصر هذا الحزب في الانتخابات، ولتمتد سني حكم هذا الحزب من سنة 1950  إلى حين الانقلاب عليه سنة 1960، ومنذ سنة 1954 اتخذت حكومة الحزب الديمقراطي سياسات مرنة ومشجعة تجاه الحريات الدينية، فتم تخصيص ميزانية مهمة لبناء المساجد، وسمح بتكوين الجمعيات الدينية، كما سمح بإذاعة القرآن باللغة العربية، وأداء فريضة الحج، وفتح مدارس الأئمة والخطباء، وقد أبدت الحكومة تساهلا مع زوار المقامات والزوايا، وهو ما مكن الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية بأن تنشط بشكل سريع وفعال أمام تعطش جماهير غفيرة من الشعب التركي للخطب الروحية وحلق الذكر (مسلط، 2009: 78-79). لقد كان الحزب الديمقراطي حزبا محافظا يمكن تصنيفه في يمين الوسط، ومتوجها في خياراته الاقتصادية نحو الرأسمالية الغربية، بينما كان أكثر مرونة وليبرالية على مستوى الحريات الدينية. وعليه فقد تم السماح ببعض الممارسات الدينية بما في ذلك الصلاة باللغة العربية، والتعليم الديني في المدارس الثانوية (Akyeşilmen & Özcan، 2014: 31).

لقد قدم الحزب الديمقراطي نفسه بوصفه ممثلا للإرادة الشعبية ومصالح البرجوازية الصاعدة في مواجهة النخب البيروقراطية العسكرية التي تضيق على الاستثمار في القطاع الخاص بحجة حراسة الإصلاحات الأتاتوركية وقيمها، وهو ما لم يرق للنخبة العسكرية التي سارعت بالإطاحة به في 27 ماي (مايو) 1960 وسوق رئيس حكومته عدنان مندريس إلى المقصلة (هلال، 1999: 99-100)، لقد كان الحزب الديمقراطي برغم خلفيته العلمانية فاتحة الأحزاب المتسامحة مع الخلفية الدينية، غير أن التيار المحافظ سرعان ما سيتمكن من استعادة أنفاسه والتنظيم سياسيا، إذ يمكننا أن نرصد خطا واحدا متصلا من الرموز السياسية المحافظة التي وصلت فعلا إلى السلطة وتولت خطة رئاسة الوزراء ابتداء من الحزب الديمقراطي وصولا إلى حزب العدالة والتنمية مما يدعونا إلى رسم جينيالوجيا (شجرة نسب) الإسلام السياسي التركي وتحقيبه قبل نجم الدين أربكان (1926-2011) بكثير، فبعد انقلاب 1960م سيؤسس الرئيس سليمان ديميريل (1924-2015) العضو السابق في الحزب الديمقراطي أيضا حزبا جديدا سيسميه بحزب العدالة، وقد كان رئيس الوزراء نجم الدين أربكان عضوا في حزب العدالة هذا إلا أنه لم يرتض السياسة المرنة التي كان يتعامل بها الحزب مع العلمانية والمؤسسة العسكرية، فأسس حزب السلامة الوطني ليكون فاتحة أحزاب الاسلام السياسي في تركيا (مسلط، 2009: 80). سيكون أربكان من مؤسسي حركة “الرؤية الوطنية” ” Millî Görüş” التي ظهرت بمسميات حزبية متعددة توحدها نظرة واحدة هي تعاملها مع الكمالية ومحاولتها تغيير القيم التقليدية ومؤسساتها بالقيم الغربية على أنها خطأ تاريخي لا بد من تقويمه (راباسا & لارابي، 2015: 87)، لقد كان أربكان هو الآخر سليل التنظيمات الصوفية  منتميا لخانقاه إسكندر باشا النقشبندية التي سيتخرج منها نجم الدين أربكان على يد شيخه محمد زاهد كوتكو (1897-1980)، في الحقيقة لم يكن أربكان الرمز السياسي الوحيد الذي سيتخرج من هذه الطريقة، إذ يجدر بنا أن نذكر أيضا الرئيس تورغوت أوزال (1927-1993) الذي كان هو أيضا نقشبنديا من تلاميذ زاوية اسكندر باشا، وكذلك مؤسس حزب العدالة والتنمية ورئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان (1954-) (معهد هودسن، 2016: 5)، الذي تذكر الدراسات أنه كان مرتبطا بفرع إسماعيل آغا النقشبندي (راباسا & لارابي، 2015: 46).

نحن اذن أمام حلقات متواصلة من المحاولات الإسلامية للوصول للسلطة عبر الانتخابات تبدأ بعدنان مندريس، فتورغوت اوزال، فنجم الدين أربكان، فرجب طيب أردوغان، غير أن هذه الأحزاب لم يكن بإمكانها أن تتحدى إرادة العسكر دون سند شعبي حقيقي لازال يراهن عليها بعد كل انقلاب، ما يحيلنا إلى ضرورة تفهم الظاهرة التركية بعيدا عن الحياة الحزبية الضيقة بل النزول إلى العمق الشعبي، فمم تتكون الخارطة الإسلامية على مستوى القاعدة؟

ب.  النموذج النورسي ونشأة الإسلام الاجتماعي:

إجابة عن هذا السؤال يمكننا بداية تصنيف الجماعات الإسلامية الناشطة في القاعدة الاجتماعية داخل تركيا الجمهورية من حيث التنظيم والأداء والخصائص الأساسية الأخرى إلى مجموعتين: الطرق الصوفية التقليدية أولا، والحركات الإسلامية الحديثة ثانيا. فبينما تتسم الطرق بتراتبية هرمية أكثر ومحافظة على التقاليد الدينية بما في ذلك توارث القيادة التي تستند على الروابط الأسرية وتتكون من رابطة من المريدين، فإن الجماعات أو الحركات الحديثة لا تريد أن تعبر عن نفسها بوصفها طرقا صوفية، ولذلك ستتخذ هذه الجماعات تنظيما أكثر مرونة على الرغم من محافظتها على شكل ما من التسلسل الهرمي، إنها تخاطب المتعلمين المتحضرين وأصحاب المقدرة الاقتصادية والفكرية بالأساس، وخلافا للطرق ستطلق الحركات على أتباعها لقب “الطلاب”، ولعل الحركة النورسية أفضل مثال على هذه الجماعات (Akyeşilmen & Özcan، 2014: 33).

لم يكن الرهان المباشر لهذه الحركات الوصول إلى السلطة السياسية، ولكن صناعة رأي عام مطبع ثقافيا مع الإسلام. ولذلك ستراهن هذه الحركات بالأساس على دور أجهزة الإعلام، ليس هذا فحسب بل ستعمل على التغلغل أيضا في النسيج الاجتماعي عبر تقديم الخدمات الاجتماعية، نحو مساكن الطلاب التي تقدم إقامة مجانية أو شبه مجانية، فضلاً عن المنظمات الخيرية في المجالات الاجتماعية والطبية (Trépanier، 2001: 289). وهو ما نسميه إسلاما اجتماعيا بوصفه نموذجا إصلاحيا مختلفا عن حركات الإسلام السياسي ولكنه أيضا مباين للطرق الصوفية ذات الأهداف الروحية بالأساس.

تنتسب النورسية إلى بديع الزمان سعيد النورسي المولود سنة 1878، والذي كان عالما سنيا تلقى تعليمه في المدارس الشرعية التقليدية إبان الحقبة العثمانية، كما كان النورسي مطلعا على العلوم الطبيعية لعصره، وعلى وعي أن التعليم الديني بمفرده ليس كافيا لصناعة الانبعاث الإسلامي، لذلك سيسعى النورسي إلى إقناع الباب العالي بتمويل مشروع جامعة تدمج بين العلوم الدينية والعلوم الطبيعية، ومع فشل محاولته تلك، وتعاقب الأحداث الذي انتهت بتأسيس الجمهورية الحديثة تحولت استراتيجية النورسي من العمل السياسي والكتابة في الصحف إلى كتابة رسائل النور التي ضمت أكبر مبادئه الإصلاحية وموقفه من الديمقراطية والحريات المدنية (Akyeşilmen & Özcan، 2014: 34)

قبل النورسي لم يكن هناك من ممارسة دينية إلا عبر الوعاء الطرقي أما بديع الزمان فلم يطرح مشروعه عبر طريقة صوفية، بل من خلال مشروع أرحب، إذ يبدو أن النورسي كان على وعي بالعوائق التنظيمية والفكرية التي تكبل معتنقي الطرق التقليدية، لذلك سيدعو النورسي إلى تجاوز التفسير الصوفي نحو التفسير القرآني مباشرة، ليؤسس حركة اجتماعية محافظة تعمل على تعزيز القيم والأخلاق الإسلامية في مواجهة المد الكمالي (الحبيب، 2010: 64-65)، هكذا يصرح النورسي قائلا ” إنني لست شيخا صوفيا، وإنما أنا عالم ديني والدليل على هذا، إنني لو كنت قد علمت أحدا من الناس الطريقة الصوفية، طوال هذه السنوات الأربع التي قضيتهُا هنا، لكان لكم الحق في الارتياب والوقوع في الشكوك ولكني لم أقل لمن أتاني إلا أن الزمان ليس زمان الطريقة الإيمان ضروري، والإسلام ضروري” (النورسي، 2011: 81).

وإجابة عن سؤال سبب ظهور مثل هذه الحركات الدينية بالرغم من وجود المؤسسة الطرقية التقليدية، تبدو أكثر الإجابات إمكانا هو أن محاربة الدولة للانتظام الطرقي ومنعه بقوة القانون، إضافة لنشرها مبادئ الفلسفة الوضعية وتصوراتها عن العالم التي روجت لها الكمالية والحكومات الجمهورية بالرغم من مخالفتها للتعاليم الإسلامية التي كان يدين بها أغلب سكان الجمهورية، قد فرضا على الفكر الإصلاحي عند النورسي أن يُأقلم الخطاب الديني نحو خطاب يتوجه إلى القناعات الفردية بعيدا عن الأطر التقليدية، لكن على اعتبار أن هؤلاء الأفراد هم نواة المجتمع (Hörkürç، 2004: 247).

لقد عاش بديع الزمان سعيد النورسي حقبة من أشد الفترات التي عرفتها الأمة الإسلامية، فقد كان شاهدا على التفكك الذي عرفته مؤسسات الخلافة العثمانية وعجزها عن مجاراة التقدم الغربي الذي نجح في الاستيلاء على أجزاء كبيرة من أراضيها في العالم العربي، كما عاين فترة تولي حركة الاتحاد والترقي بزعامة مصطفى كمال أتاتورك مقاليد الحكم في الإمبراطورية الهرمة، حتى جاء ذلك اليوم الذي أعلن فيه كمال أتاتورك إلغاء السلطنة وإعلان الجمهورية مما أدى الى فتح الأبواب للعصف السياسي في تركيا (إبراهيم، 2019: 100)، ولقد كان النورسي بعد تأسيس الجمهورية معارضا للسياسات غير الدينية التي تختفي وراء العلمانية لتحول الناس إلى ملحدين، ولكن على الرغم من أن النورسي انتقد بشدة وبقسوة التوجهات التغريبة للحكومات الجمهورية إلا أنه لم يشجع أبدًا النشاط الثوري المسلح في كتاباته. إذ تجدر الإشارة هنا إلى سعي النورسي طوال حياته بالرغم من المنافي والسجون التي عرفها إلى اتخاذ العمل الإيجابي منهجا. وعلى عكس معظم معاصريه لم يحبذ استخدام القوة داخل بلده، وهو عين المنهج الذي سار عليه أتباعه بعد انتقاله، إذ لم يسجل التاريخ أي رد فعل عنيف تجاه مؤسسات الدولة من قبل طلاب النور. إذ يرى النورسي أن استخدام القوة في “عالم الإسلام” غير مسموح به. وأن القوة تستخدم فقط ضد العدوان الخارجي (Hörkürç، 2004: 284).

” فلم تظهر في العشرين سنة السابقة أية حادثة كانت حول إخلالهم  بالأمن، رغم كثرة طلاب النور وانتشارهم في جميع أنحاء البلاد، فلم يجد ولم يسجل عليهم أحد من الضباط المسؤولين حدثا، في عشر ولايات وعبر حوالي أربع محاكم ذات علاقة، بل لقد قال ضباط منصفون لثلاث ولايات: “إن طلاب النور ضباط معنويون للأمن في البلاد، إنهم يساعدوننا في الحفاظ على الأمن والنظام لما يجعلون من فكر كل من يقرأ “رسائل النور” بالإيمان التحقيقي حارسا ورقيبا عليه فيسعون بذلك للحفاظ على الأمن العام” (النورسي، اللمعات، 2011: 337)، بالرغم من ذلك كانت الكمالية تعوق نشأة الجماعات الدينية المستقلة بما في ذلك النورسية، إذ دائما ما نظرت لها بوصفها تهديدا لمشروعها التغريبي وإضعافا لقبضتها السياسية (راباسا & لارابي، 2015: 78) لقد مثلت النورسية نموذجا مختلفا للفعل الإصلاحي، إذ لم يشارك النورسي قط في السياسة بوصفه سياسيا. بل حاول إحياء التعاليم النبوية بإطلاق حركة للتجديد الأخلاقي مناقضة للتسيس، فحتى في حياة النورسي، كانت مسألة تكييف هذه الجماعة أمرا مثيرا للجدل، فغالبًا ما اتُهم النورسي وأتباعه بتأسيس جماعة سياسية تهدف إلى تهديد النظام الحالي. لكن المحاكم العلمانية نفسها كانت تبرئه وطلبته من جميع التهم في النهاية (Hörkürç، 2004: 263).

كان بديع الزمان سعيد النورسي من أكثر الشخصيات فاعلية في الحياة الاجتماعية والسياسية التركية من خلال عمله الموسوم بـ” كليات رسائل النور” والتي هي في الأساس تفسير حديث للقرآن يتلاءم مع الحضارة الحديثة والعلوم الوضعية (Tamaç، 2010: 41). وبينما كان معاصروه مشغولين باستخدام الإسلام وسيلة للتوسع السياسي، سعى النورسي إلى إصلاح المجتمع لتكوين شخصية جماعية قائمة على الإيمان، حاول النورسي إعادة تنشيط التعاليم الإسلامية في المجتمع من خلال أفراد مستقلين من أجل تعبئة موارد الحركة الإسلامية في تركيا وتنشيطها (Hörkürç، 2004: 253-254)، ومن أجل النجاح في مسعاه وضعت النورسية بمختلف توجهاتها مشروعا في تنشئة مواطنة إسلامية جديدة لا تقتصر على الانفتاح على العالم الحديث فحسب، بل تشمل قبل كل شيء محاربة جذرية ضد الجهل الذي سيعتبره المؤسس العدو التاريخي الأكبر للإسلام (Monge، 2013: 230)، فإن “هذه الحرية المستندة إلى الشريعة تحذركم من الانصياع إلى النفس الأمارة بالسوء ومن التجاوز على الآخرين وإنها لتهتف بكم وبأمثالكم من الغافلين المتفرقين في أودية الماضي السحيقة: أن اهجموا على الجهل والفقر بالعلم والصنعة، ثم إن الحاجة التي هي أم المدنية وأم الاختراع والرقي قد رفعت يدها لتنزلها عليكم صفعة، فتأمركم: إما أن تعطوا حياة حريتكم في صحراء الجهل هذه إلى الناهبين أو عليكم أن تهرعوا إلى كعبة الكمالات بركوبكم منطاد العلم وقطار الصنعة في ميدان المدنية لاستقبال المستقبل الزاهر مستردين أموال الاتفاق التي اغتصبها الأجنبي” (النورسي، صيقل الإسلام، 2011: 435).

لن ترى حركة النور تناقضا بين الإيمان والعلم الحديث، كما تعاملت بليونة مع مفاهيم حديثة نحو التسامح الديني والديمقراطية السياسية وسيادة القانون والاقتصاد الحر، ما يجعلها نموذجا متفردا مختلفا تماما عما تشهده بقية دول الشرق العربي التي تشهد تمددا للإسلام الراديكالي (راباسا & لارابي، 2015: 35)، وبالفعل تعد النورسية الجماعة الدينية في تركيا التي تولي اهتماما بالعلوم الصحيحة، إذ تعتبر أن التطورات العلمية والتكنولوجية في القرن العشرين فتح إلهي للبشرية جمعاء. ذلك أن الإسلام وهذه التطورات العلمية والتكنولوجية نابعان من معين واحد هو العلم الكلي المحيط والنظام الرباني الذي وضعه الله في الكون، وبالتالي لا يمكن فصل العلوم عن الدين. لذلك يبدي طلاب النور اهتماما بدراسة الاكتشافات العلمية الحديثة. (Mermer، 1985: 107).

لقد اعتقد النورسي أن واجب الوقت أمام التحديات التي تواجه الإسلام يكمن في تجديد الخطاب الديني على مختلف المجالات سواء في العقيدة أو الشريعة أو الحياة الاجتماعية والسياسة الإسلامية، لكن الواجب الأكثر أهمية بالنسبة له هو الحفاظ على إيمان الأفراد. وليست رسائل النور إلا محاولة قدمها للحفاظ على قيمة الإيمان والحفاظ على المجتمع من الانحرافات العقدية (Hörkürç، 2004: 245). لقد عمل طلاب النور من خلال نشر الرسائل وشرحها على معارضة التهديد الماركسي فكريا، في محاولة منهم لإنقاذ البلاد من انتشار ظاهرة الإلحاد في صفوف الشباب ووقوعه فريسة بأيدي الدعاية السوفياتية (Mermer، 1985: 321)، فـفي الوقت الذي تنشط الفوضى والإرهاب المتسترّ بستار الشيوعية للإخلال بالأمن العام، فإن طلاب “رسائل النور” يوقفون ذلك الإفساد المرعب، في جميع أرجاء البلاد ويكسرون شوكتهَ بقوة الإيمان التحقيقي، ويسعون حثيثا لإحلال الأمن والنظام مكان الخوف والفوضى (النورسي، اللمعات، 2011: 337).

سعى النورسي إلى تعزيز البنية التحتية النفسية للفرد، وتطوير نظام اجتماعي داخلي آمن من خلال التنشئة الاجتماعية للفرد في مجتمع متوازن. في هذا السياق، تحاول النورسية تطوير التضامن الاجتماعي، وجعل الأفراد على دراية بحاجياتهم الفردية الروحية أولا، وتكوين وعي بالقضية الاصلاحية الاجتماعية ثانيا. وقد تعهد النورسي من خلال كتاباته بتجديد عقيدة الأفراد المسلمين وحمايتها، وإعادة تشكيل مجتمع أو مجموعة من هؤلاء الأفراد، بدلاً من الرهان على إعادة تأسيس الهيكل السياسي للعالم الإسلامي “الخلافة” (Hörkürç، 2004: 252)، ذلك أن المبدأ الأساسي لرسائل النور هو تحصين إيمان الأفراد من خلال إقناع قلوبهم وعقولهم معا، على عكس الطرق الصوفية التي لا تهتم إلا بالقلب (Mermer، 1985: 391).

لم يكن النورسي طارحا في مشروعه الإصلاحي السيطرة على النظام السياسي إنما تكوين تيار شعبي ضاغط على الدولة لئلا تنحرف بسياساتها عن الأسس الإسلامية، فالنورسية حركة تعتمد الإقناع والتدرج بعيدا عن أساليب العنف (الحبيب، 2010: 66)، ” أجل، يستوجب مجابهة الهجمات الخارجية بالقوة، لأن أموال العدو وذراريه تكون بمثابة غنيمة للمسلمين. أما في الداخل فالأمر ليس هكذا. ففي الداخل ينبغي الوقوف أمام التخريبات المعنوية بشكل إيجابي بناء، بالإخلاص التام. إن الجهاد في الخارج يختلف عما هو في الداخل. وقد أحسن إليّ المولى سبحانه وتعالى بملايين من الطلاب الحقيقيين. فنحن نقوم بالعمل الإيجابي البناء بكل ما نملك من قوة في سبيل تأمين الأمن الداخلي. فالفرق عظيم بين الجهاد الداخلي والخارجي في الوقت الحاضر” (النورسي، الملاحق، 2011: 401). لقد طور النورسي منهجية كان يعتقد أنها ستخلق المجتمع الصالح من خلال تعزيز “الشخصية الجماعية”. وهذا ما دفعه إلى الشعور أنه من الضروري في العصر الحديث، أن يتخلى طلاب رسائل النور عن كل مطالبهم الأنانية والعمل من أجل المصلحة الجماعية (Hörkürç، 2004: 251).

لا يمكن فهم نجاح رسائل النور من خلال الإشارة فقط إلى جهود النورسي بمفرده. ففي الواقع لقد لعب أتباعه دورًا رئيسيًا في إنجاز المهمة (Tamaç، 2010: 45)، ففي النورسية يتم توزيع المهام وفقًا لمبادئ الشريعة لأن كل قرار تتخذه المجموعة على أي مستوى يجب أن يكون نتيجة للتشاور. ولا يحق لأي شخص أو مجموعة إعطاء الأوامر لبقية الأخوة. ذلك أن المبدأ الأساسي الذي كرسته رسائل النور هو الأخوّة، فلا يوجد علاقة عمودية تقوم على ثنائية المريد والشيخ. نعم قد تقدم أحيانا آراء الأخوة الكبار “آغا باي” (agabey) الأكثر خبرة على اقتراحات بقية الأعضاء، لكن القرار النهائي يبقى للشورى (Mermer، 1985: 312). فلقد كان النورسي حذرا من أن تتسرب النزعات الاستبدادية إلى تلاميذه الذين ناداهم بقوله: ” إخوتى الأعزاء الأوفياء! حذار حذار لا تفسحوا المجال لانتقاد بعضكم البعض الآخر، فيستغل أهل الضلالة اختلاف مشاربكم وعروقكم الضعيفة وحاجاتكم المعيشية. صونوا آراءكم من التشتت بإقامة الشورى الشرعية بينكم، اجعلوا دساتير رسالة الإخلاص نصب أعينكم دائماً وبخلاف هذا فإن اختلافا طفيفا في هذا الوقت يمكن أن يلُحق أضرارا بليغة برسائل النور” (النورسي، الملاحق، 2011: 200)

لقد آمن طلاب النور أنه لا يمكن للناس مقاومة الإيديولوجيات الإلحادية، إلا من خلال إثبات الإيمان بالاعتماد على قواعد العلوم الحديثة. في حين أن معظم الجماعات الإسلامية الأخرى تحاول إقناع الشباب من خلال تعليمهم قواعد الفقه الإسلامي (Mermer، 1985: 394).

حاولت الأتاتوركية فرض مشروع ثقافي جديد يكون بديلا عن الثقافة الأصيلة للمجتمع التركي، لكن هذا المشروع لم ينجح لأنه كان مشروعا بيروقراطيا فوقيا ولم يكن مشروعا شعبيا كما هو الحال في أوروبا (هلال، 1999: 108)، أما ما نجحت فيه رسائل النور -وبقية الحركات الدينية في تركيا- فهو تمكنها في الأساس من اختراق نمط الحياة اليومية للأتراك. كانت مواجهة الحداثة الهدف الأساسي لسعيد النورسي، وهو ما حدا به إلى كتابة هذا التفسير القرآني المعاصر الذي حاول الإجابة من خلاله على مشكلات الحياة الدينية وتحدياتها (Tamaç، 2010: 45)، وقد سخّرت النورسية في سبيل تحقيق غايتها هذه كل الحلول الممكنة ابتداء من دور النشر، إلى مؤسسات الأوقاف والجمعيات الخيرية، إلى تنظيم رحلات الطلبة، ناهيك عن إنشاء مراكز بحثية ومدارس خاصة متى سنحت الفرصة. وقد لعبت هذه المؤسسات المتعددة دورًا في توظيف وتدريب الشباب النورسي وانخراطه في مختلف أنشطة نشر الرسائل وتوزيعها فضلا عن تمويل نشاطات الجماعة (Mermer، 1985: 98).

لقد عرفت كلا من تركيا وتونس حركتي علمنة قسرية، كما عرفتا في مصطفى كمال والحبيب بورقيبة شخصيتين قياديتين تتمتعان بكاريزما عالية وشرعية نضالية سمحت لهما بتنفيذ مخططاتهما عبر جهاز الدولة، ولكن بالرغم من راديكالية العلمنة التركية مقارنة بشقيقتها التونسية إلا أن المقارنة بين استراتيجيات المقاومة والمعارضة بين البلدين لا تفصح إلا عن بون شاسع بينهما، لقد كانت المقاومة التركية شرسة متعددة الحلول تراوحت بين العنف والعمل السياسي، كما تميزت بإبداعها لنموذج معارضة جديد سميناه الإسلام الاجتماعي، ولكن أين الحالة التونسية من كل هذا؟ لقد حافظت الطرق الصوفية على وجودها الضعيف، بينما فشل الحزب الإسلامي المهيمن على الساحة في الوصول إلى السلطة إلى حدود سنة 2011، إلا أن أكثر ما يسترعي الانتباه أننا لا نجد في التجربة التونسية تنظيما دينيا يقارب النورسية في أسسها الفكرية وتنظيمها لهياكلها، ما يدعونا إلى التساؤل عن سبب غياب هذا النموذج الإصلاحي في الحالة التونسية، -وربما في الحالة العربية إن نحن وسعنا يوما مجال بحثنا-؟

4.تركيا وتونس: فصل المقال في الاتصال والانفصال

قد يمدنا الرجوع بالتاريخ إلى الوراء بتفسير لواقعنا الحالي، ولكن لا بمنطق السرد التاريخي بل بمنطق السبر الاجتماعي، ذلك إن المقارن بين طبيعة المجتمعين التركي والتونسي لينتبه لخاصية في الأول لا توجد في الثاني، ونعني بها خاصية التعدد مقابل الوحدة، والتوازن مقابل الغلبة.

إن تركيا عبارة عن خليط من الأقليات العرقية والدينية، فبالرغم من أن الأتراك يشكلون أغلبية عددية، إلا أن الأكراد الذين يستوطنون جنوب شرق الأناضول يمثلون خمس السكان تقريبا (راباسا & لارابي، 2015: 39) ولقد كان الأكراد جزءا من نفس التاريخ والثقافة والمعتقدات مع الأتراك وبقية المجموعات العرقية الأخرى التي تتشارك العيش داخل الأناضول منذ قرون. وبالرغم مما تمنحهم قوانين الجمهورية التركية في مرحلتها الديمقراطية من حقوق وحريات متساوية مع كل المواطنين، بحيث لا يخضعون لأي تمييز سلبي، أو مضايقات في الحصول على مناصب عليا في الإدارة، بل يشغل بعضهم بالفعل مناصب مهمة في الحكومة (Mermer، 1985: 342)، إلا أن السياسات الأولى للدولة لم تكن بهذا القدر من الانفتاح، ففي الواقع يعتبر المفهوم الكمالي للعلمانية تمييزيًا: فهو يتخلى عن موقف الحياد فيما يتعلق بالدين والعرق لتكون الهوية الوطنية متمركزة حول الذات “التركية”، لمنع أي تفجر للبلاد بين الطوائف والأديان، ولكن كذلك بين القوميات (Monge، 2013: 226-227).

قد لا نعثر في الحالة التونسية على نفس هذا القدر من التباين الإثني، بالرغم من توزع سكان الإيالة السابقة أو الجمهورية الحديثة بالأساس إلى قسمين، إذ يتألف السكان التونسيون من الفئة الحضرية التي تستوطن الشريط الساحلي الشمالي والشرقي، ومن البدو المستقرين في المناطق الداخلية والمنتظمين قبليا. وهم خليط من الأمازيغ السكان الأصليين للبلاد، ومن المنحدرين من نسل القبائل العربية التي غزت بلاد إفريقية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر (Seklani، 1974: 14)، ناهيك عن الأقلية الأندلسية التي استوطنت المدن الساحلية بالأساس منذ الدولة الحفصية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، (Henia، 2012: 214)، أما العنصر الرابع المكون لنسيج الأمة التونسية فقد كان الأتراك الذين حلوا بالبلاد التونسية منذ ضم تونس إلى الخلافة العثمانية سنة 1574، لكن ستضطر هذه الشريحة في النهاية لأن تندمج داخل المجتمع، وأن يتخلى كثير منهم على خطته العسكرية، وعموما فقد الأتراك منذ القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر من خلال تأثير التهجين، والضعف التدريجي لحركة الهجرة، ولكن أيضا بفضل قدرة المجتمع التونسي على إدماج العناصر الإثنية في بوتقة واحدة، الكثير من سماتهم الثقافية وعلى رأسها اللغة التركية التي تعربت أو بالأحرى تتونست (Bargaoui، 2005: 212).

إن هذا الاندماج بين العناصر الإثنية يلزمنا بأن نقرأ الواقع التونسي بخلاف ما قرأنا به الواقع التركي، دون أن نستغني بالكلية على رصد تباينات ثنائية، ولكن لا بالمعنى العرقي بل بمنطق آخر، ففي حالة شمال أفريقيا يقسّم المجال السياسي قديما إلى فضاءين، الفضاء المخزني المكون أساسا من النخب التي تتحالف مع السلطة، وتشكل نظامها الحكومي، ومن الأسر المخزنية المتحالفة مع المركز، بما هي جزء من هياكل السلطة، تلك التي تستثمر هذه العلاقة من أجل اكتساب أكبر قدر ممكن من الامتيازات السياسية والاقتصادية. في المقابل نجد فضاء السيبة، ونعني به تلك المجالات المتمردة على المركز الحاكم وغير المندمجة في مشروعه (Chater، 1994: 5) مع أن هذا المفهوم يحتاج إلى تنسيب، إذ لطالما حافظت القبائل بناء على مفهوم البيعة بولاء ما للسلطة المركزية وإن بدرجات وأشكال متفاوتة (مزيان، 2016: 12-13). 

غير أن ما يهمنا في هذا التقسيم ليس الجانب السياسي البحت، بل ما يستلزمه هو الآخر من تكون بنيتين متصارعتين في المؤسسة الدينية، فإذا كانت المؤسسة المخزنية سترعى تكوين طبقة من علماء الدين فقهاء ومتصوفة يستثمرون رأس مالهم الرمزي من أجل إضفاء شرعية على السلطة، مقابل تمتعهم بخيرات مالية متأتية من الأحباس (Chater، 1994: 9)، فإن ذلك يعني بالضرورة وجود سلطة دينية أخرى في الفضاء السيبوي تشرع تمرد القبيلة وتضفي على ثورتها مسحة دينية، ولعلنا نجد في ثورة علي بن غذاهم (1814-1867) سنة 1864 خير مثال على هذا النموذج.

لقد كانت الأزمات الاقتصادية التي تمر بها السلطة البايليكية (نسبة إلى الباي وهو لقب حاكم تونس) في العاصمة أهم محفز لتوسيع سياسات المجبى المجحفة، وقد شهدت البلاد نتيجة لذلك ثورات متعاقبة كان أخطرها ثورة علي بن غذاهم سنة 1864 التي أشعلت الإيالة بتمامها ووجهتها ضد سياسات الباي ومماليكه (الشريف، 1993: 98)، لقد نجح بن غذاهم في استقطاب القبائل، وفي أقل من شهر عمت الثورة كافة أرجاء البلاد، وفي 22 أفريل (أبريل) 1864 استولى الثوار على القيروان فضلا على الكاف، نعتقد أن مثل هذا ما كان ليحصل دون أن يكون في “باي العربان” من الخصال والرساميل الرمزية ما يؤهله لأن يقود ثورة كادت أن تودي بسلطة مركزية محكمة الأركان، فقد كان علي بن غذاهم سليل أسرة علمية من قبيلة ماجر القاطنة بجهة القصرين، فهو ابن قاض -يقال أنه مات مسموما بإيعاز من عامل الجهة-، وقد جمع إضافة إلى ذلك شرعيتين: الأولى علمية نظرا لتعليمه الزيتوني، والثانية روحية نظرا لصلته بالطريقة التيجانية التي كان لها مكانة كبيرة في تلك الجهة، ما مكنه من أن يكون زعيم ثورة شعبية لقب على إثرها بـ”باي الشعب” (غانياج، 1965: 19-21)، وتذكر المصادر التاريخية أن “بن غذاهم” لما ثار عام 1864م ضد الباي التونسي كان مدعوما من شيخ زاوية تماسين التيجانية بالقطر الجزائري محمد العيد التيجاني (1815-1875)، وهو نفس الدور الذي التزمت به قبيلة عبد النور الموجودة في ناحية قسنطينة التي آوته ونصرته (شترة، 2008: 417)، في المقابل عمل الباي على ربح الوقت من خلال التفاوض مع الثوار بينما كان ينظم جيشه من طرف خفي، وبعد قبول الباي بشروط المحتجين وهي: إعلان عفو عام يشمل كل من شارك في العصيان، وتخفيض المجبى، وتعيين ولاة من أهل البلاد بدل المماليك، وإبطال العمل بدستور 1861، شعر بن غذاهم ببداية أفول ثورته، ولذلك بدأ هو الآخر بمفاوضاته الشخصية مع الباي الذي قبل الشروط فما كان من بن غذاهم إلا الاستسلام، واكتساب مصالح شخصية تمثلت في أن يولى أخاه عبد النبي عمالة ماجر، وأن يولى أكابر أتباعه المشيخة على عروشهم، وأن يمكن من الحصول على ضيعة فلاحية “هنشير الروحية” (غانياج، 1965: 52-53)، من أجل أن يبتني زاوية يخصصها للأذكار والأوراد التيجانية (Temimi، 1970: 175).

لم يكن للجند في حقيقة الأمر دور كبير في إخماد التمرد، بل يعود الفضل إلى الشيوخ الذين لم يكونوا راضين عن “الفتنة”، وكان على رأس هؤلاء مصطفى بن عزوز (ت1866) شيخ الطريقة الرحمانية الخلوتية (السنوسي، 1994: 122)، وقد قام بن عزوز بإيعاز من الوزير مصطفى خزندار (1817-1878) بجولة في مناطق القبائل وفي البلدان لإقناعهم بوأد “التمرد”، وهو ما نجح فيه فعلا، دون أن يكون على علم بما يبيته محمد الصادق باي (1813-1882) الذي كان هو أيضا تيجاني الطريقة مثل علي بن غذاهم (محفوظ، 1994: 3/380).  فبعد أن أستقدم بن غذاهم إلى الحاضرة لم يراع الباي عهوده وتم سجن الأخير، الذي لم يدم احتجازه إلا أشهرا قليلة حتى توفي جراء تسميمه (Temimi، 1970: 184)، أما بقية القبائل المشاركة في الثورة فقد سامها الجنرال زروق (ت1881) في جهة الساحل صنوفا من العذاب بقيت ذكراها حية في الذاكرة لعقود تلت، أما قبائل غربي البلاد فلم تكن أقل حظا من الزجر والعسف والإعدامات على يد الجنرال رستم (1820-1886) (غانياج، 1965: 57-58).

لم تكن نتائج فشل انتفاضة 1864 على المستوى السياسي والاقتصادي فقط، بل كذلك على المستوى الديني أيضا، فالمؤسسة الدينية في تونس لن تكون بعد اليوم مقسمة إلى مؤسسة دينية مخزنية وأخرى سيباوية، فإن مقتل علي بن غذاهم وما لحقه من انتقام الباليك بشدة من كل القبائل التي ساندته، واستنزاف محلة زروق خيرات الساحل وصفاقس، تاركة ورائها الخراب الاقتصادي والضيق الاجتماعي (شاطر، 2005: 16). صاحبه كذلك تصفية للمؤسسة الدينية المعارضة، ما يهمنا في هذا العرض هو أن المؤسسة الهامشية سيخبو أثرها مقابل تعميق مركزية الزيتونة، لقد كانت التيجانية تيجانيتين، تيجانية المخزن، وتيجانية السيبة، أما وقد تمت تصفية الأخيرة، فليس من العجيب إن كان موقف تالة -التي ينتمي لها بن غذاهم جغرافيا- سلبيا في علاقتها بالمقاومة ضد المستعمر، حيث هادنت الزاوية الرحمانية بها المستعمر ولم تنخرط بأتباعها في سلك المقاومة بالرغم من أن الزاوية نفسها كانت قد ساندت ثورة علي بن غذاهم سنة 1864 (العجيلي، 1992: 132-133)، كما لم تظهر قبيلة الماجير – قبيلة علي بن غداهم-  التي تزعمت الانتفاضة أي مقاومة عند دخول القوات الفرنسية عام 1881، فلا بد أن قمع سنة 1864 قد أسهم في قصورها عن أن تلعب دورا اجتماعيا (Chérif، 1980: 40)، إن الطرق الصوفية التي بدت متخاذلة أمام المستعمر الفرنسي ظاهرة ريفية باعتبار أن القاعدة الأوسع لمنتميها تقع في هذا المجال حسب إحصائيات 1925 قد أصبحت محل انتقاد لاذع من زعماء الحركة الوطنية الذين هيمنوا على الفضاءات الحضرية وزاحموا الطرقيين حتى في مجالهم الريفي (العجيلي، 1992: 249)، وهو ما يفسر انحسارها وعقمها في أن تنتج حركات مقاومة للمد البورقيبي التحديثي، وهو ما يفسر أيضا عجزها عن أن تنتج تنظيما اجتماعيا مرنا كالذي عرفته تركيا عبر الحركة النورسية.         

خاتمة:

لنلخص ما توصلنا إليه بعد عرضنا هذا في شكل مركز لنقول إن البلاد التركية قد أظهرت من خلال نخبها المحافظة مقاومة شرسة للعلمنة القسرية التي اتخذها مصطفى كمال منهجا لسياساته، لقد عبرت القوى المحافظة في تركيا عن موقفها من العلمانية الكمالية بأشكال مختلفة تراوحت بين استخدام العنف المسلح، أو عبر التغلغل داخل النظام السياسي والنسيج الاجتماعي في الفترات التي سمح فيها بهامش الحريات أن يرتفع (الحبيب، 2010: 24-25)، إذ عرفت الساحة التركية نوعا من التحالف سواء كان ذلك على وعي أو من دونه بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين، ولقد اختبرت هذه الشريحة جل الحلول الممكنة التقليدية، لقد تبين فشل مشروع المقاومة المسلحة، بينما نجح الخيار السياسي المباشر ولكن على أمد بعيد في بلوغ السلطة بالرغم من المراقبة الشرسة للمؤسسة العسكرية التي نصبت نفسها حارسة للقيم الأتاتوركية، غير أن هذه الأحزاب السياسية المحافظة لم تكن لتبلغ ما بلغته دون القاعدة الشعبية التي مهدت لها ذلك عبر ثقلها الديمغرافي، وإذا كانت الطرق الصوفية قد نجحت في الحفاظ على وجودها رغم حملة ممنهجة لتصفيتها، إلا أن الساحة الإسلامية في تركيا الحديثة ستنتج نمطا مغايرا من الحركات الدينية، ذلك أنه يمكن وسم الإسلام الاجتماعي الذي أشرنا إليه آنفا بوصفه نموذجا إصلاحيا متفردا يعمل في نطاق دولة ما بعد السياسة الشرعية، ولقد عمل نموذجه المثالي الذي اخترناه أي النورسية من أجل التغلغل داخل الفئات الاجتماعية وصوغ مقاومة ثقافية عبر كل الممارسات المدنية المتاحة، ما يجعل الإسلام في تركيا ثقافة تحتية لا خيارا للسلطة فقط.

ولكن ما أدى إليه البحث المقارن مع الحالة التونسية قادنا إلى نتيجة مفادها ضعف مقاومة الشرائح الدينية المحافظة للخيارات التحديثية البورقيبية، ذلك أن هشاشة المؤسسة الدينية التقليدية سواء عبر مؤسستها العلمية أو الإسلام الشعبي متمثلا في الطرق الصوفية واستسلامها للخط التحديثي البورقيبي، بل الاندماج معه في حالات كثيرة، كل ذلك قد كرس نموذج الحزب الواحد والحكم المطلق للزعيم السياسي، ناهيك عن تعطل بروز الحركات الإسلامية التي لن تظهر في صورتها السياسية الناضجة إلا بعد عشرين سنة من الاستقلال، بينما وأدت الآلة القمعية للنظام أول المحاولات الاحتجاجية التي اعتمدت التظاهر وإن كان سلميا في مهدها، حائلة دون تجددها نهائيا، ما أطال أمد الديكتاتورية المطلقة في تونس إلى ما يربو على خمسة عقود. ولكن ما يدعونا للانتباه هو غياب النموذج الاجتماعي في تونس، إذ لم يبدع العقل الإصلاحي التونسي تنظيما على النحو الذي عرفه طلاب النور، نعني بذلك حركة إسلامية حديثة ذات تدبير عقلاني داخلي، وذات مقاربة تقدم الثقافي الاجتماعي على الحزبي السياسي، وذلك راجع وفق ما بيناه إلى تنوع النسيج الإثني والمذهبي داخل تركيا، فإذا كانت الأغلبية التركية الحنفية ستتخذ الدولة رهانا، فإن الأقلية الكردية الشافعية التي خبرت العيش على هامش القرار السياسي لقرون ستطور رهانا على المجتمع مباشرة، وتكون في سبيل ذلك شبكات اقتصادية وإعلامية قادرة على توجيه الرأي العام دون الولوغ في الشأن الحزبي والمصادمة المباشرة مع الدولة، أما في تونس فقد ساهم انصهار مختلف مكونات المجتمع الإثنية في هوية مهيمنة في مركزة المؤسسة الدينية، وقد زاد هذه المركزة قوة فشل محاولة التدين السيبوي في ثورته الأعنف سنة 1864، حتى إذا فشلت الثورة ونكل بأهلها فقدت البلاد ركنا من أركان مقاومتها الثقافية، فاستسلمت النخبة الدينية الحضرية للمستعمر وانخرطت في مشروعه، ما سهل تصفيتها على يد مؤسس الجمهورية الحديثة الحبيب بورقيبة وزمرته.

قائمة المصادر والمراجع

  1. النورسي، اللمعات، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية، دار السنابل الذهبية للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، جمهورية مصر العربية، ط ١، ١٤٣١- ٢٠١٠م.
  2. النورسي، المكتوبات، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية، دار السنابل الذهبية للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، جمهورية مصر العربية، ط ١، ١٤٣٣- ٢٠١٢م.
  3. النورسي (سعيد)، الملاحق، تر إحسان قاسم صالحي، دار سوزلار – القاهرة، ط6، 2011.
  4. النورسي (سعيد)، صيقل الاسلام، تر إحسان قاسم صالحي، دار سوزلار – القاهرة، ط6، 2011.
  5. إبراهيم (شعلان عبد القادر)، البعد السياسي في حياة بديع الزمان سعيد النورسي، مجلة تكريت للعلوم السياسية، المجلد 3، العدد 3، حزيران-يونيو 2019.
  6. 6.      ابن قيم الجوزية (شمس الدين، محمد بن أبي بكر)، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تح نايف بن أحمد الحمد، دار عالم الفوائد، دط، دت.
  7. 7.      إلهامي (محمد)، تركيا جذور الصراعات الداخلية، المعهد المصري للدراسات الاستراتيجية والسياسية-تركيا، دط، 2017.
  8. الحبيب (كمال سعيد)، الدين والدولة في تركيا المعاصرة، مكتبة الإيمان-القاهرة، ط1، 1431هـ-2010م.
  9. 9.      خلاف (عبد الوهاب)، السياسة الشرعية في الشئون الدستورية والخارجية والمالية، دار القلم-بيروت، دط، 1408 هـ- 1988م.
  10. 10. راباسا (أنجل) & لارابي (ستيفن)، صعود الإسلام السياسي في تركيا، تر إيراهيم عوض، مركز نماء للبحوث والدراسات-بيروت، ط1، 2015م.
  11. 11. الزبيدي (أبو الفيض، محمّد بن محمّد، المرتضى)، تاج العروس من جواهر القاموس، تح محمود محمد الطناحي، دار التراث العربي-الكويت، دط، 1413هـ-1993م.
  12. السنوسي (محمد بن عثمان)، مسامرات الظريف بحسن التعريف، تح الشاذلي النيفر، دار الغرب الإسلامي-بيروت، ط1، 1994م.
  13. شاطر (خليفة) وآخرون، تونس عبر التاريخ: الحركة الوطنية ودولة الاستقلال، مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية-تونس، دط، 2005م.
  14. شترة (خير الدين)، الصلات الروحية بين الطرق الصوفية في المغرب العربي: الجزائر وتونس أنموذجا، الجامعة الإفريقية العقيد احمد دراية-أدرار، الملتقى الدولي الحادي عشر: التصوف في الإسلام والتحديات المعاصرة، نوفمبر 2008.
  15. 15. الشريف (محمد الهادي)، تاريخ تونس من عصور ما قبل التاريخ إلى الاستقلال، تر محمد الشاوش &محمد عجينة، دار سراس للمشر-تونس، دط، 1993.
  16. الصالح (منال)، نجم الدين أربكان ودوره في السياسة التركية: 1969-1997، الدار العربية للعلوم ناشرون-بيروت، ط1، 1433-2012م.
  17. 17. الصغاني (الحسن بن محمد)، التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح العربية، تح عبد العليم الطحاوي وآخرون، مطبعة دار الكتب-القاهرة، ط1، 1970م.
  18. 18. عبد الرحيم (ابراهيم أحمد)، السياسة الشرعية، دار النصر- القاهرة، ط1، 1427هـ-2006م.
  19. العجيلي (التليلي)، الطرق الصوفية والاستعمار الفرنسي بالبلاد التونسية: 1881-1939، منشورات كلية الآداب بمنوبة-تونس، 1992م.
  20. غانياج (جان)، ثورة علي بن غذاهم 1864، تر لجنة من كتابة الدولة للشؤون الثقافية، الدار التونسية للنشر-تونس، دط، 1965.
  21. الغنوشي (راشد)، من تجربة الحركة الإسلامية في تونس، دار المجتهد للنشر والتوزيع-تونس، ط1، 2001.
  22. 22. القصاب (أحمد) وآخرون، تاريخ تونس المعاصر: 1881-1956، تر حمادي الساحلي، الشركة التونسية للتوزيع-تونس، ط1، 1986م.
  23. 23. قلعجي (محمد رواس) & قنيبي (حامد صادق)، معجم لغة الفقهاء، دار النفائس-بيروت، ط2، 1408 هـ – 1988 م.
  24. 24. مارشال (جوردون)، موسوعة علم الاجتماع، تر أحمد عبد الله زايد & آخرون، المجلس الأعلى للثقافة-القاهرة، ط1، 2000م.
  25. محفوض (عقيل)، تركيا والأكراد: كيف تتعامل تركيا مع المسألة الكردية؟، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-الدوحة، دط، 2012.
  26. محفوظ (محمد)، تراجم المؤلفين التونسيين، دار الغرب الإسلامي-بيروت، ط2، 1994 م.
  27. محمد (هيفاء)، الإسلاميون في تونس بين المعارضة والسلطة، مجلة دراسات دولية- جامعة بغداد، العدد 58، جويلية-2014.
  28. 28. المديني (توفيق)، المعارضة التونسية: نشأتها وتطورها، اتحاد الكتاب العرب-دمشق، دط، 2001.
  29. مزيان (محمد)، المغرب في الأدبيات الكولونيالية الفرنسية ومشروعية الغزو والإلحاق، مجلة عمران-الدوحة، العدد 17/5، صيف 2016.
  30. مسلط (سعد عبد العزيز)، الطرق والجماعات الصوفية في تركيا ودورها في صنع القرار السياسي، مجلة كلية العلوم السياسية-جامعة الموصل، العدد4، 1430-2009.
  31. معهد هودسون, الطريقة النقشبندية الخالدية والإسلام السياسي في تركيا، تر ادراك للدراسات، 2016.
  32. 32. مهورباشة (عبد الحليم)، الدولة الحديثة: دراسة نقدية في المفهوم عند وائل حلاق، مجلة جامعة الشارقة للعلوم الإنسانية والاجتماعية-الإمارات العربية المتحدة، م16-عدد2 (B)، ديسمبر 2019.
  33. الموصللي (أحمد)، موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي وإيران وتركيا، مركز دراسات الوحدة العربية-بيروت، ط2، 2005.
  34. هلال (رضا)، السيف والهلال: تركيا من أتاتورك إلى أربكان، دار الشروق-القاهرة، ط1، 1419هـ-1999م.
  35. 35. ياسين (حمزة باسل)، مراجعة كتاب الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-الدوحة، 2015م.
  36. جمو (حسين)، تراث المذهب الحنفي في السياسات التركية، موقع وكالة نورث برس، 2019.
https://npasyria.com/blog.php?id_blog=2654&sub_blog=15%20&name_blog=%20%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B0%D9%87%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%86%D9%81%D9%8A%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9%20
  • 37.  Akyeşilmen )Nezir(& Özcan )Arif Behiç(, Islamic Movements and Their Role In Politics In Turkey, Selcuk University, Journal of Institute of Social Sciences Volume: 31, 2014.
  • 38.  Aytürk (ilker), Nationalism and Islam in Cold War Turkey, 1944–1969, Middle Eastern Studies, Vol. 50, No. 5, 2014.
  • 39.  Bakir (Mustapha), Laïcité et religion en Tunisie, Thèse de doctorat pour obtenir le grade de docteur en études orientales, méditerranéennes et slaves, Université de Strasbourg,2016.
  • 40.  Bargaoui (Sami), « Des Turcs aux Hanafiyya » La construction d’une catégorie « métisse » à Tunis aux XVIIe et XVIIIe siècles, Annales. Histoire, Sciences Sociales, 60e année, 1-2005.
  • 41.  Bishku (Michael), Kemal Ataturk and Habib Bourguiba: Brothers from Different Mothers? ,in Michael M. Gunter, ed. Kurdish Issues: Essays in honor of Robert W. Olson, Costa Mesa, Mazda Publications- CA, 2016.
  • 42.  Chater (Khalifa), Introduction à l’étude de l’establishment tunisien : l’Etat Makhzen Husseinite et ses mutations. In: Cahiers de la Méditerranée- La Tunisie, une dynamique de mutation, n°49, 1, 1994.
  • 43.  Chérif (Mohamed. Hedi), Les mouvements paysans dans la Tunisie du XIXe siècle, In: Revue de l’Occident musulman et de la Méditerranée, n°30, 1980.
  • 44.  Haj Brahim (Fathi), Lecture critique du discours réformiste arabo-musulman moderne à la lumière de la problématique de la conciliation, Thèse présentée comme exigence partielle du doctorat en sociologie, Université du Québec à Montréal, 2013.
  • 45.  Henia (Abdelhamid), Le rôle des étrangers dans la dynamique sociopolitique de la Tunisie (XVIIe – XVIIIe siècle). Un problème d’historiographie », Cahiers de la Méditerranée, 84 | 2012.
  • 46.  Hermassi (Abdellatif), Société, Islam et islamisme en Tunisie, In: Cahiers de la Méditerranée, n°49 La Tunisie, une dynamique de mutation, 1, 1994.
  • 47.  Hörkürç (Hasan) ,Said Nursi’s ideal for human society : moral and social reform in the Risale-i Nur, Doctoral thesis, Durham University, Thesis Submitted for the Degree of Doctor of Philosophy, July 2004.
  • 48.  Kraïem (Mustapha), L’État de Bourguiba et les élites tunisiennes, In: Horizons Maghrébins – Le droit à la mémoire, N°46 Réalites tunisiennes : l’état de manque ; politique, économie, société, culture. Le haut-atlas marocain : vie sociale et cultures en terrasse,2002.
  • 49.  Leezenberg (Michiel), Political Islam among the Kurds, Paper originally prepared for the International Conference ‘Kurdistan: The Unwanted State’, Jagiellonian University/Polish-Kurdish Society, Cracow, Poland March 29-31, 2001.
  • 50.  Legrain (Jean-François), L’idée de califat universel et de congrès islamique face à la revendica- tion de souveraineté nationale et aux menaces d’écrasement de l’empire ottoman, Centre National d’Enseignement à Distance (CNED); Maison de l’Orient et de la Méditerranée-Lyon,1986.
  • 51.  Lozowy (Dominique), L’impact socio-politique du discours islamiste en Tunisie, A Thesis submitted to the Faculty of Graduate Studies and Research in partial fulfilment of the requirements of the degree of Masters of Arts, Institut des études islamiques Université McGill, 1993.
  • 52.  Mermer (ali), Aspects of religious identity: The Nurcu movement in Turkey today, Thesis submitted for the degree of Doctor of Philosophy, Durham University-School of Oriental Studies, 1985.
  • 53.  Mokhefi (Mansouria), Tunisie : sécularisation, islam et islamisme, Karthala : Histoire, Monde & Cultures religieuses, n° 34 Juin 2015.
  • 54.  Monge (Claudio), Petite histoire de la genèse de l’islam turc et de son rapport au politique, Revue des sciences religieuses, Christianisme et islam, 87/2 | 2013.
  • n°5-6, 1969.
  • 56.  Nagy (Laszlo), Les partis politiques dans le mouvement national le cas de l’Algérie et de la Tunisie. In: Cahiers de la Méditerranée, États et pouvoirs en Méditerranée (XVIe-XXe siècles). Mélanges offerts à André Nouschi. Tome I n°41, 1, 1990.
  • 57.  Pigasse (Jean-Paul), Ombres et lumières sur la Tunisie, In: Politique étrangère, – 34ᵉannée
  • 58.  Seklani (Mohamed), La population de la Tunisie, Comité International de Coordination des Recherches Nationales de Démographie (CICRED) — Paris, 1974.
  • 59.  Silvera (Victor),Du régime beylical à la République tunisienne, In: Politique étrangère, n°5 –  22ᵉannée, 1957.
  • 60.  Tamaç (Burak), Reconciling science with Islam in Turkey: Islamic journals in perspective, tez danışmanı: yrd. doç. dr. Boğaç Erozan, Istanbul bilgi üniversitesi- sosyal bilimler enstitüsü uluslararasi ilişkiler yüksek lisans programi, 2010.
  • 61.  Temimi (Abdeljélil),  Considérations nouvelles sur la révolutlon d’Ali ben Gadehem , Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée, no 7, Année 1970. 
  • 62.  Trépanier (Nicolas), Les Ordres. Tarikats et politique dans la Turquie républicaine, religiologiques, 23, printemps 2001.