Press "Enter" to skip to content

النظم والبلاغة في فكر الإمام بديع الزمان سعيد النورسي

رضوان جمال الأطرش

الأستاذ المشارك بقسم دراسات القرآن والسنة-كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية – الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا

المستخلص

تروم هذه الدراسة إلى استكشاف معالم نظرية النظم عند واحد من أعلام الفكر البياني وهو الأستاذ العبقري العملاق والعالم الرباني سعيد النورسي رحمه الله، صاحب الهمة العالية والشخصية المتميزة والألمعية الفذة، وذلك من خلال استقراء شبه كامل لرسائل النور، حيث أكد فيها على أهمية دراسة الإعجاز القرآني وخصوصاً فيما يتعلق بالنظم والبلاغة باعتبارهما قوة بيانية إقناعيه لا يستهان بها في زمن هيمنت عليه قوى الفنون وعلوم التكنولوجيا، وباعتبارهما الوجه الأسمى لوجوه القرآن الكريم. وبهذا أظهر النورسي اتفاقه الكامل مع أرباب البلاغة والفصاحة في أن سر الإعجاز في القرآن الكريم يكمن في نظمه. والمنهج الملائم لطبيعة هذا البحث هو المنهج الاستقرائي لجمع الأفكار المبثوثة في ثنايا رسائل النور، ثم استخدام المنهج التحليلي الذي يحتاج إلى مكابدة عقلية شاملة لدراسة أفكار النورسي وترتيبها وتصنيفها ومقارنتها بغيرها من أجل استنباط معالم ثابتة لنظريته الخاصة بالنظم. ومهما يكن من أمر، فإن سعيد النورسي القديم قام بدراسة متقنة لنظرية النظم عند الإمام عبد القاهر الجرجاني، والذي اعتمد أصلاً في تأسيس نظريته على كتاب نظم القرآن للجاحظ، وكتاب إعجاز القرآن في نظمه للواسطي، وكتاب إعجاز القرآن للباقلاني وغيرها من الكتب والدراسات ليبني على أساسها ثقافة قل مثيلها، فهي نادرة وشاملة، أصلت له كي يبني شخصية جديدة وسمها: بسعيد النورسي الجديد. لكن الذي تميز به النورسي ومن خلال إعجابه بشخصية الجرجاني ليؤسس عملاً تفسيرياً قيِّماً تفصيلياً بحيث يتناول فيه سور القرآن وآياته وألفاظه، جنباً إلى جنب مع إبراز وجوه الإعجاز مبنىً ومعنىً في رسائل النور، وبالذات في كتاب إشارات الإعجاز في مظانّ الإيجاز على أساس البلاغة التي قسمها ذلك التقسيم الرائع: بلاغة إرشاد وبلاغة أداء، باعتبار الأخيرة سلاح ومصدر قوة، يستخدم لبيان الأفكار والمعتقدات لإقناع الآخرين وتنفيذ الآراء والقرارات. كما ظهر تميزه من خلال الجمع الرائع بين الطاقة الروحانية الهائلة وبين المعرفة اللغوية الإبداعية، والذي أعانته بقوة على استنباط استدلالات لا نظير لها للنصوص القرآنية الأمر الذي أدى إلى استكشاف مقومات النظم وأشكال البلاغة.

الكلمات المفتاحية: النظم، القرآن، النورسي، رسائل النور، البلاغة.

Systems and the Extent of The Thought of Imam Badeezaman Said Nursi

ABSTRACT

This study aims at exploring the parameters of the indite theory of Imam Nursi, the study tries to such expectation through a near-full extrapolation off the letter of light (Risale-i Nur). Imam Nursi in his epistles confirms the importance of studying the miracles aspects of the Quran, Imam Nursi agrees with famous scholar of rhetorics that the secret of the miracles Quran in the indite theory. The method followed in his study are inductive and analytical. That study tries to shed light on the origins of this theory since jurjany, jahiz wasiti bakillani and others. Imam Nursi benefited from all this studies, and so he’s was enable to build his new character as the new saeed.

Imam Nursi was distinguished by his admiration of Jurjany. And this admiration made Nursi to follow him, by following Jurjany Imam Nursi was able to offer a great detailed work in interpretations of the holy Quran. The important aspect that characterizes Imam Nursi in the combination of the tremendous spiritual energy and his creature language knowledge. This ability of Nursi ena bled him to explore the miracles aspects of the indite theory of the holy Quran.

Keywords: Quran, Nursi, Risale-i Nur, Rhetoric


مقدمة

اكتشف سعيد النورسي القديم رحمه الله أن المفسرين الذين سبقوه كالزمخشري والرازي وأبي السعود، عدوا النظم وجهاً رئيساً لكتاب الله، لكنهم لم يحاولوا تطبيق هذه النظرية باعتبارها منظومة متكاملة، تشمل ترتيب السور والآيات والألفاظ، سورة بعد سورة، وآية بعد آية، ولفظاً بعد لفظ، بتفاصيلها الكاملة فأراد أن يقتدي بهؤلاء المفسرين العظام، فيؤلف تفسيراً يطبق فيه نظرية النظم تطبيقاً تفصيلياً شاملاً من حيث المباني والمعاني، ومن حيث المعارف اللغوية والعقلية والذوقية، الكلية منها والجزئية، والتي اعتمد عليها في الكشف عن تفاصيل المنظومة القرآنية التي بها يظهر الإعجاز، وتتكشف بها دقائق خصائص الأسلوب القرآني التي خالفت خصائص التعبير العربي البليغ قبله، والتي حيرت البلغاء وأخرست الفصحاء، ليحق عليهم التحدي المعجز إلى يوم القيامة. ولما تساءل الجرجاني عن إمكانية أن يكون النظم في كلمة واحدة، وأن الذي أعجز العرب الفصحاء البلغاء هي كلمات القرآن وألفاظه المفردة، كانت الإجابة بالنفي عن الجرجاني حيث عبَّر عن عدم رضاه عن هذا الاحتمال، لأن العرب لا تجهل ألفاظ القرآن المفردة وأن الفصاحة لا يمكن أن تأتي من الألفاظ المفردة وإنما بتعلق معانيها؛ ولهذا قال: “إن الفصاحة لا تكون في الكَلِم أفراداً، إنما تكون إذا ضُمَّ بعضها إلى بعض، وكان يكون المراد بضم بعضها إلى بعض تعليق معانيها بعضِها ببعض، لا كون بعضها في النطق على أثَر بعض.” (الجرجاني، 2002: 425-426) ثم جاء بالاحتمال الثاني حول معاني الألفاظ المفردة: (الجرجاني، 2002: 106) وتساءل هل يمكن أن يكون الذي أعجز العرب هو معاني الكلمة؟ لكنه رحمه الله رد هذا الاحتمال بشكل مباشر، وبرر رفضه له بأن معنى الكلمة قبل نزول القرآن هو تقريباً نفس المعنى بعد نزوله. ثم أورد احتمالاً ثالثاً حول الوصف في تركيب الحركات والسكنات، بمعنى أن سبب عجز العرب هو القالب الشكلي الذي جاءت به الكلمة القرآنية؛ ذلك أنه قالب شكلي يختلف عن كل ما  تعوده عليه العرب، فهو ليس شعراً وليس سجعاً، فالجرجاني يرى أن من ركب الجملة بقالب يشبه القالب الذي ركبت به الكلمة القرآنية، يمكن أن يكون كلامه معجزاً، وهذا ما لم يحدث، وقد حاول مسيلمة الكذاب لعنه الله أن يعارض القرآن فقال: “والمبديات زرعاً، والحاصدات حصداً، والذاريات قمحاً، والطاحنات طحنًا، والعاجنات عجنًا، فالخابزات خبزًا، والثاردات ثَرْدًا، واللاقمات لَقْمًا” (الباقلاني ،1997: 157)، وقلَّد في سورة الكوثر، فقال: “إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْجَمَاهِرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَجَاهِرْ، إِنَّ مُبْغَضَكَ رَجُلٌ كَافِرٌ” (الرازي ،1981: 322). فكان المخذول مثاراً للسخرية والاستهزاء. كما جاء باحتمال رابع حول المقاطع والفواصل[1]، وهو كلام منفصل مما بعده، فهل يمكن أن يكون وجه الإعجاز في الفواصل القرآنية، وهذا احتمال رده عبد القاهر أيضاً، لأن العرب مبدعون في الشعر، وعندهم القدرة على ختم الكلام بقافية جميلة، فعبد القاهر ينفي أن يكون وزن القافية من وجوه الإعجاز، وأما اختيار الكلمة في الفاصلة، كأن تختار كلمة “يفقهون” في آية، أو كلمة “يعلمون” في آية أخرى، وكلمة “سميع” في آية، أو كلمة “بصير” في آية أخرى، فهذا يدخل في النظم وهو لب الإعجاز. ثم أورد الاحتمال الخامس حول خفة الكلام: بمعنى أن يكون خفيفاً على اللسان، ومقبولاً في أذن السامع، فهل يمكن أن تكون خفة الكلام وعدم الثقل هو وجه الإعجاز؛ ولكن عبد القاهر رد هذا الاحتمال؛ لأن العرب لهم كلام مثير، خال من الثقل، حروفه متلائمة في كلماته، وكلماته متوائمة في جمله، ولم يقل أحد أنه معجز. كما استحضر احتمال سادساً حول الاستعارة، وذلك حينما نستعمل كلمة في غير ما وضعت له. فهل يمكن أن تكون الاستعارات هي وجه الإعجاز، وهذا رده قائلاً: “كلا، لأن الاستعارات ليست في جميع آيات القرآن.” (الجرجاني،2002: 113)

أما وجه الإعجاز الذي اختاره عبد القاهر وارتضاه فهو نظم القرآن؛ إذ بسببه كان القرآن معجزاً وهو الذي أعجز العرب، (سلطان، بدون تاريخ:143-145) وجعله الوجه المشرق الوحيد للإعجاز القرآني.

ما معنى النظم عند الجرجاني؟

يقول عبد القاهر: “إن النظم هو توخي معاني النحو” يعني أننا حينما ننطق بالكلمات والجمل فلا بد أن تكون مرتبة ترتيباً مقبولاً ومعقولاً (النظم = الترتيب)، ومن ثَمَّ لا بد من إعمال قوانين النحو وعدم الزيغ عن مناهجه ورسومه.

لقد انطلق الجرجاني في نظريته من ثلاثة أبعاد، تكمن في الآتي:

البعد الأول: حاول وضع الأسس المنهجية اللازمة لبناء علم النظم.

البعد الثاني: أن يدحض آراء خصومه من جهة ثانية.

البعد الثالث: أن يؤسس البلاغة والإعجاز تأسيساً جديداً من جهةٍ ثالثة.

فالنظم الذي قصده عبد القاهر: تناسق وترتيب الألفاظ في النطق على الوجه الذي يقتضيه العقل، وترتب المعاني في النفس. وقد آل عبد القاهر الجرجاني في كتابه الدلائل على أن يبين أمرين:

الأمر الأول: عجز العرب حين تحداهم الله بمعارضة القرآن.

الأمر الثاني: أن هذا العجز مرتبط بأحوال الشعراء والبلغاء وبعلم الأدب جملة. (سلطان، بدون تاريخ:131)

والحقيقة التي ما زلنا نلتمسها بهذه الدراسة، عن جهود النورسي في رسائله التي بلغت المائة والثلاثين، أنه لم يلتزم أبداً بالكلية في ضوء ما سبق من كلام الجرجاني، لكنه أضاف إليه وزاد حتى وصل به الأمر أن يضع النظم في تجليات أسماء الله الحسنى. لكن التساؤل ما زال باقياً: هل كان للنورسي رؤية جديدة للنظم أم أنه مجرد مقلِّد لجهود الذين سبقوه، وإذا كان الجواب بالنفي فما هي معالم تلك النظرية التي حرص على تقديمها في رسائل النور؟ وخصوصاً أنه أشاد بجهود من سبقوه وخاصة الجرجاني وجعلها ركناً لا يمكن نسيانه في عملية التفسير الكلي للقرآن، وهذا ما أوضحه رحمه الله في رسائله.

إشكالية البحث:

يدور هذا البحث حول إبراز الدور المنهجي الذي لعبه الإمام النورسي في استكشاف معالم النظم وجوانب البلاغة في كتاب الله المعجز من خلال رسائل النور وكتاب إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، والتي لو قلت إنها كتبت لتحقيق هدف واحد، هو: إبراز معالم الوجوه الإعجازية للقرآن. ومن الجدير ذكره، أن هذه المعالم متناثرة في جميع رسائل النور الهائلة كماً وحجماً وغير محصورة في مكان واحد، الأمر الذي يشكل صعوبة وتحدياً للباحثين في استقرائها من مظانّها. كما أنه لا يفرق بشكل فاصل بين النظم والبلاغة، إذ يرى أن البلاغة المعجزة نبعت من جزالة نظم القرآن وحسن متانته وبها تم التحدي، كما تظهر إشكالية البحث في أن كتابة الإمام النورسي لم تتقيد بمناهج البحث العلمي المعهودة لدى كتبة البحوث والدراسات القرآنية، الأمر الذي يشكل صعوبة إضافية في استنباط معالم النظم وأشكال البلاغة القرآنية. ناهيك عن أن المستوى الروحي والإيماني العالي يتطلب من الباحث أن يرقى بنفسه إلى درجات عالية ليفهم المراد من الخطاب النورسي عن موضوعات النظم والبلاغة القرآنية.

اللغة البيانية للقرآن الكريم كما يراها النورسي

إن إعجاز القرآن الكريم اللغوي والبياني في فكر الإمام النورسي، ينطلق من قاعدة الألفاظ واستعمالاتها، ويرى أنه من أهم وجوه إعجاز القرآن الكريم، إن لم يكن أهمها على الإطلاق. فاللغة البيانية للقرآن الكريم ليست مجرّد مفردات وتراكيب خالية من مضامين تحمل في ثناياها رؤيا مطلقة (Absolute vision) للإنسان وللحياة وللكون. وعند النظر والتمحيص في قوانين اللّغة بشكل عام، نجد أنها جاءت لتؤدي أغراضاً متعدّدة ومتنوعة، ومن أهمّ هذه الأغراض أمران اثنان. الأول: وصف الحوادث. والثاني: وصف الذات. وهذا ما أطلق عليه الإعجاز النظمي أتقنه الإمام المرحوم بديع الزمان سعيد النورسي.

فلا عجب إذن أن يكون هذا الوجه الإعجازي للقرآن الكريم هو الذي جذب المستمع العربي الأول للخطاب القرآني، وأدهشه بأسلوبه الفريد الفذ، حتى فتنه بجماله وفنه، بل كان هو أقصر الطرق لقلبه حتى دخل عالم القرآن والإيمان والإسلام والإحسان. فاللغة بسحرها والكلمة والمفردة العربية بجمالها كانت وراء انبهار العربي بالدين الجديد، وكانت هي السبب الأول وراء ذلك التعلق بالدين، فالعرب وهم أول من استقبل هذا الخطاب المعجز لم يؤمنوا بالقرآن لأنه قدم لهم نظاماً كشف لهم به أسرار البحار والأنهار والأكوان ومداخل النفس الإنسانية، بل لأنهم رأوا في بيانه ولغته وخطابه أسلوباً غير مألوف، دخل إلى كيانهم النفسي والعقلي فغيره، وإلى وجودهم الاجتماعي فبدله، حتى أصبح القرآن حياتهم فعشقوه، وأقروا بضعفهم أمام نظمه فلم يستطيعوا مضاهاته أو محاكاته، وعليه فإن القرار الفصل في هذه المسألة أنه يستحيل الفصل بين القرآن ونظمه وبلاغته ولغته التي نزل بها.

ولأجل ذلك كان هذا السبب اللغوي بإعجازه غير المقتصر على النحو والصرف والاشتقاق فقط بل على طريقة النظم والبلاغة ومعاني الكلمات والجمل والفصاحة والمنطق والبيان وجرس الحروف في الكلمات ومواقعها وراء الهداية والحب والتعلق بالقرآن، ووراء تخصص أرباب الفصاحة والبلاغة به وكتابة كتبهم الرائعة فكان أول من صنَّف وألَّف في الإعجاز: الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن، والجرجاني في دلائل الإعجاز، حيث استطاع أن يشرح نظرية النظم شرحاً على قواعد النحو وصاغها دون فصل بين اللفظ ومعناه، وقرر أن البلاغة في النظم وليس في الكلمة المفردة ولا في مجرد معاني الكلمات.

ومن المعاصرين الرافعي في إعجاز القرآن، والشيخ محمد عبد الله دراز في النبأ العظيم والأستاذ الإمام سعيد النورسي في رسائل النور وإشارات الإعجاز الذي تبنى فيه تطبيق نظرية النظم تطبيقاً متكاملاً، يقول رحمه الله: “إن مقصدنا من هذه الإشارات تفسير جملة من رموز نظم القرآن، لأن الإعجاز يتجلى من نظمه، وما الإعجاز الزاهر إلا نقش النظم” (النورسي،2010: 23). فهذه العصبة أو شئت قل المدرسة البيانية جعلت الوجه اللغوي أكثر إشراقاً وأكثر بياناً.

النظم:

تعريف النظم: يقول الجصاص: إنَّ إعْجَازَ الْقُرْآنِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا حُسْنُ النَّظْمِ وَجَوْدَةُ الْبَلَاغَةِ فِي اللَّفْظِ وَالِاخْتِصَارُ وَجَمْعُ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الْيَسِيرَةِ. (أبوبكر الرازي ،1405 :34)

وبناء على ذلك فقد عرّف النورسي النظم بأنه: تعليق الكلمة بعضها على بعض، وجعل بعضها بسبب من بعض. أي تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه فلا تزيغ عنها (النورسي، 2010: 6-7).

والأستاذ الإمام لم يهمل المعاني ونظمها، وأشاد به بل جاء بتعريف خاص لنظم المعاني فعرفه بقوله: ونظم المعاني عبارة عن توخي المعاني النحوية فيما بين الكلمات. أي إذابة المعاني الحرفية بين الكلم لتحصيل النقوش الغريبة. وإن أمعنت النظر لرأيت أن المجری الطبيعي للأفكار والحسيات إنما هو نظم المعاني (النورسي ،2010: 118).

تعريف البلاغة: يقول ابن جزي: وأما البلاغة فهي سياق الكلام على ما يقتضيه الحال والمقال من الإيجاز والإطناب، ومن التهويل والتعظيم والتحقير، ومن التصريح والكناية والإشارة وشبه ذلك، بحيث يهز النفوس ويؤثر في القلوب، ويقود السامع إلى المراد أو يكاد (الغرناطي، 1416: 24).

أشار النورسي أن مقصده من تأليف هذه الإشارات الإعجازية تفسير جملة من رموز نظْمِ القرآن؛ لأن الإعجاز يتجلى من نظمه، وما الإعجاز الزاهر إلاّ نقشُ النظم. كان الهدف من دراسة النظم لإثبات نقطتين:

النقطة الأولى: إثبات إعجاز القرآن.

النقطة الثانية: التغلغل في معاني الآيات القرآنية، وبناؤها بشكل تفصيلي على مرتكزات عقلية توصل إلى إظهار العقائد الإسلامية وكيف أنها مرتبطة بحقائق الوجود (النورسي ،2010: 7).

ولقد انتبه رحمه الله إلى مسألة بلاغة النظم، وجعلها أساس إعجاز القرآن، ومن أجل ذلك كتب سفره القيم: إشارات الإعجاز، حيث جاء فيه بتقسيم نادر لبلاغة النظم فقال: إنها على قسمين:

القسم الأول: كالحلية: وهو بمثابة اللآلي المنثورة والزينة المنشورة والنقش المرصع، ومعدنه الذي يتحصل منه هو توخي المعاني النحوية الحرفية فيما بين الكلم کإذابة الذهب بين أحجار فضة؛ وثمرات هذا النوع هي اللطائف التي تعهد بيانها فن المعاني.

القسم الثاني: كالحلة: وهو بمثابة لباس عال وحلة فاخرة قدت من أسلوب علی مقدار قامات المعاني وخيطت من قطعات خيط منتظم فيلبس علی قامة المعنی أو القصة أو الغرض دفعة وصناع هذا القسم والمتكفل به فن البيان. (النورسي،2010: 113)

ثم علق على القسم الثاني، فقال: إن من أهم مسائله التمثيل، والقرآن كما هو معلوم أكثر من التمثيل، حتى وصل إلى تقديم ألف تمثيل، وذلك لأنه فيه سراً لطيفاً وحكمة عالية، هذا السر: أن الوهم يغلبه العقل، والخيال يُجبر على الاستسلام للفكر، والغائب يتحول إلى حاضر، والمعقول يصبح محسوساً، وتصبح المعاني مجسمة ومادية، وبه تصبح المتفرقات موحدة ومجموعة، والمختلطات ممزوجة، والمختلفات موحدة، والمنقطعات متصلات، والأعزل يصبح مسلحاً (النورسي،2010: 113). والمدقق يرى أن هذا الكتاب القيم، هو كتاب تطبيقي وتجربة عملية لنظرية النظم. رغم أنه كتب في ظل ظروف صعبة.

الإعجاز في الحروف المقطعة: يرى الإمام النورسي أن حروف التهجي في بداية سور القرآن بمثابة قرع العصا، هدفها إيقاظ السامع وهزّ عِطفه تنادي عليه تحدياً لتريه مادة الصنعة وأسلوب البناء. كما تشير إلى أن التهجي أساس القراءة ومبدؤها (للمبتدئين)،وأن القرآن هو مؤسس حقيقي لطريق خاص يعلم فيه الأميين (النورسي،2010: 42).كما يرى رحمه اللهأن الإعجاز قد تنفّس من أفق﴿ ألم ﴾، لأن الإعجاز نور يتجلى من امتزاج لمعات لطائف البلاغة. وفي هذا المبحث لطائف كل منها وإن دقَّ لكن الكل فجرٌ صادق.

منها: أن﴿ ألم ﴾مع سائر أخواتها في أوائل السور تنصّف كل الحروف الهجائية التي هي عناصر كل الكلمات. فتأمل!

ومنها: أن النصف المأخوذ أكثر استعمالاً من المتروك.

ومنها: أن القرآن كرر من المأخوذ ما هو أَيْسَرُ على الألسنة كالألف واللام.

ومنها: أنه ذكر المقطّعات في رأس تسع وعشرين سورة، وهي عدد الحروف الهجائية.

ومنها: أن النصف المأخوذ ينصّف كل أزواج أجناس طبائع الحروف من المهموسة والمجهورة والشديدة والرخوة والمستعلية والمنخفضة والمنفتحة وغيرها، وأما الأوتار فمن الثقيل القليل كالقلقلة؛ ومن الخفيف الكثير كالذلاّقة.

ومنها: أن النصف المأخوذ من طبائعها ألطفُ سجيةً.

ومنها: أن القرآن اختار طريقاً في المقطعات من بين أربعة وخمسمائة احتمال، لا يمكن تنصيف طبائع الحروف إلا بتلك الطريقة؛ لأن التقسيمات الكثيرة متداخلة ومشتبكة ومتفاوتة، ففي تنصيفها كلٍ غرابة عجيبة.

فمن لم يجتن نور الإعجاز من مزج تلك اللمعات فلا يلومنّ إلاّ ذوقه. (النورسي،2010: 41)

كما يرى رحمه الله أن الحروف المقطعة هي كالشفرة الإلهية أبرقها الله جلّ جلاله إلى رسوله الكريم صلّ الله عليه وسلم الذي عنده مفاتيحها، ولغاية الآن لم تتطاول أفكار البشر أو يد واحد منهم إلى معرفة كنهها وأسرارها وكيفية فتحها.

كما يرى الإمام النورسي أن قوله تعالى:﴿ ألم ﴾إشارة إلى شدة ذكاوة المنزَل عليه رمزاً، وهو النبي الكريم صلّ الله عليه وسلم، على اعتبار أن الرمز له كالتصريح. فهو لكمال ذكائه يفهم ما هو رمز وإيماء وكل أمر خفي وكأنه تصريح. (النورسي، 43)

ومن استدلالاته اللطيفة أن التقطيع إشارة إلى أن قيمة الحروف ليست في معانيها فقط، بل بينها مناسبات فطرية كمناسبة الأعداد، كشفها علم أسرار الحروف. (النورسي،2010: 43)

ومن استدلالاته المذهلة أن﴿ ألم ﴾مع أخواتها لما برزت بتلك الصورة كانت وكأنها تنادي: نحن الأئمة، لا نقلد أحداً، وما اتبعنا إماماً، وأسلوبنا بديع، وطرزنا غريب.

الاستئناس بعلم المناسبات كوجه من وجوه النظم:

يتحدد علم المناسبات بقوة الترابط بين الأشياء، فإذا تحدثنا عنه من خلال القرآن وجدنا أنه يربط بين السور بعضها ببعض، فالسورة مرتبطة بما قبلها وما بعدها، والآية كذلك، فهي مرتبطة بين ما قبلها وما بعدها. ولهذا فإننا نجد الإمام النورسي رحمه الله يتحدث عن قوة الترابط بين آي القرآن الكريم، ويضرب لذلك مثالاً من بداية سورة البقرة، في قوله تعالى:﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾[القرآن الكريم، 1: 1-2] يقول رحمه الله: اعلم! أنه تعالى لم يربط بين جمل﴿ ألم ﴾. ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ ﴾. ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾. ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾بحلقات العطف لشدة الاتصال والتعانق بينها، وأخذِ كلٍ بحجز سابقتها وذيل لاحقتها. فإن كل واحدة كما أنها دليل لكلٍ بجهة، كذلك نتيجة لكل واحدة بجهة أخرى. ولقد انتقش الإعجاز على هذه الآية بنسج اثني عشر من خطوط المناسبات المتشابكة المتداخلة. (النورسي،2010: 47)

ثم يبدأ بالتفصيل ليتأمل المتأملون، يقول رحمه الله:

﴿ ألم ﴾تومئ بالتحدي لكل معارض، وتنادي إن كتاب الله أكمل الكتب من يبرز للميدان، ثم تلوح بأنه معجز يقيني ومجسم لكامل الهداية البشرية.

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ ﴾تصرح بإن كتاب الله زائد على إخوته وفاق عليها، فهو كتاب معجز مستثنى ممتاز لا يماثله كتاب آخر، ولا شك فيه، فهو السبيل السوي إلى المتقين.

﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾تعلن بأنه منور باليقين، ومعجز.

﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾فهو كتاب مجسم لمبدأ ونور الهداية البشرية، وهذه من أحسن الكلام، وحسنه يبرز من وجوه أربعة، هي:

الأول: حذف المبتدأ، إذ فيه إشارة إلى أن حكم الاتحاد مسلّم، والثاني: تبديل اسم الفاعل بالمصدر، إذ فيه رمز إلى أن نور الهداية تجسم فصار نفس جوهر القرآن. والثالث: تنكير هدى، وفيه إيماء إلى نهاية دقة هداية القرآن حتى لا يكتنه كنهها، وإلى غاية وسعها حتى لا يحاط بها علماً. والرابع: الإيجاز في للمتقين، بدل الناس الذين يصيرون متقين به (النورسي، 47-48). فهو رحمه الله يرى آيات القرآن هذه وغيرها كالخيوط المتشابكة أو الخطوط المترابطة، فكل آية لا يمكن فكاكها عن أختها التي سبقتها ولا يمكن فصالها عن أختها التي لحقت بها. وإن اتسق هذا بالآيات كما أوضحنا بالمثال السابق فكذلك مرتبط بالسور والمعاني والموضوعات. يقول رحمه: اعلم أن نظم درر القرآن ليس بخيط واحدٍ بل النظم في کثيرٍ نقوش تحصل من نسج خطوط نسب متفاوتةٍ قربًا وبعدًا، ظهورًا وخفاءً، لأن أساس الإعجاز بعد الإيجاز هذا النقش (النورسي، 33). وعليه فإن النورسي يرى أن قضية النظم تأتي الترابط الوثيق بين الألفاظ والألفاظ، والآيات مع الآيات والسور مع السور وبناء ذلك على يتفوق أسلوب القرآن على باقي الأساليب اللغوية كلها بمخاطبته الروح والقلب والعقل.

الإعجاز بإيراد التكرار؛ إن في القرآن الموجز المعجز أشياء مكررة تكراراً كثيراً في الظاهر كـ:﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان ﴾[القرآن الكريم،55: 13] إلخ. و﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾[القرآن الكريم،77: 15] إلخ. وقصة موسى وأمثالها، مع أن التكرار يُمِلُّ وينافي البلاغة.

قيل لك: “مَا كُلُّ مَا يَتَلأْلأُ يُحْرِقُ” فإن التكرار قد يُمِلُّ، لا مطلقاً. بل قد يُستحسن وقد يُسأم. فكمَا أن في غذاء الإنسان ما هو قُوت، كلما تكرر حلا وكان آنس، وما هو تفكّه إن تكرر مُلَّ، وإن تجدد اُستُلِذّ، كذلك في الكلام ما هو حقيقة وقوت وقوّة للأفكار وغذاء للأرواح كلما استعيد اُستحسن، واستؤنس بمألوفه كضياء الشمس. وفيه ما هو من قبيل الزينة والتفكُّه، لذَّتُه في تجدّد صورتِه وتلوّن لباسه.

إذا عرفت هذا فاعلم! أنه كما أن القرآن بمجموعه قوتٌ وقوّة للقلوب، لا يُمَلُّ على التكرار بل يُستحلى على الإكثار منه، كذلك في القرآن ما هو روح لذلك القوت كلما تكرر تلألأ وفارت أشعة الحق والحقيقة من أطرافه، وفي ذلك البعض ما هو أسّ الأساس والعقدة الحياتية، والنور المتجسد بجسدٍ سرمدي كـ:﴿ بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيْم ﴾. فيا هذا شاور مذاقك إن كنت ذا مذاق!

هذا بناء على تسليم التكرار، وإلاّ فيجوز أن تكون قصة موسى مثلاً، مذكورة في كل مقامٍ لوجهٍ مناسب من الوجوه المشتملة هي عليها. فإن قصة موسى أجدى من تفاريق العصا، أخذَها القرآن بيده البيضاء فضةً فصاغتها ذهباً، فخرت سحرةُ البيان ساجدين لبلاغته. (النورسي،2010: 39) ويمكن أن نفهم من خلال ما سبق أن الحاجة دليل قوي على اعتبار التكرار أداة للنظم القرآني ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بمقاصد القرآن الأصلية، يقول رحمه: في البسملة جهات من الاستعانة والتبرك والموضوعية بل الغايتية والفهرستية للنقط الأساسية في القرآن وأيضًا فيها مقامات کمقام التوحيد ومقام التنزيه ومقام الثناء ومقام الجلال والجمال ومقام الإحسان وغيرها. وأيضًا فيها أحكام ضمنية، كالإشارة إلی التوحيد والنبوة والحشر والعدل، أعني المقاصد الأربعة المشهورة مع أن في أكثر السور يكون المقصود بالذات واحدًا منها والباقي استطراديًا (النورسي،2010: 40).

ومن المكررات القرآنية (قصص الأنبياء) عليهم السلام، فالحكمة في تكرار قصة موسى عليه السلام -مثلاً-فيجوز أن تكون مذكورة في كل مقام لوجه مناسب من الوجوه المشتملة هي عليها، (النورسي،2010: 39) وكذا الحكمة في تكرار قصص الأنبياء، إنما هي لإثبات الرسالة الأحمدية، وذلك بإظهار نبوة الأنبياء جميعهم حجة على أحقية الرسالة الأحمدية وصدقها، حيث لا يمكن أن ينكرها إلا من ينكر نبوتهم جميعاً، فذكرها إذاً دليل على الرسالة. ومع ذلك فإن النورسي يؤمن أن التكرار صورة شكلية أو صورية وليس صورة حقيقية، لأن السياق القرآني يتطلب لفظاً ونظماً مثل الخطاب الموجود في آيات القرآن وسوره ليلبي حاجة تربوية وحاجة اعتقادية وسلوكية.

الاعجاز بالإيجاز: يرى الإمام النورسي أن الإيجاز أساس مهم من أسس الإعجاز. وقديماً كتب الثعالبي كتاباً وسمه الإعجاز والإيجاز، فقال في الباب الأول: من أراد أن يعرف جوامع الكلم ويتنبه على فضل الإعجاز والاختصار ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز، فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام، فمن ذلك قوله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾[القرآن الكريم،46: 13]، استقاموا كلمة واحدة تفصح عن الطاعات كلها في الائتمار والانزجار (أبو منصور الثعالبي، 10:1897).

الإعجاز بالبلاغة:

مفهوم البلاغة: عرف الباقلاني البلاغة بقوله: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن (الباقلاني،1988: 11). ثم قسمها إلى عشرة أقسام، هي: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل والتجانس والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان (الباقلاني،1988: 11).

ومن أجمل الآراء الرائعة التي قيلت في تعريف معنى البلاغة ما قاله الزركشي في البرهان: اعْلَمْ أَنَّ عَمُودَ الْبَلَاغَةِ الَّتِي تجتمع لَهَا هَذِهِ الصِّفَاتُ هُوَ وَضْعُ كُلِّ نَوْعٍ من الألفاظ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهَا فُصُولُ الْكَلَامِ مَوْضِعَهُ الْأَخَصَّ الْأَشْكَلَ بِهِ الَّذِي إِذَا أُبْدِلَ مَكَانَهُ غَيْرُهُ جَاءَ مِنْهُ إِمَّا تَبَدُّلُ الْمَعْنَى الَّذِي يَفْسُدُ بِهِ الْكَلَامُ أَوْ إِذْهَابُ الرَّوْنَقِ الَّذِي تَسْقُطُ بِهِ الْبَلَاغَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي الْكَلَامِ أَلْفَاظًا مُتَرَادِفَةً مُتَقَارِبَةَ الْمَعَانِي فِي زَعْمِ أَكْثَرِ النَّاسِ، كَالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَالشُّحِّ وَالْبُخْلِ، وَالنَّعْتِ وَالصِّفَةِ، وَكَذَا بَلَى وَنَعَمْ، وَمَنْ وَعَنْ، وَنَحْوُهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ، وَالْأَمْرُ فِيهَا عِنْدَ الْحُذَّاقِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ لَفْظَةٍ مِنْهَا خَاصَّةً تَتَمَيَّزُ بها عن صاحبتها في بعض مَعَانِيهَا وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي بَعْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:﴿ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾[القرآن الكريم،107: 5] إِنَّهُ الَّذِي يَنْصَرِفُ وَلَا يَدْرِي عَنْ شَفْعٍ أَوْ وَتْرٍ. فَرَدَّ عَلَيْهِ الْحَسَنُ: بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ. فلم يفرق أبو العالية بين في وعن حَتَّى تَنَبَّهَ لَهُ الْحَسَنُ. وَقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ إِخْرَاجُهَا عَنْ وَقْتِهَا. (الزركشي، 1957 :106)

لكن التعريف المشهور للبلاغة هو ما قال به الإمام النورسي: إن البلاغة هي مطابقة مقتضى الحال (النورسي،2010: 56). والحال: أن المخاطبين بالقرآن على طبقات متفاوتة، وفي أعصار مختلفة. فلمراعاة هذه الطبقات، ولمجاورة هذه الأعصار، ليستفيد مخاطب كل نوعٍ ماقُدِّرَ له من حصته، حذف القرآنُ في كثيرٍ للتعميم والتوزيع، وأطلق في كثيرٍ للتشميل والتقسيم، وأرسل النظم في كثير لتكثير الوجوه، وتضمين الاحتمالات المستحسنة في نظر البلاغة والمقبولة عند العلم العربي ليفيض على كلِ ذهنٍ بمقدار ذوقه (النورسي،2010: 56).

ويرى الإمام النورسي أن الكلام إذا حذا حذو الواقع، وطابق نظمه نظامه حاز الجزالة بحذافيرها. لكنه يخاف على من يهدف ويتوجه إلى نظم اللفظ أن يقع في التصنع والرياء، كأنه يقع في أرض يابسة وسراب خادع (النورسي،2010: 119). فهو يرى أن القرآن الكريم استخدم الحذف والذكر، والنظم والتضمين حتى يشمل جميع المخاطبين كل حسب مستوى ذكائه وبمقدار ذوقه.

أقسام البلاغة عند الإمام النورسي: يرى الإمام النورسي أن البلاغة قسمين، هما:

القسم الأول: بلاغة الإرشاد: وشأن هذا القسم من البلاغة، مماشاة نظر العوام، ومراعاة حسِّ العامة، ومؤانسة فكر الجمهور، حتى لا يتوحش نظرهم بلا طائل، ولا يتشوش فكرُهم بلا فائدة، ولا يتشرد حسهم بلا مصلحة. وعليه، فإن أبلغ الخطابات مع العامة هو الإرشاد، وذلك بأن يكون من مواصفاته الظاهرية:

  • البساطة والسهولة، والقصد منه ألا يعجزهم.
  • الوجازة، والقصد من ذلك أن لا يملوا.
  • الإجمال فيما لا يلزم تفصيله لهم.
  • استخدام ضرب الأمثال، والقصد من ذلك تقريب ما دقَّ من الأمور إلى أفهامهم.

وهذا كله موجود في الخطاب القرآني، وبهذا يكون القرآن في غاية البلاغة، لأنه مرشد لكل طبقات الأرض. فبلاغة القرآن الإرشادية تقتضي ألا يذكر ما يوقع الأكثرية في مغالطات ومكابرات مع البديهي من الأمور في نظرهم الظاهري، وتقتضي كذلك ألا يغيّر بلا لزوم ما هو متعارف محسوس عندهم، كما يقتضي كذلك أن يهمل أو يجمل ما لا يلزم لهم في وظيفتهم الأصلية (النورسي،266:2017).

مثال توضيحي: عقد مقارنة بين ما يقوله القرآن عن الشمس وبين ما يقوله الفلاسفة والعلماء التجريبيون عنها:

مقصد حديث القرآن عن الشمس: فالقرآن الكريم حينما تحدث عن الشمس، لم يكن حديثه من أجل تعريف الشمس ولا من أجل إبراز ماهيتها، بل كان الحديث عنها لمن نوَّر الله تلك الشمس، ولمن جعلها سراجاً، وما هي وظيفتها حين صارت محوراً لانتظام الصنعة، ومركزاً لنظام الخلقة. ثم علق بقوله: وما الانتظام والنظام إلا مرايا معرفة الصانع الجليل. فحينما قال تعالى:﴿ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴾[نوح: 16] ففي تعبير السراج تصوير للعالم وكأنه قصر كبير، وأن كل الأشياء الموجودة فيه في صورة لوازم لذلك القصر، فهناك مزيِّنات، وهناك مطعومات لسكان القصر ومسافريه. فالحديث عن الشمس باعتبارها سراج فيه إحساس أنه تم إحضارها لضيوفه وخدّامه. فسبحان الله الكريم الرحيم. فالشمس مأمورة مسخّرة وسراج منير لأهل الأرض، وفي وصف الشمس بأنها سراج منير تنبيه إلى رحمة الله الخالق في عظمة ربوبيته، وإفهامُ إحسانه في سعة رحمته، وإحساسُ كرمه في عظمة سلطنته (النورسي، 2012: 267). 

مقصد حديث الفلاسفة والعلماء التجريبيون عن الشمس: يبدؤون الحديث عن تعريفها، فيقولون هي: كتلة عظيمة من المائع الناري، تدور حول نفسها في مستقرها، تطايرت منها شرارات، هي أرضنا وسيارات أخرى. فتدور هذه الأجرام العظيمة المختلفة في الجسامة. ضخامتها كذا. وماهيتها كذا. (النورسي، 2012: 267).

تعليق الأستاذ الإمام النورسي: انظر ماذا أفادتك هذه المسألة غير الحيرة المدهشة، والدهشة الموحشة، فلم تُفِدْك كمالاً علمياً، ولا ذوقاً روحياً، ولا غاية إنسانية، ولا فائدة دينية (النورسي، 2012: 267).

القسم الثاني: بلاغة الأداء: وعرفها النورسي بقوله: ملكة يملكها أصحاب المصالح لبيان أفكارهم ومعتقداتهم من أجل الآخرين بها، أو عند تفنيد آرائهم وقراراتهم.

يرى الأستاذ النورسي أن البشرية في أواخر أيامها على الأرض ستنساب إلى العلوم، وتنصب إلى الفنون، وستستمد كل قواها من العلوم والفنون فيتسلم العلم زمام الحكم والقوة (النورسي، 2012: 292).

ثم وصل رحمه الله إلى نتيجة مفادها: ولما كان القرآن الكريم يسوق جزالة البيان وبلاغة الكلام مقدماً ويكررها كثيراً، فكأنه يرمز إلى أن البلاغة والجزالة في الكلام – وهما من أسطع العلوم والفنون – سيلبسان أزهى حللهما، وأروع صورهما في آخر الزمان، حتى يغدو الناس يستلهمون أمضى سلاحهم من جزالة البيان وسحره، ويستلمون أرهب قوتهم من بلاغة الأداء، وذلك عند بيان أفكارهم ومعتقداتهم لإقناع الآخرين بها، أو عند تنفيذ آرائهم وقراراتهم (النورسي، 2017: 292). فالقوة الحقيقية عنده هي قوة جزالة البيان وفصاحة الخطاب وبلاغة الأداء.

أشكال البلاغة عند الأستاذ النورسي:

ثم تحدث عن البلاغة بشكل مفصل في كتابه الكلمات، يقول: “ثم هذه البلاغة المعجزة نبعت من خمسة أشكال، هي:

الشكل الأول: جزالة نظم القرآن وحسن متانته: وقد بين ذلك بأمثلة نختار منها المثال الآتي: يقول تعالى:﴿ وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ ﴾[القرآن الكريم،21: 46]. يقول: “هذه الجملة جاءت لإظهار هول العذاب العظيم، ولكن بإظهار التأثير الشديد لأقَلِّـه، ولهذا فإن جميع هيئات الآية التي تفيد التقليل تنظر إلى هذا التقليل وتمده بالقوة كي يظهر هول عذاب الله الشديد للكفار:

فجاءت لفظة﴿ وَلَئِنْ ﴾لتدل على التشكيك، والشك يوحي بالقلة.

وجاءت لفظة﴿ مَسَّتْهُمْ ﴾والمس هو الإصابة بالقليل، وهو يفيد القلة أيضاً.

وجاءت لفظة﴿ نَفْحَةٌ ﴾أي أن رائحة مادته قليلة، لتفيد القلة أيضاً، كما أن صيغته تدل على واحدة، أي واحدة صغيرة، كما في التعبير الصرفي – مصدر المرة – فيفيد القلة. ومن جهة أخرى، جاء تنوين التنكير في﴿ نَفْحَةٌ ﴾ليدل أيضاً على التقليل، بمعنى أنها شيء صغير إلى حد لا يُعلم، فينكر.

وجاءت﴿ مِنْ ﴾التبعيضية، بمعنى الجزئية، لتفيد القلة.

وأما لفظ﴿ عَذَابِ ﴾فهو نوع حفيف من الجزاء بالنسبة إلى النكال والعقاب، فيشير إلى القلة.

وجاءت لفظة﴿ رَبِّكَ ﴾بدلاً من اسم القهار، الجبار، والمنتقم، فيفيد القلة أيضاً وذلك بإحساسه الشفقة والرحمة. ثم يعلق بالآتي:

إذا كان العذاب شديداً ومؤثراً مع هذا القلة، فكيف يكون هول العقاب الإلهي؟ فتأمل في الآية لترى كيف تتجاوب الهيئات الصغيرة، فيعين كل الآخر، فكل يمد المقصد بجهته الخاصة. (النورسي،99:2017)

الشكل الثاني: نبعت البلاغة من بداعة أساليب القرآن وغرابتها وجودتها: إن المدقق في أساليب القرآن يجدها في غاية البداعة والإقناع، “حيث لم يقلِّد أحداً قط، ولا يستطيع أحدٌ أن يقلده” (النورسي، 2017: 431). فبعد مضي ألف وخمسمائة سنة على نزوله فما يزال يحافظ على نضارته وشبابية أسلوبه. وعلامة على طراوة هذا الأسلوب يضرب النورسي أمثلة عديدة نختار منها المثالين الآتيين:

المثال الأول: أسلوب الخطاب القرآني في سورة النبأ، يقول رحمه الله: “سورة النبأ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ… ﴾إلى آخرها، إذا أُنعِمَ النظر فيها، فإنها تصف وتثبت أحوال الآخرة والحشر والجنة وجهنم بأسلوب بديع يُطَمْئِن القلب ويقنعه، حيث تبين أن ما في هذه الدنيا من أفعال إلهية وآثار ربانية متوجهة إلى كل من تلك الأحوال الأخروية.

ولما كان إيضاح أسلوب السورة كلها يطول علينا، فسنشير إلى نقطة أو نقطتين منه:

تقول السورة في مستهلها إثباتاً ليوم القيامة: لقد جعلنا الأرض لكم مهداً قد بسط بسطاً جميلاً زاهياً. والجبال أعمدة وأوتاداً مليئة بالخزائن لمساكنكم وحياتكم. وخلقناكم أزواجاً تتحابون فيما بينكم ويأنس بعضكم ببعض. وجعلنا الليل ساتراً لكم لتخلدوا إلى الراحة. والنهار ميداناً لمعيشتكم. والشمس مصباحاً مضيئاً ومدفئاً لكم. وأنزلنا من السحب لكم ماءً باعثاً على الحياة يجري مجرى العيون. وننشئ بسهولة من ماء بسيط أشياء شتى من مزهر ومثمر يحمل أرزاقكم. فإذا يوم الفصل _ وهو يوم القيامة-ينتظركم. وإن إتيانه ليس بعسير علينا.

وبعد ذلك يشير إشارة خفية إلى إثبات ما يحدث في يوم القيامة من سير الجبال وتناثرها، وتشقق السماوات وتهيؤ جهنم، ومنح الجنة أهلها الرياض الجميلة، وكأنه يقول:

إن الذي يفعل هذه الأفعال في الجبال والأرض بمرآى منكم سيفعل مثلها في الآخرة. أي أن ما في بداية السورة من جبال تشير إلى أحوال الجبال يوم القيامة، وأن الحدائق التي في صدر السورة تشير إلى رياض الجنة في الآخرة” (النورسي، 2017: 432.) أرأيتم عظمة هذا التحليل الدقيق من النورسي رحمه الله.

المثال الثاني: أسلوب القرآن في التخاطب مع الأرض والسماء في سورة هود: يقول الله تعالى:﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾[هود: 44]. يقول النورسي رحمه الله في التعليق على أسلوب القرآن وهو يخاطب السماء والأرض، “للإشارة إلى قطرة من بحر بلاغة هذه الآية الكريمة، نبين أسلوباً منها في مرآة التمثيل وذلك:

إن قائداً عظيماً في حرب عالمية شاملة، يأمر جيشه بعد إحراز النصر: أوقفوا إطلاق النار، ويأمر جيشه الآخر: كفوا عن الهجوم. ففي اللحظة نفسها ينقطع إطلاق النار، ويقف الهجوم، ويتوجه إليهم قائلاً: لقد انتهى كل شيء، واستولينا على الأعداء، وقد نصبت راياتنا على قمة قلاعهم، ونال أولئك الظالمون الفاسدون جزاءهم، وولوا إلى أسفل سافلين.

كذلك، فإن السلطان الذي لا ندَّ له ولا مثيل، قد أمر السماوات والأرض بإهلاك قوم نوح، وبعد أن امتثلا توجه إليهما: أيتها الأرض ابلعي ماءك، وأنت أيتها السماء اسكني واهدأي، فقد انتهت مهمتكما. فانسحب الماء فوراً من دون تريُّثٍ، واستوت سفينة المأمور الإلهي كخيمة ضربت على قمة جبل، ولقي الظالمون جزاءهم.

فانظر إلى علو هذا الأسلوب، إذ الأرض والسماء كجنديين مطيعين مستعدين للطاعة وتلقي الأوامر. فتشير الآية بهذا الأسلوب إلى أن الكائنات تغضب من عصيان الإنسان لربه، وتغتاظ منه السماوات والأرض.

وبهذه الإشارة تقول: إن الذي تمتثل السماوات والأرض بأمره لا يعصى، ولا ينبغي أن يعصى. مما يفيد زجراً شديداً رادعاً للإنسان، فأنت ترى أن الآية قد جمعت ببيان موجز معجز جميل مجمل في بضع جمل حادثة الطوفان التي هي عامة وشاملة مع جميع نتائجها وحقائقها” (النورسي، 2017: 434).

الشكل الثالث: نبعت البلاغة من براعة بيانه وتفوقه وصفوته: يرى النورسي أن براعة البيان تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: التفوق، والمتانة، والهيبة. إذ كما أن في نظم القرآن جزالة، وفي لفظه فصاحة، وفي معناه بلاغة، وفي أسلوبه إبداعاً، ففي بيانه أيضاً براعة فائقة. إن خطاب القرآن في أعلى مراتب الكلام، فهو يحوي: الترغيب والترهيب، والمدح والذم، والإثبات والإرشاد، والإفهام والإفحام. 

فمثال الترغيب: سورة الإنسان فهي تشوق الإنسان إلى الجنة، بلذيذ ثمارها وحور عينها.

ومثال الترهيب: سورة الغاشية، حيث تتحدث عن شجرة الزقوم وضريع ثمارها الشائك في بطون الكافرين. وأما المدح فمثاله السور المفتتحة بالحمد، ومثال الذم: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه [القرآن الكريم،49: 12].

ومثال الإثبات: قوله تعالى:﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[القرآن الكريم،30: 50]. فالآية تثبت الحشر، وتزيل استبعاده ببيان شاف وواف لا بيان فوقه. وكذلك (سورة ق) فإنها كذلك تثبت الحشر والقيامة ببيان رفيع جميل باهر يفيد أنه لا ريب في مجيء الحشر كما أنه لا ريب في قدوم فصل الربيع. وكذلك بداية سورة يس،﴿ يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾[القرآن الكريم،36: 1-3].

وفي مقام الإرشاد: فإن البيانات القرآنية مؤثرة ورفيعة ومؤنسة ورقيقة لدرجة أنها تملأ الروح شوقاً والعقل لهفة والعين دمعاً. وهناك آلاف من الأمثلة، نختار منها قوله تعالى:﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾[القرآن الكريم،1: 74] (النورسي، 2017: 439-443).

الشكل الرابع: نبعت بلاغة القرآن من قوة معاني آياته وصدقها: إذا شئت أن تتذوق بلاغة المعنى في الآية الكريمة:﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[الحديد:1]. وذلك لأن الخطاب القرآني يرينا أن الجمادات ليست هامدة، كما يظن الكثيرون، بل هي يقظة تدب فيها الحياة، تعبد الله بالتسبيح، وكأن لها مشاهر تتجاذب مع المؤمنين المسبحين، فهي تنهض معه تسبح الله وتذكره (النورسي، 2017، 429-430).

الشكل الخامس: نبعت بلاغة القرآن من فصاحة ألفاظه وسلاستها: إن القرآن كما هو بليغ خارق من حيث أسلوبه وبيان معناه، فهو فصيح في غاية السلاسة في لفظه، والدليل القاطع على فصاحته هو عدم إيراثه السأم والملل.

نعم، لو كرر القرآن ألوف المرات، فلا يورث سأماً ولا مللاً لقارئه أو مستمعه، بل يزيد لذة وحلاوة. ثم إنه لا يثقل على ذهن صبي بسيط فيستطيع حفظه. بل إن المريض بوباء في أذنيه ولا يستطيع سماع أي كلام من أي نوع يتلذذ بالقرآن، وكأنه يشرب ماء زمزم. والسر في ذلك يكمن في الآتي:

1. إن القرآن قوت للقلوب، وقوة للعقول، وضياء للأرواح، وشفاء للنفوس، لذا فلا يمكن ملاله.

2. إن القرآن صدق وحق وحقيقة وهدى، ويملك فصاحة خارقة فلا يورث السآمة، ويحافظ على شبابيته. وإليكم هذا المثال من سورة آل عمران:

يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 154]. يقول النورسي رحمه الله:

“لقد جمعت هذه الآية جميع حروف الهجاء، وأجناس الحروف الثقيلة، ومع ذلك لم يفقدها هذا الجمع سلاستها، بل زادها بهاء إلى جمالها، ومزج نغمة من الفصاحة نبعت من أوتار متناسبة متنوعة.

فالألف والياء: لأنهما أخف حروف الهجاء، تكرر كل منهما إحدى وعشرين مرة.

والميم والنون: لأنهما أختان، ويمكن أن تحل إحداهما محل الأخرى، فقد ذكر كل منهما ثلاثاً وثلاثين مرة.

والصاد والسين والشين: حروف متآخية، حسب المخرج والصفة والصوت، ذكر كل واحد منها ثلاث مرات.

وأن العين الغين متآخيتان، فذكرت العين ست مرات لخفتها، بينما الغين لثقلها ذكرت ثلاث مرات.

وأن الطاء والظاء والذال والزاي، حروف متآخية حسب المخرج والصفة والصوت، فذكر كل واحد منها مرتين.

إن حصة الألف في صورة (لا) قد ذكرت نصف حصة اللام، فذكرت اللام اثنتين وأربعين مرة، وذكرت الألف نصفها أي إحدى وعشرين مرة.

ثم يعرض لبقية الحروف خاتماً بالقول: وهكذا، فإن هذه الحروف بهذا الوضع المنتظم الخارق، مع تلك المناسبات الخفية، والانتظام الجميل، والنظام الدقيق، والانسجام اللطيف، تثبت بيقين جازم كحاصل ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعاً: أنه ليس من شأن البشر، ولا يمكنه أن يفعله، أما المصادفة فمحال أن تلعب به.

ثم يقول: فما دام في الحروف هذا الانتظام، فلا شك أنه قد روعي في كلماتها وجملها ومعانيها انتظام ذو أسرار، وانسجام ذو أنوار، لو رأته العين لقالت من إعجابها: ما شاء الله، وإذا أدركه العقل لقال من حيرته: تبارك الله” (النورسي، 2017: 438-439).

نتائج البحث

بعد إتمام هذه المسيرة العلمية مع موقف النورسي من النظم والبلاغة يمكن بيان أبرز النتائج التي تم التوصل إليها، فيما يلي:

  1. تبين من البحث أن جهود الإمام النورسي في الإعجاز القرآني لا يمكن إلغاؤها، وأنها جهود مباركة عظيمة الشأن، نادرة في تقويمها وصياغة الأفكار التي ناضل من أجلها.
  2. أثبت البحث أن النظم هو الوجه الرئيس لوجوه القرآن الكريم، وهو ما حاول النورسي أن يبرزه ويثبته، ولهذا ورغم تكرارية المباحث في عدد من رسائل النور إلا إنها يمكن تثبيتها في معالم وأركان أساسية لنظرية علمية لها شأنها.
  3. أظهر البحث أن أغلب أعمال النورسي تعتمد اعتماداً على النظم، والتي أسس لها عدد كبير من العلماء بدءً بالجاحظ والرماني والخطابي والباقي ثم الجرجاني الذي اقتدى بهديه النورسي فحاول تطبيق نظرية النظم في رسائل النور وإشارات الإعجاز.
  4. كشف البحث أن النورسي له خيوط منهجية حين قسم النظم إلى نظم لفظي ونظم معنوي، حيث لم يفرد الإعجاز بلفظ الكلمات المفردة، ولا بالمعاني مفردة، ولكن بتعلق بعضه ببعض. وهذا ما عرف به النورسي النظم.
  5. أظهر البحث أن النورسي قسم البلاغة إلى قسمين: بلاغة إرشاد، وبلاغة أداء.
  6. بعد الاستقراء المنهجي لموقف النورسي من النظم تبين لنا أنه تعامل مع علم المناسبات بشكل علمي ورصين وكشف قوة الترابط بين أركان النص القرآني.
  7. لم يستغن النورسي عن ذكر فوائد التكرار باعتباره أداة من أدوات النظم، إذ لها ما يبررها في الخطاب القرآني، وذلك حسب الحاجة والمقامات.

المراجع والمصادر:

  1. بديع الزمان سعيد النورسي، إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، تحقيق مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة آلتين باشاق بإسطنبول تركيا، دار السنابل الذهبية، القاهرة، ط1، سنة 2010م.
  2. عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني، شكله وشرح غامضه وخرج شواهده وقدم له ووضع فهارسه: ياسين الأيوبي، صيدا – بيروت: المكتبة العصرية،1422هـ/2002م.
  3. الباقلاني، إعجاز القرآن، دار المعارف القاهرة، ط5، 1997م
  4. فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، دار الفكر. 1981م.
  5. سلطان، إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة، بدون تاريخ.  
  6. بديع الزمان سعيد النورسي، ذوالفقار، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية بمؤسسة الخيرات بإسطنبول تركيا، دار السنابل الذهبية، القاهرة، ط2، سنة 2017م.
  7. أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: 370هـ)، أحكام القرآن، تحقيق: محمد صادق القمحاوي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ج5، ط1، 1405هـ.
  8. أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (المتوفى: 741هـ)، التسهيل لعلوم التنزيل، تحقيق: الدكتور عبد الله الخالدي، بيروت: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، ج 1، ط1، 1416هـ.
  9. أبو منصور الثعالبي، الإعجاز والإيجاز، التزم شرحه وطبعه: اسكندر آصاف، مدير المطبعة العمومية وجريدة المحاكم، مصر: المطبعة العمومية، ط1، 1897م
  10. أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم الباقلاني، إعجاز القرآن بيروت: عالم الكتب، ط1 1408هـ/1988م.
  11. أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، البرهان في علوم القرآن، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مصر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه، ج2، ط1، 1957م.

[1] يقال للفاصلة القرآنية رأس، ولهذا فإنها تسمى: رؤوس الآي: ورأس الآي له مستوى من الارتفاع والارتقاء لا ينتهي ولا يهبط أبداً، والوقف عند الرأس يشعر بأن آيات القرآن قمم يرقى القارئ إليها، وكلما مضى في القراءة ازداد رقياً، فهو صاعد أبداً.

Be First to Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *