Press "Enter" to skip to content

BEDIUZZAMAN SAID NURSI AND HIS KALAM APPROACH IN THE PERIOD OF THE NEW KNOWLEDGE OF KALAM

مخلص كوربة

طالب دكتوراه في قسم علم الكلام بجامعة نجم الدين أربكان

Abstract

There are a large number of epistles of Bediuzzaman Said Nursi about the issues of Kalam. In his epistles, Bediuzzaman includes the kalam matters of mutaqaddımın and mutaakhırın and also discusses the issues of new knowledge of kalam. From this aspect, as a kalam scholar addressing our age, Said Nursi takes his place in history of kalam. By identifying the inefficacy of kalam of müteahhirin in meeting the needs of the age, Said Nursi expressed early the need for new knowledge of kalam. For this reason, he studied positive sciences and compiled more than a hundred epistles about the issues of kalam. In his epistles, Bediuzzaman who evaluates the themes of the faith (itikad) within the principles of kalam, criticizes the approaches of the philosophical movements of the time such as materialism and positivism toward Islamic doctrines with rational evidences. This study focuses on Said Nursi’s approaches toward kalam thought and his being kalam scholar. In this respect, epistles of Bediuzzaman is analysed and reviewed contextually.

Keywords: Said Nursi, New Kalam Knowledge, Mutaqaddımın, Mutaakhırın, Philosophical Movements

الإمام بديع الزمان سعيد النورسي وعلم الكلام في عهد علم الكلام الجديد

المستخلص

لقد ألف الإمام بديع الزمان سعيد النورسي رسائل كثيرة خاصة بمسائل علم الكلام، وتناول فيها قضايا علم الكلام الجديد كما تناول القضايا القديمة والحديثة، ولهذا أخذ موضعه في تاريخ علم الكلام كمتكلم خاطب عصرنا الحديث. وقد أدرك الإمام النورسي أن أقوال العلماء المتأخرين غير كافية في تلبية حاجات هذا العصر الحالي، ومن أجل ذلك درس العلوم الحديثة في تلك الفترة وألف أكثر من مائة رسالة في علم الكلام. ولقد تناول الإمام النورسي المسائل العقدية بمبادئ علم الكلام في رسائله، وانتقد بالدلائل العقلية مقاربات تيارات الفلسفة المادية والفلسفة الوضعية لعقيدة الإسلام. إن هذا البحث يتناول آراء الإمام النورسي حول فكر علم الكلام ويتركز على كونه عالما في علم الكلام، ويدرس مضامين رسائل الإمام النورسي ويقيّمها.

الكلمات المفتاحية: الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، علم الكلام الجديد، المتقدمون، المتأخرون، التيارات الفلسفية.

حياة الإمام النورسي وتعليمه

ولد الإمام النورسي في قرية نُورْسْ التابعة لناحية إسباريت في محافظة بتليس شرق تركيا عام 1877/1293، وكان يجيد اللغة العربية والفارسية والتركية والكردية قراءة وكتابة، وكان اسم والده ميرزا واسم والدته نورية (ألبيراق، 178: 2014) اللذين تلقيا تربية صوفية، وولد لهما أربعة أولاد وثلاث بنات[1]. وكانا فقيرين ولكنهما كانا مهتمين بترية أبنائهما وحريصين على كسب الحلال ولقمة الحلال. (الموسوعة، 2013:52)

لقد بدأ الإمام النورسي تعليمه في التاسعة من عمره، فتلقى من أخيه الملا عبد الله دروسا في اللغة العربية، ثم تلقى العلم في مدارس عديدة. وقد أكمل خلال ثلاثة أشهر عند الشيخ محمد جلالي جميع العلوم التي كانت تدرَّس أنذاك في المدارس، وأخذ الإجازة العلمية، وقد تلقى آخر حصة من العلم من الشيخ محمد الكفروي.(النورسي،1958:14)

ومع أنه قضى طفولته في منطقة تنتشر فيها الطريقة النقشبندية فإنه كان مهتما بالطريقة القادرية أكثر منها، غير أن حرصه على العلم وانشغاله به منعه من التوجه إلى التصوف.

لم يقبل الإمام النورسي أي صدقة أو زكاة أو هدية من أحد طوال حياته، وكان يتمتع بحدة الذكاء وقوة الحفظ، وكان يجيب عن أسئلة العلماء الكبار في العلوم المختلفة، فقد حفظ كتاب جمع الجوامع في أسبوع، وقد رأى العلماء هذه القابلية الفذة عنهد فسموه بديع الزمان، ووجد عند عامة الناس التوقير كولي من أولياء الله. (النورسي،1958:6)

أقام الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في قصر محافظ بتليس عمر باشا الذي كان يهتم بالعلم ويوقر العلماء، فحفظ خلال وجوده في قصره حوالي أربعين كتابا، منها المطالع، والمواقف، وكتبا في النحو والصرف والمنطق، والتفسير وعلم الكلام، فكان يراجع هذه الكتب من حفظه خلال ثلاث ساعات كل يوم ويكمل مراجعتها في ثلاثة أشهر، وكان يكمل بنفسه كتبا كشرح المواقف قراءة كل يوم. وقد انكب على قراءة هذه الكتب والتعمق فيها حتى إن من رأوه كانوا يعتقدون أنه ليس له علاقة بشيء إلا العلم. (النورسي،1335:6) وكان عمره في هذه الفترة خمسة عشر عاما فقط، وبعد هذه الفترة ازداد عدد الكتب التي حفظها حتى بلغ التسعين كتابا.

وقد دعا محافظ “وان” طاهر باشا بديع الزمان إلى وان، وكان يرى أن مدينة وان ليس فيها علماء كبار، ولبى بديع الزمان لهذه الدعوة وأقام فيها خمس عشرة سنة. وفي هذه المدة طاف المنطقة وأصلح الفرقة التي كانت بين بعض العشائر وحقق الأمن والسلام. وخلال وجوده في قصر طاهر باشا في وان قرأ كتب العلوم الحديثة، حتى بلغ مستوى جعله يناظر علماء هذه العلوم، وقد استفاد من مكتبة طاهر باشا كثيرا، حيث وجد فرصى للاطلاع على تيارات الفكر الحديثة. كانت غايته من دراسة العلوم الحديثة هي البحث عن منهج؛ ذلك أنه كان يرى أن أقوال العلماء المتأخرين غير كافية لرد الانتقادات الموجهة للدين. (النورسي،1958:15)

كان بديع الزمان عاكفا على القراءة في فترة تلقيه العلم، فكان يقرأ أحيانا مائتين صفحة من النصوص الصعبة بوحده ويفهمها، حيث يقول في سيرته الذاتية:

“كان أخوكم هذا الفقير كثير القراءة، فكان يقرأ أحيانا كتابا كاملا في يوم واحد ويفهمه”(النورسي،1958:212) ويبين ابن أخيه عبد الرحمن في سيرته الذاتية أن عمه كان يكمل قراءة كتب كجمع الجوامع وشرح المواقف في يوم واحد. (النورسي،1335:9)

لم تكن قراءة بديع الزمان للكتب مقتصرة على الفترة التي قضاها في المدارس، بل كان يقرأ في الفترة التي أقام فيها في وان وفي حياته في إسطنبول، فلم يكن يبحث مكانا أو زمانا مناسبا، بل كان يستثمر أوقات الفراغ في القراءة، حتى إنه وسائل النقل في ذلك الزمان كانت كمدرسة بالنسبة له، ويقول عن ذلك:

“عندما كنت مسافرا إلى إسطنبول قبل عهد الحرية وقعت في يدي بعض من الكتب العلمية المهمة، وقرأتها قراءة متعمقة، وبعد وصولي دعوت العلماء وأساتذة المدارس إلى المناظرة من دون سبب وأعلنت “من يريد أن يسألني شيئا فليسأل، ومن العجيب أن الأسئلة التي سألها جميع الذين حضروا للمناظرة كانت من المسائل التي قرأتها في الطريق وحفظتها، والأسئلة التي سألها الفلاسفة كانت من المسائل التي بقيت في حفظي”. (النورسي، 2018:79)

قضى الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في مدينة وان أفضل فترة من حياته العلمية، وقد اطلع على أحوال العالم الإسلامي في أثناء إقامته فيها، وذات يوم أطلعه طاهر باشا في إحدى الجرائد على هذا الخبر الرهيب:

إن وزير المستعمرات قال في كلمة له في مجلس النواب البريطاني وهو يمسك بيده القرآن الكريم:

“مادام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، فعلينا أن ننزع القرآن من أيديهم أو نبعدهم عنه مهما كان”.

فقال الإمام النورسي قولته المشهورة: “سأثبت للعالم أن القرآن شمس معنوية لا تنطفئ ولا يمكن إطفاؤها”، فبدأ يعمل في سبيل ذلك، وجعل كل ما تعلمه سلّما لتفسير القرآن وإثبات حقائقه، وكان آنذاك في الثاني والعشرين من عمره. وخلال وجوده في وان ربى كثيرا من التلاميذ، فكان يعلمهم العلوم الدينية مع العلوم الحديثة تعليما يناسب مستوى وعي زمانه.

وفي عام 1907 قدم إلى إسطنبول (أولمز،2012:20) وكانت غايته إزالة الجهل من خلال مدرسة الزهراء العالمية التي كانت يريد تأسيسها في الشرق، ورأى أن المدارس في إسطنبول ليست متقدمة، وحدد ثلاثة أسباب لذلك:

الأول: الاهتمام البالغ بالقواعد العلمية للكتاب وتفضيله على العلوم العالية.

الثاني: التكاسل وانعدام الحماس تجاه العلم الذي ينشأ عن ترك المناظرة بين الطلاب

الثالث: قضاء الطلاب أوقاتهم في ما لا يعنيهم. (Weld، 2011:85)

ولذلك دعا العلماء وطلاب الجامعات وأرباب العلم إلى المناظرة قائلا: فليسألني من يريد ما يريد”. وكان يجيب عن جميع أسئلتهم إجابة صحيحة، فأعجب به أيما إعجاب. (Kısakürek،2012:16)

ثم عاد بديع الزمان إلى وان، وطفق يطوف على العشائر ويرشدها ويلقي الدروس على الأهالي، حتى جمع هذه الدروس في كتاب وسماه المناظرات. وفي أواخر 1910 سافر إلى دمشق، وألقى خطبة في الجامع الأموي على جماعة غفيرة يبلغ عددها حوالي عشرة آلاف بإصرار من علمائها، فبين في هذه الخطبة أسباب تخلف المسلمين مقارنة بالحضارة الغربية وقدم الأدوية من أجل التخلص من هذا التخلف. (النورسي،2012:438)

غادر بديع الزمان دمشق إلى بيروت، ومنها وصل إلى إسطنبول عن طريق البحر، ورافق السلطان محمد رشاد في سفره إلى منطقة البلقان بدعوة مه (الموسوعة،2013:138) ثم سافر إلى وان لوضع حجر الأساس لمدرسة الزهراء العالمية التي كان يريد أن يؤسسها، ولكن وقعت الحرب العالمية في ذلك الوقت وحالت دون ذلك، فشارك فيها كقائد متطوع على كتيبة، وألف في أثناء الحرب كتابه “إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز” باللغة العربية، وقدم تضحيات كبيرة مع تلاميذه، ثم أصيب بجراح ووقع أسيرا بيد الروس، وأُرسِل إليه بعضا من المال من قبل الهلال الأحمر العثماني، بقي في الأسر أكثر من سنتين، وتمكن في الأخير من الفرار ووصل إلى إسطنبول، وقُلِّد نيشان الحرب. (الموسوعة،2013:174)

ثم عُيِّن عضوا في دار الحكمة الإسلامية التي هي كانت أكاديمية إسلامية في أواخر الدولة العثمانية وكانت تضم العلماء الأجلاء في ذلك الوقت كإسماعيل حقي الإزميري، وفريد كام، وحسين عوني العربكري، والشاعر محمد عاكف وغيرهم، وألف خلال وجوده في هذه الدار بعض المؤلفات. (Weld، 2011:214)

وبعد ذلك عاد بديع الزمان إلى وان، ثم حدث تمرد بقيادة سيد إحدى العشائر الكردية الشيخ سعيد على الحكومة التركية العلمانية الجديدة في جنوب شرق تركيا، ولكن الحكومة قبضت على المتمردين وأعدمتهم، وبهذه الذريعة قُبِض على الإمام بديع الزمان النورسي أيضًا في وان ونُفِي إلى بوردور في الغرب، وهنا ألف كتابه “المدخل إلى النور”، وبعد مدة قصيرة نُفي إلى إسبارطة أولا، ثم إلى قرية نائية في إسبارطة تسمى بارلا حتى لا يختلط بالناس ويكون معزولا تماما. مكث الإمام النورسي في بارلا ثماني سنوات. (النورسي،1958:100) وتعرض للمضايقات والضغوطات من قبل الحكومة، حيث كان معزولا وتحت مراقبة قوات الدرك، وممنوعا من الأذان والإقامة في المسجد، ومن المراسلة، وعلى الرغم من كل هذا استطاع أن يؤلف أكثر من مائة رسالة. (النورسي، 2012:63)

وانتشرت رسائله في مناطق إيجة والبحر الأبيض بسرعة كبيرة، فاتخذت الحكومة ذريعة وسيق الإمام النورسي مع مائة وعشرين من تلاميذه إلى محكمة أسكي شهير الجنائية للإعدام أو السجن المؤبد، وعلى الرغم من كل ظروف السجن الشاقة السلبية الثقيلة استطاع أن يؤلف رسائل حول أسماء الله الحسنى والتوحيد كاللمعة الثلاثين والشعاع الأول والشعاع الثاني.

وبعد سجن أسكي شهير نُفي إلى مدينة قسطموني في شمال تركيا، ولبث فيها ثماني سنوات، ألف طوال إقامته هناك بعض الرسائل كرسالة الآية الكبرى التي تتناول وجود الله ووحدانيته والوحي والنبوة وغيرها من حقائق الإيمان. (النورسي،1958:253)

واتخذت رسائله العلمية الإيمانية التي ألفها في قسطموني سببا للجريمة وسَيقَ إلى سجن إسبارطة أولا ثم إلى سجن دنيزلي في غرب تركيا عام 1943، فألّف في هذا السجن رسالة الثمرة التي تحتوي على موضوعات التوحيد والحشر والنبوة ووجود الملائكة والصلاة والتكرارات في القرآن الكريم وغيرها من الموضوعات، ثم نفي الإمام النورسي إلى مدينة أميرداغ في محافظة أفيون المجاورة. (النورسي،1958:353) وفي أواخر عام 1947 نقل إلى أفيون، وبعد استجوابه نقل إلى السجن، وفي هذا السجن تم عزله في زنزانة ومنع من لقاء السجناء الآخرين، ولكنه على الرغم من كل هذه الظروف العصيبة الشاقة ألف رسالة الحجة الزهراء التي تتضمن الموضوعات العقدية. (الموسوعة،2013:913)

وبعد خروجه من سجن أفيون تم نفيه مرة أخرى إلى أميرداغ، وبقي فسها سنتان، ثم زار ميدين أسكي شهير حرا لأول مرة، ثم انتقل إلى إسبارطة، وفي هذه الأثناء طبعت تلاميذه الشباب رسالة مرشد الشباب للإمام النورسي حتى تخدم أخلاقهم، وبسبب هذه الرسالة سيق إلى محكمة إسطنبول الجنائية، فسافر إلى إسطنبول، وبعد إسطنبول سافر إلى أميرداغ مرة أخرى.

وفي عام 1956 فحصت لجنة تابعة للشئون الدينية رسائل النور، وأعدت تقريرا بأن رسائل النور تخدم الإيمان والأخلاق، فقررت محكمة أفيون بناء على هذا التقرير على براءة رسائل النور وعلى حريتها، وقضت محكمة إسبارطة الاستجوابية ألا تكون هناك محاكمة مرة أخرى، وبهذا اكتسبت رسائل النور التي ألفها الإمام النورسي حرية عامة.

قضى الإمام النورسي أيامه الأخيرة في بعض الزيارات، فاتجه أولا إلى مدينة قونيا، ثم تابع رحلته إلى آضنة، وغازي عينتاب، وأخيرا ألقى عصا الترحال في مدينة الرها أو أورفة، وفاظت نفسه إلى بارئها عام 1960. (الموسوعة،2013:1029)

بديع الزمان كعالم من علماء علم العقيدة

إن من يريد أن يدرك كون الإمام النورسي عالما من علماء علم العقيدة عليه أن يبدأ أولا بفهم أفكاره عن علم العقيدة، فعلم العقيدة عنده مستفاد من القرآن(النورسي،2008:127) ويرسخ الأسس الإيمانية (النورسي،2009:102) وعلماء علم العقيدة هم من تبحروا في عقيدة الإسلام وشكلوا مبادئ أصول الدين بموازين الآيات والأحاديث وبمبادئ العقل والمنطق (النورسي،2011:150) فهم تلاميذ القرآن يجدون فيه كل حاجاتهم وأجوبتهم ومبتغاهم (النورسي،2011:145) وقد ألفوا في علم العقائد والتوحيد آلاف الكتب حتى يرسخوا الإيمان التحقيقي المصون من كل الشبهات.

ويرى الإمام النورسي أن علم العقيدة حكمة حقيقية تسوق إلى معرفة الله تعالى وأحوال الآخرة التي هي أسمى غاية بالنسبة للإنسان، وفي هذه الكتب يجد الإنسان عقيدة الإسلام مفصلا بالدلائل، وعلماء علم العقيدة هم ورثة الأنبياء ومحققو الإسلام، ومن ثم فإن العلماء في العلوم الحديثة التي تنظر إلى المخلوقات من حيث وجودها وتفسرها على هذا الأساس لا يبلغون درجة أئمة أصول الدين وعلومهم. (النورسي، 2010:140)

ويبين الإمام النورسي أن علم العقيدة لدى علماء أهل السنة والجماعة أقصر وأسلم طريق يوصل إلى الحقيقة، ويرى أن التصوف يحاول أن يبلغ الحقيقة بالعمل والرياضة والعبودية والسير والسلوك، في حين علم العقيدة يصل إلى الحقيقة بالبراهين المنطقية والحجج العلمية والأسس الإيمانية، ومع هذا في علم العقيدة حلاوة إيمانية وأنوار الحقيقة ناشئة من الإيمان. (النورسي،2012:296)

يعترف الإمام النورسي أن علم العقيدة مدرسة أساسية في معرفة الله تعالى وأن منبعه هو القرآن، ويرى أن هناك أربعة طرق توصل إلى معرفة الله سبحانه، وهي علم العقيدة، والتصوف، والفلسفة، وطريق القرآن، ويرى أن طريقي علم العقيدة والتصوف على الرغم من أن منبعهما القرآن إلا أنهما أصبحا طريقين طويلين صعبين بمرور الزمن، والفلسفة طريق محفوف بالشبهات، أما طريق القرآن فهو أسلم الطرق وأقصرها وأسهلها. (النورسي، 2015:240)

ويرى الإمام النورسي أن علماء العقيدة ينظرون إلى العالم والعلوم الحديثة نظرة تبعية من زاوية الإيمان والتوحيد لتكون دليلا على الأسس الإيمانية، لأنهم يرون أن كون الشمس سراجا والأرض مهدا والجبال أوتادا يكفي لإثبات دعواهم، ولا يجب عليهم أن يعرفوا جميع التفاصيل الخاصة بماهياتهم، بل يكفي أن تكون دليلا على المسائل العقدية. (النورسي، 2015:226)

ويبين الإمام النورسي في رده على تلميذه الذي يطلب منه أن يتلقى دروسا في علم العقيدة أن الرسائل التي ألفها إنما هي دروس في علم العقيدة. (النورسي،2013:362) وبعبارة أخرى كل ما ألفه من الرسائل إنما هي نصوص في علم العقيدة.         

ويرى أن رسائله توضح الأسس الإيمانية وحقائق الإسلام بالدلائل العقلية، والقارئ لرسائل الإمام النورسي يقف على أنه يتخذ المبادئ العقدية التي يبينها علم العقيدة أساسا وأنه يوظفها تجاه المشكلات. (النورسي،2013:335)

إن دراسة آراء الإمام النورسي الخاصة بعصر علم العقيدة الحديث وعلم العقيدة في هذه الفترة وتقييمه وتطبيقه له بعد رأيه عن علم العقيدة وعلمائه يسهل فهم هذا الموضوع.

الإمام النورسي وعصر علم العقيدة الحديث

حين ينظر المرء إلى علماء الكلام الذين عاصروا أواخر الدولة العثمانية يجد أنهم كانوا يبحثون عن منهج جديد في علم العقيدة، ومن المعلوم أن علم العقيدة عند أهل السنة ينقسم إلى علم العقيدة المتقدمين المشكل حتى القرن الرابع الهجري، وعلم العقيدة لدى المتأخرين المتكون في أواخر القرن الخامس الهجري والممتد حتى عصرنا الحالي، فعلماء العقيدة المتقدمون لا يستخدمون مبادئ علم المنطق في الجدال مع المعتزلة وغيرها من الفرق المشابهة لها، بينما العلماء المتقدمون يحاربون الفلسفة اليونانية ويستخدمون المبادئ المنطقية كمنهج لهم في ذلك. (حقي، 1336:11)

إن علماء العقيدة في عهد الدولة العثمانية الأخير يرون أن علم العقيدة لدى المتأخرين غير كاف في إزالة تيارات الكفر والشبهات في هذا العصر، لأن علم العقيدة الذي يتبناه العلماء المتأخرون يحارب الفلسفة اليونانية وفلسفة ابن سينا وفرق البدع والإلحاد، وعندما يقيمون عصرهم يرون أن الفلسفة الغربية حلت محل الفلسفة اليونانية، وأن فلاسفة الإنجليز والألمان والفرنسيين أخذوا مكان الفلاسفة اليونانيين.

إن آراء الفيلسوف الإنجيليزي فرنسيس بيكون (1561-1626) والفيلسوف الفرنسي ديكارت (1596-1650) فتحت طريقا جديدا في الفكر الفلسفي، وساعدت في نشأة فلاسفة جدد أقوياء، ومن ثم حصلت حاجة إلى منهج جديد في علم العقيدة لاختلاف مخاطبي المتكلمين العثمانيين ومناهجهم عن مخاطبي المتكلمين المتأخرين ومناهجهم، وهذا البحث عن منهج جديد في علم العقيدة نتيجة طبيعية لاختلاف الحاجات.

لقد كان علماء علم العقيدة في أواخر الدولة العثمانية يرون أنه لابد من دراسة العلوم الفلسفية والعقلية (توبال أوغلو،2104:41) وأن الحديث بمبادئ هذه العلوم فرض كفاية عند علماء العقيدة، ومن ثم لابد من تدوين علم العقيدة من جديد، ولابد من تأليف كتب جديدة ومن التقدم في هذا الشأن. (خربوطي،1332:111)

وهناك أمثلة على ذلك ككتاب علم العقيدة الجديد لإسماعيل حقي الإزميري،(1868-1946)

وكتاب “تنقيح الكلام في عقائد أهل الإسلام” لعبد اللطيف الخربوطي،(1842-1914)   وأس الإسلام وعلم العقائد الجديد المستند إلى الحقائق الإسلامية لأحمد حلمي الفليبي،(1865-1914) ورسائل النور للإمام بديع الزمان سعيد النورسي. (1877-1960)

ويرى هؤلاء العلماء أن من حصلت في ذهنه شبهات وأسئلة عقدية بسبب دراسة هذه العلوم الحديثة يصعب إقناعه من خلال منهج علماء علم العقيدة المتقدمين أو المتأخرين؛ لأن كل زمان له شروطه وظروفه الخاصة به وللناس أفهام مختلفة فيه. (أوزر وارلي،2008:88) ويضربون مثالا على ذلك ويقولون:

لو أن أحدا من الذين يدرسون العلوم الحديثة وينكر وجود الله تعالى التقى بعالم لم يدرس هذه العلوم وذكر له إنكاره كيف سيرد هذا العالم على إنكاره؟ فلو حاول أن يزيل هذا الإنكار بالآيات والأحاديث لا يستطيع، لأن تأثيرها متعلق بالإيمان، ولذلك لا يمكن الردّ على المنكر بالدلائل النقلية، وإلا فسيكفر العالم من يدرس العلوم الحديثة، ومن يدرس هذه العلوم سيتهم هذا العالم بالجهل. (حلمي، 1327:11)

وهناك مثال آخر في هذا الموضوع وهو:

لقد نشر شيخ الإسلام في عهد الدولة العثمانية الأخير الشيخ موسى كاظم والصحفي المشهور آنذاك أشرف أديب مقالا في مجلة الصراط المستقيم بعنوان:

“إصلاح الكتب الكلامية وتأليفها وفق حاجات العصر، وتوحيد المذاهب المختلفة بين المسلمين، وإصلاح التعليم في المدارس”، وقد جاء في هذا المقال أن مسلك المشائيين قد انتهى، ولم يبق من يدافع عن أفكارهم في هذا الزمان، وتركت الفلسفة المشائية مكانها للفلسفة المادية، ولذلك لابد من دفاع جديد في علم العقيدة.

إن الفلسفة الغربية حسب هذا المقال تختلف عن الفلسفة المشائية، وأن الفلاسفة المشائيين على الرغم من أنهم يقبلون وجود الله وأنه الفاعل الموجب، ولذلك يقبلون بقدم العالم، وأن علماء العقيدة المتأخرين ردّوا عليهم بأن الله فاعل مختار، ولكن هذه الإجابة وإثبات أن له إرادة وصفات ليس له وزن علمي تجاه الفلسفة المادية التي تنكر وجود الله. (كاظم موسى،1327:405) ويذكر في المقال أيضًا أن الأدلة التي يستدل بها علماء العقيدة من أهل السنة الذين يحاولون الرد على الفلاسفة والمعتزلة الذين ينكرون صفات الله تعالى بأن لله صفات إلهية؛ غير كافية تجاه الفلسفة الكافرة التي تنكر وجود الله تعالى. (كاظم موسى،1327:405)  نكطرأنكر

ويرى علماء علم العقيدة في عهد الدولة العثمانية الأخير أن الفلسفة المشائية قد انتهى زمانها، ولم يبق من يدافع عن أفكارها اليوم، وتركت مكانها للفلسفة المادية، ولابد من دفاع جديد ضد هذه الفلسفة.

إن الفلسفة الغربية تختلف عن الفلسفة المشائية، ومن ثم لابد من كتب جديدة في علم العقيدة ترد على هذه الفلسفة، ولا تأثير لأجوبة علماء العقيدة المتأخرين تجاه من ينكرون وجود الله تعالى، والأدلة التي يستدلون بها غير كافية تجاه الفلسفة التي تنكر وجوده تعالى، ولذلك ذكر علماء علم العقيدة في أواخر عهد الدولة العثمانية أنه لابد من تنظيم كتب علم العقيدة من جديد، وهذا لا يتحقق إلا بمعرفة الفلسفة الغربية. (كاظم موسى،1327:405) وقد أصّلوا آراءهم هذه بعلماء العقيدة من أمثال الإمام الغزالي وغيره ممن أدخلوا المسائل الفلسفية والمنطق في علم العقيدة.

ويرى علماء علم العقيدة في أواخر عهد الدولة العثمانية أن كتب العلماء المـتأخرين في علم العقيدة تحتوي على الفلسفة التي تحتوي على قواعد كثيرة، وتتحدث عن علوم الطبيعة والفلك والفيزياء ونظرياتهم، وقد صارت الفلسفة الغربية وهذه القواعد مستقلة، ولم تبق هناك حاجة إلى وجودها في كتب علم العقيدة، ومع هذا يجب ألا يعارض علم العقيدة الجديد المعطيات العلمية، ولا يخالف قوانين الفلسفة الوضعية، وينبغي إزالة الانتقادات الموجهة للإسلام بالمبادئ العلمية للعصر الحالي. (حقي، 1337:14)

ومن العلماء الذين عاصروا عهد الدولة العثمانية الأخير والذين يرون أن هناك حاجة إلى أسلوب جديد في علم العقيدة الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، فقد أدرك الإمام النورسي وهو شاب في العشرينات من عمره بالحاجة الماسة إلى أسلوب جديد في علم العقيدة، وبدأ بقراءات كتب مختلفة، وألف بعض الكتب، وألقى دروسا على تلاميذه بهذه الطريقة، ويلاحظ أنه طبق هذه الفكرة في كتابه “الإيجاز الأحمر” الذي ألفه شرحا لكتاب “سلم المنورق في فن المنطق” لعبد الرحمن الأخضري. (النورسي، 1339:16)

سافر الإمام النورسي إلى مدينة وان في شرق تركيا عام 1895، وبدأ يعلم تلاميذه في المدرسة المخصصة له، وخلال وجوده هناك اطلع على الكتب التي كان يجلبها الوالي من أوربا، والتقى ببعض الموظفين، فحصلت لديه أن علم العقيدة لدى المتأخرين غير كاف في إزالة الشبهات الحالية، وبدأ يدرس علوم عصره كالتاريخ والجغرافيا والرياضيات، والجيولوجيا، والفيزياء والكمياء والفلك والفلسفة، وكان يلقي الدروس على تلاميذه بمزج هذه العلوم بالعلوم الدينية. (النورسي، 1335:29)

وبعد عشر سنوات من رأي الإمام النورسي عام 1911 كتب شيخ الإسلام موسى كاظم آراءه التي تتشابه مع رأي الإمام النورسي في مجلة الصراط المستقيم. (كاظم موسى، 1327:405) وكذلك الشيخ عبد اللطيف الخربوطي الذي أدرك بعد خمس عشرة سنة من كلام الإمام النورسي أن هناك حاجة ماسة إلى أسلوب جديد في علم العقيدة بيّن نفس الحاجة في كتابه “تنقيح الكلام في عقائد أهل الإسلام” الذي ألفه عام 1914 ودرسه لتلاميذه. وبعد عدة سنوات تناول الشيخ إسماعيل حقي نفس الحاجة في كتابه “محصل الكلام والحكمة” الذي ألفه عام 1920، وفي كتابه “علم العقيدة الجديد” الذي ألفه بين أعوام 1923-1925م. (ازميرلي، 1339:106)

إن الإمام النورسي يرى أن الفلسفة الطبيعية التي تستند إلى المراقبة والتجربة وتستمد قوتها من العلوم الوضعية، والفلسفة المادية وغيرها من تيارات الفكر الكفرية؛ تشكل أخطر تهديد لعقيدة الإسلام. (النورسي، 2008:46) وأن مثل هذه التيارات الكفرية وأصحابها لم تنتشر في الماضي في كل مكان كما هي الآن، بل كانت قليلة جدا ومحدودة، ولذا كانت أدلة المحققين كافية لإلزام هذه الأفكار أو إقناع من تبنوها، ولكن الآن لابد من دروس إيمانية قوية كقوة القنبلة الذرية لصد الأفكار الكفرية التي انتشرت انتشار مرض الوباء في كل مكان، وأثرت في الناس تأثيرا قويا، واستمدت قوتها من العلوم الوضعية، واستهدفت العقيدة؛ ومن الأسباب التي دفعت الإمام النورسي إلى القول بأن هناك حاجة إلى أسلوب جديد في علم العقيدة هو عدم وجود وقت كاف الآن لتعلم منهج العلماء المتأخرين في علم العقيدة. (النورسي، 2008:436) إذ لابد من فترة طويلة لتعلم عقيدة الإسلام بدلائلها في المدارس نظرا لظروف ذلك الزمان، وليس لدى الناس هذا الوقت الطويل، ومن ثم لابد من أسلوب جديد في علم العقيدة يزيل شبهات الناس إزالة كاملة في وقت قصير.

الخاتمة:

إن الإمام النورسي يرى أن مصدر علم العقيدة هو القرآن الكريم، الذي يبين الأسس الإيمانية بالدلائل العقلية، وهو الحكمة الحقيقية، وعلماء العقيدة هم الراسخون في العلم وورثة الأنبياء. وتبين رسائله التي ألفها موضوعات علم العقيدة.

ويبين الإمام النورسي كغيره من علماء العقيدة في عهد الدولة العثمانية الأخير أن هناك حاجة ماسة إلى أسلوب جديد في علم العقيدة، وذكر هذه الحاجة وهو مازال شابا في مقتبل العمر، وبدأ يدرس العلوم الحديثة في عصره لسد هذه الحاجة دون أن يضيع أي وقت، ومزج العلوم الدينية بالعلوم الحديثة في تدريسه وألف رسائل تناسب علم العقيدة الجديد، وربى تلاميذ على هذا المنهج.

لم يترك الإمام النورسي هذه الحاجة إلى أسلوب جديد في علم العقيدة في درجة المعرفة، بل نقلها إلى عالم التأليف والتدريس، ويمكن القول بأن الإمام النورسي عالم من علماء العقيدة غير أنه سبق علماء علم العقيدة في عهد الدولة العثمانية الأخير في التعبير عن الحاجة الماسة إلى أسلوب جديد في علم العقيدة ودرّس على هذا الأساس وألف وربى.

وهناك حاجة إلى ما تقدمه رسائل الإمام النورسي من حلول في مشكلات العقيدة والإيمان في هذا العصر، ومن الموضوعات التي ينبغي دراستها وبحثها هي دراسة نصوص كتب العقيدة ومقارنتها، وتحديد الاختلافات بينها ووصولها إلى النجاح.

المصادر والمراجع:

  1. النورسي، عبد الرحمن، سيرة ذاتية لبديع الزمان، مطبعة نجم الاستقبال، إسطنبول، 1335هـ..
  2. الخرطومي، عبد اللطيف، تاريخ علم الكلام، مطبعة نجم الاستقبال، إسطنبول، 1332هـ..
  3. أولمز، آدم، بديع الزمان في أواخر الدولة العثمانية على ضوء الوثائق، دار النسيل، إسطنبول، 2012م.
  4. النورسي، سعيد، سيرته الذاتية ومؤلفاته ومشربه، مطبعة طوغوش، أنقرة، 1958م.
  5. الموسوعة، الإمام بديع الزمان سعيد النورسي وخير خلفه أحمد خسرو أفندي، الجلد الأول والثاني، دار الخيرات، إسطنبول، 2013م.
  6. طوبال أوغلو، بكر، مدخل علم الكلام، دار دملا، إسطنبول، 2014م.
  7. حلمي، أحمد فليبلي، هل يمكن انكار وجود الله، إسطنبول، 1326هـ
  8. إسماعيل حقي ازميرلي، مجلة سبيل الرشاد، إسطنبول، 1331هـ
  9. كاظم موسى- أشرف أديب، مجلة سبيل الرشاد، إسطنبول،الجلد الثاني، 1327هـ
  10. اوزوارلي، محمد سعيد، البحث في تجديد علم الكلام، إسطنبول، 1998م.
  11. Mary Weld، السيرة الفكرية لبديع الزمان سعيد النورسي، إسطنبول، 2011م.
  12. نجيب فاضل قيصة كورك، الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، إسطنبول، 2012م.
  13. ألبيراق صادق، أكادمية إسلامية للعهد الأخير، دار الحكمة الإسلامية، إسطنبول، 2014م.
  14. النورسي، الإمام بديع الزمان، ملحق بارلا، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، 2014م.
  15. النورسي، الإمام بديع الزمان، ملحق أميرداغ، الجلد الأول، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، 2018م.
  16. النورسي، الإمام بديع الزمان، ملحق قسطموني، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، 2011م.
  17. النورسي، الإمام بديع الزمان، المكتوبات، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، 2011م.
  18. النورسي، الإمام بديع الزمان، المثنوي العربي النوري، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، 2015م.
  19. النورسي، الإمام بديع الزمان، السكة التصديقية الغيبية، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، 2009م.
  20. النورسي، الإمام بديع الزمان، السكة التصديقية الغيبية، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، 2009م.
  21. النورسي، الإمام بديع الزمان، الكلمات، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، 2010م.
  22. النورسي، الإمام بديع الزمان، الشعاعات، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، 2008م.
  23. النورسي، الإمام بديع الزمان، ذوالفقار، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، 2011م.

[1] أسماؤهم بالترتيب: درية، خانم، عبد الله، سعيد، محمد، عبد المجيد، مرجان.