Press "Enter" to skip to content

الكرامة والإكرام الإلهي عند بديع الزمان سعيد النورسي

محمد فائز

كلية أصول الدين والأدب والإنسانية الجامعة الإسلامية الحكومية جمبر- أندونيسيا

المستخلص

إن الحديث حول موضوع الكرامة لدى الأولياء والصالحين له علاقة بمبحث التصوف       والطريقة. إذ الكرامة في مفهوم الصوفية هي الأحوال الخارقة للعادة الواقعة لأولياء الله الأصفياء   وعباده الصالحين إكراما وتأييدا لهم وهذا خلافا للأخرى التي حدثت عند المغرورين من أهل          الأهواء حيث اصطلح عليها العلماء باسم الاستدراج. وتهدف هذه الدراسة إلى بيان نوعين من      كرامة الأولياء في المنظور النورسي وهما الكرامة المعتادة التي وهبها الله أولياءه المقربين             ويجب إخفاؤها وعدم إفشائها، والنوع الثاني من الكرامة هي التي يجوز كشفها للناس تحدثا بنعمة الله تعالى وهو الإكرام الإلهي. وتتابع الدراسة المنهج الوصفي التحليلي وذلك باستخراج أفكار     سعيد النورسي وآراءه المتميزة في البحث عن الكرامة من خلال كلياته الشهيرة ألا وهي رسائل   النور، وتحاول الدراسة تحليل هذه الآراء ومقارنتها مع آراء الصوفية لإبراز منهجيته الاعتدالية في الموضوع.

الكلمات المفتاحية: الكرامة، الإكرام الإلهي، التصوف.  

DIVINE, DIVINE REVERENCE AND SUPERNATURAL

ENGAGEMENT ACCORDING TO IMAM NURSI

Abstract

This paper deals with the concepts of divine reverence and miraculous engagement among saints and blessed persons in the light of the epistles of Imam Nursi. The paper tries, also to explain the Sufi and mystic dimensions of the above-mentioned terms. The analytic and descriptive methods are used in this study.

Keywords: Divine, Divine Reverence, Sufism.

المقدمة

كان سعيد النورسي (توفي سنة 1960م) عالما من علماء تركيا ا عاش في أواخر عهد الخلافة        العثمانية التي سقطت في 1924م. ولد في قرية “نورس” التابعة لولاية بيتلس شرقي الأناضول سنة 1876م. قبل أن ينتقل إلى القرى والمدن لأجل طلب العلم وملازمة العلماء تتلمذ سعيد الشاب على أخيه الكبير الملا عبد الله ودرس النحو والصرف. لقد اجتمع له الذكاء وقوة الحافظة حتى أنه حفظ كتاب جمع الجوامع-لتاج الدين عبد الوهاب السبكي-في أصول الفقه في أسبوع واحد.             (جهود سعيد النورسي في تجديد الفكر الإسلامي، إحسان قاسم الصالحي. صـ 13.)

وفي الثامنة عشرة من عمره ذهب إلى مدينة وان وانكب فيها بعمق على دراسة كتب الرياضيات والفلك      والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ حتى تعمق فيها إلى درجة التأليف في بعضها، وذلك عندما أحس في أثناء مجالسته مع بعض العلماء والمثقفين أنه بحاجة إلى                الاعتراف من تلك العلوم فأطلق عليه أهل العلم (بديع الزمان) . (سيرة ذاتية: 88).) اعترافا              منهم بذكائه الحاد وعلمه الغزير وحفظه القوي. (المصدر السابق، صـ 14.)

كان الفكر المادي قد بدأ يجتاح العالم كله ووجهت العلوم الحديثة وجهة بعيدة عن الدين بل                  مناهضة له. وأخذ العالم الإسلامي يئن تحت وطأة هذا الغزو الفكري والدولة العثمانية لم تعد قادرة على الوقوف أمامه وحل     المشكلات المستعصية التي أفرزها. وبلغ الأمر إلى الهجوم على       القرآن الكريم حتى نشر في الصحف المحلية أن وزير المستعمرات البريطاني “غلادستون” قد صرح في مجلس العموم البريطاني مخاطبا النواب قائلا: “ما دام القرآن بيد المسلمين فلن                 نستطيع أن نحكمهم، لذلك فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود أو نقطع صلة المسلمين به”. لقد زلزل هذا الخبر كيان سعيد النورسي وأقض مضجعه فعلم أن القرآن مستهدف فأعلن لمن حوله:   (لأبرهن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها) .  (المصدر                 السابق، صـ 14. وسيرة ذاتية، من كليات رسائل النور، سعيد النورسي، صـ 88-89.) فعزم أن يسلك طريقة دعوة الناس إلى فهم القرآن وعمله   بكتابة ((كليات رسائل النور)) التي هي تفسير شهودي للقرآن الكريم، يعتمد على حقائق الآيات الكريمة وإثبات معانيها، بتوضيحها من خلال       استشهادات يتحاور فيها العقل والقلب، وتمتزج فيها الروح واللطائف      الأخرى. فهي تفسير       لمعاني القرآن الكريم أكثر مما هي تفسير لألفاظ الآيات الكريمة وعبارتها، تعالج القضايا                 والمقاصد الأساسية التي يدور حولها القرآن الكريم. (لمصدر السابق، صـ 18.)

ومن أهم موضوع كليات رسائل النور هو مبحث التصوف والطريقة التي غايتها معرفة الحقائق   الإيمانية والقرآنية (المكتوبات، سعيد النورسي. صـ 563.) وليست لأجل الغاية الأخرى الدنيوية والمادية. ومن ضمن هذا المبحث هو مسألة كرامات الأولياء التي ذكرها النورسي في بعض            المواضع من كلياته النورية، منها المكتوبات والشعاعات  والمثنوي العربي النوري والملاحق.   وقد أشكل على الأمر عوام الناس -على وجه الخصوص-في فهم مسألة الكرامة لدى خيار المسلمين (الأولياء) حيث أنها يتعلق بالأمور الأساسية كأمثال أسئلة: هل الكرامة ممكنة الحدوث                 (لغير الأنبياء) أم لا؟ إذا كانت الكرامة واقعة فما الأدلة على وقوعها وما هي ضابطها عند العلماء المحققين؟ وما الفرق بينها وبين المعجزة النبوية وسحر أهل البدعة (الاستدراج)؟ وما المقصود   بالإكرام الإلهي عند النورسي وما الفرق بينه وبين الكرامة؟ كل هذه الأسئلة محور البحث في هذه السطور المتواضعة.

تعريف الكرامة والخلاف بين العلماء في إثباتها

الكرامة لغة –كما قال الجوهري- “الكرم ضد اللؤم” ( الصحاح، الجوهري (2019).).وقال ابن  منظور : “الكريم من صفات الله وأسمائه وهو : الكثير الخير الجواد المعطي الذي لاينفد عطاؤه”.( لسان العرب, ابن منظور. م 12، صـ 510) وتوجد معان أخرى واشتقاقات لا تتعلق بموضوع   البحث فالله الكريم عز وجل إذا أكرم عبدا من عباده بنعمة من النعم فإنها تسمى (كرامة) لغة              أيعطية تكريم منه تعالى. (أصول إعتقاد، اللالكائي. صـ 14.)

وأما في الاصطلاح فمعنى الكرامة هو ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص مؤمن صالح غير مقرون بدعوى النبوة والرسالة –ولا هي مقدمة لها ولا يشترط فيها التحدي-( التصوف بين                الإفراط والتفريط, عمر عبد الله كامل، صـ 98.)، فما لايكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح        يكون استدراجا وما يكون مقرونا بدعوى النبوة يكون معجزة.( بغية الأذكياء، الترمسي، صـ 62.) وهي عبارة عن إكرام الله لولي من أولياءه الصالحين وخيار المسلمين من أتباع الرسل                    الملتزمين بأحكام الشرع، ولا يشترط فيها دائما أن تكون خارقة لنواميس الكون أو خارجة عما      يألفه الناس، وليس لها صورة أو كيفية معينة .  (التصوف بين الإفراط والتفريط، صـ 98.)

فظهور الكرامات على الأولياء جائز،( لرسالة القشيرية، القشيري، صـ 518.) وهذا الرأي ذهب إليه جمهور العلماء. بل ذكر الكلاباذي أنه ورد الإجماع على إثبات كرامات الأولياء.( التعرف    لمذهب أهل التصوف، الكلاباذي، صـ 47.)      وإنما أنكر جواز ذلك من أنكر، لإن فيه زعم          إبطال النبوات، لأن النبي لا يظهر عن غيره إلا بمعجزة يأتي   بها تدل على صدقه ويعجز عنها غيره، فإذا ظهرت على يدي غيره لم يكن بينه وبين من ليس بنبي فرق.     (المصدر السابق، صـ 48.)

وأما رأي أهل الظاهر فيتضح في قولهم: لا يجوز كون هذه الكرامات لغير الأنبياء عليهم السلام   لأن الأنبياء مخصوصون بذلك، والآيات والمعجزات والكرامات واحدة. وإنما سميت معجزات   لإعجاز الخلق عن الإتيان بمثلها، فمن أثبت من ذلك شيئا لغير الأنبياء فقد ساوى بينهم ولم يفرق بينهم وبين الأنبياء.                        ( اللمع، الطوسي، صـ 275)

وأورد الجمهور وجوه الفروق بين المعجزات والكرامات بشروح شاملة مقنعة، وفي هذه المناسبة ننقل بعض منها: فمن هذه الوجوه أن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بإظهار المعجزات فمتى        كتموا ذلك فقط خالفوا الله في كتمانها، بينما الأولياء يجب عليهم ستر الكرامات وإخفائها وإذا             أظهروا من ذلك شيئا للخلق لاتخاذ الجاه عندهم فقد خالفوا الله وعصواه بإظهار ذلك. (المصدر      السابق. والرسالة القشيرية، صـ 519.)

والوجه الثاني: أن صاحب المعجزة مأمون التبديل معصوم عن الكفر بعد ظهور المعجزة عليه      ولا يخشى    عليه الفتنة بها، وأما صاحب الكرامة لا يؤمن تبدل حاله (أصول إعتقاد، اللالكائي، صـ 16.) بل يخشى عليه وقوع     الفتن وغلبة النفس الأمارة ويكون ذلك استدراجا وسببا لهلاكه. والولي صاحب الكرامة لا يستأنس بهذه        الكرامة، بل يتضاعف خوفه وخشيته من الله فيزداد له تذللا وخضوعا وطاعة وشكرا له                          ( التصوف بين الإفراط والتفريط، عمر    عبد الله كامل، صـ 99.). وأما إظهار المعجزة عند الأنبياء كلما زيدت معجزاتهم وكثرت يكون     أتم لمعانيهم وأثبت لقلوبهم للاحتجاج بها في الدعوة والدلالة على الله والاقرار بوحدانية الله تعالى. (اللمع، الطوسي، 276.)

والوجه الثالث: تسمية ما يدل على صدق الأنبياء (معجزة) وتسمية ما يظهر على الأولياء (كرامة) للتمييز بينهما ( أصول إعتقاد، اللالكائي، صـ 16. ) وكذلك فإن المعجزات تختص بالأنبياء،       والكرامات تكون للأولياء كما  تكون للأنبياء. ولا تكون للأولياء معجزة، لأن من شرط المعجزة    اقتران دعوى النبوة بها . ( الرسالة القشيرية، صـ 519)

وأما الأدلة التي اعتمدها جمهور العلماء في جواز ظهور الكرامات لدى الأولياء هي أصل الكتاب العزيز، منها قوله تعالى في قصة مريم وهو ليس بنبي.

وأما الدليل من الأحاديث والآثار، منها حديث النبي –صلى الله عليه وسلم- في قصة جريج                الراهب وكلام الصبي، وجريج لم يكن نبيا. (الشيخان عن أبي هريرة.) وقد روي عن النبي              –صلى الله عليه وسلم-أنه قال: “إن في أمتي مكلمون ومحدثون وإن عمر بن الخطاب منهم”،         والمكلم والمحدث أتم في معناه من جميع الكرامات التي ذكر الله عز وجل عن البدلاء والأولياء      والصالحين.( اللمع، الطوسي، صـ 275.) وفي الأثر عن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: “يا سارية الجبل”، في حال خطبته يوم الجمعة وتبليغ صوت عمر إلى سارية      مع أنه في ذلك الوقت بالعسكر على باب نهاوند على مسيرة شهر حتى تحرّز من مكامن العدو.         (المصدر السابق، صـ 277. الرسالة القشيرية، صـ 521.)

ومن الدليل العقلي على جواز ظهور الكرامات كما ذكر القشيري في رسالته: أنه أمر موهوم          حدوثه في العقل لا يؤدي حصوله إلى رفع أصل من الأصول، فواجب وصفه سبحانه بالقدرة          على إيجاده، وإذا وجب كونه مقدورا لله سبحانه فلا شيء يمنع جواز حصوله. (الرسالة القشيرية، صـ 518.)

وأكد الطوسي أن ورود الأخبار والروايات في كرامات الأولياء قد بلغ أكثر من ألف حكاية وألف خبر فليس معقولا أن كله كذب وموضوع، وقال: ” فكيف يجوز أن يقال: ذلك كله كذب وموضوع؟ وإن صح من الجميع واحد فقد صح الكل فإن القليل والكثير في ذلك سواء”. (اللمع، الطوسي، صـ 279.)

وأما ما ذهب إليه سعيد النورسي في هذه المسألة فهو ما ذهب إليه جمهور العلماء في جواز              وإثبات وقوع     الكرامات، لكن حذر أصحابها من إظهارها خوفا من الاستدراج ( بين النورسي معنى الاستدراج، أنه انكشاف لشخص صورة الأشياء الغائبة وهو في غفلة أو يعمل أفعالا غريبة وهو مستند بنفسه واقتداره فيزداد بعدا وأنانية وغرورا. (المثنوي العربي النوري، من كليات           رسائل النور، صـ 369).) والوقوع في فتنة النفس الأمارة، حيث يقول: “إن إظهار الكرامة فيه ضرر إن لم يكن هناك ضرورة. فالشخص المتشرف بالكرامة إذا ما صدر عنه أمر خارق للعادة وهو يعلم، فلربما صدور ذلك الأمر الخارق استدراجا إن كانت نفسه الأمارة باقية، من حيث             إعجابه بنفسه والاعتماد على كشفه واحتمال وقوعه في الغرور”.  (المكتوبات، من كليات رسائل النور، سعيد النورسي، صـ 39.)

الفرق بين الكرامة والإكرام الإلهي عند سعيد النورسي

لقد قسم العلماء الكرامة إلى قسمين: كرامة حسية وكرامة معنوية. والكرامة الحسية هي المشتهرة بين عامة   الناس والمتمثلة في خرق العوائد في الأمور المادية  ( التصوف بين الإفراط والتفريط، عمر عبد الله كامل، صـ 100.). ومن    أمثلة ذلك كما روي عن جماعة من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم-في حديث أسيد بن خضير      وعتاب بن بشير أنهما خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأضاء لهما رأس عصا   أحدهما كالسراج. ( في الصحيح عن أنس وأخرجه الحاكم عنه.)

 وحديث أبي الدرداء وسلمان الفارسي رضي الله عنهما أنه كان بينهما قصعة فسبحت حتى سمعا تسبيحها،   ( البيهقي في الدلائل عن طريق قيس بن أبي حازم) وقصة العلاء بن الحضرمي حيث بعثه رسول الله –صلى الله عليه وسلم-في غزاة فحال بينهم وبين الموضع قطعة من البحر فدعا      الله تعالى باسمه الأعظم ومشوا على الماء.  (عن أبي هريرة رضي الله عنه لما بعث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- العلاء بن الحضرمي إلى البحرين بنفسه فرأيت منه ثلاث خصال لا أدري    أيتهن أعجب انتهينا إلى ساحل البحر فقال: سموا الله تقحموا فسمينا فما بل الماء أقدامنا. – اللمع، للطوسي، صـ 287.)

وأما الكرامة المعنوية فهي لأهل الخصوص من عباد الله والمتمثلة في التوفيق إلى حفظ آداب           الشريعة  والاستقامة مع الله ظاهرا وباطنا والتزام مكارم الأخلاق وغيرها من الأمور المعنوية.     (التصوف بين الإفراط والتفريط، عمر عبد الله كامل، صـ 100.  ) وذكر الطوسي أنه لا يكون    في الكرامات شيء أتم من أن يقسم العبد على الله تعالى فيبر قسمه وقد قال الله عز وجل: (وقال    ربكم ادعوني استجب لكم): سورة غافر : الآية 60).( اللمع، للطوسي، صـ 278.) وأورد الطوسي في موضع آخر حينما ذكر عند سهل بن عبد  الله الكرامات فقال: وما الآيات وما الكرامات       شيء تنقضي لوقتها، ولكن أكبر الكرامات أن تبدل خلقا مذموما من أخلاق نفسك بخلق محمود.    (لمصدر السابق، صـ 280.) وقال القشيري في رسالته: اعلم أن من أجل الكرامات   التي تكون   للأولياء دوام التوفيق للطاعات والعصمة عن المعاصي والمخالفات. (الرسالة القشيرية، صـ 524.)

وأما الكرامة عند سعيد النورسي فهي على نوعين، النوع الأول هو الكرامة الاعتيادية (المكتوبات، من كليات رسائل  النور، سعيد النورسي، صـ 468.) التي تشرف بها عباد الله المخلصون            تكريما لهم، وأصحابها مكلفون بإخفائها أمام أنظار الناس مخافة أن تنقلب إلى الاستدراج إن كانت النفس الأمّارة باقية من حيث إعجابهم والاعتماد على     أنفسهم كما أنه يخاف من الوقوع في          الأنانية والغرور. (المصدر السابق، صـ 39.)

والنوع الثاني هو الكرامة السليمة التي تجري على المؤمنين الصادقين من دون علمهم وشعورهم، كمن يأتيه من يحمل سؤالا في قلبه فيجيب عنه جوابا شافيا من نوع الانطاق بالحق. وذلك –كما اعتقده النورسي-لايعتمد على نفسه بعد إدراكه الأمر، بل تزداد ثقته بالله واطمئنانه إليه، كأنه          يقول: إن لي حفيظا رقيبا يتولاني  بالتربية أكثر مني. فيزيد توكله على الله. وهذه كرامة            لا خطورة فيها، وصاحبها غير مكلف بإخفائها. ولكن عليه ألا يسعى إلى إظهارها للفخر، لأنه       ربما ينسب ذلك الأمر الخارق إلى نفسه إذ فيه شيء من كسب الإنسان في الظاهر. (المصدر            السابق، صـ 39-40.)

وأما الإكرام الإلهي في مفهوم النورسي فهو أسلم من النوع الثاني من تلك الكرامة السليمة بل هو أعلى منها  وأسمى. فإظهاره تحدث بالنعمة وشكر معنوي، لأن ليس فيه نصيب من كسب الإنسان. فالنفس لا تستطيع أن تستند إليها. ( المكتوبات، من كليات رسائل النور، سعيد النورسي، صـ  40.) واعترف النورسي بأن ما كتبه من كلياته في رسائل النور من نوع هذا الإكرام أو الإحسان   الإلهي وذلك أن قصده في نشر تلك الرسائل ليس إلا لأجل إنقاذ إيمان المسلمين وإثبات الحقائق    الإيمانية في القرآن الكريم وإظهار أنوار الرسالة النبوية للنبي الأكرم عليه   الصلاة والسلام.

وقد أورد النورسي في المكتوبات (المصدر السابق، صـ 465-469.)-من كليات رسائل النور- بعض الأسباب أو الدوافع في استحباب إظهار الإكرام أو العنايات الربانية في أثناء كتابة رسائل  النور أو استنساخها أو عند نشرها، وهي:

الأول: إن رسائل النور وعلى الأخص “الكلمات” هي تفسير لإعجاز القرآن وحجة على أهل      الشبة من الماديين والملحدين، ولذلك فإن إظهار هذه الرسالة تعتبر خدمة للقرآن لإبراز إعجازه   أمام أعداء الدين.

الثاني: لما كان القرآن هو المرشد والأستاذ والإمام والدليل لكل الأعمال، وأنه يثني على نفسه،  فكلنا إذن مكلفون بالثناء على تفسيره اتباعا لإرشاده لنا. ولما كانت “الكلمات” نوعا من تفسير    القرآن ورسائل النور   عامة ملك القرآن وتتضمن حقائقه، وأن القرآن يعلن عن نفسه في هيبة    وعظمة، ويببن مزاياه ويثني على     نفسه فنحن إذن مكلفون بإظهار العنايات الربانية التي هي  علامة لقبول الخدمة في بيان لمعات إعجاز القرآن  المنعكسة في “الكلمات”.

الثالث: إن الحقائق والمزايا الموجودة في “الرسائل” ليست من بنات أفكار النورسي ولا تعود إليه وإنما للقرآن وحده. ولذلك يرى النورسي أنّه مضطرا إلى بيان أنها قد نالت رشحات من مزايا     القرآن العظيم.

الرابع: قد يستلزم التواضع كفران النعمة وقد يكون التحدث بالنعمة تفاخرا وتباهيا. وكلاهما       مضران. ولكيلا يؤدي الأمر إلى ذلك فالوسيلة الوحيدة للنجاح هي الإقرار بالمزايا والفضائل دون ادعاء تملكها، أي إظهارها  أنها آثار إنعام المنعم الحقيقي جل وعلا.

الخامس: هناك إشارة من أحد الأولياء بأن نورا سيظهر من جهة الشرق ويبدد ظلمات البدع.       وأكد النورسي    أنه يمهد السبيل لأولئك النورانيين بخدمته في إنقاذ إيمان المسلمين بتركيا آنذاك بكتابة رسائل النور. ولا شك  أن بيان العنايات الإلهية التي تخص “الكلمات” لا يكون مدار فخر وغرور أبدا إذ لا يعود إلى شخص النورسي بالذات، بل يكون مدار حمد وشكر وتحدث  بالنعمة.

السادس: إن الإكرام أو العناية الربانية التي هي وسيلة ترغيب ومكافأة عاجلة وجزاء مقدم لخدمة القرآن بسبب تأليف “الرسائل” ما هي إلا التوفيق في العمل والنجاح في الخدمة. وإظهار هذا          الإكرام الإلهي هو شكر معنوي.

السابع: هناك شعور غريب أثناء خدمة القرآن، حيث يقول النورسي: “إن هناك من يستخدمنا           ويسوقنا إلى الخدمة دون اختيار منا ودون علمنا، ويسخرنا في أمور جسام دون معرفتنا”. لذلك   يضطر إلى الإعلان عن تلك العنايات إعلانا صارخا على ملأ من الناس.

وأما الكرامات الواقعة في رسائل النور فيمكن إيرادها هنا بما ذكره النورسي في “الملاحق”  (الملاحق، من كليات رسائل النور، سعيد النورسي، صـ 256-257.) حينما أجاب عن سؤال: لماذا   لا تشاهد في طلاب النور (هؤلاء الذين ينتسبون إلى رسائل النور بكتابتها ودعوة الآخرين إلى      كتابتها، وتعزيز إنتشارها (سيرة ذاتية، صـ 354). فهم مريدو سعيد النورسي من جهة، وزملاءه في الدرس من جهة أخرى، ومساعدوه وأصحاب الشورى معه من جهة أخرى (سيرة ذاتية، صـ 293). مظاهر وأذواق روحية وكشفيات معنوية وكرامات مادية ملموسة كالأولياء؟ فضلا عن أنهم لا يهتمون بمثل هذه الأمور ولا يتعقبونها؟ فأجاب النورسي بأربعة أجوبة، وهي:

أولا: سببه سر الإخلاص، إذ أن الأذواق والكرامات المؤقتة في الدنيا تصبح مقصودة بالذات لدى أولئك الذين لم يتمكنوا من قهر نفوسهم الأمارة بالسوء، وتغدو لديهم هذه الأذواق داعية للقيام          بأعمالهم الأخروية.

ثانيا: إن الكرامات والكشفيات إنما هي لبث الثقة في نفوس السالكين في الطريقة من الناس العوام الذين       يملكون إيمانا تقليديا ولم يبلغوا مرتبة الإيمان التحقيقي. فالإيمان التحقيقي الذي تمنحه    الرسائل هو أرفع بكثير من الكرامات والكشفيات والأذواق، لذا لا يتحرى طلاب رسائل النور       الحقيقيون أمثال هذه الكرامات.

ثالثا: إن في مسلك رسائل النور لا تعطى الأهمية للشخص، حيث يكتفي الجميع بما نالت الرسائل –من حيث المشاركة المعنوية والفناء في الإخوان-من آلاف الكرامات العلمية ومن يسر في نشر  الحقائق الإيمانية، وبما يجد أولئك الطلاب من بركة في معايشهم. لذا لا يفتشون عن كمالات             وكرامات أخرى شخصية.

رابعا: من المعلوم أن مئات من رياض الدنيا لا توازي شجرة من أشجار الجنة، وذلك لأن الأولى فانية  والثانية خالدة. لهذا لا يسأل طلاب النور الأذواق الروحانية والكشفيات المعنوية في الدنيا.

الخلاصة

إن معنى الكرامة عند بديع الزمان سعيد النورسي مباين لمعنى الاستدراج، إذ الكرامة كالمعجزة فعل الله، غير أنها لا تقترن بدعوى النبوة. ويتفطن صاحب الكرامة أنها منه تعالى وليس من نفسه، ويطمئن بأنه حام له رقيب عليه يختار له الخير. فقد يشعر بتفاصيل الكرامات بإذن الله، وقد لا يشعر وهذا أولى وأسلم. بل هناك تكريم أخر أسلم من هذا النوع الثاني وهو توفيق إلهي في أعمال الخير وإحسان إلهي في خدمة الدين وعناية ربانية في إنقاذ الإيمان وإثبات الحقائق القرآنية ألا وهو إكرام إلهي. ولا حرج في كشف الإكرام الإلهي وإظهاره أمام أنظار الناس بل هو من باب التحدث بنعمة الله تبارك وتعالى.

المصادر والمراجع

  1. أبو بكر محمد الكلاباذي. التعرف لمذهب أهل التصوف. بيروت: دار صادر، 2001م.
  2. أبو القاسم القشيري. الرسالة القشيرية. دمشق: دار الخير، 2003م.
  3. إسماعيل بن حماد الجوهري. الصحاح. تحقيق أحمد عبد الغفور عطار.
  4. بحوث الندوة العلمية الدولية. جهود سعيد النورسي في تجديد الفكر الإسلامي. إستانبول:    دار سوز للطباعة   والنشر، 2005م.
  5. جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور. لسان العرب. طبعة دار صادر ودار بيروت،          طبعة 1388هـ.
  6. سعيد النورسي. المكتوبات من كليات رسائل النور (2). ترجمة إحسان قاسم الصالحي.       القاهرة:شركة سوزلر، الطبعة الرابعة، 2004 م.
  7. سعيد النورسي. المثنوي العربي النوري من كليات رسائل النور (6). ترجمة إحسان قاسم الصالحي. القاهرة: شركة شوزلر، الطبعة الرابعة، 2004 م.
  8. سعيد النورسي. الملاحق من كليات رسائل النور (7). ترجمة إحسان قاسم الصالحي.            القاهرة: شركة سوزلر، الطبعة الرابعة، 2004 م.
  9. سعيد النورسي. سيرة ذاتية من كليات رسائل النور(9). ترجمة إحسان قاسم الصالحي.        القاهرة: شركة شوزلر، الطبعة الرابعة، 2004 م.
  10. عبد الله بن علي السراج الطوسي. اللمع في تاريخ التصوف الإسلامي. بيروت: دار              الكتب العلمية، الطبعة الأولى،1421 هـ / 2001 م.
  11. عمر عبد الله كامل. التصوف بين الإفراط والتفريط. بيروت: دار بن حزم، 2001م.
  12. محمد محفوظ بن عبد الله الترمسي. بغية الأذكياء في البحث عن كرامة الأولياء. جاكرتا: وزارة الشؤون الدينية للجمهورية الإندونيسية، الطبعة الأولى،1429 هـ /2008 م.
  13. هبة الله بن الحسن اللالكائي. أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (9) ((كرامات أولياء الله عز وجل)). الرياض: دار طيبة، 1992م.