Press "Enter" to skip to content

فلسفة الوحدة الإسلامية وشروطها في فكر سعيد النورسي

د. احمد زقاقي

باحث- المغرب

المستخلص

تهدف هذه الدراسة إلى توضيح فلسفة الوحدة الإسلامية من خلال فكر الإمام بديع الزمان سعيد النورسي.

إن الدراسة تحاول إلقاء الضوء على الأوضاع الحرجة التي عايشها العالم الإسلامي خلال فترة حياة الإمام النورسي. إن الورقة قد اتبعت مجموعة من المناهج العلمية منها على سبيل المثال المنهج التاريخي والمنهج التحليلي.

الكلمات المفتاحية: الوحدة، النورسي، العالم الإسلامي

THE PHILOSOPHY OF ISLAMIC UNITY AND ITS CONDITIONS IN THE THOUGHT OF

IMAM NURSI

Abstract

This study aims at explaining the philosophy of Islamic unity according to the thought of imam Nursi. It tries to show the critical situation of the Muslim world during the the lifetime of İmam Nursi. Many methods of research are adopted in this study such as the historical method and the analytical method.

Keywords: Unity, Nursi, Muslim World

إن البحث في ما يجمع المسلمين ويعيد لحمة التآلف والتعايش والتآخي بينهم يرتقي إلى مستوى الوجوب الديني الذي يدعو المسلم إلى الاهتمام بأمر المسلمين، ويصير انتماؤه إليهم موضع شك إن غاب عنه ذلك الاهتمام، وإن المتأمل في الأوضاع الراهنة  للعالم الإسلامي سيلاحظ بغير مشقة أن الأمة الإسلامية تعرف حشدا طائفيا وتفرقا لم يسبق لها أن عرفتهما في سالف القرون والأزمان في وقت أصبحت فيه سمة العصر هي سياسة التكتلات والتحالفات بعد حدوث مستجدات مهمة وخطيرة وضعت العالم الإسلامي موضع المراقبة والمتابعة الدقيقة لما يجري ويعتمل في دوله ومجتمعاته، لاسيما بعد بروز وتنامي حركات الإحياء الإسلامي.

لقد أمعن الغرب في الترويج لأطروحاته الثقافية عبر عقد ندوات ومؤتمرات عالمية أممية عن الإسكان، والمرأة، والبيئة، والتنمية، وحقوق الإنسان، ضاربا بخصوصيات الدول المخالفة له عرض الحائط، كما جد في السعي إلى تدويل أعطابه وأدوائه الاجتماعية المتمثلة في الثالوث الرهيب: الجريمة والمخدرات والجنس، هذا الثالوث الذي خلف أجيالا ينخرها الفراغ الروحي، وهي غافلة عن هموم الموت والمصير، وعديمة الإحساس بحكمه ومغزى الحياة والممات، ولم يعد للغرب ما يقترحه على المسلمين للنهوض السياسي والاقتصادي إلا المناداة بإقرار ديمقراطية هي – في تصوراته النظرية وممارساته العملية-  قرينة علمانية فاصمة قاصمة، كما سعى ذلك الغرب إلى تفتيت الدول الإسلامية وتقسيم المنقسم منها عبر استغلال الخلافات المذهبية والطائفية، وما لم يُتمَّه أوكل مهمة إتمامه إلى صنائعه من النُّخب المثقفة المُغرَّبة، ومن الحكام المستبدين، فوجدت الكثير من الدول الإسلامية لاسيما العربية نفسها وجها لوجه أمام احتلال داخلي في سوريا وليبيا والعراق وغيرها بعد أن ذاقت الأمرَّين من الاحتلال الخارجي، وإن أوضح مثال لذلك الاحتلال الداخلي ما يتعرض له الشعب السوري من إبادة على يد العصابة الأسدية وسط صمت دولي مريب بلغ حد التواطؤ.

والجدير بالذكر هو أن رسم صورة قاتمة للظروف الخارجية التي تحيط بالمسلمين اليوم ليس بغرض إلقاء تبعات المشاكل على الغرب، ولا للتغاضي عن مظاهر العدوان الداخلي في المجتمعات الإسلامية، وإنما القصد هو التنبيه على ضخامة وثقل المسؤولية الملقاة على عاتق المسلمين، بحيث يصير إشعال فتيل النزاعات المذهبية والطائفية والعرقية والقومية جريمة لا تغتفر بكل المقاييس.

ولقد تتابعت جهود العلماء والمصلحين لرأب الصدع وتضييق شقة الخلاف وجمع كلمة المسلمين لاستعادة وحدتهم الضائعة وعزتهم المسلوبة، وثرواتهم المنهوبة وحقوقهم المهضومة،لخدمة الدين، وحفظ العرض وحراسة الإيمان والعقيدة ومما لا شك فيه فإن بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله يُعدُّ نجمة متلألئة في سماء ذلك الموكب النوراني من العلماء والمصلحين الذين يتقدمهم أنبياء الله ورسله عليهم السلام وورثتهم من العلماء الربانيين ولقد عاش حياته كلها بثلاثة عناوين: زرع حقائق الإيمان في القلوب وتنوير العقول بالقرآن وتوحيد المسلمين ودعوتهم إلى الأخذ بأسباب الرقي والتقدم على هدى من الله ليكونوا شهداء على الناس ومن معاني الشهادة الحضور في عالم الآخرين بكفاءة وفعالية.

كما عاش النورسي حياة لحمتها اليقين في موعود الله سبحانه وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة بالنصر والتمكين وسداها الأمل والتأمل لذلك رآها أمة مرشحة فيما يأتي من السنين لتضطلع بمسؤولية البلاغ المبين للعالمين، والفعل المؤثر في ساحة العلاقات الدولية، وإن نجاحها في أداء تلك المسؤولية على الوجه الصحيح يتوقف على تَشبُّتها بإيمانها ووحدة صَفِّها، فقد أفادتنا دروس التاريخ أن لا خطر يُخشى على المسلمين من العدو الخارجي، وإنما الخطر يخشى عليهم أن يُؤْتَوا من قِبَل أنفسهم وتفرُّق كلمتهم.

النورسي على خطى أسلافه في الدعوة إلى الوحدة

قال رحمه الله عن مسألة الدعوة إلى الوحدة: “فأسلافي في هذه المسألة هم الشيخ جمال الدين الأفغاني ومفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده” (السيرة الذاتية، 58)، وسنبين بعد حين كيف أن النورسي اختار المداخل الحقيقية للوحدة والإصلاح بينما اختار الأفغاني ومحمد عبده المداخل الجانبية أو العرضية ولنتبين الفروق أكثر يحسُن التذكير بصيغة “الجامعة الإسلامية ” التي دعا لها الأفغاني – رحمه الله –

تجربة الجامعة الإسلامية

اقترنت تجربة “الجامعة الإسلامية” باسمي علمين اثنين كبيرين: الأول كان حاكما هو السلطان عبد الحميد الثاني، والثاني كان عالما هو السيد جمال الدين الأفغاني الحسيني، فعلى إثر الهزات السياسية الداخلية والخارجية والاضطرابات الاجتماعية التي عرفتها الدولة العثمانية، وبعد أن آلت هذه الهزات إلى داء عضال مستحكم حتى اصطلح على تسمية الدولة “بالرجل المريض”، واشتدت مؤامرات زرع  الفتنة والشقاق بين مكوني الدولة الأساسيين العرب والأتراك، ومنى الاستعمار العرب بالاستقلال إذا ثاروا على العثمانيين، على إثر كل هذا نهض الرجلان بمهام الدعوة إلى جامعة إسلامية تستحث المسلمين وتحضهم على الاتفاق والاتحاد والاجتماع على كلمة سواء.

العلم الأول: السلطان عبد الحميد الثاني ((1336-1259هـ

ولد السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1259هـ، ولما بلغ أربعا وثلاثين سنة تسلم حكم الإمبراطورية العثمانية بعد عزل أخيه مراد الخامس عام 1293هـ، وقد استغرق حكمه ثلاثا وثلاثين سنة (حمود شاكر  87/183..1991.)، وانحدرت إليه من سابقيه تركة ثقيلة من الاضطرابات والخلافات، وتسلط العساكر (النورسي،2013: 497) وتآمر الدول الأوربية.

رافق نشوء الدولة العثمانية عدة أخطاء وأمراض انتقلت بمرور الأيام والسنين من طور الكمون إلى طور الظهور، وقد ابتلي عصر السلطان عبد الحميد الثاني ببروز العصبية القومية وشيوعها بين الأتراك، فظهرت الجمعيات والحركات السرية والعلنية ذات المرامي السياسية والقومية، ( حمود شاكر،1991. 8/183.) مما حمل السلطان على اتخاذ جملة من التدابير والقرارات الإصلاحية.

وقام السلطان عبد الحميد بتلك التدابير والقرارات لعدة احتياجات أو مطالب ما كانت الإمبراطورية تستطيع الاستمرار بدونها منها: الحفاظ على وحدة الدولة عن طريق تساوي الجميع أمام قانون واحد، وإشراك سائر الشعوب والجماعات المكونة للإمبراطورية في الإدارة والبرلمان، وإعطاء الولايات والنواحي سلطات تنفيذية تحقق لها فعالية وذاتية مُرْضُية ضمن الإطار الواسع للكيان التاريخي العثماني” ( محمود شاكر،1991: 8/187.).

وإزاء التحديات الداخلية والخارجية لم يجد السلطان عبد الحميد بُدا من الاستنجاد بالإسلام، فدعا إلى الجامعة الإسلامية “وأصبحت سياسة الجامعة الإسلامية محورا للسياسة العثمانية طيلة النصف الثاني من القرن 19” ( أحمد الشوابكة..: 23.)  ،وبلغت أصداء الفكرة إلى أقاصي بلاد الهند أواسط آسيا وبلاد المغرب  ( احمد الشوايكة : 239.)،ومما سجَّله التاريخ للسلطان عبد الحميد بمداد من الفخر امتناعه عن تسليم فلسطين لليهود بعد محاولات متكررة منهم ليحملوه على ذلك، فدبروا المؤامرات لعزله والانقلاب عليه بتعاون مع التيار القومي – الطوراني .( السلطان عبد الحميد،  1979:4)

العلم الثاني: جمال الدين الأفغاني (1839 (1897م:

ولد جمال الدين سنة 1939م بقرية سعد أباد الأفغانية حيث تلقى عن والده مبادئ التربية الأولى، ثم تدرج بعد ذلك في سلك التربية والتعليم فحاز ثقافة شرعية وحديثة، وتولى مهام حكومية في بلاده بعد رجوعه من الحج عام 1273هـ،( – المخزومي(أحمد أمين: 6019) وعاين المؤامرة الغربية على المسلمين في الأناضول والهند وبلاد أواسط آسيا، فركز تحركاته الإصلاحية الداعية إلى الجامعة الإسلامية على محور مصر-إيران-الهند-الأستانة، ولما كانت الإمبراطورية العثمانية هي الدولة التي تمثل المسلمين جميعا فقد نبهها الرجل إلى إصلاح الأخطاء التي ألمت بها في مسيرتها التاريخية، ربط الصلات مع إيران، فخاطب في الإيرانيين جانبين اثنين، مستحثا إياهم للنهوض وخدمة الجامعة الإسلامية:

أولا: علو هممهم وأفكارهم.

ثـانيا: نبوغهم في خدمة العلوم الإسلامية

إذا كانت دعوة جمال الدين الأفغاني الإصلاحية قد خلفت آثارا إيجابية فإنه من العسير إثبات هذه الآثار لكل الأقطار الإسلامية، ويرجع الأستاذ فهد الشوابكة السبب إلى أن الأفغاني “لم يتخذ في مجال دعوته برنامجا متكاملا واضح الأهداف” (الشوابكة،: 132.)، كما أن دعوته لم تلامس – في رأيي-العمق الشعبي والتربوي المتصل بالقلوب والحقائق الإيمانية وهو ما تنبه له بفطنة بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله.

إن مما أضعف شعار الجامعة الإسلامية ظهور شعار منافس أدى إلى تشتيت الجهود والطاقات هو شعار الجامعة العربية الذي برز في البداية كخطوة نحو التحرر من السيطرة العثمانية، وبرز في مرحلة ثانية كشعار استعماري لضرب الجامعة الإسلامية والاستفراد بالعرب، وتأجج أثناء ذلك وبعده الصراع بين الاتجاهات العروبية القومية والاتجاهات الإسلامية.

وإذا كانت الوحدة العربية قد وقع استهدافها وعرقلتها في مرحلة مبكرة، إذ ما إن تم القضاء على الدولة العثمانية حتى كانت جل الدول العربية ترزح تحت نير الاستعمار الغربي، ولعدم تحقق الوحدة على أرض الواقع اكتفى الكثير من القوميين بالدعوة إلى القطرية أو الإقليمية كما أثير النزاع المذهبي بين الشيعة وأهل السنة بصيغة عرقية قومية: عرب-إيرانيون باعتبار الأعم الأغلب، وإلا فإن الكثير من الدول العربية تضم مسلمين شيعة، إذن فالأمر يتعلق بجوار جغرافي يستبطن طبيعة مذهبية.

وكما واجهت المرجعية الإسلامية للدولة العثمانية تحدي القومية التركية الطورانية واجهت المرجعية الإسلامية للدول العربية تحدي القومية العربية العلمانية التي كان نصاري العرب أول من تزعم الدعوة إليها زمن ضعف الدولة العثمانية إذ لم يكونوا يحسون إزائها بأي ولاء، فأنشأوا لأجل ذلك الجمعيات السرية التي اقتصرت عضويتها في بداية الأمر على المسيحيين قبل أن تضم إليها مسلمين إمعانا في إخفاء أمرها وذرا للرماد في العيون، واتخذوا من الجرائد والصحف والمجلات الوسيلة الأكثر نجاعة لبث الفكرة القومية وتأليب الناس على الأتراك، وظهرت في عهد السلطان محمد رشاد الدعوة إلى “إقامة دولة عربية واحدة تتحد مع دولة تركية في ظل الخلافة العثمانية”  ( لشوابكة، 101.)،ولما انحسرت تركيا وتراجعت إلى حدودها التاريخية في شبه جزيرة الأناضول، وبسط الاستعمار سيطرته على جل الدول العربية، وانخرطت حركات التحرر الوطني العربية في الجهاد والنضال إلى أن تم تحقيق الاستقلال السياسي اتخذ الفكر القومي أبعاد أخرى أكثر انفتاحا على مجمل الخصائص الإثنية والجغرافية والدينية والثقافية والسياسية للبلاد العربية، ذلك الانفتاح قوته التحديات الآتية الكيان الدخيل”إسرائيل”.

وعوضاَ عن أن يُعَضِّد تأسيس الجامعة العربية سنة 1945م جهود الوحدة انقلب مكرسا لواقع التجزئة والدويلات القطرية بدليل أن ميثاقها لم يأت على ذكر كلمة الوحدة، (الكيلاني، : 65.) وارتفعت في الآونة الأخيرة أصوات تنادي بضرورة تعديل ميثاق الجامعة وإعادة النظر في سياستها التي أصبح هَمُّها عقد مؤتمر والتحضير لآخر وإصدار بيانات “الشجب”و”الاستنكار”و”الإدانة”و”إبداء القلق”و”التحفظ”.

إن واقع التجزئة القطرية في العالم العربي لا ينفي واقع التماثل والتشابه الجغرافي والسكاني والاجتماعي بين بعض الدول، فشعوب دول المغرب الكبير تشكل وحدة متجانسة على صعيد الدين والتقاليد والعادات، وكذلك شعوب دول الخليج مما دفع البعض إلى اعتبار “المقاربة الإقليمية للوحدة العربية المقاربة الأكثر واقعية والأكثر حظا في الديمومة والاستمرار، وربما أيضا في التقدم نحو شكل أكثر تطورا للوحدة العربية”( كيلاني 65.:)  ومن ثم تشكلت تجمعات إقليمية وأخرى بينية بين دولتين أو أكثر كالوحدة السورية المصرية في عهد عبد الناصر وكمجلس التعاون الخليجي.

2.منظور سعيد النورسي للوحدة

لقد تأكد لبديع الزمان أن الوحدة الإسلامية ليست مجرد تجميع متسرع لدولتين أو أكثر ولا مجرد وضع قوانين فوقية تنظم العلاقات بين مختلف مكونات تلك الوحدة وإنما الأمر أهم وأكبر من ذلك فلا وحدة ترجى في نظره ما لم تترسخ في قلوب الأفراد معاني المحبة والتصافي والأخوة وما لم تحيي تلك القلوب بالإيمان ومالم تتزود بالتقوى وتستعد للآخرة يوم يقوم الناس لرب العالمين أي مالم تترجم كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) إلى واقع تجسده وحدة الأمة كلها.

إن السعي لتحقيق الوحدة في نظر بديع الزمان له منحيان: منحى فردي يتأسس على “الإخلاص “، ومنحى جماعي يتأسس على “الولاية” أو ما سماه “الفناء في الإخوان”.

المبحث الأول: المنحى الفردي ومحورية الإخلاص

إن مناط نجاة المؤمن يوم لقاء الله هو سلامة القلب مصداقا لقول الله عز وجل: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم  ( لقرآن الكريم،26: : 88- 89.)،ولقد دعا الباري جل وعلا المسلمين إلى الاقتداء بإبراهيم عليه السلام لأنه حقق المعاني الكاملة لسلامة القلب فقال عنه سبحانه: ﴿إذ جاء ربه بقلب سليم  (لقرآن الكريم،37: : 84.)والقلب هو ميدان الصراع بين الخير والشر والصلاح والفساد فقال صلى الله عليه وسلم: “إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب” (صحيح البخاري، 1/28،)

لقد بين النورسي رحمه الله محورية”الإخلاص” في السعي لرضا الله وإقامة الوحدة في سياق إجابته عن سؤال مؤداه: ما بال الأخوة بين المسلمين تنقلب إلى عداوة ، والتواصل ينقلب إلى تدابر وتقاطع؟ فأفاد بأن سبب ذلك الانقلاب يكمن في انفلات سر الإخلاص من القلوب، وفي جل ما كتب قرن بين الإخلاص والأخوة، من ذلك قوله: ” الإخلاص محور تدور عليه منافع لا تنتهي فهو كذلك ترس عظيم ومرتكز قوي للوقوف تجاه المخاوف العديدة بل أمام الموت، لأن الموت لا يسلب روحا واحدة، فالذي ارتبط بإخوانه بسر الأخوة الخالصة في الأمور المتعلقة بالآخرة وفي سبيل مرضاة الله يحمل أرواحا بعدد إخوانه، فيلقى الموت مبتسما وقائلا: لتسلم أرواحي الأخرى ولتبق معافاة، فإنها تديم لي حياة معنوية بكسب الثواب لي دائما، فأنا لم أمت إذن، ويسلم روحه وهو قرير العين، ولسان حاله يقول: أنا أعيش بتلك الأرواح من حيث الثواب، ولا أموت إلا من حيث الذنوب والآثام”  ( النورسي،2010: 36)، ويتساءل الأستاذ أيضا: لماذا يختلف أصحاب الدين وهم أهل حق ووفاق، بينما يتفق أهل الدنيا والغفلة والضلالة والنفاق؟ فأجاب منبها على جملة أمور:

1-إن اختلاف أهل الدين ليس نتيجة لفقدان الحقيقة كما أن اتفاق أهل الضلالة ليس نتيجة لامتلاكهم الحقيقة، ولكن مدار الأمر على وجود الإخلاص أو عدمه، فمن انتفائه “تنشأ المزاحمة والمنافسة والحسد والغيرة، فيتبدل الوفاق نفاقا، والاتفاق اختلافا وتفرقا، فلا يشفي هذا المرض العضال إلا مُرهِّم الإخلاص الناجع، أي أن ينال المرء شرف امتثال الآية الكريمة: ﴿إن أجري إلا على الله﴾ (القرآن الكريم،10: : 72.) “.  (سعيد النورسي، 2010: 8)

2- وهل لأهل الضلالة إخلاص؟ يجيب الأستاذ بالإثبات، فيؤكد على أن أهل الضلالة “يخلصون في ضلالهم فلأجل هذا يوفقون في عملهم، لأن الإخلاص التام ولو كان في الشر لا يذهب سدى، ولا يكون دون نتيجة”. (لنورسي،2010: 10.)

3- وبين الأستاذ منبع إخلاص أهل الضلالة فقال: “لما كان أهل الدنيا والضلالة الغافلون لا يستندون إلى الحق والحقيقة فهم ضعفاء وأذلاء، يشعرون بحاجة ماسة إلى اكتساب القوة، ويتشبثون بشدة إلى معاونة الآخرين والاتفاق معهم ويحرصون على هذا الاتفاق ولو كان مسلكهم ضلالة فكأنهم يعملون حقا في تساندهم على الباطل ويخلصون في ضلالهم”.  (النورسي:2010: 10)،أما أهل الدين فلأنهم يستندون إلى الحق والحقيقة (الرضا بالله وقضائه وقدره)لا يشعرون “بدواعي التعاون مع الآخرين، بل لا يتمكن أحدهم من رؤية جدوى الاتفاق مع مخالفيه ظاهرا ولا يجد في نفسه الحاجة إليه، وإذا ما كان ثمة غرور وأنانية في النفس يتوهم المرء نفسه محقا ومخالفيه على باطل فيقع الاختلاف والمنافسة بدل الاتفاق والمحبة، وعندها يفوته الإخلاص ويحبط عمله ويكون أثرا بعد عين”. (النورسي،2010: 11)

ويرشد الأستاذ النورسي في الأخير إلى سبل القضاء على الفرقة بين الجماعات والطوائف لاسيما عندما يلتقون في ساحات عمل مشترك وميادين منافسة شديدة، وذكر من تلك السبل:

  • العمل الإيجابي البناء وهو “عمل المرء بمقتضى محبته لمسلكه فحسب من دون أن يرد إلى تفكيره أو يتدخل في عمله عداء الآخرين أو التهوين من شأنهم، أي لا ينشغل بهم أصلا”. (النورسي،2010: 11)
  • التحلي بفضيلة الإنصاف. (النورسي،2010: 11)

و يحمل على تحري الإخلاص في نظره اعتقاد أمرين:

الأول: إن السعي إلى الاتحاد ليس نابعا من العادة بل هو عبادة.

الثاني: الفرائض لا رياء فيها وأوجب الفرائض الوحدة  (النورسي،2013: ا:81- 82،)

وبذلك يتقوى الإخلاص في بعده الوحدوي بالعبادات، وضرب النورسي لذلك مثلا بالصلاة فقال:”اعلم أن الصلاة في أول الوقت والنظر إلى الكعبة خيالا مندوب إليهما، ليرى المصلي حول بيت الله صفوفا كالدوائر المتداخلة المتحدة المركز، فكما أحاط الصف الأقرب بالبيت، أحاط الأبعد بعالم الإسلام، فيشتاق إلى الانسلاخ في سلكهم، وبعد الانسلاك يصير له إجماع تلك الجماعة العظمى”. (النورسي ،2009:  124)

والمستخلص من إفادات الشيخ النورسي هو أن الإخلاص يبقى سرا مطويا في مكنونات الضمائر والقلوب يودعه سبحانه وتعالى قلب من يشاء من عباده، وتدعو الحاجة إلى تنميته وتقويته – ليتقوى بذلك الحس الجماعي للفرد المسلم- عبر إيجاد مؤسسات تربوية تنمي في الفرد الولاء للدين والرسالة والأخوة الإيمانية، وأغلب الموجود من تلك المؤسسات في البلاد الإسلامية تغرس في نفوس الأجيال “الولاء للعصبيات المختلفة المتناقضة وتمدتهم بعوامل التناقض والاختلاف في الفهم والتطبيق، ولذلك لا يكون لذلك من أثر إلا مزيد من التناقض والصراع والانتهاء بمحاولات الوحدة والإصلاح إلى الفشل والإحباط”.. (اجد عرسان كيلاني، : 220 1992.)

المبحث الثاني: المنحى الجماعي ومحورية الولاية

لم يدع النورسي الفرد إلى التحقق بمعاني الإيمان والنهل من معين القرآن بطريقة انعزالية عن المجتمع والجماعة بل دعاه إلى ذلك وهو في لجة الحركة والاضطراب وعلى محك العلاقات مع الناس يظهر صفاء سريرته أو دخنها فأقصر طريق نحو الوحدة هو تحقيق الأخوة الكاملة أي تحقيق المفهوم القرآني “الولاية بين المؤمنين” التي سماها النورسي “الفناء في الإخوان” فقال: “هناك اصطلاحات تدور بين المتصوفة أمثال :”الفناء في الشيخ “،”الفناء في الرسول “،وأنا لست صوفيا ولكن “الفناء في الإخوان” دستور جميل يناسب مسلكنا ومنهجنا تماما أي أن يفنى كل في الآخر أي أن ينسى كل أخ أحاسيسه النفسانية ويعيش فكرا مع مزايا إخوانه وفضائلهم حيث إن أساس مسلكنا ومنهجنا هو “الأخوة” في الله،وإن العلاقات التي تربطنا هي الأخوة الحقيقية وليست علاقة الأب مع الابن ولا علاقة الشيخ مع المريد،وإن كان لابد فمجرد العلاقة بالأستاذ وما دام مسلكنا هو “الخليلية” فمشربنا إذا “الخُلَّة “،والخلة تقتضي صديقا صدوقا ورفيقا مضحيا وأخا شهما غيورا وأس الأساس لهذه الخلة هو “الإخلاص التام “،فمن يقصر منكم فيه فقد هوى من على برج الخلة العالي ولربما يتردى في واد سحيق إذ لا موضع في المنتصف”  ( النورسي،2010: 225)،وزاد الأمر توضيحا فقال:

“سأبين لكم دستورا في الأخوة عليكم الأخذ به بجد: إن الحياة نتيجة الوحدة والاتحاد فإذا ذهب الاتحاد المندمج الممتزج فالحياة المعنوية تذهب أيضا أدراج الرياح فالآية الكريمة :”ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم” تشير إلى التساند والترابط إذا اختل تفقد الجماعة مذاقها إنكم تعلمون أن ثلاث ألفات إذا كانت منفردة فقيمتها ثلاث ولكن إذا اجتمعت بالتساند العددي فقيمتها مائة وأحد عشر فإن بضع أشخاص من أمثالكم من خدام الحق إذا كل منهم على انفراد من دون اعتبار لتقسيم الأعمال فإن قوتهم تكون بقوة ثلاثة أو أربعة أشخاص بينما إذا عملوا متساندين بأخوة حقيقية مفتخرا كل منهم بفضائل الآخرين حتى يبلغوا بسر “الفناء في الأخوة” أن يكون أحدهم هو الآخر بنفسه أقول إذا عملوا هكذا فإن قيمة أولئك الأشخاص الأربعة تكون بمثابة أربعمائة شخص”. (النورسي،2013: 55)

إن الولاية بين المؤمنين تنبع من الإيمان بعقيدة واحدة لذلك قال الأستاذ: “إن الإيمان بعقيدة واحدة يستدعي حتما توحيد قلوب المؤمنين بها على قلب واحد ووحدة العقيدة هذه تقتضي وحدة المجتمع فأنت تستشعر بنوع من الرابطة مع من يعيش معك في طابور واحد وبعلاقة صداقة معه إن كنت تعمل معه تحت إمرة قائد واحبل تشعر بعلاقة أخوة معه لوجودكما في مدينة واحدة فما بالك بالإيمان الذي يهب لك من النور والشعور ما يريك من علاقات الوحدة الكثيرة وروابط الاتفاق العديدة ووشائج الأخوة الوفيرة ما تبلغ عدد الأسماء الحسنى”. (المكتوبات ص 326)

إن سجايا الاتحاد والتضامن يعتقد بديع الزمان أنها عندما سرت إلى الأجانب “أكسبت الفرد منهم قيمة عظيمة حتى كأنه أمة وحده، لأن قيمة الشخص بهمته، فمن كانت همته أمته فهو بحد ذاته أمة صغيرة قائمة” (النورسي،2013: 57) وعندما سلبت من المسلم “فألف رجل مثل هذا الشخص الذي لا يفكر إلا بمصلحته الشخصية ولا يبالي بمصلحة الأمة إنما بمنزلة شخص واحد” (النورسي،2013: 57)

إن مجموع الدلالات والإيحاءات التربوية الفردية والجماعية التي وردت في هذين المبحثين ترتبط فيما بينها برباط الولاية العامة وهي (الولاية)تطلق في اللغة على معنيين: الأول: النصرة، والثاني: السلطة والإمارة، قال الجوهري (ت 393 هـ) :” الولاية بالكسر: السلطان، والولاية والولاية: النصرة”،  ( الجوهري، 2530:  1990)وقال ابن فارس (ت 395 هـ) :”ولي: الواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على قرب”،( أحمد بن فارس، 141،. 1991)  وقال ابن منظور (ت 711 هـ) :”الولاية: الخطة كالإمارة، والولاية: النصرة”،( بن منظور الإفريقي،407.)  وهكذا تصير الولاية بالمعنى الأول أداة ربط أفقي نبهت عليه بالمنحى الفردي والمنحى الجماعي، وبالمعنى الثاني تصير الولاية أداة ربط عمودي (الدولة-المجتمع، الراعي-الرعية)، والإخلال بالمعنيين يفضي إلى تقطيع عمودي يتجلى في التقاتل على الزعامات والرئاسات والانتصار للمذاهب بغير وجه حق، وإلى هذا المعنى ينظر قول الباري عز وجل: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم،  ( لقرآن الكريم47: : 23- 24.)

لقد حذر النورسي من عدة عوامل اعتبرها معاول لتخريب “الولاية” و”الفناء في الإخوان” وبالتبع القضاء على أي أمل في الوحدة منها:

  1. الاستبداد
  2. القومية السلبية
  3. التقليد والتعصب المذهبي
    1. الاستبداد

                                               الإيمان في مدرسة النورسي قرين العزة والحرية ونقيض الذلة والإكراه وإن العدول عن الإيمان إلى النفاق يصيب المنافق بما سماه حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله الانتكاس والانعكاس أي يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا،كما قال سبحانه: “والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف”  ( القرآن الكريم،9 : 67)،وعندما يلحق ذلك الانتكاس والانعكاس دنيا السياسة تنقلب المفاهيم في العقول والأذهان وتنتشر المظاهر الخادعة ويحتفل بالشكل على حساب الجوهر وهذا ما عرفه النورسي ووعاه لما اشتغل بالسياسة حينا من الدهر فقال:” قد يتضمن الضد ضده في بعض الأحايين فاللفظ في لغة السياسة ضد المعنى والظلم لبس قلنسوة العدالة ولبست الخيانة لباس الحمية وأطلق على الجهاد والغزوة اسم البغي وسمي الأسر الحيواني والاستبداد السياسي حرية” (النورسي،2012: 479)،وبهذا المعنى فإن” السياسة الحاضرة الدائرة رحاها على المنافع وحش مفترس فإن تحببك إلى وحش كاسر بالتودد لا يستثير عطفه بل يهيج شهيته ثم يعود ويطلب منك أجرة أنيابه وأظفاره”. (النورسي،2012: 479)

                                                اتخذ النورسي من النور وسيلة لمواجهة هراوة المستبد إنها حرب مفتوحة بين النور والهراوة بين الإيمان والنفاق بين الحرية والإكراه لأن الإكراه لا يربي المؤمنين وإنما يصنع المنافقين والسبب هو فساد القلوب “وإن العلاج الوحيد لإصلاح القلب واتقاد الإيمان هو النور وإراءة النور، فلو عمل بهراوة السياسة وصولجانها وأحرز النصر تدنى أولئك الكفار إلى درك المنافقين…ثم إن شخصا عاجزا مثلي لا يمكنه أن يستعمل النور والهراوة معا في هذا الوقت” (النورسي،2013:  59- 61).

إنه يخطئ من يظن بأن الموقف النهائي للنورسي من السياسة هو الاعتزال والحقيقية أنه قلب النظر فيها مرارا عندما رأى الحاكمين اتخذوا منها وسيلة للاستبداد ، والنخب المثقفة اتخذت منها وسيلة للإلحاد مصداق ذلك قوله: “نظرت مرتين أو ثلاث إلى دنيا السياسة خلال ما يقرب من خمس عشرة يوما ورأيت عجبا: إن تيار الزندقة الذي يحكم بالاستبداد المطلق والرشوة العامة قد سعى لتعذيبنا وإفنائنا في سبيل إرضاء الماسونية والشيوعية…فنحن لا نجعل الدين أداة للسياسة بل نتخذ السياسة آلة للدين ومصالحه وفي وئام تام معه عندما نجد أنفسنا مضطرين اضطرارا قاطعا إلى أن ننظر في السياسة تجاه الذين يجعلون السياسة المستبدة أداة للإلحاد” . (النورسي،2018: 279 – 280)

إن الاستبداد يُقطِّع أوصال الوحدة والأخوة والانسجام والمودة والتحاب ويشيع الأنانية والتكبر والتسلط والفردية والذلة والتملق للحاكمين ويخاصم العقل والحرية اللذين هما مناط التكليف والنورسي عندما أقام مشروعه على خدمة الإيمان فهو يفتل في حبل الوحدة “فبمقدار قوة الإيمان إذا تتلألأ الحرية وتسطع”.

ولقد عد النورسي الاستبداد من الأمراض الستة التي جعلت الأمة الإسلامية تقف على أعتاب القرون الوسطى بالإضافة إلى: حياة اليأس وموت الصدق وحب العداوة والجهل بالروابط النورانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض وحصر الهمة في المنفعة الشخصية (النورسي،2103: 451)  ،وعده أيضا من الموانع الثمانية التي حالت دون استيلاء الإسلام على الزمان الماضي استيلاء تاما بالإضافة إلى: جهل الأجانب وتأخرهم عن عصرهم، وتعصبهم لدينهم، وتحكم القسيسين، وسيطرة الزعماء الروحيين على أفكار الناس، وتقليد الأجانب لأولئك القسيسين، وانتشار الأخلاق الذميمة (النورسي،2103: 455)  ،أما المَخرج من الاستبداد المُخرِّب للوحدة “إنما يكون بالشورى والحرية الشرعية”( النورسي،2103: 471) ،تلك الحرية الشرعية تنبع في رأي الأستاذ من الإيمان،و”تأمر بأساسين:

  • ألا يُذلل المسلم ولا يتذلل من كان عبدا لله لا يكون عبدا للعباد
  • ألا يجعل بعض بعضا أربابا من دون الله إذ من لا يعرف الله حق معرفته يتوهم نوعا من الربوبية لكل شيء في كل حسب نسبته فيسلطه على نفسه” (النورسي،2103: 471)

ولقطع الطريق على الاستبداد دعا أيضا إلى الاحتكام للقانون إذ “يجب أن تكون القوة في القانون، وإلا فسيكون قد وزع الاستبداد” (النورسي،2103:) وما الجمهورية إلا “عبارة عن العدالة والشورى وحصر القوة في القانون” (النورسي،2103: 486)، ونبه الأستاذ على أمر ذي بال وهو أن الجماهير تُسَهِّل الأمر على المستبد عندما تستقيل من التفكير والتدبير قال: “إن هدية الاستبداد وتذكاره هو (ما لي أنا. فليفكر غيري)”. (النورسي،2103: 487)

  1. القومية السلبية

لقد استشعر النورسي خطر القومية السلبية على تماسك الدولة العثمانية وعلى الوحدة الإسلامية مبكرا،كما عاين نشوء جمعيات وأحزاب اتخذت من إذكاء النعرات العنصرية برنامجا لها،سواء بين الأكراد والأتراك،أم بين العرب والأتراك وأمعنت نكاية في الإسلام على الإشادة بالمراحل التاريخية التي عاشها الأتراك قبل الإسلام ولذلك حذر مرارا من الأخطار المحدقة نتيجة تلك الدعوات فخاطب التركي قائلا: “أيها الأخ التركي احذر وانتبه بالذات فإن قوميتك امتزجت بالإسلام امتزاجا كاملا لا يمكن فضلهما عن الإسلام ومتى ما حاولت عزلها عم الإسلام فقد هلكت وانتهى أمرك” (النورسي،2103: 187)  ،ولأن النورسي يدرك بأن الإنسان مفطور على الميل إلى قومه وبني جنسه فإنه فَرَّق بين القومية السلبية والقومية الإيجابية فقال: “القومية نفسها على قسمين: قسم منها سلبي مشؤوم مضر يتربى وينمو بابتلاع الآخرين ويدوم بعداوة من سواه القومية الإيجابية نابعة من حاجة داخلية للحياة الاجتماعية وهي سبب للتعاون والتساند وتحقق قوة نافعة للمجتمع وتكون وسيلة إسناد أكثر للأخوة الإسلامية هذا الفكر الإيجابي القومي ينبغي أن يكون خادما للإسلام وأن يكون قلعة حصينة له، وسورا منيعا حوله لا أن يحل محل الإسلام أو بديلا عنه” (النورسي،2103: 186)  ،فإما قومية بحق ترتكز على الخير والعدل والسلام وإما قومية بباطل ترتكز على العلو والاستكبار في الأرض بغير حق والتوسع ولن يجد المرء كبير عناء في إيجاد أمثلة لها فدونه: النازية والفاشية والصهيونية إنها قومية مضرة تستند على حق القوة لا قوة الحق وعلى المنفعة والصراع والأهواء وبذلك تخل أيما إخلال بشروط مدنية القرآن الكريم كما ذكرها ونبه عليها النورسي رحمه الله قائلا: “إن أسس مدنية القرآن الكريم إيجابية مثبتة إذ تدور رحى السعادة فيها على خمسة أسس إيجابية:

  • فنقطة استنادها الحق بدل القوة وشأن الحق دائما العدالة والتوازن وعن هذا ينشأ السلام ويزول الشقاء
  • وهدفها الفضيلة بدل المنفعة، وشأن الفضيلة المحبة والتجاذب وعن هذا تنشأ السعادة وتزول العداوة
  • ودستورها في الحياة التعاون بدل الصراع والقتال وشأن هذا الدستور الاتحاد والتساند…وإن فكرتها الجامعة الجماهير البشرية فطرد العنصرية والقومية السلبية ووضع رابطة الدين والانتساب الوطني والمهني والنوعي وأخوة الإيمان مكانها”. (النورسي،2012: 487)

                                               ويلفت بديع الزمان الانتباه إلى التحالف الذي وقع بين الاستبداد والقومية لتقويض الوحدة والتنكيل بالعاملين على ترسيخها من الصحابة الكرام وأهل البيت رضوان الله عليهم وقد أصاب سعيد النورسي في القيام بمراجعات تاريخية لبيان الضرر الذي ألحقه ذلك التحالف بالوحدة الإسلامية ضرب لذلك مثلا بحروب ساداتنا علي والحسن والحسين رضوان الله عليهم مع الأمويين فحروب علي كرم الله وجهه مع معاوية اعتبرها “حربا بين الخلافة والسلطنة”( النورسي،2013:  59) أي بين الخلافة والملك “أما كفاح سيدنا الحسن والحسين – رضي الله عنهم- مع الأمويين فكان معركة بين الدين والقومية”  (النورسي،2013:  59)،وإننا في عصرنا نرى من يستدعي الصفحات السوداء من كتاب التاريخ الإسلامي ليمارس القتل على الهوية ويشيع الاشتباكات المذهبية والحروب الطائفية ويريد أن يثأر للشهيد السعيد سيدنا الحسين ممن يعتبرهم يزيد العصر وأنصار يزيد العصر وما أحوجهم لبسط صفحة من تسامح وشفقة سعيد النورسي.

2 -التعصب المذهبي

                                               وهو مظهر من مظاهر غياب الإخلاص لأن من إخلاص الدين لله تعالى التجرد من كل تعصب لأن فيه حظ النفس، يقول تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾،( لقرآن الكريم، 98: : 5.)  وقد قال الشيخ محمود شلتوت في معرض تفسيره لقول الله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾( (لقرآن الكريم،2: : 281.) :”يشمل الأمر بالتجرد عن كل هوى من شأنه أن يخل بتقوى الله حيث يتجه المرء إلى محراب العلم ملتمسا أن يفيض الله عليه من نفحاته، إن المتقي لله في مقام ابتغاء العلم ذلك الذي لا تأخذه عصبية، ولا تسيطر عليه مذهبية، ولا ينظر يمينا ولا شمالا دون قصده”. (حمود شلتوت،: 18.)

لقد حذر رسول الله – صلى الله عليه وسلم-من الدعوة إلى العصبية أو الغضب لعصبية، فقد روى الإمام النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: من قاتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية أو يغضب لعصبية فقتل فقتلته جاهلية”، ( سنن النسائي، 7/ 123.)  قال الشارح (السيوطي):”أي كما يموت أهل الجاهلية من الضلال والفرقة”. ( سنن النسائي، 7/ 123.)

لقاد عاب النورسي مسلكين اثنين وهما: التعصب للمذاهب والانسلاخ من أي مذهب وكلاهما مضر بالوحدة والأخوة والتعايش ومكدر لصفاء العقيدة والإيمان “فالتعصب المذهبي يتسبب في التعميم والالتزام بالتعميم يتسبب في النزاع” (النورسي،2012: 497- 498)  ،والتعميم ظلم وعدم إنصاف وبسببه كثرت الفرق وتقاتلت وكفر بعضها بعضا فكفر بعض أهل السنة جميع الشيعة لأن فيهم روافض وكفر بعض الشيعة جميع أهل السنة لأن فيهم نواصب وكفر البعض الصوفية جميعهم لأن من بينهم الممخرقين وأصحاب الشطحات أما الذين يريدون الانسلاخ عن المذاهب فيحملهم على ذلك في نظر الأستاذ الغرور والإعجاب بالنفس فيدعون أهلية الاجتهاد ويحمل التراث الفقهي الذي دونته الكتب المسؤولية عن حجب المسلمين عن حقائق القرآن ولذلك دعا إلى أن تكون الكتب الفقهية “شَفَّافة لعرض القرآن الكريم وإظهاره”،كما دعا لتجاوز التعصب المذهبي إلى القيام باجتهاد جماعي قائم على الشورى وتبادل الرأي والاستفادة من ثمرات العقول لأنه “في الزمان الغابر كان الحاكم شخصا واحدا ومفتيه ربما شخص واحد أيضا يصحح رأيه ويصوبه” ،أما وأن الزمان الآن هو زمان الجماعة فإن الاجتهاد لا يكون “موضع عمل إلا عندما يقترن بتصديق نوع من إجماع الجمهور”

وعالج النورسي التعصب المذهبي في دائرة أكبر أي الخلاف بين السنة والشيعة حيث دعا الفريقين إلى إنهاء النزاع والخصام وإلا “فإن الزندقة الحاكمة الآن حكما قويا تستغل أحدكما ضد الآخر وتستعمله أداة لإفناء الآخرين وبعد إفنائه تحطم تلك الأداة أيضا”( النورسي،2010: 38)  وهو ما صدقته تصديقا تاما وقائع مؤامرة الغرب ووكلائه لتخريب الربيع العربي بإثارة الحروب والمعارك الطائفية ورأى الأستاذ في إجلال الفريقين لأهل البيت عامل تجميع وتوحيد “فالعالم الإسلامي لا يستطيع تحقيق الترقي المعنوي والوحدة إلا بالاتحاد حول هذه الأسرة”( النورسي،2013: 568)  ،وانتقل إلى دائرة أكبر وهي العمل على إماتة التعصب والنزاع بين المسلمين وغير المسلمين وذلك “بعدم الخلط بين دائرة الاعتقاد ودائرة المعاملات”( النورسي،2013: 34)  وهو ما اعتبره الأستاذ احمد داود أوغلو بلورة نورسية لمفهوم “المواطنة”  (النورسي،،1996: 569)

إن التعصب يعكس في الحقيقة خللا في تدبير الاختلاف وإن حسن تدبيره يقتضي الاعتقاد الجازم بجملة أمور منها:

  • الاختلاف آية من آيات الله عز وجل﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ﴾.  (القرآن الكريم 30: : 21.)
    • الاختلاف طبيعة متأصلة في البشر إلا من رحم الله﴿ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ﴾.  (القرآن الكريم،11:: 118.)
    • إن الحديث المشهور “اختلاف أمتي رحمة”ضعفه ورده غير واحد من العلماء:

أ- عزا السخاوي روايته إلى الإمام البيهقي في المدخل من حديث سليمان بن ابي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-:” مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم يكن في سنتي مني فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة”،( لإمام السخاوي،: 26: العجلوني، ، 1/ 64- 65.)  قال الإمام السخاوي: “جويبر ضعيف جدا، والضحاك عن ابن عباس منقطع”،( لإمام السخاوي،: 26:)  ثم أفاد أن كثيرا من الأئمة – لم يذكرهم- يعتقدون عدم وجود أصل له، ورأى في ذكر الإمام الخطابي للحديث إشعارا بوجود أصل له.  ( لإمام السخاوي، ص: 27.)

ب-ممن اعتقد عدم وجود أصل للحديث المذكور الإمام الزيدي صالح المقبلي فقال: “والعجب ممن يقول الاختلاف رحمة وبيان الكتاب والسنة، ولو صح لما قبل لأنه صادم القطعيات”. (صالح المقبلي،: 415.)

ج- ورد ابن حزم الحديث “لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط”،( بن حزم، 2/ 61.)  أما في قوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾،( القرآن الكريم،11: : 118.)  فقد حكم ابن حزم بالفساد على رأي من ظن أن الآية تعني وللرحمة خلقهم قاصدا بذلك استباحة الاختلاف، فالصحيح عنده (ابن حزم)أن الله تعالى “استثنى من رَحِمَ من جُملة المختلفين، وأخرج المرحومين من جملة المختلفين وعديدهم” (ابن حزم، الإحكام، 2/ 66.)،وعن مجاهد: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾قال: أهل الباطل، ﴿إلا من رحم ربك﴾قال: أهل الحق ليس بينهم اختلاف”، (ابن عبد البر، 2/ 109.)  وعلق ابن عبر البر على تفسير مجاهد فقال: “الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله”. (ابن عبد البر، 109/2.)

أما النورسي فلم يتكلم عن صحة الحديث أو ضعفه وإنما بيَّن ماهية الاختلاف الوارد في الحديث ففرق بين الاختلاف الإيجابي والاختلاف السلبي فالإيجابي هو أن “يسعى كل واحد لإصلاح وترويج مسلكه لا لهدم وتخريب مسالك الآخرين بل يسعى لإكمالها وإصلاحها” (النورسي،2013: 139)، أما السلبي “فهو سعي كل واحد لهدم مسالك وأفكار الآخرين بحقد وعداوة” (النورسي،2013:)، وهذا التقسيم النوري للاختلاف يذكر بتقسيم ابن تيمية رحمه الله له إذا قسمه إلى قسمين:

أ-اختلاف التنوع: يقع على أضرب: (ابن تيمية،: 36.)

أولا: ما يكون فيه كل واحد من القولين أو الفعلين حقا ومشروعا.

ثانيا: ما يكون كل من القولين في معنى القول الآخر، لكن العبارتين مختلفتين.

ثالثا: ما يكون فيه المعنيان مختلفين، ولكنهما لا يتنافيان فكلاهما صحيح.

رابعا: ما يكون طريقتان مشروعتين، كل واحد من المختلفين قد سلك واحدة يشهد الدين لكلتيهما بالحسن لكن الظلم أو الجهل على ذم أحدهما وحده “بلا قصد صالح، أو بلا علم، أو بلا بينة”. (ابن تميمة، ص: 38.)

ب- اختلاف التضاد: يعرفه ابن تيمية بقوله: “القولان المتنافيان إما في الأصول وإما في الفروع عند الجمهور الذين يقولون المصيب واحد، وإلا فمن قال: كل مجتهد مصيب، فعنده من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد”، (ابن تميمة،: 38- 39.) ثم يلفت النظر إلى أن أكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء وسفك الدماء واستباحة الأموال، والعداوة والبغضاء بين الناس هو من القسم الأول (اختلاف التضاد)، لأن إحدى الفرقتين لا تعترف بما مع الأخرى من الحق، (ابن تميمة ،40)والمفضي إلى كل هذا هو التعصب الذي يجتث جذور الإخلاص من قلب المسلم فلا يعرف قبلته لا وجهته.

وحدة المشاعر قبل وحدة الهياكل

إن إيمان النورسي بهذه الحقيقة هو ما جعله لا يعير كبير اهتمام لاقتراح الأشكال المؤسساتية للوحدة وإنما أعطى كبير الأهمية لوحدة القلوب والمشاعر استمداداً من كلمة التوحيد، قال رحمه الله: “إن نقطة التلاقي للاتحاد المحمدي الذي هو حقيقة الاتحاد الإسلامي التوحيد الإلهي وعهده وقسمه الإيمان. وهذا الاتحاد ليس من العادات وإنما هو عبادة” (النورسي، 2013:487)، ولئلا يحسب البعض أن قيام الاتحاد على معنى التوحيد يقصي غير المسلمين قال: “ومنهج هذا الاتحاد هو المحبة أما خصومته فهي للجهل والضرورة والنفاق فليطمئن غير المسلمين أن اتحادنا هذا إنما هو هجوم على هذه الصفات الثلاث ومنهجنا نحو غير المسلمين: الإقناع” (النورسي،2013: 488)، ولقد فصل النورسي القول في الرد على تسعة أوهام ينسبها المعارضون “للاتحاد المحمدي” وهي (النورسي،2013: 488- 494):

1.الاتحاد لا يناسب طرح قضية الدين في هذا الزمان

2.الاتحاد يوقع من لم ينتسبوا إليه في الوهم والقلق

3.لا هدف للاتحاد المحمدي غير التفرقة وغير إيقاع الآخرين في اليأس

4.سيتحفظ ويخاف غير المسلمين من هذا الاتحاد

5.قد يخاف ويستوحش الأجانب من هذا الاتحاد

|6.الاتحاد يحد من الحريات

7.سيولد الاتحاد التنافس والتنافر بين الجمعيات الدينية

8.معظم الذين ينتمون للاتحاد هم من العوام غير المعروفين

9.إن للاتحاد مخططات خفية

فتتبع كل وهم من تلك الأوهام التسعة بالرد والتفنيد وأظهر أهدافه السامية وفلسفته القائمة على معاني المحبة والمودة والأخوة واحترام الأغيار والمخالفين والأجانب وغير المسلمين وعلى معاني الحرية الشرعية وسلامة القصد.

الوحدة ومسألة المهدي: التجديد والتوحيد

إذا كان النورسي قد تناول قضية الوحدة في ارتباطها بالأسباب النفسية والدينية والكونية فإنه لم يستبعد أن تتم الوحدة بدون تلك الأسباب وبشكل خارق وعرض لمسألة ظهور المهدي في آخر الزمان فأكد أولا على أن الله سبحانه “قد بعث من كمال رحمته كأثر حماية لبقاء الشريعة الإسلامية في كل فترة من فترات فساد الأمة مصلحا أو مجددا أو خليفة عظيما ذا شأن، أو قطبا أعظم أو مرشدا أكمل أو أشخاصاً مباركين كالمهدي فرفع الفساد وأصلح الأمة” ،(  النورسي،2013: 327) وبالنظر إلى القدرة الإلهية فظهوره أمر سهل ويسير،إذ”إن القدير ذا الجلال الذي يوجد في ساعة واحدة نموذج فصل الصيف في فصل الربيع ويخلق خلال ساعة واحدة عاصفة الشتاء في الصيف يقدر على تبديد ظلمات العالم الإسلامي بالمهدي”، (النورسي،2013:)ويعتقد النورسي بأن المهدي سيكون قائدا “لجمعية نورانية” يتشكل مجموعها من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، (النورسي،2013 : 328) وهم الذين “يتولون القيادة على رأس جميع السلاسل المباركة في جميع الأقطار والعصور ولهم من الكثرة بحيث إن مجموع هؤلاء القادة السادة يشكل جيشا عظيما فإن تلبسوا شكلا ماديا واتخذوا وضع فرقة بالتساند وجعلوا دين الإسلام رابطة اتفاق ووسيلة انتباه وكأنه الملية المقدسة فلا يستطيع جيش أية أمة من الأمم أن يقاومهم أو يصمد أمامهم” (النورسي،2013:)أي لا بد من تنظيم ومنهاج وعمل.

وإن في نسبة المهدي وجنده إلى أهل البيت تضييقا واضحا لشقة الخلاف مع الشيعة بشأن مسألة المهدي فهم يعتقدون أنه من أهل البيت إلا أنهم يخالفون السواد الأعظم للأمة باعتقادهم بأن المهدي شخص قد ولد وعاش ثم غاب وسيظهر في آخر الزمان وهو الإمام الثاني عشر من الأئمة الاثني عشر الذي يعتقدون بإمامتهم.

وقد ترتب على قولهم بغيبة الإمام الثاني عشر “ثلاث قضايا:

– الأولى ذات طبيعة فلسفية وكلامية مؤداها: هل الحجة تقوم بالإمام الظاهر الحي أم بالإمام الغائب.

– والثانية ذات بعد فقهي وسياسي تتعلق بآلية العمل في أزمنة “الغيبة”.

– والثالثة ذات طبيعة نفسية وسلوكية لها صلة بشيوع عقلية الانتظار.

ومن أخطر ما نتج عن القضية الثالثة انتشار عقلية الانتظار بحيث انزوت مراجع التقليد بعيدا عن الاهتمام بالشأن السياسي العام، واستقالت من كل مهمة تغييرية وأرجأتها إلى ظهور “إمام الزمان “الغائب الذي سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملأت جورا، ولذلك لم تضع الشيعة في حساباتها “إمكانيات الوصول إلى الحكم، ولهذا كانوا يعتبرون فرصة الدولة عندهم هي فرصة دولة الإمام المهدي”، وكان مرمى طرف الفقهاء إذا فسدت الأوضاع أن يتقدموا بالنصح إلى الحاكم ويحذروه مغبة التمادي في الظلم ،وظهرت عقلية الانتظار حتى في مناقشة قضايا فقهية كالخمس ومصرفه والجهاد وإقامة الجمعة.

هذا الانتظار السلبي الاستسلامي عانى أهل السنة والجماعة مثله قديما تحت عنوان “عقيدة الجبر “التي عمل كثير من الحكام المستبدين على نشرها والترويج لها فان أراد حاكم أن ينهب المال العام تعسف في إفهام المسلمين أن مالهم هو مال الله وليس مال المسلمين(كلمة حق يراد بها باطل) ،وإن أراد أن يعهد بولاية العهد لابنه قال لهم:”إن الله أرى أمير المومنين في ابنه رأيا حسنا “وإن عارض معارض اتهم بشق عصا الطاعة،ومفارقة الجماعة، ومعاكسة”قدر الله”،وهكذا دواليك.

إن المهدي في نظر النورسي لن يأتي بدين جديد،وإنما هو بشر عادي سيقيم العدل وينتصر للحق والمستضعفين،وسيقوم بثلاث وظائف:الأولى هي “نشر الإيمان التحقيقي وإنقاذ الإيمان من الضلالة”، (النورسي،2014: 195)والثانية هي “تنفيذ الشريعة الغراء وتطبيقها”،( النورسي ،2014)والثالثة هي “خدمة الإسلام بإعلان الخلافة الإسلامية مستندا إلى الوحدة الإسلامية،والاتفاق مع الروحانيين النصارى الذين يلتحقون به خدمة للإيمان”. (النورسي،2014:)

خاتمة

ختم الله لنا بالبشارة والسعادة والحسنى وزيادة

لقد تمهَّد بما ذُكِر وسُطِّر في هذا المكتوب بيان وإيضاح جهود مصلح من المصلحين الكبار والمجددين الأفذاذ في بناء الإنسان والأمة على ركيزتي كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة بأفصح بيان وأصدق جنان وإن القول المحيط بنتائج ذلك البيان يقتضي رسم أمور تشكل بأجمعها فلسفة الوحدة وشروطها في فكر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي – رحمه الله-وهي:

  1. تنسلك جهود النورسي لإقامة الوحدة في سلم الموكب النوراني من الأنبياء والمصلحين والعلماء والعارفين والربانيين الذين عاشوا حياتهم لكلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.
  2. اعتمد النورسي المدخل الروحي التربوي لبناء الإنسان الوحدوي الذي تنعكس مشاعر المودة والمحبة والأخوة والتساند على محيطه فيفيض خيره على غيره وبذلك لامست حركاته الإصلاحية ودعواته للوحدة العمق الشعبي.
  3. لم يقع النورسي في آفة التعميم عند حديثه عن شروط الوحدة فالاختلاف منه سلبي ومنه إيجابي والقومية منها ما هو سلبي ومنها ما هو إيجابي وغير المسلمين ليسوا كلهم أعداء للوحدة فمنهم روحانيون قريبون جدا من التصور الإسلامي لقضايا الدين والعقيدة.
  4. من الخطأ اعتقاد أن آخر موقف للنورسي من السياسة آل إلى الهروب منها واعتزالها والصحيح أن موقفه كان يتغير منها بحسب الظروف المحيطة ولم يتحرج من اتخاذها وسيلة لخدمة الدين لا العكس.
  5. تعطى الأولوية في بناء الوحدة لتأليف القلوب قبل توحيد الهياكل والمؤسسات
  6. إن السعي لتحقيق الوحدة يتخذ منحيين: منحى فردي ركيزته “الإخلاص” حتى لا تنقلب الأخوة إلى عداوة والتواصل إلى هجران وتقاطع ومنحي جماعي ركيزته “الولاية” أو “الفناء في الإخوان” حتى لا تشيع في المجتمع الفوضى والاضطراب
  7. من الإخلاص الاعتقاد بأن السعي إلى الاتحاد عبادة وبأن الوحدة فريضة.
  8. إن الولاية تنبع من الإيمان بعقيدة واحدة.
  9. اعتبر النورسي ثلاثة عوامل معاول لتخريب الإخلاص والولاية والوحدة وهي: الاستبداد والقومية والتعصب المذهبي
  10. إن الاستبداد في نظر النورسي يقطع أوصال الوحدة والأخوة والانسجام والمودة والتحاب ويشيع الأنانية والتكبر والتسلط والفردية والذلة والتملق للحاكمين ويخاصم العقل والحرية
  11. المخرج من الاستبداد يكون بالشورى والحرية الشرعية وسمو القانون
  12. توجد الجماهير التربة الصالحة لاستنبات الاستبداد باستقالتها من التدبير والتفكير
  13. الدعوة إلى القومية إما أن تكون بحق ترتكز على الخير والعدل والسلام، وإما أن تكون بباطل ترتكز على العلو والاستكبار في الأرض بغير حق والتوسع.
  14. إن مدنية القرآن هي فلسفة الوحدة ونظريتها: فهي تؤمن بقوة الحق لا بحق القوة وبالفضيلة لا بالمنفعة وبالتعاون لا بالصراع.
  15. إعادة بناء الوحدة يستلزم القيام بمراجعات تاريخية أدناها ملاحظة الخطر الذي مثله التحالف بين الاستبداد والقومية في الفتن التي عرفها صدر التاريخ الإسلامي
  16. التعصب للمذاهب والانسلاخ من المذاهب كلاهما مضر بالوحدة وكلاهما مظهران من مظاهر غياب الإخلاص
  17. إن القيام باجتهاد جماعي يحد من التعصب المذهبي ويحد من تدخل الحاكم في الاجتهاد ويجمع شتات العلم ويمد الفقيه والمجتهد بالرؤية الكلية.
  18. إن التفاهم السني الشيعي ضروري لإنجاح الوحدة، والمؤامرات تسعى لاستغلال أحد الفريقين ضد الآخر والهدف هو القضاء على الإسلام نفسه.
  19. سيسعى المهدي، وهو رجل مصلح مجدد ومجتهد مرشد وخليفة عادل إلى خدمة الإيمان وبناء الوحدة بما لا يعارض السنن الإلهية في الوجود.
  20. يقود المهدي تنظيما نورانيا خواصه وجيشه من أهل البيت الكرام أهدافه ووظيفته هي: نشر الإيمان التحقيقي وإنقاذ الإيمان من الضلالة وتنفيذ الشريعة الغراء وتطبيقها، خدمة الإسلام بإعلان الخلافة الإسلامية مستندا إلى الوحدة الإسلامية.

فهرس المصادر والمراجع

القرآن الكريم، رواية ورش

  1. ابن الأثير محمد بن محمد الشيباني (ت 630 هـ) الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتاب العربي، ط.6، بدون تاريخ
  2. ابن تيمية، عبد الحليم (ت 728 هـ) اقتضاء الصراط المستقيم، بيروت، دار الفكر، بدون تاريخ
  3. ابن الجوزي، عبد الرحمان بن علي البغدادي (ت 597 هـ) نواسخ القرآن، بيروت، دار الكتاب العلمية، ط.1. 1407 هـ
  4. ابن حجر، أبو الفضل أحمد علي الكيلاني، (ت 852 هـ) فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت، دار الفكر، بدون تاريخ.
  5. ابن حزم، أبو محمد علي بن محمد (ت 456 هـ) الإحكام في أصول الأحكام، بيروت، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ
  6. ابن حنبل، أحمد (ت 241 هـ) المسند، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، بيروت، دار الفكر، ط.1. 1991 م.
  7. ابن عبد البر، أبو عمر يوسف (ت 463 هـ) جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، بيروت، دار الفكر، بدون تاريخ.
  8. الإفريقي، ابن منظور محمد بن مكرم (ت 711 هـ) لسان العرب، بيروت، دار صادر، ط.1. 1990
  9. الألوسي، محمد أبو الفضل (ت 1270 هـ) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ.
  10. البخاري، محمد بن إسماعيل (ت 256 هـ) الجامع الصحيح، بيروت، علم الكتب، ط.5. 1986.
  11. السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر، مكة المكرمة، مكتبة دار المنار، 1994
  12. الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة (ت 279 هـ) السنن، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، بيروت، دار إحياء التراث
  13. الجوهري، إسماعيل بن حاد (ت 393 هـ) تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، بيروت، دار العلم للملايين، ط.4. 1990.
  14. الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر (ت 538 هـ) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ترتيب وتصحيح: مصطفى حسين أحمد، بيروت، دار الكتاب العربي، ط.3. 1987.
  15. السخاوي، محمد بن عبد الرحمان (ت 902 هـ) المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، مصر، مكتبة الخانجي.
  16. الشوابكة، أحمد فهد حركة الجامعة الإسلامية، الأردن، كتبة المنار، ط.1. 1984.
  17. شاكر، أحمد محمد التاريخ الإسلامي (مجلد 8: الدولة العثمانية)، بيروت
  18. شريعتي، علي (ت 1978 م) الأمة والإمامة، بيروت، دار الأمير، 1992.
  19. عبد الكريم الشيرازي الوحدة الإسلامية أو التقريب بين المذاهب السبعة، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط.2. 1992 م.
  20. العجلوني، إسماعيل بن محمد (ت 1162 هـ) كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس،/ بيروت، دار الكتب العلمية، ط.3. 1988 م.
  21. علي بن أبي طالب (ت 40هـ) نهج البلاغة بشرح محمد عبده، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، مصر، مطبعة الاستقامة، بدون تاريخ.
  22. القرطبي، محمد بن أحمد (ت 671 هـ) الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد عبد الحليم البردوني، القاهرة، دار الشعب، ط.2. 1378 هـ.
  23. كيلاني، ماجد عرسان الأمة المسلمة: مفهومها، مقوماتها، إخراجها، العسر الحديث للنشر، ط.1. 1992.
  24. المؤتمر العالمي لبديع الزمان سعيد النورسي، اسطنبول،1996
  25. المخزومي، محمد باشا خاطرات جمال الدين الأفغاني، بيروت، دار الحقيقة، ط.2. 1980.
  26. المقبلي، صالح بن مهدي (ت 1118 هـ) العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ، مصر، ط.1. 1328 هـ.
  27. النسائي، أبو عبد الرحمان أحمد بن شعيب (ت 303 هـ) السنن (بشرح السيوطي وحاشية السندي)، بيروت، دار الكتاب العربي.
  28. النورسي، بديع الزمان سعيد (ت 1961 هـ) الإخلاص والأخوة، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، الدار البيضاء، الأحمدية للنشر، ط.1. 2001.
  29. النورسي، بديع الزمان سعيد، المكتوبات، دار السنابل الذهبية، القاهرة، مصر،ط1،  2013
  30. النورسي، بديع الزمان سعيد، الكلمات، دار السنابل الذهبية، القاهرة، مصر،ط1،  2013
  31. الخطبة الشامية في علاج أمراض الأمة الإسلامية، ترجمة وتحقيق: إحسان قاسم الصالحي – ، ط1. .2001 الأحمدية للنشر. الدار البيضاء.
  32. النورسي، بديع الزمان سعيد، اللمعات، دار السنابل الذهبية، القاهرة، مصر،ط1،  2013
  33. الملاحق، ترجمة إحسان قاسم الصالحي،شركة سوزلر،مصرنالقاهرة،ط 6
  34. الهيثمي، علي بن أبي بكر (ت 807) مجمع الزوائد، دار الريان (القاهرة)، دار الكتاب العربي (بيروت)، 1407 هـ.

ثــالــثــا: المجلات والإصدارات:

  1. مجلة المنطلق، لبنان، عدد 98، 1413 هـ.
  2. المنطلق، لبنان، شتاء 1995، عدد 110.
  3. المنطلق، لبنان، شتاء 1995، عدد 111.
  4. المنطلق، لبنان، شتاء 1995، عدد 113.
  5. الوحدة، الرباط، عدد 65، السنة 6، فبراير 1990.