Press "Enter" to skip to content

ANALYSIS OF THE DEFENSES OF IMAM BEDIUZAMAN SAID AL-NURSI (DENIZLI COURT DEFENSE AS A MODEL)

MUHAMMED MOSTAFA MOHAMMED SALIH

ABSTRACT

This article deals with the features of the struggle of Imam Nursi and his brove defences infront of many courts. The article tries to shed light of his defences before the court of Denizli in particular. The article adopts an analytic and  descriptive metods to deal with what Imam Nursi wrote  in the Twelfth Ray an Siraj- el-Nur, A brief biography of Imam Nursi is presented in this article. The attitude of Imam Nursi to words the ıssue of freedom and the Issue of the Republic.

The courage that characterized the Imam Nursi pleading before the court in order to save faith religion has cought the attetion of the two urriters of the article as it attracted the attention of many of the students of the Risale-i Nur.

Keywords: Defenses, Denizli, Nursi

تحليل دفاعات الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (دفاع محكمة دنيزلي نموذجاً)

مستخلص

تُعنى هذه المقالة بالتعريف بجوانب المحاكم والسجون من سيرة الإمام المجدد بديع الزمان سعيد النورسي، وبيان طرفٍ من نضاله في تلك المحاكم من أجل إنقاذ الإيمان، وتجيء المقالة على ذكر دفاع الإمام النورسي أمام محكمة دنيزلي نموذجًا من بين مرافعات الإمام النورسي في المحاكم المختلفة. والمقالة تتخذ منهجا بحثيا تحليليا يدقق في المرافعات توصيفاً وتفسيراً وتحليلاً؛ فهي تستند بصورة أساسية إلى ما خطه الإمام النورسي في الشعاع الثاني عشر في كتابَي الشعاعات وسراج النور.

بدأت المقالة بتقديم موجزٍ لسيرة الإمام النورسي خاصة حياته في المنافي والسجون مع ذكر التواريخ، ومن ثم تطرقت لدفاع دنيزلي، وتحليل مضمون دفاع دنيزلي، وقضية الحرية وختمت بموقف الإمام النورسي من الجمهورية.

ذكرت الشجاعة المؤمنة التي امتاز بها الإمام النورسي تلك المرافعات القيمة أمام المحاكم المختلفة التي انعقدت لمحاكمته، شدَت هذه المرافعات انتباه الباحثين خاصة، كما لفتت انتباه الكثيرين من دارسي رسائل النور.

الكلمات المفتاحية: الدفاعات، دنيزلي[1]، النورسي


[1]  ولاية تقع جنوب غربي تركيا.

مقدمة:

إن الناظر إلى مسيرة حياة بديع الزمان سعيد النورسي يجد فيها الكثير من نواحي التميز والتفرد، وذلك من عدة جوانب، فتظهر عنده منذ فجر صباه الأول ملامح الشخصية المتسمة بقوة الإرادة والعزيمة، كما تتسم بطلب العلم والمعرفة؛ فهو شخص باحث متأمل متفكر في الكون من حوله، وهو يحاول الكشف عن كنه الأشياء وعن جواهرها وحقائقها.

وتتجلى في هذه الشخصية المفردة مظاهر القوة والشجاعة التي لا مثيل لها، ولكنه بجانب ذلك فهو الرجل الذي يفيض شفقة ورحمة وعطفاً على الأحياء وعلى الأشياء من حوله.

والإمام النورسي هو ذلك العالم الرباني المؤمن إيماناً عميقاً وراسخاً بعالم الآخرة، وبالغيب، وهو ذو صلة وثيقة بالله تعالى، وهذا الإيمان الراسخ هو الذي جعل الإمام لا يخشى في الله تعالى لومة لائم، ومن ثم وجدناه يقف بكل صلابة وقوة أمام الأعاصير الإلحادية والهجمات الكفرية التي هبت بكل قوة على عالم الإسلام. فهو قد حقّق عبارته المشهورة في حياته:

“إن الإيمانَ نورٌ وقوة، أجل؛ فالإنسان الذي يحصل على الإيمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكون، ويستطيع أن يتخلص من مضايقات الحوادث بحسب قوة الإيمان، ويقول: “توكلت على الله” فيسير بكمال الأمان بين أمواج هائلة للحوادث كالجبال وهو في سفينة الحياة، ويُودِعُ كلَّ أثقاله بيدِ قدرةِ القدير المطلَقِ، ويمضي ويمر في الدنيا بأمن واطمئنان، ويستريح في البرزخ، ثم يستطيع أن يطير إلى الجنة كي ينال السعادة الأبدية.”(النورسي، 2012: 153)

ومعلوم لدى الكافة أن الإمام النورسي ظل طيلة حياته العامرة بالجهاد والتأمل والتفكر الإيماني يعاني من الملاحقات؛ فكان ينتقل من سجن إلى سجن، ومن محكمة إلى أخرى خلال مراحل حياته المختلفة. وقد قال في حواره مع رئيس التحرير لمجلة سبيل الرشاد الأستاذ أشرف أديب:

لقد افتديت بدنياي وآخرتي في سبيل إنقاذ إيمان المجتمع. لم أذق طوال عمري البالغ نيفاً وثمانين سنة شيئاً من لذائذ الدنيا. قضيت حياتي في ميادين الحرب، وزنزانات الأسر، أو سجون الوطن ومحاكم البلاد. لم يبق صنف من الآلام والمصاعب لم أتجرعه. عوملت معاملة المجرمين في المحاكم العسكرية العرفية، ونفيت وغربت في أرجاء البلاد كالمشردين. وحرمت من مخالطة الناس شهوراً في زنزانات البلاد. وسُمّمت مراراً. وتعرضت لإهانات متـنوعة. ومرت عليّ أوقات رجحت الموت على الحياة بألف ضعفٍ. ولولا أن ديني يمنعني من قتل نفسي، فربما كان سعيد تراباً تحت التراب. (النورسي،2010: 513)

ولقد شدَت المرافعات القيمة الشجاعة المؤمنة التي قام بها الإمام النورسي أمام المحاكم المختلفة التي انعقدت لمحاكمته، نقول شدَت هذه المرافعات انتباه الباحثين خاصة، كما لفتت انتباه الكثيرين من دارسي رسائل النور خاصة الأستاذ الدكتور الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي – رحمه الله تعالى – الذي أكد في أكثر من مناسبة على أهمية هذه المرافعات التي تعكس بوضوح تام مدى الإيمان والقوة والشجاعة التي كان يتمتع بها الإمام النورسي رحمه الله تعالى وأحسن إليه.

المنافي والسجون في حياة الإمام النورسي:

كل من يقرأ رسائل النور يلاحظ أن الإمام النورسي يذكر في بداية معظم رسائله أنها ثمرة من ثمرات سجن دنيزلي مثل رسالة الثمرة أو ثمرة من ثمرات المدرسة اليوسفية الثالثة أي سجن أفيون مثل الحجة الزهراء. إن هذا إن دلّ على شيئ فإنما يدل على أن تلك الرسائل النورانية ألفتْ في السجون والمنافي وهكذا قضى الإمام حياته بعد سن الخمسين.

نفي الى جنوب غرب تركيا عام 1926م ومنها الى المنفاه الثالث في قرية بارلا، فمكث فيها 8 سنوات وألّف كتاب الكلمات والمكتوبات ومعظم اللمعات. ثم نفي إلى إسبارطة ومنها إلى ولاية أسكشهر عام 1935م بسبب تأليف رسالة الحجاب وحُكم عليه وعلى تلاميذته بالسجن 11 شهرا ولم يتوقف من التأليف وكان يألّف ويربّي الطلاب تربية إيمانية. ثم نفي إلى ولاية قسطموني التي تقع في شمال تركيا عام 1936م، فأجبر على الإقامة أمام مخفر الشرطة 8 سنوات أخرى فاستأنف تأليف الرسائل من الشعاعات وإقامة الجلسات. ثم نقل عام 1944م إلى ولاية دنيزلي وحُكم عليه وعلى كل مؤلفاته بالبراءة ومنها إلى منفى أميرطاغ بعد ذلك إلى سجن أفيون مع تلاميذه تقريبا 20 شهرا وهكذا قضى ما يقرب 24 سنة من حياته في السجون والمنافي. ثم لا نخوض في المضايقات والتعذيبات والتسميمات والإهانات التي رآها الإمام وتلاميذه في تلك السجون وفي المحاكم وفي المنافي ونترك الأمر إلى ذهن القارئ فيمكن أن تراجَع السيرة الذاتية لهذا العالم الرباني. (أنظر: رسائل النور حقائق وتاريخ، 2010: 10)

سجن دنيزلي:

قُدِر للإمام النورسي رحمه الله تعالى – أن يعاني أثناء معايشته ومعاصرته للدولة العثمانية التي كانت آنئذٍ تتعرض لهجمات الأوربيين ومؤامرتهم من خلال الدسائس والمكائد التي تحاك عبر تلاميذهم الذين أُشربوا في قلوبهم الكفر والإلحاد، ولكنه واجه كل المؤامرات والدسائس بكل حزم وعزم وقوة. واستخدم كل وسائل الجهاد والمواجهة من خطابة وإرشاد، من كتابة في الصحف، ومن مناصحة للحكام، ومحاولة لإصلاح أمور التعليم.

كما كان الإمام مشاركاً بقوة في أحوال الأمة، وكان معنياً بإصلاح أحوالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولا يغيب عن أذهاننا أنه يرغم كل هذا العمل الدؤوب، والنشاط الاجتماعي المتواصل إلا أنه كان ناشطاً في مجال التأليف والتصنيف، وكان ذا إسهام وافر وعميق وجدي في مجال الكتابة العلمية الرصينة الهادفة.

وحينما أفلت شمس الخلافة والسلطنة، وبدأ عهد الجمهورية بنزعاته الجديدة حيث عمل ذلك العهد على طمس الهوية المسلمة في أرض الخلافة العثمانية، كما عمل ذلك العهد على رفع راية الإلحاد والكفر، على خفض راية الإيمان؛ عند ذلك رأى الإمام النورسي أن دوره الجديد في هذا العهد ينبغي أن يكون مختلفاً تمام الاختلاف عن الأدوار التي كان يقوم بها في عهد الخلافة والسلطنة.

هنا تظهر لنا بجلاء هذه الطبيعة (النشطة) المتحركة والمتجددة والثائرة للإمام النورسي.

 هنا بدأ الإمام يغيّر منهجه في العمل، ويجدد وسائله وأدواته للإصلاح.

وحينما يبدأ المرءُ محاولاً تغيير المجتمع وإصلاحه فلابد من أن يبدأ بنفسه التي بين جنبيه؛ وهذا هو عين ما فعله الإمام النورسي – رحمه الله تعالى – حيث بدأ بتجديد نفسه وشخصه بعبارته في الرسالة الأولى:

“إنني أرى نفسي محتاجة إلى النصيحة أكثر من أي أحدٍ.” (النورسي، 2012: 1)

 فنجد أنفسنا أمام (سعيد الجديد) الذي وجد أن عليه أن يعتزل أمر السياسة وأن يخلو إلى نفسه متأملاً متفكراً في أمرٍ أساسي جوهري ألا هو أمر الإيمان.

كان الإمام النورسي يرى أن الهجمة الشرسة التي أصابت المسلمين لم تكن هجمة عارضة ولا عشوائية، وإنما كانت هجمة مدبرة عن قصد، ويقف خلفها مفكرون وفلاسفة وساسة من دهاقنة الغرب، وهنا لا ننسى موقف الإمام النورسي من تصريح (غلادستون) وزير المستعمرات البريطاني قبل سنوات ذلك التصريح الذي ترك أثراً بليغاً في نفسه وجعله ينذر نفسه لخدمة القرآن ولإظهار أنواره المعنوية التي لا يمكن القضاء عليها (النورسي، 2011: 5).

وهنا قد يقول قائل: طالما أن الإمام النورسي قد اعتزل السياسة اعتزالا تاماً، ورأى أن العمل فيها يجلب الكثير من المحاذير، فلماذا كانت السلطات آنذاك تقوم بملاحقته؟

والجواب أن الإمام نذر نفسه لخدمة القرآن والإيمان ولمحاربة الكفر والإلحاد؛ وبدأ بكتابة رسائل النور في منفاه الأول بقرية (بارلا). وما كانت تلك الرسائل تعنى بأمر الساسة ولا الحكام وما كنت تتناول فروع الأمور ولا جزئيات المشكلات، ولكنها كانت تعنى بقضية الإيمان بالله، وباليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وبالحشر والنشر، وبقيام الناس لرب العالمين.

كانت هذه الرسائل تسعى بكل قوتها لنقل الناس من الإيمان التقليدي إلى الإيمان التحقيقي. ومن هنا فإن السلطات الحاكمة رأت في هذا المجهود الكبير الذي كان يقوم به الإمام النورسي خطراً كبيراً على المشروع التغريبي التخريبي الكبير الذي كانت تسعى إليه تلك السلطات لتحقيق أهداف الحضارة الغربية ذات الرؤية القائمة على المادية.

من هنا كانت الحرب الضروس التي شنتها السلطات على هذا الإمام الرباني الذي نذر نفسه لخدمة القرآن والإيمان، ومن هنا كانت الملاحقات والتضييق المتواصل على الإمام وعلى تلاميذه. وتمثل هذا التضييق في عدة مظاهر من أهمها النفي المستمر، والسجن المتواصل.

لقد كان الإمام النورسي يقابل كل ذلك بالتحمل والصبر الأمر الذي كان يعكس قوة تلك الشخصية وشجاعتها النادرة حتى أنه كان يعتبر ذلك السجن مدرسة تربوية روحية عميقة، وكان يطلق على السجن “المدرسة اليوسفية”

كان سجن دنيزلي يمثل المدرسة اليوسفية الثانية بالنسبة للإمام النورسي، وقد وصل الإمام منقولاً إلى هذا السجن من أنقرة بعد مشادة جريئة وشجاعة مع الوالي هناك.

ووصل إلى ذلك السجن أيضاً في ذات الوقت مجموعة من طلاب رسائل النور؛ وكان ذلك السجن بحق وحقيقة مدرسة يوسفية من الطراز الأول حيث كان التعارف والتوادّ والإخاء بين هؤلاء الطلاب الذين قدموا من مناطق مختلفة، كما أن اجتماع هؤلاء التلاميذ مع أستاذهم أمدهم بدفعة من القوة الروحية والإسناد المعنوي، كما أن الإمام النورسي حينما رحّب بهم قائلا }أهلاً بقدومكم { فإنهم سعدوا غاية السعادة بهذه التحية ونزلت برداً وسلاماً على قلوبهم (أورخان محمد على ،2006، 232) .

لا تُعنى هذه الورقة كثيراً بالسرد التاريخي لوقائع أحداث سجن دنيزلي، ولكنها تُعنى في المقام الاول بتحليل مضمون القضايا الأساسية التي تضمنتها مرافعات النورسي أمام المحكمة و أمام هيئة قضاتها، والملفت للنظر أن النورسي لم يتخذ مجموعة من المحامين والمترافعين للترافع افعوا عنه ويدافعون عن قضيته وإنما تولى ذلك بنفسه، وهذا أمر طبيعي جداً من رجل في قامة الإمام النورسي الذي كان متبحراً في كافة العلوم الشرعية والعلوم الفلسفية والمنطقية إلى جانب كونه كان ممارساً لمهنة الصحافة بالكتابة من خلال الصحف والمجلات، كما أنه كان خلال فترة (سعيد القديم ) ذات صلة بالدوائر السياسية الحاكمة، كما أنه كان يمتلك الجرأة وقوة الشخصية ووضوح العبارة .

كل هذه الأمور جعلت الإمام النورسي يتولى الدفاع عن نفسه وعن تلاميذه وعن رسائل النور دون خوف أو وجل من هيئة المحكمة ولا من الذين يقفون من خلفها من أصحاب الدس والكيد الذين يتربصون به وبتلاميذه وبرسائل النور الدوائر.

تحليل مضمون دفاعات النورسي:

كان الإمام النورسي من الذكاء والحصافة بالقدر الذي جعله يخرج بمرافعاته من دائرة الأمور الجزئية الضيقة إلى دائرة الأمور الكلية الواسعة التي تتعلق بأمر الإيمان والكفر، وبالموت والحياة، وبأمور الغيب.

ها هو الإمام النورسي في المرافعات القوية والشجاعة يبدأ مع هؤلاء القضاة ومع من يقفون خلفهم بالوقوف عند حقيقة الموت، ويلفت أنظارهم إلى أن هذا الموت ليس سجناً انفراديا أبدياً مظلماً، وإنما هو (مذكرة تسريح) ونقلة من حياةٍ إلى حياة أخرى أبقى وأدوم. ويوجّه النورسي أنظارهم إلى أن مسألة الموت من أعظم المسائل بالنسبة للإنسانية؛ فما من أحد يستطيع إنكارها. إنها – أي هذه المسألة – تذكرة تسريح وسفر من عالم يعج بالظلام والفجور إلى عالم النور. ويقول لقضاة المحكمة وهيئتها: إنه وتلاميذه ينتظرون هذه الحقيقة بثبات كامل. ثم يتوعدهم بكل شجاعة بأن الذين يقفون ضد الإيمان ويصدرون الأحكام الجائرة ضد دعاة الفضيلة وتلاميذ القرآن والإيمان هم الذين سيلقون عقابهم الأبدي بالسجن الانفرادي المظلم.

إننا هنا أمام موقف عجيب ومرافعة نادرة حيث إن هذا المترافع لا يستعطف هؤلاء القضاة، ولا يطلب منهم الرحمة؛ فهو لهذا يبدأ هذه المرافعة بتذكيرهم بالموت لأنه أقصى حكم تملكه هذه المحكمة. والنورسي هنا لا يترافع بالمعنى التقليدي للمرافعة، وإنما هو يوجّه رسالته لا إلى هذه المحكمة فحسب إنما يتوجه برسالة النور إلى الجميع حيث إنه عالم رباني يجد منبراً يتواصل من خلاله مع الإنسانية جمعاء كما تواصل يوسف عليه السلام مع صاحبي السجن.

وبعد أن بدأ الإمام النورسي قرع آذان أعضاء هيئة المحكمة بذكر الموت هادم اللذات ومفرق الجماعات عمد إلى ذكر قضية محورية في هذه الدنيا وبالنسبة للإنسانية إنها قضية الحرية؛ فطلب الحرية لرسائل النور، وهو بذلك يطلب حرية الفكر والمعتقد، وحرية الإرادة، وهي قضايا محورية ميَزت بني الإنسان على غيرهم من مخلوقات الله تعالى. وكان الإمام – رحمه الله تعالى – يقرع أدعياء الحداثة والحضارة الذين يسيرون على خطى أوربا، ويريدون الأخذ من إلحادها وفجورها بأن حداثتهم هذه وحضارتهم هذه إن لم تكن قادرة على احتمال حرية الآخرين، وعلى مراعاة حرية الفكر والمعتقد، فإنها حينذاك تصبح حضارة معوجَة ومدنية زائفة.

ثم دلف الإمام النورسي إلى مواجهة تهمةٍ رائجةٍ بين نظم الاستبداد ألا وهي تهمة الإخلال بالأمن، وفنَد الإمام هذه التهمة ودحضها من خلال وقائع السجلات الرسمية التي لم ترد فيها حادثة واحدة من الحوادث التي يمكن وصفها بأنها (تخل بالأمن). وها يفضّح الإمام النورسي نوايا هؤلاء الذين يتخذون من ذريعة الإخلال بالأمن وسيلة لإخفاء أهدافهم ومراميهم الحقيقية المتمثلة في محاربة مساعي الإمام النورسي وتلاميذ الرسائل لخدمة الإيمان، وهم – أي هؤلاء المحققون – يفعلون ذلك خدمة للكفر والزندقة، ويستهدفون الإيمان، ويريدون إخماد جذوة شعلة الإيمان في قلوب الناس.

يستشهد الإمام النورسي بالوقائع التي اثبتتها المحكمة السابقة والحالية بأنه لا توجد حوادث مخلة بالأمن من جهة تلاميذ رسائل النور وذلك برغم كثرة أعداد القارئين لهذه الرسائل حيث قرأ عشرون ألفاً من التلاميذ وغيرهم مثل هذا العدد من الرسائل خلال عشرين سنة. وتعتبر هذه المدة من السنوات كافية لحدوث بعض الحوادث التي يمكن أن تزعزع الأمن، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث. وبعد أن يقدم الإمام النورسي هذه الحقائق الدامغة قال لهيئة المحكمة إنه – مع تلاميذه – قد وضعوا رؤوسهم فداء للحقيقة القدسية، وهي قضية الإيمان ووضّح لهم بكل شجاعة إنهم مستعدون لتحمل كل أنواع العقوبات بل حتى عقوبة الإعدام في سبيل هذه الحقيقة. لقد وصف الإمام النورسي في ملحق أميرطاغ تلاميذه بالآتي:

“إن رسائل النور وتلاميذها هم موظفو الأمن والسلام المعنويون المؤثرون في تحقيق الأمن والنظام والسلام ومحاربة الفساد الأخلاقي وفي سَوق الطائِشين إلى الطاعة وتحقيق الأمن والسلام أكثر من ضباط الشرطة.”(النورسي، 2018: 220)

وهنا يصرح الإمام أمام هذه المحكمة بأعلى صوته مندداً بالاستبداد المطلق الذي لم تبق معه أية صورة من صور الحرية؛ فلا حرية علمية، ولا حرية وجدانية، ولا حرية دينية. وهنا تظهر شخصية الإمام التي تؤكد على أهمية الحرية بالنسبة للمجتمعات الإنسانية حيث يرى أن انعدام الحرية بكل صورها ومجالاتها يجعل الحياة خارج السجن مثل الحياة داخله تماماً، وهنا يَكل الإمام النورسي الأمر ويرجعه إلى الله تعالى بقوله: (إنا لله وإنا إليه راجعون) ويؤكد على أنه وتلاميذه يعتصمون بربهم ويلوذون به حيال هذا الأمر الشديد إزاء هذا الموقف الصعب.

ثم إن الإمام النورسي عندما يقف مترافعاً أمام محكمة دنيزلي وأمام غيرها من هيئات المحاكم ما كان يفعل ذلك دفاعاً عن نفسه، وإنما كان يدافع أساساً وقبل كل شيء عن رسائل النور التي تحمل حقائق الإيمان؛ ومن هنا فإن الإمام النورسي يشير في دفاعاته ومرافعاته في محكمة دنيزلي إلى (رسالة الثمرة) التي وصفها بأنها بمثابة دفاع عنه وعن تلاميذه وعن رسائل النور. ويؤكد الإمام النورسي على ضرورة وصول هذه الدفاعات والمرافعات إلى جميع أركان الدولة بمختلف درجاتهم، وإلى جميع فئات المجتمع داخل تركيا بل إلى جميع أقطار العالم الإسلامي. فأدرج في بداية رسالة الثمرة وهي الشعاع الحادي عشر هذه العبارة:

“هذه رسالة الثمرة دفاع عن رسائل النور ضد الزندقة والكفر المطلق، وكذلك هو دفاعنا الحقيقي في سجننا هذا، وما سعينا إلا لهذا. هذه الرسالة ثمرة من ثمار سجن دنيزلي وذكرى من ذكرياته، وهي حصيلة يومين من أيام الجمعة.” (النورسي، 2012: 5)

كان الإمام النورسي خلال مرافعته في محكمة دنيزلي يلح في الطلب لتوفير آلة طابعة لطباعة هذه الرسالة (رسالة الثمرة) وذلك بغرض نشرها بين كافة الجهات الرسمية والشعبية داخل تركيا وخارجها لأنها دليلٌ وحجة من بين مئات الحجج والأدلة التي تؤكد على أن رسائل النور تسعى لتأسيس قواعد الأمن والنظام والحرية والعدالة في تركيا، ويؤكد لهيئة المحكمة أن رسائل النور لا علاقة لها بالسياسة.

وكأن الإمام النورسي يريد أن يقول لهيئة المحكمة إن تحقيق الأمن والنظام والحرية والعدالة ليس بالضرورة أن يتحقق عن طريق السياسة، وليس بالضرورة أن من ينادي بتحقيق هذه الأمور في واقع حياة الناس أن يكون سياسياً أو مشتغلاً بأمور السياسة اليومية.

إن الإمام النورسي منذ أن خلع رداء (سعيد القديم) وتجلبب بجلباب (سعيد الجديد) قد رسخ في ذهنه ومفاهيمه أن القضية لم تعد قضية جزئية ولم تعد مقتصرة على شأن إصلاح السياسة أو حتى إصلاح الطريقة الصوفية؛ بل إنه رأى أن إصلاح الأحوال لا يكون إلا بترسيخ الإيمان التحقيقي في القلوب والنفوس والأرواح وهذا ما كانت تنضح به أقوال الإمام ومرافعاته ودفاعاته في محكمة دنيزلي.

كان الإمام النورسي يؤكد تأكيداً قاطعاً على أنه لم يطلب من تلاميذه أن يشكلوا جمعية سياسية ولا طريقة صوفية. لأنه حسب القانون الرسمي في تركيا آنذاك فإن تشكيل الجمعيات وتأسيس الطريقة الصوفية كان ممنوعًا وقد أُعدم أو هجّر كثير من العلماء والمشايخ وفق هذا القانون. وكانت المحاكم تتهم الإمام النورسي وتلاميذه بهذه التهم لكي يكسروا تأثير رسائل النور في الشعب التركي ويمنعوها منعا كاملا.  وكان الإمام يقول لهم: تعالوا نحاول إنقاذ إيماننا. وكان يؤكد على أنه لا جمعية سوى الجمعية العمومية التي يمثلها المسلمون كافة في جميع أصقاع الأرض، ولا طريقة سوى طريقة القرآن الكريم التي بيَن معالمها النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام، فهو قد حصر جهده وجهد تلاميذه في خدمة هذا المسعى القائم على القرآن، وعلى النبيِ الأكرم صلى الله عليه وسلم، وعلى التأمل في الأكوان وفي الآفاق والأنفس بغرض تعميق الإيمان التحقيقي بين عموم المسلمين دون تحزُب أو تشرذم على أساس الحزبية السياسية أو الطريقة الصوفية.

ويستطيع المرء أن يلمس المهارات المنطقية الهائلة التي تجلت عند الإمام النورسي وذلك عندما يطلب من هيئة المحكمة أن تفرق بين (إمكانية الإخلال بالأمن) وبين الإخلال بالأمن بصورة واقعية، وهو هنا يلزمهم بأنهم إذا حكموا عليه وعلى تلاميذه بحجة إمكانية الإخلال بالأمن لزمهم عند ذلك أن يحاكموا كل شخص على (إمكانية) قتله لشخص آخر؛ فالإمكانية متوفرة، ولكنها لا تكون سبباً للعقوبة إلا إذا خرجت من حيِز الإمكان إلى حيِز الوجود الفعلي.

ولابد من الإشارة إلى أن الإمام النورسي يستند في مرافعاته على قرارات الهيئات المختصة التي نظرت في مضامين رسائل النور ووجدت أنها لا تخرج إطلاقاً عن مبادئ الدين وأسسه ولا عن مبادئ العلم والحقيقة، وأنها قد كتبت بإخلاص وتجرد خالصين، وأنها لا تهدف لاستغلال الدين في أغراض سياسية مثل تكوين الجمعيات أو الإخلال بالأمن المجتمعي ولا بأمن الدولة.  كما أن إحدى هذه الهيئات المختصة أشارت إلى أن الرسائل العادية المتبادلة بين الإمام النورسي وتلاميذه (من غير رسائل النور) هي الأخرى لا تحمل شيئاً يستدعي المساءلة والمعاقبة؛ فهي لا تحتوي على ما يخالف الشرع والدين والمعتقد، وليس فيها ما يخالف قواعد الأمن في الدولة والمجتمع، ولا تمس الحكومة ولا أصحاب المناصب العليا في الدولة.

إن الإمام النورسي يشير إلى تقرير هذه الهيئة المختصة النزيهة التي أثبتت هذه الحقائق التي لا جدال فيها؛ ويأخذ على هيئة الادعاء أنها أهملت تقرير هذه الهيئة العلمية المختصة، وهو تقرير علمي متكامل منصف، ولجأت إلى تقرير سابق مضطرب مشوش ما كان يجدر بها أن تلجأ إليه خاصة أن عليها التحلِي بالعدالة والإنصاف. وهنا تبدو شخصية الإمام النورسي التي تسخر من هذا المسلك الذي سلكته المحكمة دون خوف عندما شبه هذا المسلك بمسلك (البكطاشي[1]) الذي ترك الصلاة لقوله تعالى: (ولا تقربوا الصلاة) متجاهلاً لبقية الآية الكريمة زاعماً أنه لا يحفظها!!! فالإمام النورسي يعيب على المحكمة وهيئة الادعاء أنهما تركتا التقرير الكامل الصحيح الصادر من هيئة متخصصة خبيرة أهملتاه عن عمد وسبق إصرار، واتجهتا نحو ذلك التقرير الذي وصفه بالتشويش والاضطراب وبأنه قد صدر من أناس لا يتصفون بالعلمية ولا بالتخصصية.

هنا يطعن الإمام النورسي في نزاهة هيئة المحكمة، وفي عدم مراعاتها القواعد المهنية، وكأنه يريد أن يلفت نظرها إلى ضرورة التقيد بقواعد العدالة، وهو حينما يطعن في هذا الانحياز الواضح من المحكمة إلى التقرير المعيب وترك تقرير أهل الاختصاص إنما يطعن في أهليتها ويشير إلى توجهاتها المعادية لقضية الإيمان الأساسية التي تدعوا إليها الرسائل.

نلاحظ من خلال متابعة هذه المرافعات القوية التي يقوم بها الإمام النورسي أمام هيئة المحكمة أنه يعمد إلى محاولة اتخاذ أسلوب الدبلوماسية مع أعضاء هيئة المحكمة حيث إنه يحاول خلال مرافعاته أن يكسبهم إلى جانبه، وأن يخاطب فيهم ضمائرهم وقلوبهم وعقولهم عسى أن تجد الهداية سبيلها إلى هذه الضمائر والقلوب والعقول.

إن الإمام النورسي يقول لهم خلال هذه الدفاعات إنه يخاطبهم بكلامه بصورة ظاهرية حيث إنه يقف أمامهم ولكنه في حقيقة الأمر يخاطب من خلالهم بعض الجهات المستترة التي تتوارى خلف الكواليس والدهاليز المظلمة وتسعى إلى تدمير قواعد الإيمان وأركانه، وتهدف إلى نشر أفكار الكفر والإلحاد إرضاءً للأوربيين، وهنا نرى قوة موقف الإمام النورسي وهو يوجّه كلماته الشجاعة التي يعلن فيها عدالة قضيته، وصدق عزيمته على حماية الإيمان وعلى خدمة القرآن، ويعلن بصورة حاسمة أنه لا يمكن أن ينثني أو يتراجع مهما كانت النتائج والعواقب.

يلاحظ المتأمل في هذه المرافعات أن الإمام النورسي يؤكد على أن الأمة الإسلامية جمعاء تمثل جمعية واحدة قائمة على الإيمان والأُخوة الصادقة وعلى التساند  وأنه ينتمي بكل صدق إلى هذه الجمعية الإسلامية العمومية التي ينتمي إليها المسلمون في كل أنحاء العالم؛ فلا جمعية تجمع تلاميذ رسائل النور مع أستاذهم سوى هذه الجمعية الإسلامية العمومية التي تجمع المسلمين جميعاً، وفي هذا الكلام رد مفحم على هذه التهمة التي لا تقوم أصلاً على قاعدة صحيحة  وإنما يراد بها البحث عن ذرائع لمحاكمة الإمام وتلاميذه والتضييق عليهم.

وحينما كانت ترد تهمة تكوين طريقة صوفية نقشبندية كان الإمام النورسي يورد بكل قوة حججه وبراهينه التي تؤكد أنه لم يعمل من أجل تكوين طريقة صوفية، وكان ذلك واضحاً في نهجه الذي انتهجه منذ تحوله من (سعيد القديم) إلى (سعيد الجديد) حين بات واضحاً عنده أن الوقت لم يعد وقتاً لحفظ الطريقة الصوفية ذلك أن الإيمان ذاته أصبح في خطر؛ فتولد عنده اعتقاد جازم أن الوقت هو وقت حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة.  وهذه الوقفة لا تعني أنه ضد الطريقة الصوفية ولم يعارضها في حياته قط، إنما كان يقول في كثير من رسائله أنه تربّي في بيئة صوفية وأن أباه كان يُلقّب بصوفي ميرزا، ويوضّح  الإمام النورسي هذه المسألة في كتابه المكتوبات توضيحا صريحا:

“إن في طريق النقشبندية ثلاث درجات ومراتب:

إحداها وأوْلاها وأعظمها: خدمةُ الحقائق الإيمانية مباشرة، والإمام الرباني t نفسه قد سلك هذا المسلك في أواخر عمره.

ثانيتها: خدمة الفرائض الدينية والسنة السَّنِيَّة تحت ستار الطريقة الصوفية.

ثالثتها: السعي إلى إزالة الأمراض القلبية عن طريق التصوف، والسلوك فيه بخطى القلب.

فالأولى بمنزلة الفرض، والثانية بمنزلة الواجب، والثالثة بمنزلة السُّنّة.

فبما أن الحقيقة هكذا، فإني أعتقد أنه لو كان الشيخ عبد القادر الجيلاني والشاه النقشبندي والإمام الرباني وأمثالهم من العظماء في هذا الزمان؛ لبذلوا كل هِمَمِهم وسعيهم في تقوية حقائق الإيمان وعقائد الإسلام؛ لأنها سبب السعادة الأبدية ومدارها، فلو حدث خلل وتقصير فيها لتسبب ذلك في الشقاء الأبدي.

إنه لا يمكن الذهاب إلى الجنة من غير الإيمان، ولكن الذاهبين إليها من غير التصوف كثيرون جدًّا، ولا يمكن أن يعيش الإنسان من غير خبز، ولكنه يستطيع أن يعيش من غير فاكهة، فالتصوف فاكهة، والحقائق الإسلامية هي الغذاء.

 وفي الماضي لم يكن الصعود إلى بعض الحقائق الإيمانية ممكنًا إلا بالسير والسلوك أربعين يومًا، حتى أربعين سنة في التصوف، أما الآن فإذا وُجد في هذا الزمان طريقٌ للصعود إلى تلك الحقائق في أربعين دقيقة برحمة الله تعالى؛ فلا شك أن عدم الاهتمام به واللامبالاة حوله ليس من العقل في شيء.” (النورسي، 2014: 10)

ولقد دافع الإمام النورسي دفاعاً مستميتاً أمام محكمة دنيزلي عن حقيقة دوره، وعن حقيقة دور رسائل النور المتمثل في السعي الدؤوب نحو تثبيت الإيمان التحقيقي في قلوب المسلمين وغيرهم. يقول الإمام النورسي:

الحاصل إن جميع أسراري وكل سعيي وغايتي وهدفي، وأعظم خدمة لرسائل النور هي إنقاذ هذا الشعب الطيب من الكفر المطلق وحفظه منه، إنقاذ حياته من الفوضى والإرهاب. (النورسي، 2020: 350)

 ثم يمضي الإمام النورسي مضيفاً بأنه يهدف إلى ربط هذه الأمة بربها، وإلى جعلها أمة ذكر وشهود وحضور مع الله تعالى، ومع جميع عوالم الغيب من يومٍ آخرٍ، وجنة، ونار، وملائكة. كما أنه يريد ربط الحياة الدنيا بالآخرة، وتذكير الناس بأن الموت ليس إعداماً أبدياً وإنما هو تسريح وانتقال من عالم الدنيا المحدودة إلى عالم الآخرة الفسيحة الممتدة التي يجد فيها الإنسان إشباعاً لجميع استعداداته غير المحدودة التي فطره الله تعالى عليها.

كان الإمام النورسي حينما يترافع أمام هذه المحكمة وأمام غيرها من المحاكم يقرع أسماع الحاضرين بتلك الكلمات المؤمنة الصادقة التي لا تهدف إلى نجاة صاحبها من حكم المحكمة الذي لم يكن يعني لديه شيئاً حتى وإن وصل إلى درجة العقوبة القصوى (الإعدام)، وإنما كانت تلك المرافعات الصادقة الهادفة ترمي إلى غرس الإيمان في النفوس.

يستخدم الإمام النورسي كل الوسائل المتاحة للدفاع عن قضيته الأساسية؛ فمن ذلك أنه عندما كان يعبِّر عن ضيقه وتذمره من الملاحقات والمراقبات كان يقول لهم إن صبره قد نفد، أنه ربما يدعوا عليهم بدعوات تلحق بهم الأذى والضرر، وهو يفعل ذلك زجراً وردعاً لهم عن هذا المسلك المشين الذي يقومون به تجاه عالم جليل وتجاه شيخ طاعن في السن لا هم له سوى خدمة الإيمان والقرآن، ولكننا برغم هذا الزجر الذي كان يقوم به الإمام تجاه هؤلاء، إلا أن مظاهر الشفقة والعطف تتبدَى خلال كلماته لأنه كان ظاهر الحرص على إنقاذ إيمان هؤلاء الناس الذين كانوا مجبرين على القيام بكل هذه الأعمال بسبب القهر والاستبداد والتسلط الذي عانت منه الأمة التركية خلال تلك السنوات، وكان يقول دائما لتلاميذه:

“إن الذين ظلمونا قد خدموا الحقائق الإيمانية وساعدوا على انكشافها دون أن يشعروا، ودون أن يعقلوا أسرار القدر الالهي”(النورسي،2010: 25)

يلاحظ الباحث أن الإمام النورسي خلال هذه المرافعات النادرة إنما كان يركز تركيزاً كاملاً على الأجيال القادمة؛ فهو يخاطب هيئة المحكمة موضحاً لهم أنه لا يهتم بهم كثيراً، ولا يشغل نفسه بالأوضاع الحالية بقدر ما هو مهتم غاية الاهتمام بأجيال المستقبل حيث إنه يعِول كثيراً على تلك الأجيال؛ ومن ثم فهو يخاطب من خلال رسائل النور مستقبل الأمة المسلمة، ويعبر عن كامل حرصه على مستقبل الأجيال القادمة من ناحية الدين والإيمان، والأخلاق والسلوك، والعبادات والشعائر.

 ومن هنا تظهر صفة التجرد الكامل، وصفة الإخلاص عند هذا الرجل الرباني الذي لم يكن ساعياً لمصلحة شخصية عاجلة، وتتجلى في الإمام النورسي بصورة واضحة النزعة التخطيطية الاستراتيجية الشاملة التي تمكنه من امتلاك النظرة الكلية والرؤية الشاملة لأحوال العالم الإسلامي دون أن ينصرف إلى الجزئيات من القضايا الفرعية أو إلى الفرعيات من الأمور مثل الانخراط في قضايا السياسة اليومية الجزئية. وفي كثير من مواقف النورسي أثناء مرافعاته يعبِر لهيئة المحكمة أنه غير منشغل بالقضايا التي تثار وتحاك ضده من قبل جهات كيدية مستترة تريد جره وإبعاده عن قضيته الأساسية وهي قضية حفظ الإيمان إلى قضايا فرعية قاصدةً بذلك إحداث الوقيعة بينه وبين المجتمع والحكومة، ويشير النورسي إلى أن هذه الجهات عندما تفعل مثل هذه الأفاعيل الكيدية لا تريد مصلحة الوطن والشعب وإنما تريد تحقيق أطماع الأجانب ومصالحهم على حساب الأمة.

قضية الحرية:

إن الذي يلفت الانتباه خلال مرافعات محكمة دنيزلي هو موقف الإمام النورسي من قضية الحرية؛ فهو يشدد على ضرورة أن يعيش هذه الحرية دون قيد أو شرط ويبدوا ذلك واضحاً عندما شكر الحكومة المحلية التي سعت في توفير حياة ميسرة له، وتوفير مكان تلبى فيه احتياجاته، ولكنه مع ذلك أشار إليهم بأن أهم أمر يحتاج إليه هو أن يحصل على حريته لأنه – بحسب تعبيره – أحوج ما يكون إليها، وهي أرسخ دستور في حياته. وهذا أمر طبيعي وبدهي من عالم رباني متشرب بقيم الدين وقيمه ومضامينه إذ هو عارف بأن الإنسان تتأكد إنسانيته على أساس عقله، وعلى أساس أنّ الحرية التي يتمتع بها مستمدة من الإرادة الإلهية التي كرَمت هذا الإنسان وفضلته على كثير من المخلوقات الأخرى. والإمام النورسي كان متمسكاً بمبدأ الحرية، وبضرورة بسط قيم الحرية في المجتمع خاصة بين تلاميذ الرسائل الذين هم خُدَام للقرآن ولحقائق الإيمان.

كما أنه يلفت انتباه القضاة وانتباه من يقفون خلفهم من الكيانات السياسية والمجتمعية إلى أن توفير الحرية لا يعني توفيرها لدعاة الكفر والإلحاد فقط بينما يحرم منها المؤمنون الذين يخدمون حقائق الإيمان، وهنا نستذكر استغراب النورسي وتعجبه من تحريم تداول رسائل النور والتضييق عليهما بينما تسمح السلطات بتداول الكتب الاستشراقية التي فيها الكثير من الغمز واللمز بالإسلام والمسلمين مثل كتاب المستشرق الهولندي ذي الأصول الفرنسية (الدكتور دوزي[2]).

موقف الإمام النورسي من الجمهورية:

حاول النورسي توضيح موقفه المبدئي من الجمهورية، وبيَن للمحكمة أنه كان (جمهورياً متديناً) قبل ميلاد أعضاء هذه المحكمة – ماعدا رئيس المحكمة المسن!! كما وضح لهم أن فكرة الجمهورية ومضمونها ومغزاها كان موجوداً منذ فجر الإسلام الأول، ومنذ عصر الخلافة الراشدة التي جمعت بين مفاهيم الخلافة من جهة ومفاهيم الجمهورية من جهة أخرى، وكانت تلك الجمهورية على عهد الراشدين جمهورية حقيقية اسماً ومضموناً، (وكان الخلفاء الراشدون رؤساء جمهورية متدينة ذات معنى، تحمل في طياتها معنى الحق والعدل والحرية الشرعية عن جدارة).

يدافع الإمام النورسي عن موقفه المبدئي الواضح الذي لا يعادي (الجمهورية) لأنها نظام تحققت معانيه ومضامينه على العهد الراشدي، وهنا يجمع النورسي بين دفاعه عن موقفه وبين موقفه التعليمي الذي يسعى من خلاله إلى شرح قيم الإسلام القرآنية الإيمانية ثم إنه يخاطب المحكمة مبيناً إن (الجمهورية) القائمة إن كانت تعتمد (العلمانية) فهو يرى أن (العلمانية) تعني عدم التحيز وتقتضيه؛ فبما أنها لا تعرض للملاحدة والسفهاء من الناس بحسب دستور حرية الفكر والوجدان فلابد لها بل الأحق بها والأحرى عدم التعرض للمتدينين والأتقياء .

وفيما يتصل برد الإمام النورسي على تهمة استعمال القوة للوصول إلى الحكم يبين بكل وضوح أن (مبادئ الشفقة والحق والخير التي تلتزم بها رسائل النور وتحترمها لتمنعنا من التدخل في الشؤون السياسية لأننا نأخذ نصب أعيننا ما قد يتعرض له بعض الأبرياء من الويلات والمصائب، وبذا نكون قد ظلمناهم) (أروخان ،2006 ،238)

وهنا يحاول النورسي شرح كيفية هذا الظلم لمن طلب منه هذا الشرح، وذكر أن هذا العصر العاصف الذي تسود فيه الأنانية والتعصب العنصري والاستبداد العسكري المترتب على الحرب العالمية الثانية بالإضافة إلى ما أسماها بتحجر القلوب والقسوة الناتجة عن الضلالة والانحراف، يقول إنّ كل هذه الأشياء قد أفسحت المجال إلى ظهور أنماط وأشكال جديدة من الجور والاستبداد  والظلم، وهذه الأمور سوف تستخدم بلا شك ضد من يدافعون عن حقوقهم المشروعة بالقوة المادية، وهذا سوف يجلب أضراراً جسيمة ضد الأبرياء. وهنا نجد النورسي يرفض فكرة استخدام القوة ضد الدولة، ويدفع عن نفسه وعن تلاميذه هذه التهمة بصورة عقلانية وواقعية ومنطقية. ويقول لتلاميذه: ” لا توجّه السيوف إلى الأعداء في الداخل، إنما إلى أعداء الخارج.” ويدعو تلاميذه إلى العمل الإيجابي وفي دائرة السلم.

خاتمة:

صفوة القول إن الناظر في مرافعات الإمام النورسي في محكمة دنيزلي يجد فيها النموذج الواضح والمثال الصارخ على مدى قوة هذه الشخصية الفذة التي تندفع بدوافع الإيمان التام بقيمة الدين، وبقيمة القرآن، وبقيمة الفضائل المستمدة منه. ثم تتجلى هذه البراعة التامة في تقديم الدلائل والبراهين على صدق التوجه، وعلى إخلاص النوايا، وعلى سلامة القصد عنده، وعند تلاميذه. وهو حينما يترافع عن قضيته أمام هذه المحكمة وأمام غيرها من المحاكم لم يكن يقصد الدفاع عن نفسه فحسب ولا عن تلاميذه فقط(بل هو يدافع عن قضية كبرى محوية وجوهرية وأساسية)، أحياناً كان يطلب من المحاكم توجيه أقصى العقوبات ضده دون خوف أو وجل وذلك عندما يرى سوء المعاملة، وحينما يرى حرمانه من الحرية التي هي أحب شيء إليه. ها هو ينفي عن نفسه وعن تلاميذه وعن رسائل النور جميع التهم التي ترددها هيئات الادعاء مثل أنه يريد تكوين جماعة سياسية، أو طريقة صوفية أو أنه يريد زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد. لقد تبين من خلال عرض هذا الموضوع أن مرافعات الإمام النورسي ودفاعاته أمام المحاكم تعتبر تسجيلاً دقيقاً، وتوثيقاً رائعاً لمرحلة ذات أهمية قصوى من مراحل حياته خاصة، ومن مراحل حياته العامة المرتبطة بتلاميذه، وبأمته، وبخدمة القرآن الكريم من خلال إبراز أنواره القدسية بواسطة مجموعة رسائل النور.

المراجع:

  1. بديع الزمان سعيد النورسي، سراج النور، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية بدار الخيرات للنشر، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، الطبعة الأولى، 2020م.
  2. بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق التركية، دار السنابل الذهبية، القاهرة، الطبعة الثانية، 2012م.
  3. بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق التركية، دار السنابل الذهبية، الطبعة الأولى، 2013م.
  4. بديع الزمان سعيد النورسي، ذو الفقار، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق التركية، دار السنابل الذهبية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2009م.
  5. بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية بدار الخيرات للنشر، دار الخيرات للنشر، إسطنبول، الطبعة الأولى، 2020م.
  6. على كورت، العدد الأول من مجلة دراسات رسائل النور الصادر من الجمعية الدولية لبحوث العلمية، الطبعة الأولى، 2018م.  

[1]  مسلك البكطاشي: طريقة صوفية انحرفت بيد العلويين.

[2] رينهارت دوزي (Reinhart Dozy) مستشرق هولندي من أصل فرنسي عاش ومات بين 1883–1820، له مؤلفات عن تاريخ الإسلام وتاريخ العرب في الأندلس، وكتابات ضد الإسلام والقرآن.