Press "Enter" to skip to content

المفاهيم الصحيحة للدعوة الإسلامية عند بديع الزمان سعيد النورسي

د. ذو الكفل هادي إيماون

كلية الدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية الإندونيسية بجوكجاكرتا إندونيسيا

المستخلص

هذ البحث يتناول مفاهيم الدعوة الإسلامية عند بديع الزمان سعيد النورسي من خلال مباحث رسائل النور. فالمفاهيم الصحيحة للدعوة من أسباب نجاح الداعي إلى الله في الدعوة الإسلامية. فالداعي إلى الله لا بد أن يكون له فهمٌ صحيحٌ في الإسلام حتى يستطيع أن يبلغه بفهم صحيح فيقبله المدعو بسهولة ويسر. ولا سيما أنّه قد أصابت الناس المدعوِّين الغفلة عن تعاليم الإسلام حتى أنهم لا يعرفون الله ورسوله فأصبحوا يشتغلون بالجدال بلا علم فضلُّوا وأضلُّوا. ولذلك فمن المهم أن يناقش هذا البحث المفاهيم الصحيحة للدعوة الإسلامية كما عرضها الإمام بديع الزمان سعيد النورسي. يستخدم هذا البحث المراجع كرسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي ومراجع أخرى تتعلق بموضوع البحث مع دراسة ما ورد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وينتج عن هذا البحث أن المفاهيم الصحيحة للدعوة الإسلامية التي على الداعي ألا يهملها حتى ينجح بها في الدعوة الإسلامية كما بينها الإمام بديع الزمان هي أن الإسلام يدعوا إلى السلم والسلام والرحمة والاتحاد واجتناب التنازع وذلك عن طريق اجتناب الأمور التي تؤدي إلى ذلك كالحسد وكشف العيوب.

الكلمات الرئيسية: المفاهيم، الدعوة، الإسلام، بديع الزمان



THE CORRECT CONCEPT OF ISLAMIC DA’WAH ACCORDING TO BEDI’UZZAMAN SAID

NURSI



Abstract

This research deals with the concepts of the Islamic call by Bediuzzaman Said Nursi through the Investigation of Risale-i Nur. The correct concepts of the call are among the reasons for the success of the caller to God in the Islamic call. The one calling to God must have a correct understanding in Islam in order to be able to communicate to him with a correct understanding, so the invited will accept it easily and conveniently. Especially since it has afflicted people who were called negligent about the teachings of Islam until they did not know God and His Messenger, and they became engaged in the controversy without knowledge, they preferred and led astray. Therefore, it is important for this research to discuss the correct concepts of the Islamic call as presented by Imam Bediuzzaman Said Nursi. This research uses the references as letters of light by Bediuzzaman Said Nursi and other references related to the subject of the research, with a study of the Quranic verses and hadiths. The result of this research is that the correct concepts of the Islamic call that one should not neglect until he succeeds in the Islamic call as Imam Bediuzzaman Said Nursi indicated is that Islam calls for peace, peace, mercy and union and avoiding conflict by avoiding the things that lead to that, such as envy and revealing faults.

Keywords: Concepts, Advocacy, Islam, Bediuzzaman

١.مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد

لقد ظهرت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب فنورت أنفس الناس وحملتهم على توحيد الله والاتحاد فيما بينهم بعد أن كانت العداوة فيما بينهم كما قال الله تبارك وتعالى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (أل عمران: ١٠٣.

فأصبح المجتمع العربي بعد ذلك يملك قوة ويملك حضارة كبيرة قوية بل أصبح سائداً على الحضارات في العالم فقامت الدولة الأموية في دمشق، والعباسية في العراق، والأندلسية في أوروبا، والعثمانية في إسطنبول، وسمودرا باساي وديماك في بلاد الشرق الأقصى أي جاوة المعروفة اليوم بإندونيسيا وامتدت هذه القوة إلى قرون عديدة طويلة. (عبد الرحمن علي الحجي، 1981؛ 1988؛ د. أبو زيد شلبي. 2012م؛ علي الطنطاوي، صور من الشرق في إندونيسيا،.1، 1992، ص. 106؛ د. إسماعيل أحمد ياغي ومحمود شاكر، تاريخ العالم الإسلامي الحديث والمعاصر ، 1995م، ص. 285)

ولكن انقلبت تلك القوة ضعفا بعد أن أصبح المسلمون غافلين عن الله ورسوله وتعاليم دين الإسلام بسبب الدنيا التي أصابتهم فظهرت الفتن والتنازعات فيما بينهم والعداوات المؤدية إلى ذهاب قوتهم فتقدم وتسلط عليهم الأعداء الكافرون فأذلوهم وأخذوا ثرواتهم العلمية والمالية ، فأصبحت هذه الحال موجبة لليأس والتشاؤم بل زادتهم ضعفا وعجزا. ولذلك فمن المهم جداً أن نعرض أفكار الإمام بديع الزمان سعيد النورسي من خلال كتبه في مجموعة رسائل النور عن مفاهيم الدعوة الإسلامية لتكون علاجا لأمراض هذه الأمة اليوم ورجاء لمحاولة إعادة عزتهم وقوتهم كما تمتع بها أسلافهم الأماجد. ومن المعلوم أن الإمام بديع الزمان النورسي هو العالم العلامة الداعي إلى الله الناجح الذي سخر حياته للدعوة الإسلامية رغم كثرة العوائق والشدائد التي وقفت في طريقه وحاولت منعه من القيام برسالته ولكنه بالرغم من كل ذلك فقد أفلح في رسالته القيمة التي تمثلت في خدمة القرآن الكريم وإظهار أنواره . ( إبراهيم سليم أبو حليوه، بديع الزمان النورسي وتحديات عصره، 2010، ص. 28؛ بديع الزمان سعيد النورسي، سيرة ذاتية، ط. ٦، ٥-٦)

٢. المفاهيم الصحيحة للدعوة الإسلامية

أولا، المفهوم الأول للدعوة الإسلامية يتمثل في أن الإسلام يدعو إلى السلم ونشر السلام والرحمة بين الناس جميعا. كما قال الله تعالى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) الأنبياء: ١٠٧، وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الحاكم وابن عساكر عن أبي هريرة: «إنما أنا رحمة مهداة» يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من اللّه، وقوله «مهداة» أي هدية من اللّه للخلق. (وهبة الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، دمشق: دار الفكر المعاصر، الطبعة الثانية، 1418هـ، ص. 3/212)

وقد بين بديع الزمان النورسي، أن الإسلام سلم ومسالمة يرفض النزاع والخصام في الداخل، وزاد قائلا: “أيها العالم الإسلامي إن حياتك في الاتحاد إن كنت تريد الاتحاد فليكن هذا دستورك: لا بد أن يكون هو حق بدلا من هو الحق، وهو الأحسن بدلا من هو الحسن. إذ لا ينبغي لكل مسلم أن يقول في مسلكه ومذهبه إن هذا حق ولا أتعرض لما عداه فإن كانت المسالك الأخرى جميلة فمسلكي أجمل. بينما لا يحق له القول، إن هذا هو الحق وما عداه باطل، الحسن والجميل هو ما عندي فحسب، وغيره خطأ وقبيح. فإن فكرة الحصر تنشأ عن حب النفس، ثم تتحول إلى داء، وعنه ينجم النزاع، تعدد الأدواء والأدوية حق، وهكذا يتعدد الحق وتنوع الحاجات والأغذية حق، وهكذا يتنوع الحق وتتكاثر الاستعدادات ووسائل التربية حق، وهكذا يتكاثر الحق، فالمادة الواحدة قد تكون سما وفي نفس الوقت ترياقا حسن مراجين اثنين.”()

ومن خلال هذا النص تتضح الروح المتسامية المتسامحة للإمام النورسي حيث إنه يشجع المسلمين على التواصل والتعاون والترابط فيما بينهم، كما أنه يشجعهم ويحثهم على إحسان الظن ببعضهم البعض. وهذا النهج واضح جدا عند الإمام النورسي حيث إنه يعتمد منهج الإنصاف والعدالة مع كل المشارب والمسالك التي ظهرت بين المسلمين.

ويظهر هذا النهج واضحاً عند الإمام النورسي من خلال قوله : “إن الحقيقة في المسائل الفرعية ليست ثابتة بل إضافية ومركبة، فإنها تتلون حسب طبائع المكلفين وتتحقق وتدون بحسبها ومن ثم فصاحب كل مذهب يحكم حكما مطلقا مهملا فيدع تعيين حدود مذهبه لميول الطبائع. وإن التعصب المذهبي يتسبب في التعميم والالتزام بالتعميم يتسبب في النزاع. فإن الإسلام قد أحدث انقلابا في البشرية فتقارب الناس واتحد الشرع وأصبح الرسول واحدا فتعددت المذاهب؛ إذ لم تتساو المستويات فمتى ما غدت التربية الواحدة تفي بالغرض فعندئذ تتحد المذاهب. (النورسي، ٢٠١٢: ٤٩٦-٤٩٧)

فإذا كان الاتحاد أساس القوة، فاجتناب ما يسبب ذهاب القوة كالتنازع فهو من الأمور التي يجب على المسلم أن يبتعد عنها، وقد نهى الله المسلمين عن التنازع فيما بينهم لأن في ذلك سببا لذهاب قوتهم، كما قال الله تبارك وتعالى في سورة الأنفال: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) الأنفال: ٤٦

كما أمر الله تبارك وتعالى بالتعاون على البر والتقوى كما قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى…) المائدة: ٢. وعند شرحه لهذه الآية قال الإمام النورسي : “هذه الآية تشير إلى الحياة الاجتماعية ودستور الحركة، والالتحاق بصدق وتضحية بقافلة أهل الحق بكمال الضعف والعجز متفكرا في مدى ضرر الاختلاف بالإسلام، ومدى تسهيله غلبة أهل الضلالة على أهل الحق، وكسب الإخلاص بنكران الذات، وبالتخلص من الرياء والتصنع”. (النورسي، اللمعات: ١٦٨)

ومن أسباب التي تقوي الوحدة بين المسلمين أن الإسلام يدعو الإنسان إلى احترام الآخرين وأنهم سواسية لا فضل لبعضهم على بعض إلا بالتقوى. وهكذا فإن ما بينه بديع الزمان سعيد النورسي، يدل على أن من وظيفة المؤمن تجاه المؤمنين احترام الكبار ورحمة الصغار ومحبة الأتراب ومعاملتهم بالمروءة. فكما أنه لا تغرق سفينة تحوي الأبرياء لأجل خائن مجرم، كذلك لا يُعادى أبدا مؤمنٌ يتسم بصفات بريئة كثيرة لأجل صفة وحركة مجرمة واحدة. لا سيما الصفات المكرَّمة التي هي سبب المحبة كالتوحيد والإسلام فهي عظيمة جداً وكبيرة للغاية كجبل أحد. أما الأمور الخطأ والصفات المذمومة التي هي أسباب العداوة فهي كالحصيات. أجل، كما أن اعتبار الحصيات أثقل من جبل أحد حماقة وجنون محموقة؛ فلا شك أن عداوة المؤمن تجاه المؤمن قساوة قلب مثلها. ثم إن العداوة بين المؤمنين تخالف سلامة الإسلام حسب موازين الأحاسيس اللهم إلا أن تكون على صورة إشفاق. والحاصل إن الإسلام يطلب الأخوة، أما المحبة فهي من لوازم الإيمان، وإن سوء الخلق عذابه في أثنائه، وإن حسن الخلق ثوابه في طياته، إذا فوض الأمور إلى العادل الحكيم. (النورسي،الكلمات: ٥٤٩)

وفي هذه الطرح الذي يقدمه الإمام النورسي تتجلى هذه الروح النقية التي تحث المسلم على أن ينظر بعين الإكبار والإعظام لصفات الإيمان والتوحيد التي يتصف بها أخوه المسلم؛ فهي صفات ثقيلة في ميزان الله تعالى بل هي كجبل أحد في العظمة والثقل. أما الصفات الذميمة فهي محتملة ويسيرة إذا ما قورنت بالكفر والشرك؛ وعليه فالمسلم يحب أخاه المسلم ويكرمه من أجل صفة التوحيد، ومن أجل الإيمان بالله تعلى .

ولرعاية الأخوة بين المسلمين والمحبة فيما بينهم ينبغي لهم أن يجتنبوا الغيبة. وقد بين ذلك بديع الزمان حينما فسر سورة الحجرات أية ١٢ حيث قال الله تبارك تعالى: “أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا….”إن هذه الأية الكريمة تقبح بشدة الغيبة بهذه الكلمات الست في ست درجات، وتوبخ الإنسان الذي يفعل مثل هذا الفعل الشنيع. فتقول همزة الاستفهام التي سرت سريان الماء في الكلمات الست: استفت عقلك، هل يجيز ويأذن لشر كهذا؟ وإن لم يكن لك عقل مستقيم فاستفت قلبك، هل يجب قلبك إن كان موجودا شيئا أليما كهذا؟ وإن لم يكن لك قلب سليم فاستفت ضميرك، فهل يرضى ضميرك بإفساد الحياة الاجتماعية كعض وتمزيق يدك بأسنانك وأنت تتألم من هذا؟ وإن لم يكن لديك ضمير اجتماعي فاستفت إنسانيتك، هل تشتهي وترغب في مثل هذا الافتراس الشبيه بافتراس المفترسين؟ وإن لم يكن لديك إنسانية فاستفت رأفتك لبني جنسك وصلة رحمك، هل تميلان بوحشية إلى حركة تقصم ظهرك؟ وإن لم يكن لديك رأفة ببني جنسك وصلة رحم، أو ليست لك سليقة سليمة وفطرة مستقيمة حتى تنهش وتمزق بأسنانك ميتا ذا حرمة؟!. (النورسي،الكلمات: ٥٤٧)

وكذلك فإن الإسلام يأمر المسلمين أن لا ينظروا إلى عيوب إخوانهم ولا ينشروها، بل لا بد لهم أن يغضوا الطرف عن عيوبهم ويتأدبوا بالأدب الفرقاني (وإذا مروا باللغو مروا كراما) الفرقان: ٧٢. وقد بين بديع الزمان  هذا الأمر فقال: “واعلموا أن ترك النزاع الداخلي عند هجوم الأعداء الخارجيين، واعتقاد إنقاذ أهل الحق من السقوط والذل؛ هما أول وأهم وظيفة أخروية، وامتثلوا لما تأمركم به بقوة مئات الآيات والأحاديث النبوية من الأخوة والمحبة والتعاون، فاتفقوا بكل مشاعركم مع إخوانكم في مسلككم وفي دينكم اتفاقا أشد من اتفاق أهل الدنيا، أي لا تقعوا في اختلاف. (النورسي، اللمعات: ١٦٩)

وهذا يؤكد على أن الإمام النورسي يخشى كل الخشية من الاختلاف الذي يقع بين أهل الإسلام ويحذر منه كل التحذير .

ثانيا، والمفهوم الثاني للدعوة الإسلامية أن الإسلام دين المساواة ويدعو إليها. لكن المساواة في الإسلام ليست لتغيير الفطرة البشرية ورفع الحكمة الأساسية من خلق البشر. كما بين ذلك  بديع الزمان سعيد النورسي حيث قال “أن فطرة البشر وسر حكمة خلقه منافيان لقانون المساواة المطلقة؛ إذ كما أن الله الفاطر الحاكم ينشئ من شيء قليل محاصيل كثيرة، ويكتب كتبا كثيرة في صحيفة واحدة، ويجعل شيئا واحدا يؤدي وظائف كثيرة، فيسوق كذلك نوع البشر إلى أداء وظائف آلاف الأنواع من أجل إظهار كمال قدرته وحكمته. فبناء على هذا السر العظيم قد خلق الله سبحانه وتعالى نوع الإنسان على فطرة قابلة لتسنبل آلاف الأنواع منه، ولإظهار طبقات بعدد سائر الحيوانات التي تبلغ الآلاف، ولم يضع حدا لقوى الإنسان ولطائفه ومشاعره مثلما وضع للحيوانات، بل أطلقت، وقد وهب الله تعالى الإنسان استعدادا يمكنه من التجوال بلا حدود في مقامات عديدة، فأصبح بمنزلة آلاف الأنواع، في حين أنه نوع واحد؛ لذا فقد صار الإنسان خليفة الأرض، ونتيجة الكائنات، وسلطان الأحياء. (النورسي، اللمعات: ١٨٦-١٨٧)

وقد قال الله  تبارك وتعالى عن ذلك: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء: ١، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات: ١٣.

ثالثا، المفهوم الثالث للدعوة الإسلامية أن الإسلام دين العمل ويدعو إلى إلى العمل والسعي لنفع النفس والآخرين. وقد أمر الله تعالى بالعمل من أجل مصلحتهم في الدين والدنيا والآخرة قائلا في كتابه العزيز: ” وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (التوبة: ١٠٥)، وقال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الجمعة: ١٠.

وعن أهمية العمل قال بديع الزمان سعيد النورسي، “لا كسل ولا خمول في عالم الوجود فالعاطل يسعى في الوجود لحساب العدم أي إن أشد الناس شقاء وقلقا وضجرا وضيقا هو العاطل عن العمل، إذ الكسل والخمول والبطالة عدم في الوجود وموت في حياة، أما السعي فلا شك أنه حياة الوجود ويقظة الحياة.” (النورسي،الكلمات: ٥١٢)

وقال أيضا حاثاً على العمل وعدم الكسل: “. فإن العاطلين عن العمل والكسالى، ومن يعيشون في حالة استراحة ويرقدون في فراش الراحة، هم في الغالب يعانون المشقة والضيق أكثر من الذين يسعون ويعملون لأن العاطلين عن العمل يشكون دوما من عمرهم، ويريدون أن يمضي عمرهم سريعا بالملهيات والمتع، أما الذين يعملون ويسعون ويجتهدون فهم شاكرون الله وحامدون له، ولا يريدون أن تمضي حياتهم سريعا، فالقاعدة تقول المستريح العاطل شاك من عمره، والساعي العامل شاكر. وأيضا ذكر في المثل: الراحة في المشقة، والمشقة في الراحة. (النورسي،اللمعات: ١٣٦)

ولكن العمل وحده لا يكفي بل لا بد من الإخلاص، لأن الله لا يقبل العمل إلا بالإخلاص، ولاسيما العمل لتحقيق أهداف الدعوة الإسلامية والخدمة فيها، وهذا ما أكده الإمام بديع الزمان في اللمعات، أن الإخلاص علاج مرض القلب وهو أن يوفق المرء للإخلاص بإيثار اتباع الحق على اتباع النفس، وبنيل سر (إن أجري إلا على الله) سورة سبأ: ٤٧، بغلبة خاطر الحق على خاطر النفس والأنانية وبنيل سر (ما على الرسول إلى البلاغ) المائدة: ٩٩، بالاستغناء عن الأجرة المادية والمعنوية الآتية من الناس، مع العلم أن حسن القبول وحسن التأثير وكسب توجه الناس كل ذلك مما يتولاه الله ومن إحسانه، وليس من ضمن التبليغ الذي هو وظيفته، ولا ينبغي له أصلا أن يهتم به، وليس مكلفا به وإلا فسيفوته الإخلاص. (النورسي، اللمعات: ١٦٣)وهذا كما ورد في القرآن الكريم، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة الحشر: ٩)

ولتحقيق العمل لا بد من الحماسة الكبيرة والرؤية البعيدة المستقبلية وعدم اليأس رغم كثرة المصائب والأحزان، وهكذا كما مثّل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حزبه وأصحابه الأحزاب الذين أرادوا أن يبددوهم ويقتلوهم أو يخرجوهم من المدينة المنورة في غزوة الخندق. عن البراء بن عازب قال * لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرض لنا فيه حجر لا يأخذ فيه المعول فاشتكينا  إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى ثوبه وأخذ المعول وقال بسم الله فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة قال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الآن من مكاني هذا قال ثم ضرب أخرى وقال بسم الله وكسر ثلثا آخر وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن ثم ضرب ثالثة وقال بسم الله فقطع الحجر قال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر باب صنعاء. (سنن النسائي، 5/269)

رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحاطه الأعداء لكنه نفخ في أنفس الصحابة الرؤية البعيدة المستقبلية مبشرا إياهم بأن الأحزان والخوف والقلق سوف تذهب ويبدل ذلك الله بما هو خير من ذلك. وهذا أيضا ما كتبه النورسي في الكلمات حيث قال: “رأيت شخصا مدمن اليأس ومصابا بالتشاؤم يقول لقد قل العلماء كما وكيفا نخشى أن ينطفئ ديننا في يوم من الأيام. فقلت: كما لا يمكن إزالة الكون ولا يمكن إطفاء الإيمان الإسلامي فكذلك سيسطع الإسلام دوما إن لم تطفأ شعائر الإسلام ومنارات الدين والمعابد الإلهية ومعالم الشرع التي هي بمنزلة المسامير المثبتة الراسخة في الأرض، فلقد أصبح كل معبد من معابد الله معلما بطبعه يعلم الطبائع في كل آن. وصار كل معلم من معالم الشرع أستاذا، فلسان حاله يلقن الدين بلا خطأ ولا نسيان، وكل شعيرة من شعائر الإسلام عالم حكيم بذاته يدرس للأنظار روح الإسلام دوما. فكأن أنوار الإسلام قد تجسدت في شعائره بمرور العصور واستمرار الزمان.

ثم يواصل الإمام النورسي عرضه للأمر قائلاً : “وكأن أركان الإسلام قد تحجرت في عوالمه كأنها أعمدة من الألماس تربط الأرض بالسماء، ولا سيما هذا القرآن الخطيب المعجز البيان يردد دوما خطابا أزليا، لم تبق في أقطار عالم الإسلام ناحية ولا مكان إلا سمع لخطابه وتعاليمه، حتى صار حفظه رتبة عظيمة جدا بسر (وإنا له لحافظون) (سورة الحجر: ٩) وأصبحت تلاوته عبادة الإنس والجان. (النورسي، الكلمات: ٥١٣)

فإذا كان العمل له أهمية كبيرة للمسلم وسبب للحصول على السعادة، فلا بد للمسلم أن يعرف أن السعادة الحقيقية هي عمل الإنسان لعبادة الله وإرضائه إياه. وهكذا كما أرشد بديع الزمان أن الإسلام يدعو الإنسان إلى نيل السعادة الحقيقية وذلك بأن يكون عبدا لله وحده، لأن الله هو قدير ذو جلال، ورحيم ذو جمال، وحكيم ذو كمال، بيده زمام كل شيء، وعنده خزائن كل شيء، وناظر إلى كل شيء، وحاضر في كل مكان، ومنزه عن المكان، ومبرأ من العجز، ومقدس عن العيوب والتقصير، ومنزّه عن النقص؛ لأنه (الإنسان) لا يمكن أن يحقق حاجاته التي لا نهاية لها إلا من له علم محيط وقدرة لا نهاية لها، إذن فهو وحده الذي يستحق العبودية. (النورسي، الكلمات: ١٦٢)

فبمعرفة الإنسان نفسه أنه مخلوق مسكين بائس عاجز ضعيف فقير إلى الله، وأنه إذا استند  إلى أنانيته واتخذ الحياة الدنيا غاية الآمال وسعى واجتهد في هم المعيشة من أجل بعض اللذائذ المؤقتة؛ فإنه يغرق في دائرة ضيقة للغاية، وسيشتكي منه وستقاضيه كل الأجهزة والآلات واللطائف التي مُنِحَها وستشهد عليه يوم الحشر. أما إذا علم أنه ضيف وصرف رأس ماله عمره وفق إذن الذات الكريم الذي هو ضيف عنده؛ فيعمل بأحسن صورة واسعة لأجل حياة أبدية طويلة، ويتنفس الصعداء، ويستريح ثم يمكنه من خلال ذلك أن يسمو إلى أعلى عليين، ويشهد له في الآخرة برضا كل ما منحه من أجهزة وآلات.. (النورسي، الكلمات: ١٦٧)

خاتمة:

وخلاصة القول إن الإمام النورسي يعرض من خلال مجموعة رسائل النور المفاهيم الصحيحة للدعوة، ويعرض مجموعة القيم المثل والآداب التي ينبغي للمسلم أن يتصف بها وأن يتحلى بها، وهذه القيم تبدو واضحة للعيان من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومن خلال التجسيد العملي لحياة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وهي الحياة التي تمثل الدرجو العملية لمضامين الوحي. وتظهر للباحث من خلال النصوص التي وردت في المقال أن الإمام النورسي يولي القرآن الكريم أهمية قصوى باعتباره شمساَ معنوية تنير هذه الأكوان بما يحتويه من تعاليم رفيعة، وقيم حميدة،ومثل سامية يمكنها أن تسهم بصورة مباشرة في إيجاد العلاج لكل الأدواء والأسقام التي تعاني منها البشرية.

المراجع

  • القرآن الكريم
  • إبراهيم سليم أبو حليوه، بديع الزمان النورسي وتحديات عصره، بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 2010.
  • بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات من كليات رسائل النور، القاهرة: دار السنابل الذهبية، الطبعة الثانية، ٢٠١٢م.
  • بديع الزمان سعيد النورسي، سيرة ذاتية، إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، القاهرة: شركة سوزلر للنشر، ط. ٦، ٥-212
  • د. أبو زيد شلبي، تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي، القاهرة: مكتبة وهبة، ط. 2012م،
  • د. إسماعيل أحمد ياغي ومحمود شاكر، تاريخ العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، الرياض: دار المريخ، 1995م.
  • سليمان الطبراني، المعجم الكبير، الموصل: مكتبة العلوم و الحكم، ط.2، 1983، ص. 18/12، رقم. 14724.
  • سنن النسائي، رقم. 5/269
  • عبد الرحمن علي الحجي، التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حى صقوط عرناطة، بيروت: دار القلم، ط.2، 1981
  • علي الطنطاوي، صور من الشرق في إندونيسيا، جدة: دار المنارة، ط.1، 1992،.
  • وهبة الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، دمشق: دار الفكر المعاصر، الطبعة الثانية، 1418هـ.
  • يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة الغثمانية، استانبول: مؤسسة فيصل التمويل، ط.1، 1988.