Press "Enter" to skip to content

معالم التجديد التربوي عند الإمام الجليل بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله تعالى

د. محمد الزاوي

المستخلص

حاولت هذه الورقة تسليط الأضواء على معالم التجديد التربوي عند الإمام النورسي الذي يقوم على إصلاح الإيمان ، والتأكيد على إقامة ظوابط الشريعة بغرض إصلاح الحياة. ركزت الورقة على توضيح مفهوم التربية ، ومفهوم الفطرة السليمة عند الإنسان.

كما حاولت توضيح الوظيفة الكبرى للإنسان على هذه الأرض وفقاً لمنظور الإمام النورسي من خلال رسائل النور. أشارت الورقة  إلى المناهج العديدة التي حاولت الوصول إلى الحقائق المعرفية وإلى إصلاح الإنسان من ذلك مناهج المتكلمينومناهج الفلاسفة، ومناهج المتصوفة، ولكنها بينت أن الإمام النورسي اختيار المنهج القرآني طريقاً له من أجل إحداث التجديد التربوي.

THE FEATURES OF EDUCATIONAL RENEWAL IN THE VIEW OF IMAM NURSI

Dr. Mohammed Al Zawi

Abstract :

This paper tries to shed light on the features of educational renewal as explaining by Imam Nursi . these features based on the reformation of faith , the confirmation of implementing the laws of sharia in the life in order to purify the human life in all its aspects. Ths paper confirms that the method of Imam Nursi for obtaining the educational renewal differs from that of philosophers, theologions and sufis.

The paper asserts that Imam Nursi choses the method of the holy Quran in order to achieve the E.R.

مقدمة

لقد قصد الإمام الجليل سعيد النورسي رحمه الله تعالى في مشروعه التجديدي، إصلاح ثلاث مسائل عظيمة في العالم الإسلامي والإنساني، وهي: الإيمان والشريعة والحياة.

يعكس هذا النظر المنهجي الكلي للإمام حقيقة أولية يُقررها الشرع الحنيف والعقل الحصيف، وتقضي بأن الإنسان والكون والحياة يشكلون وحدة متناسقة الأدوار، متكاملة الوظائف والمهام.

 غير أنه أعطى في مشروعه التجديدي الأولوية الاعتبارية للتجديد التربوي الإيماني؛ باعتباره مقدمة التغيير الإسلامي وشرطه وأساسه، يقول الإمام بديع الزمان: ” إن هناك ثلاث مسائل هي: الحياة. الشريعة. الإيمان. وأن مسألة “الإيمان” هي أهم هذه المسائل الثلاث، وأعظمها في نظر الحقيقة، بَيْد أن “الحياة” و”الشريعة” تبدوان في نظر الناس عامة، وضمن متطلبات أوضاع العالم أهم تلك المسائل. ولما كان تغيير أوضاع المسائل الثلاث كلها دفعة واحدة في الأرض كافة، لا يوافق سنة الله الجارية في البشرية، فإن ذلك الشخص المنتظر – يقصد به المهدي المنتظر عند أهل السنة- لو كان موجوداً في الوقت الحاضر لاتخذ أعظم تلك المسائل وأهمها أساسا له دون المسائل الأخرى، وذلك لئلا تفقد خدمة الإيمان نزاهتها وصفاءها لدى الناس عامة، ولكي يتحقق لدى عقول عوام الناس -الذين يمكن أن يُستغفلوا ببساطة -أن تلك الخدمة ليست أداة لأي مقصد آخر”. (النورسي، 2014: 136)

فالمنحى الذي أخذه الفكر الإسلامي في مراحله العصيبة، نتيجة الخلافات الفكرية المذهبية والصراعات السياسية، ودخول أهل الثقافات الأخرى في الإسلام، هو الذي جعل حركة التجديد الإسلامي تنصرف كليةً إلى مواجهة الضلالات العقدية الباطنية، بالاستغراق في الحِجَاجِ العقلي البرهاني، أو إلى الاشتغال بالفروع والازدحام على مجالس المناظرة، وإفحام الخصوم، أو إلى المطالبة بالإصلاح الاجتماعي والسياسي، متجاهلة السَنَدَ القلبي الإيماني، إلا ما كان من استثناءات معتبرة لبعض الحركات الإصلاحية والعلماء الربانيين.

ومع القرون استفحل هذا الانحراف الخطير، فجَفَّ معين القلوب، وتعطل التنوير الإيماني، من حيث تضخَّمَ صبيب الخصام، وصار مفهوم الاجتهاد والتجديد لعصور عِدَّة، وإلى يومنا هذا، رهين الرؤية التجريدية الفكرية، أو السياسية المدنية، فكان لزاما على الإمام أن يستكمل ما ابتدأه الأعلام المجددون على طول تاريخنا الإسلامي، وذلك من خلال تأسيس مشروع تجديدي إيماني علمي حضاري متوازن، تعطى فيه الأولوية للعامل الإيماني، ويَسْتثيرُه ليَتدفَّقَ في سبيل الإنجاز السلوكي لمقتضيات الدين وأغراضه في الحياة العملية، ولا يخفى أن التربية الإيمانية وأشواق الروح لها من التأثير في الاندفاع إلى العمل التجديدي الرصين ما يفوق تأثير الحوافز الفكرية والاجتماعية والسياسية.

يقول الإمام سعيد النورسي مبيِّناً فعالية الإيمان الاجتماعية: “تسألون عن حكمة الحديث الشريف: «جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه» فقد ذكرناها في كثير من “الكلمات”. والآن نذكر حكمة منها:

   لما كان شخص الإنسان وعالمه يتجدد كل وقت؛ فإنه يحتاج دوما إلى تجديد الإيمان؛ إذ أن لكل إنسانٍ أفراداً كثيرةً معنىً، فهو يعد فردا آخر مختلفا مستقلا بعَدَدِ سنوات عمره، بل بعدد أيامه، بل بِعَدد ساعاته؛ فلما كان يجري عليه الزمن فإن ذلك الفرد الواحد يُصبح كنموذج، يلبس كل يوم صورة فردٍ آخر جديد.

   وكما أن في الإنسان هذا التعدد والتجدد، فإن عالَمه الذي استوطنه سيار أيضا، فيذهب هذا ويأتي آخره مكانه، فهو في تنوع دائم، وكل يوم يفتح عالَم آخر بابه له.

أما الإيمان فهو نور الحياة لكل فرد في ذلك الشخص، وضياء للعالم الذي يحل فيه.

أما “لا إله إلا الله” فهي مفتاح يفتح ذلك النور.

    …فثمة حاجة إلى تجديد الإيمان في كل وقت، وكل ساعة، وكل يوم”. (النورسي، 2013:197.)

إن اختيار المنهج الإيماني في عملية التجديد لم يكن عند الإمام وليد نظرة استعجالية ضيقة، استبدَّ بها الواقع المتموِّج بأحداثه العِظام؛ وليس أيضاً تبسيطا للمعركة مع الباطل، بل إنه اختيار أصيل استند فيه الإمام إلى رؤية قرآنية نبوية، وأصول عقدية وفكرية وتاريخية، تضع كل دائرة من دوائر تجديد الدين الثلاث في موقعها الحقيقي، دون أن يكون لمتطلبات الحياة العاجلة أيُّ سلطان ينحرف بالمشروع التجديدي عن هدفه التعبدي الاستخلافي البعيد الأمد.

قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). (القرآن الكريم 24/55.)

نتتبع في هذا البحث مفهوم التربية عند الإمام وخصائص منهجه التربوي.

أولاً:  مفهوم التربية وهدفها عند الإمام سعيد النورسي

لقد عنيت التربية مرة بتعليم العقل، ومرة ثانية بتربية الجسم، ومرة ثالثة بنمو الوجدان وتهذيب المشاعر، ورابعة بتنمية جوانب الشخصية كلها.

فنحن أمام زخم هائل من التعاريف التي تختلف مضامينها لاختلاف الغايات المتوخاة من العملية التربوية، أو لتباين المناهج العلمية المعتمدة فيها، أو لانطلاق كل مذهب إصلاحي أو فكر تربوي من الأسس الفلسفية والاجتماعية والنفسية والتاريخية التي واكبت تطورات البيئة المحيطة به.

لقد أثبت الإمام في أماكن متفرقة من كتبه تعاريف للتربية تنسجم كلها مع الدلالات اللغوية والاصطلاحية للمفهوم القرآني ، والملاحظ أن كل واحد منها يوجه اهتمام الناظر إلى الزوايا الثلاث للعملية التربوية؛ إما إلى الأساس الذي يجب أن تنطلق منه، أو إلى الموضوع الذي يجب أن تعكف عليه، أو إلى الهدف الغائي المرسوم لها، وهي كالآتي:

التربية: إيقاظ الفطرة وتقويمها.

التربية في اللغة معناها: التنمية والتقويم والإصلاح، قال الزبيدي: “رَبَّ السَّحَابُ المَطَرَ يَرُبُّهُ أَي يَجْمَعُهُ ويُنَمِّيهِ، ورَبَّبَ الصَّنِيعَةَ والنِّعْمَةَ: نَمَّاهَا وزَادَهَا وأَتَمَّهَا وأَصْلَحَهَا”.  (الزَّبيدي، 1/505.)

قال الله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (القرآن الكريم،30: 30.)، وروى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»[1]. (مسلم، 6926)

اعتبر الإمام النورسي ربط الصلة بين الإنسان وعمقه الفطري منطلقا أصيلا للحركة التغييرية، لكونها امتثال صادق لأوامر الإرادة الإلهية النافذة في إدارة الأكوان، يقول:” لا كذب في الفطرة، فكل ما تقوله صدق. يقول ميل النمو الذي هو لسان النواة: سأنمو وأثمر، فيظهر صدق قوله…كل ميل من هذه الميول أمر تكويني، وحكم إلهي، وشريعة فطرية، وتجل للإرادة الإلهية”  (النورسي، 2012م: 471.)، كما أن احتضان الفطرة واستيعابها يمهد السبيل أمام الإنسان للقيام بوظيفة الخلافة، يقول:” في جملة (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)  ( القرآن الكريم، 1/31)، أي صوره بفطرة تضمنت مبادئ أنواع الكمالات، وخلقه باستعداد زرع فيه أنواع المعالي، وجهزه بالحواس العشر، وبوجدان تتمثل فيه الموجودات”. (النورسي، ـ 2010م، 214.)

 هكذا يصبح مفهوم التربية وهدفها الغائي عند الإمام تنمية واستبطان ” قوى فطرية لا حصر لها” في مناطق بعيدة من الكيان البشري، ومزجها مع قواه الأخرى في عملية نسج تربوي معرفي سلوكي غاية في العمق والدقة والكمال.

التربية: تغيير باطني لنفس الإنسان:

قال الله تعالى: (. إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ). (القرآن الكريم 13/11)

النفس هي جوهرة الإنسان، والتغيير الإسلامي المنشود، منها يبدأ وإليها يعود. ففي النفس تستوطن الأمراض الاجتماعية البغيضة والآفات الشخصية الباطنة من استكبار وأنانية وشهوة وكراهية واستبداد…، فيصبح لزاما على أي مشروع تجديدي أصيل أن يتعهد النفوس بالتهذيب والتزكية حتى يزول ما علق بها من ظلم وأثرة وجبروت.

وتكسب بذلك النفس الزكية استعدادا للترقي في مدارج الكمال الإنساني، وقوة في قبول الحق والدعوة إليه. ولعل هذا المعنى الدقيق هو بعض ما قصده الإمام شهاب الدين الألوسي رحمه الله تعالى في تفسير لطيف للآية، جاء فيه:” {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ} من النعم الظاهرة أو الباطنة {حتى يُغَيّرُواْ مَّا بِأَنفُسِهِمْ} من الاستعداد وقوة القبول”. (الألوسي، 13 /136.)

كان الإمام المجدد سعيد النورسي يرى أن الحجاب السميك أمام رؤية الحقائق الإيمانية والبراهين الساطعة هو الاعتداد بالنفس وغرورها، فمرة يشكو بلواها: ” واه أسفاً! إن وجود النفس عمىً في عينها، بل عينُ عُميها، ولو بقي من الوجود مقدار جناح الذبابة يصير حجاباً يمنع رؤية شمس الحقيقة … جهلها الناشئ من رؤيتها لوجودها”، (النورسي ،2009: 170.) ومرة أخرى يخاطبها ناصحا: ” فيا أيتها النفس!  تفرغي من هذه الدعوى الباطلة، وسلّمي المُلك إلى مالكه، وكوني أمينة على هذه الأمانة”. (النورسي،2009: 89.)

هكذا يضع الإمام الجليل الأصبع على أصل الداء، ويحذر من خطورة استيلاء سلطان النفسِ الذي يتولد منه داء الأمم. قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: “سيصيب أمتي داء الأُمم”. فقالوا: يا رسول الله! وما داء الأمم؟ قال: “الأَشَرُ والبطَر، والتكاثرُ والتناجُش في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكونَ البَغْيُ”.

 جاء التشخيص النبوي أجمل بياناً وأوثق تفصيلاً، وكأنه يوجه أنظار العاملين للإسلام إلى عمق التغيير القرآني النبوي الذي تجلَّى في الطريقة التي سار عليها النبي صلّ الله عليه وسلم منذ العهد المكي القديم؛ إذْ لا يقبل شرعا ولا عقلاً أن يتصدى لتغيير ما بالأمة من عجز ووهن، مَن هو حامل بين جنبيه جرثومة الفساد وخميرة الداء.

التربية: الترقي في مدارج الكمال.

قال الراغب الأصفهاني: “الرَّبُّ في الأصل التربيةُ، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حَدِّ التمام، يقال ربه ورباه وَربَبه”، (الأصفهاني، 1/375.) والرَّبُّ اسم من أَسماء الله تعالى. والرَّبَانِيّ: المُتَأَلِّهُ العارف بالله تعالى[2]. (الرازي، 989.)

تتخذ التربية عند الإمام معنى سامياً رفيعا يعرج بالإنسان بكامل جهوده وجوارحه وبجميع استعداداته الفطرية إلى عرش الكمالات والفضائل، ويجعل حياته أكثر رحابة وأوسع أفقا، هذا المعنى الدقيق يجعله الإمام سعيد النورسي رحمه الله تعالى فيصلا فارقا بين التربية الإسلامية وغيرها من المفاهيم التربوية. فلا تكون التربية إسلامية إن لم تحقق في نفس المربى الرغبة في الله والاستعداد المتحفز للسباق إلى مغفرته وجنته ورضاه ووجهه، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه.

مصداق هذا قول الله تعالى: (سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). (القرآن الكريم،2/133، 134)

فتلك المسارعة التي عرضها الله على العباد هي مقصود التربية القرآنية النبوية عند الإمام، وثمرتها الموجهة للإنسان الشقي بحضارته المادية، ولأهميتها البالغة شاء الله جل شأنه أن يرتب للصحابة رضي الله عنهم ولنا من بعدهم حادثة تلفت النظر وتعلق بالخيال، وتخاطب العقل والوجدان…هذه الحادثة هي نزول جبريل عليه السلام لسؤال الرسول الكريم وهو بين أصحابه في مجلس تعليمه. رأوا المَلك المقرب جميعاً وشهدوا الحوار.

لوحة خالدة للتعليم الرباني يرويها الشيخان عن سيدنا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أخبرني عَنِ الإِسْلاَمِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً. قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ فَأَخْبِرْنِى عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ فَأَخْبِرْنِى عَنِ الإِحْسَانِ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ فأخبرني عَنِ السَّاعَةِ؟ قَالَ «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ». قَالَ فأخبرني عَنْ أَمَارَتِهَا؟ قَالَ «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في الْبُنْيَانِ». قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِى مَنِ السَّائِلُ؟». قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ».

أَشْبَع علماء السلف عامة وشراح الحديث خاصة الْقَوْل فِي الثناء على هذا الحديث، فهذا الإمام الْقُرْطُبِيّ قَالَ: ” هَذَا الْحَدِيث يَصْلُح أَنْ يُقَال لَهُ أُمّ السُّنَّة، لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ جُمَل عِلْم السُّنَّة. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: اِشْتَمَلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى جَمِيع وَظَائِف الْعِبَادَات الظَّاهِرَة وَالْبَاطِنَة. حَتَّى إِنَّ عُلُوم الشَّرِيعَة كُلّهَا رَاجِعَة إِلَيْهِ وَمُتَشَعِّبَة مِنْهُ”. (العسقلاني ـ 1989م.1 /80.)

تنبني على هذا الحديث العظيم أصولٌ عظيمة جعلها الإمام سعيد النورسي رحمه الله أساساً لمشروعه التربوي التعليمي، وهي كالآتي:

 إسلام وإيمان وإحسان.

يرتفع القرآن بمرتبة الإحسان حتى يضعه ضمن الغايات الكبرى للكون والخلق.

قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، (القرآن الكريم، 11-7). (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ).  (القرآن الكريم،67/1 و2.)

الوظيفة الكبرى للإنسان إظهار تام لتجليات أسماء الله سبحانه:

يتحدث النورسي عن هذا المقصد العالي المنيف، فيقول:

” حسبي من الحياة مَظهريتي لتجليات أسماء خالق الموت والحياة…

حسبي من غاية الحياة كوني أنموذجا وفهرسة لآثار تجليات أسمائه الحسنى.

حسبي من الحياة وكمالها إظهاري بلسان أحوالي لتجليات أسماء من قامت السماوات بأمره، واستقرت الأرض بإذنه”(النورسي ،2009: 398ـ399.)

فالتربية بهذا المعنى الجذري ليست مَحقاً للذات الإنسانية، ولا سحقاً لروحها؛ بل توكيداً لماهيتها، وإجلالا لوظيفتها الاستخلافية، إذ لا يليق بالربوبية المطلقة إلا عبودية كاملة، ترقى بالكائن البشري إلى مقام أن يسمع بالله ويبصر بالله و.. ، مصداقا للحديث القدسي: عن أبي هريرة رضي الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته». (البخاري، 6137)

من أجل هذه الوظيفة الكبرى ـ إظهار آثار تجليات أسمائه سبحانه ـ بعث الله الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ليُذَكِّروا الإنسان إذا ما نسي بأصل رسالته، والمغزى من وجوده، وليحثوه على طلب الترقي والاكتمال في عبادته من إسلام لإيمان لإحسان، بل يجعل ذلك الطلب ديدن حياته، وريحانة رياضه، وحاديَ سيره، ونَجِيَّ خلواته، وشِعارَ جَلواته، إذ به تتميز الأرواح السافلة التي هي كالفحم في خساسته عن الأرواح العالية التي هي كالألماس في نفاسته.

خلاصة: التربية التي يقصدها الإمام بديع الزمان من خلال مشروعه التجديدي هي:

 تربية إيمانية إحسانية منطلقها احتضان الفطرة.

ومنهاجها الهدي القرآني النبوي.

 وموضوعها تغيير باطني لنفس الإنسان و تنوير لعقلهو بعث لإرادته.

وغايتها: طلب الكمال الإنساني الشامل المتوازن.

ثانيا: خصائص المنهج التربوي عند الإمام سعيد النورسي رحمه الله تعالى

تتعدد الخصائص المميزة للمشروع التربوي عند الإمام، ولكنها تتضام وتتجمع حول كليات رئيسة ترجع إليها كثير من الخصائص الفرعية، وتجعله في مأمن من الالتباس والتلبس بتربية أخرى. إجمالاً نحصرها في كليات ثلاث:

1/الصبغة القرآنية النبوية.

إن الوحي ـ (القرآن والسنة) ـ هو المصدر الأساسي الأول الذي يرجع إليه الإمام سعيد النورسي رحمه الله تعالى في التربية والفكر والحركة، جاعلا “رسائل النور” قرآنية اللفظ والمعنى من بدايتها إلى نهايتها، بل هي في الختام فيض من حقائق القرآن، كما عبر عن ذلك النورسي نفسه في نص صريح: “لا تحسبن أن ما أكتبه شيء مضغته الأفكار والعقول. كلا! بل فيض أفيض على روحٍ مجروح وقلب مقروح، بالاستمداد من القرآن الحكيم، ولا تظنه أيضاً شيئاً سيالاً تذوقه القلوب وهو يزول. كلا! بل أنوارٌ من حقائق ثابتة انعكست على عقلٍ عليلٍ وقلبٍ مريضٍ ونفسٍ عمي.

إني ما أدري كيف صار عقلي ممزوجاً بقلبي، فصرت خارجاً عن طريق أهل العقل من علماء السلف وعن سبيل أهل القلب من الصالحين، فإن وافقتهما فبها ونعمت وإن خالفتُ في كلامي أي السبيلين منهما فهو مردود عليّ”…

إن ما يصادفك في المسائل من صورة البرهان والاستدلال ليس برهاناً حتى يقال: فيه نظر! بل مبادئ حدسية قيدت وعقدت واستحفظت بأنوار اليقين المفاضة من القرآن الكريم”.  (النورسي ،2009: 287.)

إنه ومع هذه الصيغة القرآنية النبوية فإن هذا المنهج منهمج تربوي  رائده التمسك الصارم بظاهر الشريعة، وروحه اليقينُ العملي بأن طريق المعرفة الإلهية الكاملة أشد إيصاداً في وجه من يبتغيها عوجاً عن استقامة الكتاب والسنة، وما هَلك من هلَك في هذه الطريق، وهام من هام في أودية الأوهام والحلول والاتحاد إلا بحل عقدة الاعتصام بالعلم الموحى به.

فهو معيارٌ لا يخطئ عند الإمام النورسي في معرفة الصادقين وتمييز أهل الزَّغْل والتخليط: التمسكُ بظاهر الشريعة كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة. لكون القرآن بحسبه: “هو الترجمة الأزلية لهذا الكتاب الكبير للكون، والترجمان الأبدي لألسنتها المتنوعة التاليات للآيات التكوينية، ومفسّر كتاب العالم. وكذا هو لسان الغيب في عالم الشهادة. وكذا هو أساس وهندسة وشمس لهذا العالم المعنوي الإسلامي. ومربٍّ لهذا العالم الإنساني. وماء وضياء للإسلام الذي هو الإنسانية الكبرى… ثم إنه للإنسان: كما أنه كتاب شريعة كذلك هو كتاب حكمة، وكما أنه كتاب دعاء وعبودية كذلك هو كتاب أمر ودعوة، وكما أنه كتاب ذكر كذلك هو كتاب فكر، وكما أنه كتاب واحد، لكن فيه كتب كثيرة في مقابلة جميع حاجات الإنسان المعنوية، كذلك هو كمنزل مقدسٍ مشحون بالكتب والرسائل. …”.  (النورسي،2017: 9.)

بناء على هذا التعريف الجامع البديع لم يقتنع بديع الزمان سعيد النورسي بأي منهج من المناهج في طلبه للمعرفة الكاملة؛ وإنما اتبع مسلك القرآن وحده للوصول إلى الله، لأنه أقرب المسالك وأسلمها من الآفات والمعاطب، وأشمله لبني الإنسان، يقول النورسي: ” إن أصول المعاريج إلى عرش الكمالات الذي يسمى بـ “معرفة الصانع” أربعة:

أولها: منهج محققي الصوفية، المؤسس على تزكية النفس وعلى الإشراق.

ثانيها: طريق المتكلمين المبني على «الحدوث والإمكان».

فمع أن هذين الأصلين قد تشعبا من القرآن الكريم، إلاّ أن فكر البشر قد أفرغهما في صورة أخرى مختلفة فأصبحا منهجين طويلين واستشكلا، ولم يبقيا محفوظين من الأوهام.

ثالثها: مسلك الفلاسفة المشوب بالشبهات.

رابعها وأولاها: المعراج القرآني الذي يعلن المرتبة العليا لبلاغة القرآن، والذي هو أسطع تلك الطرق جزالة، وأقصرها استقامة، وأشملها لجميع البشر وضوحا”.  (النورسي،2009: 418.)

يسترسل النورسي في هذا الموضوع ذي الأهمية، فيبسطه في أكثر من رسالة من رسائل النور، مبيناً الفروق الحاصلة بين الذين يستلهمون نهجهم المعرفي من القرآن الكريم، ذلك المنهج الأقوم، والذين يسلكون نهج المعرفة الكلامية العقلية، أو نهج المعرفة الصوفية البرزخية، فيقول:” حقاً! إن معرفة الله المستنبطة بدلائل علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة، ولا تورث الاطمئنان القلبي، في حين أن تلك المعرفة متى ما كانت على نهج القرآن الكريم المعجز، تصبح معرفة تامة وتسكب الاطمئنان الكامل في القلب. نسأل الله العلي القدير أن يجعل كل جزء من أجزاء رسائل النور بمثابة مصباح يضيء السبيل القويم النوراني للقرآن الكريم”. (النورسي،2013: 424.)

لقد عدّ الأستاذ بديع الزمان كتاباته طريقا إلى المعرفة القرآنية، ومدخلا إليها، بعدما لاحظ الخلل عند المتكلمين والصوفية بحيث اعتبر المعرفة الناتجة عن طريقيهما ناقصة ومبتورة أمام المعرفة التي استقاها ورثة الأنبياء من القرآن الكريم مباشرة، لأنها تمنح الحضور القلبي الدائم، فضلاً عن أنها لا تقضي على الكائنات بالعدم، بل تجعل من كل شيء مرآة تعكس المعرفة الإلهية، وتفتح في كل شيء نافذة إلى المعرفة الإلهية.

لقد جعل النورسي من رسائل النور محضنا تربويا حافلا بكل معاني التشويق والترسيخ لتلك المعرفة الإلهية التي تستند إلى القرآن الكريم، وتعتمد على السنة النبوية التي هي بيان للقرآن قولا وعملا وتقريراً وحالا، وحيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء عليهم السلام، ووارث جميع المرسلين، فلا شك أنه في مقدمة كل الطرق الموصلة إلى الله وفي رأسها، فليست هناك طريق حقة ولا سبيل نجاة غير المنهاج المحمدي.

فدليل التربية المكتوب: القرآن الكريم، وحجتها الناصعة: السنة التي هي بنت القرآن وتبيانه، قال الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).  (القرآن الكريم،16/44.)

 وقد جاء عن رسول الله صلّ الله عليه وسلم الزجر والوعيد في حق من يفرق بين القرآن والسنة. عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا هلْ عَسَى رجلٌ يَبْلُغُهُ الحديثُ عنِّي، هو مُتَّكئ على أرِيكَتِهِ، فيقول: بيننا وبينكم كتابُ الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللْناهُ، وما وَجَدْنا فيه حرامًا حرَّمْنَاهُ، وإن ما حرَّم رسولُ الله كما حَرَّمَ اللهُ» (لترمذي، 2876.) هذه رواية الترمذي رحمه الله. ورواية أبي داود رحمه الله: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيتُ هذا الكتاب، ومثلَهُ معهُ، ألا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعان على أريكته، يقولُ: عليكم بِهذَا القُرآن، فَما وَجدْتُم فيه من حلالٍ فأحِلُّوهُ، وما وجدْتُم فيه من حرام فَحَرِّموهُ …». (أبى داود، ، 4606)

إن المعراج القرآني النبوي هو صمام الأمان الذي يقترحه الإمام سعيد النورسي مسلكا وحيدا لطلب المعرفة الحقة، بناء على الفروق الآتية:

المعرفة القرآنية ضرورية والمعرفة الصوفية فاكهة. (النورسي، 2013: 21.)

المعرفة القرآنية مباشِرة والمعرفة الصوفية برزخيه:

“فالولاية الكبرى هي فتح الطريق إلى الحقيقة مباشرة عن طريق وراثة النبوة من غير الدخول في برزخ التصوف”. (النورسي، 2013: 20.)

 المعرفة القرآنية مضمونة مأمونة والمعرفة الصوفية محفوفة بمخاطر الأوهام والشبهات، وبمهاوي الاستدراج والشطحات والسكريات.

فالمنهاج التربوي إذن عند الإمام المجدد استمداد كامل للوحي، وتجسيد عملي في حياة الفرد والجماعة لتعاليمه وأخلاقه ونظمه.

2/الشمول والكمال والتكامل

عندما جرى قدر الله أن يجعل الإسلام هو الرسالة الأخيرة، وأن يجعل منهجه هو المنهاج الباقي إلى آخر الخليقة كان حتماً على المنهاج التربوي الإسلامي أن يكون شاملاً كاملاً متكاملاً.

مقتضى هذا التكامل والتعاضد نلمسه عند الإمام في أمور:

وحدة الإنسان: قلبا وعقلا وخلقاً

الإنسان على اختلاف مظاهره السلوكية وتعدد قدراته النفسية، ووظائفه العضوية ليس مجموعة من الأجزاء التي تقبل إيقاع الانفصال بينها والتبعيض، وإنما هو عبارة عن وحدة واحدة تتداخل مكوناتها بعضها في بعض، وتمشي وظائفها جميعها جنباً إلى جنب في كافة مراحل تطورها، وهذا ما عناه الإمام النورسي بقوله: ” لو كان الإنسان عبارة عن قلب فقط، لكان ينبغي ترك كل ما سواه تعالى، وحتى ترك الأسماء والصفات، وكان ينبغي ربط القلب بذات الحق تعالى وحده، لكن للإنسان لطائف وحواس كثيرة جداً ؛ كالعقل والروح والسر والنفس، ولكل واحدة منها وظائفها ومهامها، فالإنسان الكامل هو من يجعل القلب ـ كالصحابة الكرام -…وكأنه قائد يسوق كل تلك اللطائف إلى جانب الحقيقة في طريق العبودية المخصوصة لكل واحدة منها”.  (النورسي،2012: 244ـ245.)

لذا فالتربية الإسلامية الإيمانية عند الإمام الجليل لن تكون مستحقة لاسمها إلا إن تناولت الإنسان فأودعت قلبه إيماناً، وعقله حكمة، وجسمه قوة وصلابة في الحق.

  وقد لخص ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). (القرآن الكريم: 15/29)

يشرح بديع الزمان هذه الآية بأسلوبه الأخاذ البديع، مقررا:” أن الإنسان مخلوق متطلع وجهه إلى الكثرة والفناء والدنيا باعتباره ثمرة شجرة الخلقة…أما العبودية فهي خيط وصالٍ يُحول وجه الإنسان من الفناء إلى البقاء، ومن الخلق إلى الحق، ومن الكثرة إلى الوحدة، ومن المنتهى إلى المبدأ، أو هي نقطة اتصال بين المبدأ والمنتهى…فيمكنه ـ أي الإنسان ـ أن يعرج إلى عرش الكمالات بمعراج العبودية، ويصبح إنسانا باقيا”. (الكلمات،2012: 220 ـ 221.)

وحدة العلم والمعرفة: الوحي والكون معا.

من صميم عمل التربية الإيمانية أن تنزع عن المؤمن رذيلة الجهل، وتُحَليه وتُجَمِّله بالمعارف الشريفة.  فالعلم هو نور العقل الذي به يكون المؤمن متوهجاً بين باهِتين، حياً بين أموات، وهو أغلى دُرَّة في تاج الشرع المنيف.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِى فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَمَنْ في الأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ في الْمَاءِ وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ».

وروى الطبراني رحمه الله مرفوعا: «من جاء أجله وهو يطلب العلم لقي الله ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة» (الطبراني 20/ 306.)، والأحاديث في ذلك كثيرة.

فقليل العمل ينفع مع العلم بالله، وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله، فما هو إذن العلم القمين أن يُقبل عليه المؤمن إقبالَ النَّهِمِ على المورد العذب؟

 إن حقيقة المعرفة عند الإمام الجليل أنها معرفة واحدة ذات وجهين متكاملين متصلين غير منقطعين، سواء أكانت علما بالله أم علما عن كون الله.

ثم إن النورسي ـ انسجاما مع المنهج القرآني القويم ـ لا يؤمن بالمعرفة الجزئية الفاقدة لخاصية الموازنة والاتساق بين أجزائها، بل يعتبرها عاكسة لنواقص الإدراك البشري، لأن كل لطيفة من لطائف الإنسان المتعددة -كالروح والقلب والسر والنفس وأمثالها -تأخذ حظها منها وتمصها حسب درجاتها. فإن فقدت لطيفة من اللطائف غذاءها المناسب، فالمعرفة إذن ناقصة مبتورة.

والمتتبع لرسائل النور يجِد أن النورسي التزم بنفس الوحدة المنهجية ـ اتحاد العقل والقلب معا وامتزاجهما ـ في تناوله لقضايا العقيدة وعلم الكلام. متجاوزا الفِرق الكلامية التي تسير على وفق خطى العقل وأدلته ونظراته، والنزعات الصوفية التي تتحرك بمجرد أذواق القلب وكشوفاته، يقول:” ثم إن رسائل النور لم تنهج منهج الحكماء والعلماء ولم تسلك مسالكهم بل نهجت وسلكت …طريقا غير مسلوك في برزخ بين العقل والقلب”. (النورسي ،2009: 6ـ7.)

كما التزم النورسي بنفس المنهجية في بسطه لقضايا التشريع والحياة، مؤكداً على ضرورة الربط الشديد بين الشريعة المستنبطة من القرآن الكريم، والأخرى المحصَّلة عن طريق استقراء السنن الجارية في الأنفس والآفاق، واعتبر أنهما تجليان شرعيان صادران من صفتين من صفات كماله جل وعلا: ” إن الشريعة الإلهية اثنتان:

أولاهما: هي الشريعة الآتية من صفة “الكلام”، وهي تنظم أفعال البشر الاختيارية.

ثانيتهما: الشريعة الفطرية الآتية من صفة” الإرادة ” والتي تسمى بـ “الأوامر التكوينية”، وهي عبارة عن محصلة قوانين سنة الله الجارية في الكون كله”. (النورسي، 2009: 416.)

إن الله سبحانه يصف نفسه بالحكيم في خاتمة كل الآيات المتضمنة لخلق السماوات والأرض وتصريف الأحداث وسنن الكون وقوانين الحياة وأقدارها.  قال الله تعالى:(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، (القرآن الكريم: 4/26) وقال أيضاً:(وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). (القرآن الكريم: 24/18)

فكأنه يدعونا سبحانه إلى أن نفتح كتاب الكون المنظور لنتدبره بعين مجلوة بنور الإيمان، وقلب مُتَيَّمٍ بمحبة الله ورسوله والمؤمنين، وعقل يتلقى عن القلب رحمة الإيمان وهداية الوحي، ثم ينصرف إلى تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى في الكون، فكما أن هناك طاعةً وعصياناً تجاه الأوامر الشرعية المعروفة، كذلك هناك طاعةً وعصيانً تجاه الأوامر التكوينية.

إنه عطاء الله للبشرية جمعاء، ليس محظوراً على العقل المسلم في تصور الإمام سعيد النورسي أن يأخذ عطاء الله من مأخذه الشرعي، فيلتقط آيات الله في خلقه تدبراً وتفكراً وتعلماً راشداً، بهمة المومن، حر العقل والإرادة.

 إنه تحدٍ صارخ أمام التجديد الإسلامي ليتأصل العقل المسلم، ثم ينطلق في الكون السببي فاعلاً مستقطباً العلوم والتكنولوجيا وخبرات العمارة والإدارة تحقيقا لمقصد الاستخلاف.

وحدة التجديد: فردا وجماعةً، دعوة ودولةً.

العمل التربوي عند الإمام رحمه الله تعالى ليس عملا فرديا. كما أنه ليس عملا جماعيا لا يراعي قابليات الفرد وتوقانه إلى الكمال والتزكية، ولكنه عمل إيماني فردي جماعي ذو أهداف ومطالب جماعية كلية، تجمع بين الفرد المؤمن ومطمحه المصيري في الآخرة، وبين الجماعة المتحزبة للّه عز وجل وأهدافها المصيرية في تاريخ الأمة، بمعنى أن كل فرد يزاول دوره التجديدي التاريخي جنبا إلى جنب مع إخوته المقتحمين، ليكون جهدُ المجموع جهاداً متضافراً في صفٍ مرصوص، يُحِبه الله ورسوله.

إن رسائل النور لا تعمّر تخريبات جزئية، ولا ترمم بيتاً صغيراً مهدماً، بل تعمّر تخريبات عامة كلية، وترمم قلعة عظيمة -صخورها كالجبال -تحتضن الإسلام وتحيط به. وهي لا تسعى لإصلاح قلب خاص ووجدان معين، بل تسعى أيضا -وبيدها إعجاز القرآن -لمداواة القلب العام المجروح، وتضميد الأفكار العامة المكلومة بالوسائل المفسدة التي هُيئت لها وركّمت منذ ألف سنة، وتنشط لمداواة الوجدان العام الذي توجّه نحو الفساد نتيجة تحطم الأسس الإسلامية وتياراته وشعائره التي هي المستند العظيم للجميع ولا سيما عوام المؤمنين. نعم إنها تسعى لمداواة تلك الجروح الواسعة الغائرة بأدوية إعجاز القرآن والإيمان. (النورسي، ـ 2014، 118.)

فأمام هذه التخريبات الكلية الرهيبة، والشقوق الواسعة، والجروح الغائرة، يرى النورسي خطورة حصر التجديد في دائرة من دوائر الدين، على اعتبار أن الدين يمثل وحدة متكاملة ما يبلى منه جانب إلا أوشك سائره أن يبلى، يقول:” نعم إنه ينبغي لهذا العصر من مجدد له شأنه ليقوم بتجديد الدين والإيمان، وتجديد الحياة الاجتماعية والشريعة، وتجديد الحقوق العامة والسياسة الإسلامية.  (النورسي، 2014: 196.)

بهذا العمق المنهجي انطلق الإمام إلى تحديد الوسائل المنوط بها تحقيق التجديد المنشود، فجزم بأن أعباء هذا العمل الشامل في وظائفه، الكامل في أهدافه، يجب أن يتصدى له المؤمنون ببعث جماعي، تتكامل فيه الشُّعب الإيمانية القلبية بمزيد من الإقبال على الله، وطلب التسديد والعون منه، وتتلاقح فيه المكاسب الفكرية والعملية بالنصيحة والشورى والتناصر حتى تسع كل دوائر الإصلاح: الإيمان والشريعة والحياة.

“إن هذا الزمان زمن الجماعة، فلو بلغ دهاء الأشخاص فرداً فرداً حد الخوارق، فلربما يُغلب تجاه الدهاء الناشئ من شخص الجماعة المعنوي. لذا أقول كما كتب ذلك الأخ الكريم: إن مهمة إيمانية جليلة بحيث تنور عالم الإسلام من جهة، وناشئة من أنوار دهاء قدسي، لا تحمّل هذه المهمة على كاهل شخص واحد ضعيف مغلوب ظاهراً، يتربص به أعداء لا يعدّون وخصماء ألِدّاء يحاولون التنقيص من شأنه بالإهانات. فلو حُمّلت، وتزعزع ذلك الشخص العاجز تحت ضربات إهانة أعدائه الشديدة، لسقط الحمل وتبعثر”. (النورسي،2018: 1/264.)

   والإمام هنا لم يخرج عما ذهب إليه السلف، من كون ” مَن” المذكورة في حديث “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”)    تفيد الفرد والجماعة، ونظير هذا ما ذهب إليه الإمام الذهبي والإمام ابن الأثير وغيرهما، يقول الحافظ ابن حجر: “لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة وهو متجه، فإن الاحتياج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز …”. (لعسقلاني، 13/365-366.)

فحقيقة الأمر في التجديد أنه مسؤولية الجماعة المسلمة، لأنها هي المستخلفة: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ، (القرآن الكريم : 10/14  ) غير أن الظروف الموضوعية، والملابسات التاريخية التي مرت بها الأمة الإسلامية فرضت على التجديد أن يصاغ موضوعه بطريقة تجعل المجدد فرداً، وجعلت قضايا التجديد تلاحق البدع الفردية المستحدثة، ولا تتصل بقضايا الحياة العامة بأي وشيجة عضوية، مما أدى إلى انطفاء فاعليته، وضمور رحابته، فلم يَعُد قادرا على المواكبة الجادة الأصيلة للمستجدات، والإمداد المستمر للحياة الإسلامية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية…

كما أن سياسة التنحية السياسية والفكرية للعلماء عن التدخل في شئون السلطة والمجتمع والدولة كان من آثارها الوخيمة بمرور الزمن أن تخَلَّت أجيال الفقهاء ـ إلا قليلا ـ عن الاهتمام بقضايا المجتمع والدولة الإسلاميين لصالح التركيز على الجوانب الفقهية الأكثر اتصالا بالأحوال الشخصية للفرد المسلم.

وكان من الطبيعي جداً بعد كل ذلك، أن تتأثر العملية الاجتهادية من هذه الوضعية التي عمَّرت طويلا، فينعكس ذلك على العملية التجديدية فاتخذت طابعا فرديا، وأهملت مواضيع الحياة الاجتماعية والسياسية نتيجة لانكماش هدف التجديد، واتجاه حركته غالبا إلى المجال التطبيقي الفردي بدلا عن الجماعة المسلمة، وحاجتها إلى تنظيم حياتها العامة.

فخاصية الوحدة والتكامل تستلزم اندراج مشروع الخلاص الفردي الذي رائده طلب الكمال الإنساني في العمل الجماعي الاستخلافي الذي رائده حمل رسالة الإسلام للعالمين.

نموذج سلوك كبار الصحابة.

المشروع التربوي لدى الإمام يهدف إلى تربية المؤمنين الطالبين وجه الله، المجاهدين في سبيله، لا جيلاً من الرهبان المتبتلين، وكذلك كانت سيرة جهاد سعيد النورسي متقلبة بين الأسر والتسميم والنفي والحصار والتعذيب والتنكيل.

وتتم الملامح الخلقية التأهيلية للتربية عند الإمام باستنادها إلى نموذج سلوك كبار الصحابة رضي الله عنهم، واعتباره أعلى السلوك وأكمله وأقربه.

إن ولاية الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ هي ولاية تسمى بـ “الولاية الكبرى”، تتأتى من وراثة النبوة، وتنفذ من الظاهر إلى الحقيقة مباشرة من دون المرور بطريق البرزخ، وتعود إلى “الأقربية الإلهية”، حيث إن طريق هذه الولاية على قصره الشديد عال وسام جدا، خوارقه قليلة ولكن مزاياه كثيرة، فالكشف والكرامات قليلا ما تظهر هناك. (النورسي، 2013: 54.)

لقد اعتبر الإمام سعيد النورسي رحمه الله تعالى أن أعظم ولي من الأولياء لا يستطيع أن ينال مرتبة صحابي كريم، لأن الصحبة النبوية إكسير, بحيث إن من ينالها في دقيقة ينال أنوار حقيقة معادلة لأنوار سنوات من السير والسلوك، إذ في الصحبة انصباغ وانعكاس، ومعلوم         أنه بالانعكاس والتبعية  ومع النور الأعظم للنبوة يمكن لمن حظي بالصحبة أن يسمو ويرتقي إلى مرتبة عظمى…فمن ذلك السر لا يستطيع أعظم الأولياء أن يبلغ درجة الصحابة، إذ أن صحبة الصحابة كانت بنور النبوة الأحمدية أي كانوا يحادثونه وهو نبي، أما صحبة الأولياء فهي صحبة بنور الولاية الأحمدية بعد وفاته…فينبغي أن تتفاوت كلتا الصحبتين بقدر سمو درجة النبوة على درجة الولاية. (النورسي، 2012: 234-235.)

إن انتصار الإمام لمسلك الصحابة التربوي يندرج ضمن بُغيته تأسيس مشروع تجديدي شامل ينقل فقه التزكية من المدلول الفردي الأنفسي القاصر على الهم الأخروي، الذي اصطبغت به فترات طويلة من تاريخ العض والجبر إلى المدلول الجماعي الآفاقي الذي يعيد للمفهوم عمقه وفاعليته المشهودة في عهد النبوة والخلافة الراشدة.

وباعتماد هذه المنهجية المتوازنة في التربية والتعليم يصبح الإنسان ـ الخليفة ـ في تصور “رسائل النور” قاعدة التجديد بحق، والضمير الحي والفاعل النشيط الذي يؤثر في العالم الخارجي حوله بدافع باطني إيماني، وعزيمة ماضية، ووفق منهاج تربوي متكامل قلبا وعقلا وخلقاً، فرداً وجماعة، دعوة ودولة.

خاتمة:

 أثمر هذا البحث  عدة نتائج، منها الآتي:

المشروع التجديدي عند الإمام قائم على التربية، فهي مقدمة التجديد وشرطه وأساسه.

التربية التي يقصدها الإمام سعيد النورسي رحمه الله تعالى من خلال مشروعه التجديدي هي تربية إيمانية إحسانية، منطلقها احتضان الفطرة، ومصدرها القرآن والسنة، ومنهاجها عمل النبوة، وغايتها إيقاظ قلب الإنسان وعقله بالعلم والإيمان، وبعث إرادته بتصفية رؤيته لنفسه ومصيره وللعالم، ليكون عبداً لله اعترافا وطاعة وتطلعاً إلى مقامات “المحبوبية الإلهية”.

يَعُم التجديد التربوي عند الإمام في مدلول واحد التجديد الفردي الإيماني الذي رائده عبادة الله كأننا نراه، والتجديد الاجتماعي السياسي الاقتصادي. الذي رائده إتقان الأعمال الجماعية لتحقيق عمارة الأرض.

أرسى الإمام أسس منهجية قرآنية نبوية شاملة أسهمت في إعطاء التجديد معناه الرباني التعبدي، ودلالته الكونية الإنسانية.

لم يكن القصد من هذا البحث استقصاء جميع معالم التجديد التربوي ـ وهي عديدة ـ لدى الإمام، بل الاكتفاء بأهم أصوله وكلياته.

استجمع الإمام النورسي مشروعه التجديدي من القرآن والسنة ، ومن عمل الصحابة والتابعين ومن كل ذلك أسس مشروعاً تربوياً نورانياً قلبياً ثم من بعد ذلك أقام عليه بنياناً فكرياً حركياً فاعلاً.

 بالاقتداء السليم بالأئمة الربانيين والاستيعاب المثمر لمنهج المجددين الراسخين في العلم، الجامعين بين تلاوة الآيات، وتزكية النفوس، وتعليم الكتاب والحكمة. تبلغ الأجيال القادمة إن شاء الله المقامات العليا، اقتباساً واصطحاباً لما عند الكمل من كنوز المعرفة، ورقائق المعاني والحقائق، وبراهين الاستدلال والحجاج. ويا خسارة من خرج من الدنيا وليس له حظ من الله ولا نصيب من حب رسول صلى الله عليه وسلم ولا علم ولا هدى ولا كتاب منير.

المصادر والمراجع

أولاً: القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم، العَدُّ الكوفي.

ثانياً: الكتب.             

إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق، دار السنابل الذهبية، ط. الأولى 1431هـ ـ 2010م.

ذو الفقار، بديع الزمان سعيد النورسي، مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق، إستانبول ـ تركيا، دار السنابل الذهبية.

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، ب ت.

الطلاسم، بديع الزمان سعيد النورسي، مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق،

فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي (852هـ)، دار الكتب العلمية ـ بيروت، تحقيق عبد العزيز بن باز، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ط.الأولى: 1410هـ ـ 1989م.

الكلمات، مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق، إستانبول ـ تركيا، دار السنابل الذهبية، ط. الثانية 1433هـ ـ 2012م.

المثنوي العربي النوري، بديع الزمان سعيد النورسي، مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق، دار السنابل الذهبية.

مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر الرازي، مكتبة لبنان، بيروت.

المعجم الأوسط، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، ‏عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين ـ القاهرة، 1415هـ.

مفردات ألفاظ القرآن، الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني أبو القاسم، دار القلم ـ دمشق.

المكتوبات، مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق، دار السنابل الذهبية، ط. الأولى 1434هـ ـ 2013م.

الملاحق، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر ـ القاهرة، ط. الثانية، 1416هـ ـ 1995م.

Be First to Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *