Press "Enter" to skip to content

جهود الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في خدمة الفكر الإسلامي

أسامة حسن

باحث في دراسات رسائل النور وعضو هيئة التدريس بجامعة الوفاق الدولية بالنيجر

المستخلص

تناول هذا المقال جهود الامام النورسي في خدمة الفكر الإسلامي. وقسم المقال إلى محورين أساسيين: المحور الأول تحدث فيه عن سيرة الامام النورسي. والمحور الثاني تناول فيه مقتطفات لجهود الامام النورسي في خدمة الفكر الاسلامي، ومن أهمها:

انقاذ الايمان بحيث يعتقد الامام النورسي أن أعظم خطر على المسلمين في هذا الزمان هو فساد القلوب وتزعزع الإيمان بضلال قادم من الفلسفة والعلوم، وإن العلاج الوحيد لإصلاح القلب وإنقاذ الإيمان إنما هو النور وإراءة النور

اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويعبر عن أهمية ذلك، بأن مراعاة أبسط الآداب النبوية يشعر بتقوى عظيمة وايمان قوي راسخ؛ بل تتحول في الدقائق التي تراعى فيها السنة الشريفة أبسط المعاملات العرفية والتصرفات الفطرية – كآداب الاكل والشرب والنوم وغيرها – الى عمل شرعي وعبادة مثاب عليها؛ لأن الانسان يلاحظ بذلك العمل المعتاد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتصور أنه يقوم بأدب من آداب الشريعة، ويتذكر انه صلى الله عليه وسلم صاحب الشريعة، ومن ثم يتوجه قلبه الى الشارع الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، فيغنم سكينة واطمئنانا ونوعا من العبادة.

الجمع بين العلوم ومن أهم ما جاء به الامام النورسي هذه الفكرة والتي يعني بها دراسة العلوم الدينية إلى جانب العلوم الكونية، وكان يرى – رحمه الله -أن ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلّى الحقيقة، فتتربّى همة الطالب، وتعلو بكلا الجناحين، وبافتراقهما يتولَّد التعصب في الأولى، والحيل والشبهات في الثانية. وثمة نقاط أخرى تناولها الباحث في هذا المقال ولكن لم ترد في المستخلص لذا يحيل القارئ إليها من خلال نص المقال أو من خلال العودة الى المراجع التي استخرج منها تلك المقتطفات.

الكلمات المفتاحية: الفكر الإسلامي، الإمام النورسي، إنقاذ الإيمان.

The Efforts of Imam Badeezaman Said Nursi in The Service of Islamic Thought

Abstract

The efforts of Imam Nursi is the service of Islamic thought. This article is about the role played by Imam Nursi in the field of Islamic thought. It tries to shed light on his efforts in trying to rescue the belief among Muslims. The study focuses on the role of Imam Nursi in the field of combining the traditional Islamic sciences and the modern sciences in fields. The study highlights the opinion of Imam Nursi that religious sciences and Islamic traditional sciences play an important role in illuminating the mind and the heart.

Keywords: Islamic thought, Imam Nursi, Rescue the Belief

المقدمة:

الامام النورسي أحد أعلام الفكر الاسلامي البارزين الذي وفق بالدور الكبير للتصدي أمام الحملة العلمانية الظالمة لسلخ الهوية الاسلامية بالعالم ابتداء من الغاء الخلافة الاسلامية “الخلافة العثمانية ” بتركيا، وقد وفق الامام النورسي خير توفيق في التصدي أمام الحملة فلم تقتصر جهوده الاصلاحية والتجديدية في الفكر الاسلامي على تركيا فحسب؛ بل تجاوزها إلى العالم الإسلامي والغربي عن طريق رسائل النور، النابعة من تعاليم القرآن الكريم، الدستور الأزلي لجميع البشرية وفي مختلف الأزمنة.

وهذه الرسائل نالت اهتمام المسلمين وغير المسلمين دراسة وقراءة وقيام دراسات حولها، إذ يجد فيها كل دارس ما يتناسب اهتماماته، وقد عقد مؤتمرات وندوات علمية عالمية للاستفادة من مضمونها في التطبيقات الواقعية، فنالت قبولا من جميع بقاء العالم، بحيث وردت شهادات غير المسلمين رسائل النور، ومن المسلمين يلاحظ تأثرا جليا في سلوك وتفكير قارئيها.

فمن خلال هذا وغيره يمكن القول بأن رسائل النور اضافة حقيقية قوية في الفكر الاسلامي.

ولذا يأتي هذا المقال ليسهم في اقتطاف واستنتاج بعض جوانب جهود الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في خدمة الفكر الاسلامي، سعيا لتوسيع دائرة المستفيدين حول العالم، وسيحتوي المقال على محورين رئيسين هما:

  • المحور الأول: نبذة مختصرة للتعريف بالإمام بديع الزمان سعيد النورسي.
  • المحور الثاني: مقتطفات من جهود الامام النورسي في خدمة الفكر الاسلامي.

المحور الأول: نبذة مختصرة للتعريف بالإمام النورسي:

اسمه ولقبه:

هو سعيد ميرزا النّورسي، ولد في قرية “نورس” التابعة لمحافظة “خيزان” من ولاية “بتليس” شرقي تركيا عام1877 م1293 ه (كورت، 2:2018)

تعرض في طفولته لظروف قاسية كانت السبب في نضوج تفكيره في الجانب الإيماني، ومن تلك الظروف وفاة والدته وهو طفل صغير حيث كان في التاسعة من عمره، وفي الخامسة عشر توفيت أخواته الثلاثة، كما توفى لاحقا اثنان من إخوته، ولم يتبق له سوى أخ واحد من أسرته المكونة من سبعة من الأخوة والأخوات.

لقبه:

ومن ألقابه بديع الزمان حيث لقبه به أستاذه الملا فتح الله في مرحلة طفولته لقوة ذاكرته وذكائه الفذ، ووجد هذا اللقب قبولا عند جميع العلماء في شرق تركيا (كورت، 2018: 2)، وسعيد المشهور، وسعيد القديم وسعيد الجديد، ويعبر اللقب الأخير عن مرحلتين مختلفتين عاشهما النّورسي، حيث انشغل في الأولى باهتمامات متنوعة، بينما ركّز في الفترة الثانية على الجانب الإيماني وتعزيزه في نفوس تلامذته وأتباعه (النورسي، 22:2011)

نشأته:

ترعرع الأستاذ النورسي في جبال كردستان ونشأ فيها، نشأ شجاعاً صبوراً مع جرأة وعزة نفس وثبات على المبدأ وجهر بما في قلبه دون مواربة ٍ أو خوف هذا ما أكده في حواره مع الطبيب الذي أرسل إليه لتأكيد اتهامه بالجنون. قال له وهو يحاوره (إني ترعرعت في جبال كردستان …. وتعلمت الجسارة وعزة النفس والثبات في الدين وانطباق اللسان على ما في القلب)  (النورسي ،2011: 70)

عاش النورسي في تلك البيئة مع عائلته يدرج في مغاني قريته الصغيرة ويفتح عينيه على الحياة حتى بلغ الثامنة أي في عام 1885م -1302هـ (النورسي ،2011: 43) وبدا يخطو خطواته نحو العلم والتعلم فحفظ القرآن أولاً. وفي ربيعه التاسع ابتلي بفقد والدته ولكن الله أبدله بحضن أخته (دريه) التي أغدقت عليه من الحنان ما أغدقت، وعوضته عن حضن أمه ورعته.  (النورسي ،2011: 36)

شيوخه وطلبه للعلم:

أقسم بالله إن أرسخ درس أخذته، وكأنه يتجدد علي، إنما هو تلقينات والدتي رحمها الله ودروسها المعنوية، حتى استقرت في أعماق فطرتي واصبحت كالبذور في جسدي، في غضون عمري الذي يناهز الثمانين رغم أني قد أخذت دروسًا من ثمانين ألف شخص (النورسي، 32:2011).

وقد تجول الإمام بديع الزمان بعد عهد شبابه -الذي كان يشتغل فيه بالعلم والرياضة الروحية -في المراكز العلمية الكثيرة مثل بتليس وشروان وسعرد وتيللو وماردين، وفي المدارس الموجودة في تلك المناطق، والتقى بأشهر العلماء في عصره وجالسهم.

وبناء على هذا درس بجهده الشخصي العلوم كالرياضيات، والجيولوجيا، والفيزياء، والكيمياء، وعلم الفلك، والتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة في فترة وجيزة.

وقد تميز النّورسي بغزارة علمه، ومما يدلّل على ذلك إتقانه لأربع لغات هي: العربية والكردية والتركية والفارسية.

الخبر الذي غير مجرى حياته

وطوال المدة التي أقام فيها في “وان” والتي قاربت خمس عشرة سنة اشتغل بالتدريس وبوعظ العشائر وإرشادها، حتى إِنَّه عُرِفت له مدرسة خاصة هناك، وكانت تسمى “خُرخر”، وفي أثناء وجوده في قصر الوالي طاهر باشا قرأ نبأً في الجريدة أحدث انقلابًا في حياته، وهو أن وزير المستعمرات البريطاني غلادستون قال مشيرًا إلى مصحف بيده: “ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، فلنسعَ إلى نزعه منهم أو إبعادهم عنه مهما كان الثمن” (النورسي ،2011: 65).

وقد أثّر في روح الأستاذ هذا الخبر تأثيرًا بالغًا فأخذ عهدًا على نفسه وقال: “لأبرهننّ ولأُظهرنّ للعالم أجمع أن القرآن شمس معنوية لا تخمد، ولا يمكن إخمادها”، ووقف حياته لإثبات قضيته هذه. (كورت، 16:2018)

مرحلة انطلاق رسائل النور

في السنوات الثمان التي قضاها الإمام النورسي في بارلا بدأ بتأليف رسائل النور التي عبارة عن تفسير لمعاني القرآن وإثبات لحقائق الإيمان بأدلة عقلية قوية.

هذه هي كليات رسائل النور التي بدأ كتابتها في بارلا؛ لإظهار قبس من معجزات القرآن المعنوية، حقاً إن هذه الرسائل تكشف النقاب عن الأدلة الدامغة التي توجد في القرآن الكريم عن حقائق الإيمان، تسكت أفواه الملحدين تماماً وتدمغهم، فقد أضحت سيفاً ماسياً في يد القرآن الكريم وحازت على مدحه.

في أحضان الجبال الوعرة ولكنها جميلة، الخضرة على أكتاف الوادي أعادت إلى ذاكرته صور قريته ” نورس ” في هذه العزلة في أحضان هذه القرية تفرغ للتفكر في القرآن الكريم، الإلهامات التي أمطرت عليه إثر هذا التفكر كان يمليها على بعض تلاميذه الذين يعرفون الكتابة بالأحرف القرآنية ” العربية ” هكذا انبثق تأليف رسائل النور وهكذا خرج للوجود زر وردها.

لم يخطر على بال الذين نفوه إلى بارلا أن ثمار فواكه القرآن ستثمر وتشع هناك، مع هذه المناظر الخلابة والسكون التام المخيم في الأجواء والعزلة التي يبحث عنها بدأ بكتابة الأدلة الدامغة القوية لإثبات حقائق الإيمان، ما قاموا به لمنعه انقلب إلى رحمات بالنسبة للإمام النورسي وقد تحدث عنها هكذا:

“إن أهل الدنيا استخدموا كل نفوذهم وقوتهم، تركوا أصحاب النفوذ والمشايخ مع أقربائهم وذويهم في مدنهم، تركوهم ينخرطون في المجتمع ومنعوني ظلماً وعدواناً من ذلك، تركوني وحيداً لم يسمحوا لأقربائي بزيارتي إلا شخصاً أو شخصين، هذا الحصار انقلب إلى رحمة ونعمة بالنسبة لي، أصبحت صافي الذهن بعيداً عن الفوضى الفكرية وصار قلبي متفرغاً لاستمطار فيوضات القرآن (النورسي،2011: 35) “.

في فترة إقامته في بارلا في بيت متواضع أمام شجرة تين عالية عندما يتجول بين بساتينها وجبالها الشاهقة وسهولها كان يملي الفيوضات التي ترد على قلبه على تلاميذه الذين كانوا معه مثل صديق سليمان والحافظ توفيق الشامي والحافظ خالد والمعلم غالب، وعندما يكون لوحده يكتبها بخط يده[1]، حيث بلغ عدد هذه الرسائل التي ألفها في بارلا 119 رسالة.

كيف كان النورسي يدبر أمور حياته

إن من أهم النقاط التي تلفت الانتباه في حياة الإمام النورسي أنه لم يكن له مورد معلوم للمعيشة ولم يكن يقبل المساعدة من أحد رغم أنه لا يقبل الهدايا والعطايا كيف كان يمضي حياة سعيدة دون أن يحتاج لأحد، أما عدم قبوله الهدايا فقد بين ذلك وها نحن ننقل لكم بعضاً من بياناته:

“الملاحدة يتهمون العلماء بأنهم يتسترون بالدين للوصول إلى المال، ينبغي أن نري الناس بطلان هذه التهم وتهافتها وأن دعواهم كاذبة عارية عن الصحة (النورسي،2011: 8)”.

“إن التوكل والقناعة والاقتصاد في المعيشة أكبر ثروة لا يمكن استبدالها بأي شيء، لا أريد أن آخذ أموال الناس وأغلق خزينة هذه الثروة الكبرى، إنني أشكر الرازق ذا الجلال أنه لم يضطرنيإلى الذلوإلى الاستذلال تحت منة أحد من الناس من نعومة أظفاري إلى الآن وأدعوه مستنداً إلى ركن كرمه أن أفني بقية عمري هكذا أيضاً (النورسي،2011: 9) “.

وفاة الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في 23 مارس 1960

في مساء يوم الأربعاء 23 مارس 1960 وفي هجيع الليل الأخير كان المجدد الكبير للإيمان على فراس الموت ضمن لفح حرارة جسمه يفقد روحه رويداً رويداً حتى فارقت جسده تاركاً هذه الدنيا الفانية ملتحقاً بعالم الآخرة وكان ساعة وفاته في ليل 25 رمضان، أفنى عمره كله حتى لا يبقى القرآن بلا جماعة ضحى خادم القرآن الكبير هذا بكل شيء من أجل ذلك

وقد تحدث السيد علي كجوك صاحب الروح الكبيرة أحد طلبة النور البارزين والذين عاينوا تلك الأيام الأخيرة عن قرب تحدث عن حادثة مهمة وذكر أن الإمام بديع الزمان أوصى بما يلي:

أستاذنا الإمام قبل وفاته وقبل رحلته إلى أورفه جاء إلينا في إسبارطة وجمع طلبته وخاطب السيد خسرو قائلاً: أخي خسرو أنا ذاهب وأنت سوف تتعهد بمواصلة الدعوة.

أجابه السيد خسرو قائلاً: أستاذنا وسيدنا أنا كبرت كما أنني مريض ولو أوصيت بهذا الواجب لأحد طلابنا الشباب، فأجابه النورسي قائلاً: بعدي ستكون بصحة جيدة كشاب في الخامسة أو السادسة عشر.

هكذا أودع الأمانة لدى السيد خسرو وبعدها ذهب الإمام النورسي وبعد ذهاب بأيام سمعنا خبر وفاته في أورفة من الإذاعة.

المحور الثاني: مقتطفات من جهود الامام النورسي في خدمة الفكر الاسلامي

ساهم الإمام بديع الزمان سعيد النورسي بإضافات جليلة في الفكر الإسلامي ومن أهمها:

  1. إنقاذ الايمان:

يعتقد الامام النورسي اعتقادًا جازمًا أن أول وسيلة لكسب الحياة الأبدية هو الإيمان، لذا فهو يرى أنه من الأوجب والألزم أن يعمل المرء بكل همته في هذا العصر من أجل الإيمان، ويقول في هذا الشأن:

إن أعظم خطر على المسلمين في هذا الزمان هو فساد القلوب وتزعزع الإيمان بضلال قادم من الفلسفة والعلوم، وإن العلاج الوحيد لإصلاح القلب وإنقاذ الإيمان إنما هو النور وإراءة النور، فلو عُمل بهراوة السياسة وصولجانها وأُحرز النصر، تدنى أولئك الكفار إلى درك المنافقين، والمنافق أشد خطرًا من الكافر، فصولجان السياسة إذن لا يُصلح القلب في مثل هذا الوقت، حيث يُنزل الكفر إلى أعماق القلب ويتستر هناك وينقلب نفاقًا، ثم إن شخصًا عاجزًا مثلي، لا يمكنه أن يستعمل النور والهراوة معًا في هذا الوقت؛ لذا فأنا مضطر إلى الاعتصام بالنور بما أملك من قوة، فيلزم عدم الالتفات إلى هراوة أيًّا كان نوعها”

ولذا كرس الامام النورسي كل جهوده في انقاذ الايمان وتقويته

  • اتباع السنة:

المطلع على رسائل النور يلاحظ مدى اهتمام الامام النورسي بالسنة النبوية المطهرة فتجده يقول: في اللمعة الحادي عشرة من مؤلفاته:

“أجل! إن إتباع السنة المطهرة لهو حتما ذو قيمة عالية، ولاسيما اتباعها عند استيلاء البدع وغلبتها، فان له قيمة أعلى وأسمى، وبالأخص عند فساد الأمة، اذ تُشعر مراعاة أبسط الآداب النبوية بتقوى عظيمة وايمان قوي راسخ؛ ذلك لأن الاتباع المباشر للسنة المطهرة يذكّر بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فهذا التذكر الناشئ من ذلك الاتباع ينقلب الى استحضار الرقابة الإلهية، بل تتحول في الدقائق التي تراعى فيها السنة الشريفة أبسط المعاملات العرفية والتصرفات الفطرية – كآداب الاكل والشرب والنوم وغيرها – الى عمل شرعي وعبادة مثاب عليها؛ لأن الانسان يلاحظ بذلك العمل المعتاد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتصور أنه يقوم بأدب من آداب الشريعة، ويتذكر انه صلى الله عليه وسلم صاحب الشريعة، ومن ثم يتوجه قلبه الى الشارع الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، فيغنم سكينة واطمئنانا ونوعا من العبادة.

وهكذا، فإن من يجعل اتباع السنة السنية عادته، فقد حول عاداته إلى عبادات، ويمكنه أن يجعل عمره كله مثمرا، ومثابا عليه”(النورسي، 53:2010)

كما قدم جانبا كبيرا في التعريف المصطفى صلى الله عليه وسلم في كتاب ذو الفقار وركز على ذكر شمائله المطهرة وجزء من معجزاته عليه الصلاة والسلام.

  • الجمع بين العلوم:

وفي هذا الاطار جاء النورسي بفكرة جديدة في التربية والتعليم وهي الجمع بين العلوم وقال في ذلك: “إن الحلّ  حيال تخطيطات الأعداء الداخلية والخارجية لإسقاط الدولة العثمانية، ومن ثَمَّ لمحو الإسلام؛ هو نشر التعليم القوي الذي يلبِّي متطلبات العصر الراهن، والذي يتخذ اتفاق القلب والعقل أساسًا له، ويجعل المسلمين يتفوقون على الغرب فكرًا وعلمًا، وكان يرى – رحمه الله – أن ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلّى الحقيقة، فتتربّى همة الطالب، وتعلو بكلا الجناحين، وبافتراقهما يتولَّد التعصب في الأولى، والحيل والشبهات في الثانية”. (كورت، 16:2018)

ومن هذا المنطلق طرح الإمام بديع الزمان فكرة ضرورة تأسيس الجامعة الإسلامية في شرق تركيا التي أَطلَق عليها اسم “مدرسة الزهراء”، التي وصفها بأنها ستكون أختًا لجامعة الأزهر، فأتى إلى إستانبول لتحقيق فكرته هذه، لأنه كان يرى الحل الوحيد للتخلص من الدوامة التي تدور فيها الدولة العثمانية هو في الدراسة القوية، وكان يرى مثل هذه الخدمة التي تجعل أبناء هذه الدولة النبيلة-التي قامت بوظيفة حامل لواء الإسلام خلال العصور الماضية – يعودون إلى قيمهم من جديد؛ أساسًا لحياته.

وقد أجرى له السلطان-بواسطة وزير الداخلية -مرتَّبًا شهريًّا وإحسانات عظيمة، إلا أنه رفض ذلك؛ إذ إنه لم يكن يريد أية منفعة شخصية، بل كان يريد أن يساعدوه في تأسيس جامعته “مدرسة الزهراء” التي تدرَّس فيها العلوم الدينية وعلوم المدنية الحاضرة معًا، لكن لم يُعِر أحد لفكرته اهتمامًا.        

ثم إن الأستاذ المحترم الذي لم يجد الدعم الذي يريده من الدولة التي تأثرت كثيرًا بأحوال العالم الذي أصبح مشهدًا للمؤامرات القبيحة للعالَم الغربي في أوائل القرن العشرين؛ فضَّل وآثر أن يبقى في إستانبول -مركز الخلافة الإسلامية -وأن يخدم الدين بدلاً من أن يرجع إلى بلده مرة أخرى، وكتب مقالات في الصحف، وقابل شخصيات من السياسيين ونصحهم، وكان له دور بارز في تهدئة الجماهير في اجتماعاتهم ومظاهراتهم، وأسَّس جمعية “الاتحاد المحمَّدي” مع أصدقائه بعد إعلان المشر وطية، وتوسعت دائرة هذه الجمعية في وقت وجيز.

  • أسلوب الإقناع (أساليب رسائل النور):

يرى الامام النورسي أن في المجتمعات الإسلامية حالتان مفزعتان حسبما:

أولاهما: انتشار الكفر المطلق الذي يتولد من العلوم والفلسفة المبنية على أسس مادية.

ثانيتهما: تفضيل الناس القطعَ الزجاجية الدنيوية على ألماس الآخرة، بسبب غلبة النوازع البشرية على العقل والقلب، مع أنهم يعلمون قيمة الألماس.

والعلاج الذي تقدمه رسائل النور لهاتين الحالتين هو أن نصائح العلماء القدامى كانت تؤثر في المسلمين في السابق؛ لأن الكفر المطلق لم يكن منتشرا، بل كان الانقياد والتسليم لآراء العلماء سائدًا في المجتمعات الإسلامية، أما الآن فقد انتشر الكفر وضعف الإذعان لآراء العلماء؛ لذا فلا يمكن التأثير في الناس في الوقت الحاضر إلا بتقديم الأدلة والحجج القاطعة.

وقد أثبتت رسائل النور برسائلها الكثيرة بقولها: “إن الغلبة على المدنيين بالإقناع وليس بالجبر كالوحوش التي لا تفهم الكلام” كثيرًا من المسائل الإيمانية بحجج وأدلة قوية قاطعة، ودحضت وفنّدت آراء منكري الحقائق الإيمانية، فقوّت إيمان كثير من الناس.

فالحل الوحيد في إنقاذ مدمني السيئات من بليتهم هذه من وجهة نظر رسائل النور إنما هو بإثبات أن في الإيمان والإسلام لذّات الجنة، بحيث يشعر بها الإنسان حتى في الدنيا، وأن في السيئات والآثام آلام جهنم، ويذوقها المرء حتى في الدنيا.

  • دساتير الاتحاد:

ذكر الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في رسالة الإخلاص بعض الدساتير التي يرى أن التمسك والعمل بها سيمهد لاتفاق وتوحيد صفوف المسلمين، ونذكر هنا على سبيل المثال أربعة منها:

1-العمل الإيجابي، أي أن يعمل الإنسان بموجب محبته لمسلكه، وألاّ تتدخل في فكره وعمله عداوةُ المسالك الأخرى والانتقاصُ من شأن الآخرين، وألاّ ينشغل بهم أصلا.

2-أن يتفق مع الذين هم في دائرة الإسلام مفكرًا في أن هناك كثيرًا من روابط الوحدة التي هي مدار محبة وأخوة واتفاق مهما كان نوع مشربهم.

3-اتخاذ دستور الإنصاف مرشدا ونبراسا، وهو أنه يحِقُّ لكل صاحب مسلكِ حقٍّ أن يقول –من حيث عدم المساس بمسالك الآخرين-” إن مسلكي حقّ” أو “إن مسلكي أحسن”، ولكنه ليس له أن يقول “إن الحق هو مسلكي فحسب” أو “إن الحسن هو مشربي فقط” بما يومئ إلى أن مسالك الآخرين باطلة أو قبيحة.

4-التفكير في أن الاتفاق مع أهل الحق سبب من أسباب التوفيق الإلهي وسبب من أسباب العزة الإسلامية.

  • تشخيص مشكلات العالم الاسلامي

يقو الامام النورسي: “لقد تعلمت الدروس في مدرسة الحياة الاجتماعية البشرية، وعلمتُ في هذا الزمان والمكان أن هناك ستة أمراض جعلتنا نقـف على أعتاب القرون الوسطى في الوقت الذي طار فيه الأجانب -وخاصة الأوربيين-نحو المستقبل”(النورسي، 451:2013) وتلك الأمراض هي:

أولاً: انتعاش اليأس وحياته فينا.       

ثانياً: موت الصدق في حياتنا الاجتماعية والسياسية.

ثالثاً: حبّ العداوة.      

رابعاً: الجهل بالروابط النورانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض.

خامساً: سريان الاستبداد والأمراض المُعدية المتنوعة.

سادساً: حصر الهمة في المنفعة الشخصية.

ولمعالجة هذه الأمراض الستة الفتّاكة، أبيّن ما اقتبستُه من فيض صيدلية القرآن الحكيم -الذي هو بمثابة كلية الطب في حياتنا الاجتماعية-أبيّنها بست كلمات، إذ لا أعرف أسلوباً للمعالجة سواها.

الكلمة الأولى: “الأمل” أي: شدة الاعتماد على الرحمة الإلهية والثقة بها.

نعم، إنه بناءً على ما تعلمته من دروس الحياة، يسرّني أن أزفّ إليكم البشرى يا معشر المسلمين، بأنه قد أَزِفَ بزوغُ أمارات الفجر الصادق ودنا شروقُ شمس سعادة عالم الإسلام الدنيوية وبخاصة سعادة العثمانيين، ولاسيما سعادة العرب الذين يتوقّف تقدمُ العالم الإسلامي ورقيُّه على تيقظهم وانتباههم، فإنني أعلن بقوة وجزم، بحيث أُسمِعُ الدنيا كلها وأنفُ اليأس والقنوط راغم.

لأن المستقبل سيكون للإسلام، وللإسلام وحده، وأن الحكم لن يكون إلاّ لحقائق القرآن والإيمان. لذا فعلينا الرضى بالقدر الإلهي وبما قسّمه الله لنا؛ إذ لنا مستقبل زاهر، وللأجانب ماضٍ مشوش مختلط.

الكلمة الثالثة: “الصدق أساس الإسلام”

لقد علمتني زبدةُ تتبعاتي وتحقيقاتي في الحياة تمخض الحياة الاجتماعية أن “الصدق” هو أس أساس الإسلام، وواسطة العِقد في سجاياه الرفيعة ومزاج مشاعره العلوية. فعلينا إذن أن نحيي الصدق الذي هو حجر الزاوية في حياتنا الاجتماعية في نفوسنا ونداوي به أمراضنا المعنوية.

أجل، إن الصدق هو عقدة الحياة في حياة الإسلام الاجتماعية. أما الرياء فهو نوع من الكذب الفعلي، وأما المداهنة والتصنع فهو كذب دنيء مرذول. وأما النفاق فهو كذب ضار جداً. والكذب نفسه إنما هو افتراء على قدرة الصانع الجليل.

أجل، عليك أن تصدق في كل ما تتكلم ولكن ليس صواباً أن تقول كل صدق، فإذا ما أدّى الصدق أحياناً إلى ضرر فينبغي السكوت. أما الكذب فلا يسمح له قطعاً. 

الكلمة الرابعة: “المحبة”

إن مما تعلمته من الحياة الاجتماعية البشرية طوال حياتي، وما أملَته عليّ التتبعات والتحقيقات هو:

أن أجدر شيء بالمحبة هو المحبة نفسها. وأجدر صفة بالخصومة هي الخصومة نفسها. أي إن صفة المحبة التي هي ضمان الحياة الاجتماعية البشرية والتي تدفع إلى تحقق السعادة هي أليق للمحبة، وأن صفة العداوة والبغضاء التي هي عامل تدمير الحياة الاجتماعية وهدمِها هي أقبح صفة وأضرها وأجدر أن تُتجنب وتُنفَر منها.

إن غرور الإنسان وحبّه لنفسه قد يقودانه أحياناً إلى عداء إخوانه المؤمنين ظلماً ومن دون شعور منه فيظن المرء نفسه محقاً. مع أن مثل هذه العداوة تُعدّ استخفافاً بالوشائج والأسباب التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض -كالإيمان والإسلام والإنسانية-وحطّ من شأنها. وهي أشبه ما يكون بحماقةِ من يرجّح أسباباً تافهة للعداوة كالحصيات على أسباب بجسامة الجبال الراسيات للودّ والمحبة.

أجل، إن أسباب المحبة هي الإيمان والإسلام والإنسانية وأمثالها من السلاسل النورانية المتينة والحصون المعنوية المنيعة؛ أما أسباب العداوة والبغضاء تجاه المؤمن فإنما هي أمور خاصة تافهة تفاهة الحصيات. لذا فإن إضمار العداء لمسلم إضماراً حقيقياً، إنما هو خطأ جسيم لأنه استخفاف بأسباب المحبة التي هي أشبه بالجبال. (النورسي، 466:2013)

الخاتمة:

بعد الاطلاع على مؤلفات الإمام النورسي توصل القارئ إلى أن الإمام بديع الزمان سعيد النورسي قد خلف جهودا جبار في خدمة الاسلام والمسلمين وخاصة ما يتعلق بالجانب الفكر فإن مؤلفات النورسي يمكن أن تعتبر من أكبر الاضافات القيمة في الفكر الاسلامي، حيث امتازه الله بأسلوب بليغ في اقناع السامع والمطلع على رسائل النور، ومما يوضح ذلك بعض النقاط التي سلف ذكرها.

المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم
  • السنة النبوية المطهرة
  1. بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية لدار الخيرات، تركيا، الطبعة الأولى، 2013م.
  2. بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية لدار الخيرات، تركيا، الطبعة الأولى، 2012م.
  3. بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية لدار الخيرات، تركيا، الطبعة الأولى،2010م.
  4. بديع الزمان سعيد النورسي، عصا موسى، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية لدار الخيرات، تركيا، الطبعة الأولى، 2009م.
  5. مجلة دراسات رسائل النور، دار سعداء للنشر، العدد الأول، الطبعة الأولى، تركيا، 2018م.

[1] – من الرسائل الأولى التي كتبت باسم ” المقالات الصغيرة ” من التي كتبت بخط الإمام النورسي.

Be First to Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.