Press "Enter" to skip to content

التفكر في الآيات الكونية من خلال رسائل النور

عبدالرحيم خطوف

استاذ باحث في الفكر الاسلاميالمغرب

المستخلص:

إن الهدف الرئيسي لهذه الورقة هو توضيح الدور الرئيسي الذي قام به الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في حث العقل أن يتأمل في الآيات الكونية.

إن المقالة تحاول، أيضا، الإشارة إلى أن التوحيد هو السبيل الوحيد الذي يمكن الإنسان من ملاحظة الجمال الذي تحتوي عليه الآيات الكونية.

إن فلسفة التأمل عند الإمام النورسي هي، أيضا، قد عرضت في هذه المقالة، وقد أقام الباحث بعرض هذه الموضوعات من خلال المنهج التحليلي.

الكلمات المفتاحية: التفكر، الآيات الكونية، رسائل النور

THE CONTEMPLATION IN THE COSMIC PRODIGIES THROUGH RASAIL NUR

Abstract:

The main objective of this paper is to expose the important role played by Imam Nursi in urging the human intellect to contemplate in the cosmic prodigious.

The paper, also, tries to indicate that monotheism is the only way that enables human being to observe the beauty of cosmic prodigies. The philosophy of contemplation of İmam Nursi is, also, presented in this paper. The analytic method of research is adopted by the writer.

Keywords: Contemplation, Cosmic Prodigies, Risale-i Nur

مقدمـة

ترك بديع الزمان سعيد النورسي تراثا فكريا أغنى به مكتبة الفكر الإسلامي المعاصر، تجلى هذا التراث في كليات رسائل النور التي كتبها، وضمت هذه الرسائل تسعة أجزاء سجل فيها الإمام النورسي كل ما اكتشفه من نور القرآن الكريم، فأصبحت كليات رسائله نورا، سجل فيها حلاوة الإيمان التي عاشها، ونقلها إلى محبيه في ظروف صعبة تميزت بالمحنة والاضطهاد والسجون والمنافي، رغم ذلك حرص على نقلها بقصد إنقاذ إيمان الناس في زمن كان يحتاج إلى إحياء معاني القرآن ونوره في النفوس والعقول والأرواح، فجمع في رسائله بين أنوار القرآن ومعانيه الشجية، وبين تجربة المؤمن القائم بين يدي الله تعالى، الصابر على المحن في سبيل دعوة الناس إلى التوحيد والإيمان، المستبشر بنصر دين الله في المستقبل القريب.

تضم كليات رسائل النور ألوانا فكرية مختلفة، من الكلمات، والمكتوبات، واللمعات، والشعاعات، وإشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، والمثنوي العربي النوري، والملاحق في فقه دعوة النور، وصيقل الإسلام، وسيرة ذاتية للإمام النورسي، وقد حملت هذه الكليات المختلفة عدة رسائل تجديدية لإيمان الإنسان المسلم والجماعة المسلمة، من هذه الرسائل، ضرورة التفكر في آيات الله الكونية، وأن جمال الكون ومزايا الإنسان لا يظهر إلا بالتوحيد، ورسالة المناجاة ضمن جولة في أرجاء الكون، ورسالة جليلة في مشاهدات سائح يستنطق الكون، ليقف على براهين الوجود، وإثبات أن الإيمان بالآخرة أساس حياة الإنسان الفردية والاجتماعية. 

إن هدف البحث معرفة حقيقة العقل المتفكر في الآيات الكونية كما جاءت في القرآن الكريم، وكما سطرها بديع الزمان سعيد النورسي في رسائله، وحاجة الناس إلى الوقوف على التفكر والتأمل في الكون.

ينطلق البحث من إشكالية تتشكل من عدة أسئلة منها، ما حقيقة التفكر في الآيات الكونية؟ ولماذا تم التأكيد على هذه الحقيقة في القرآن الكريم؟ ما موقع التفكر والتأمل الكوني في الفكر الإسلامي عموما، وعند الإمام سعيد النورسي في رسائل النور خصوصا؟ كيف ربط بديع الزمان بين الآيات القرآنية والآيات الكونية؟ وبين السياحة الكونية والتوحيد؟  

للجواب عن هذه الأسئلة، وتحقيق هدف الدراسة، اعتمد البحث منهجا ثلاثي الأبعاد، استقرائي، تحليلي، استنباطي:   

–  أما البعد الاستقرائي فيتتبع التفكر في آيات الكون من خلال كليات رسائل النور التي كتبها الإمام سعيد النورسي، ومقارنته بمكتوبات غيره.

– والبعد التحليلي يتضمن تحليل أطروحة السياحة العقلية في الكون من خلال رسائل النور، وربطها بالقرآن الكريم، ومدى تأثيرها في الوصول إلى حقيقة التوحيد الكونية.

– أما البعد الاستنباطي فيتضمن استنباط حقيقة التفكر في الكون، وأهميته في حياة الفرد المؤمن والجماعة المسلمة.

كما اعتمد البحث مخططا يضم مقدمة حول أهمية التفكر الكوني من خلال رسائل النور، ومبحثين:

المبحث الأول: التفكر في آيات الله الكونية، جاءت فيه ثلاثة عناوين:

  1.  التفكر في القرآن الكريم
  2. حاكمية الوحي على العقل
  3. التفكر والإيمان

المبحث الثاني: التفكر والسياحة الكونية في رسائل النور، ضم ثلاثة عناوين كذلك:

  1. فلسفة التفكر عند بديع الزمان
  2. السياحة في الأرض وما حولها
  3. السياحة في السماء وما فيها

أما الخاتمة: فتعرض أهم النتائج التي توصل إليها البحث.

المبحث الأول: التفكر في آيات الله الكونية

  1. التفكر في القرآن الكريم:

التفكر مصطلح قرآني بليغ، جاء في لسان العرب، “التفكر اسم التفكير، والتفكر التأمل.”(ابن منظور الإفريقي، 1414 هـ) وهو يفيد انعكاسا على النفس ومراجعتها، والتفكر فعل عميق ومتأن يتناول الظواهر الكونية من زاوية نسبتها إلى الخالق، ومن زاوية معرفة وجود الإنسان، ومصيره بعد الموت في الآخرة، وبهذا المعنى فإنه يختلف عن مصطلح التفكير الذي يفيد نشاط العقل وتفتُّح هذه الملكة العقلية على الكون، واستقصاء شؤونه بالدراسة والتحليل والتركيب، وتأصيل العلوم الكونية، ومن هذا النشاط العقلي تنشأ العلوم الكونية، وعليه مدارُ تقدم الإنسان في مضمار الحضارة، لكن يقف عند ظواهر الأشياء في تناول المعطيات الكونية في انقطاع عن حقيقة وجودها وخلقها ونسبتها إلى الخالق.

لقد دعا القرآن الكريم إلى التفكر في الآيات الكونية مرات عديدة، كان القصد من هذا التكرار المتنوع، محاولة جذب فؤاد الإنسان، ودفعه إلى رفع بصره والتفكر في هذه الآيات الكبرى الساطعة أمامه، الدالة على عظمة الخلق، ودقة الإبداع والتدبير الكوني، من هذه الآيات القرآنية، قوله تعالى:  “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير(سورة العنكبوت، الآية: 20)وقال تعالى موجها المؤمن إلى التأمل في ملكوت السماء والأرض، “قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (سورة يونس، الآية: 101)وقال تعالى: “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت.(سورة الغاشية، الآية:17- 20) إلى غير ذلك من النصوص الدّالة على التفكّر في الكون ومعرفة ما خلق الله تعالى. 

كما قال تعالى موجها الإنسان إلى النظر والتفكر في الكون كله:”أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون.(سورة الروم، الآية: 8) من الدلالات العميقة لهذه الآية “الحثّ على التفكر في الكون، فإن التأمل في خلق السماوات والأرض والأنفس البشرية المخلوقة لحكمة ومصلحة وعدل، والمؤقتة بأجل مسمى تنتهي إليه، دليل على وجود الخالق وتوحيده وقدرته وعلى حدوث الحشر.”(وهبة الزحيلي، 1418 هـ. 56)

لشدة اهتمام القرآن بالآيات الكونية ربطها بالعبادات الحسية والروحية، حيث قال تعالى: “أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا “جاء في تفسير هذه الآية “أقم الصلاة ما بين ميل الشمس للغروب وإقبال الليل وظلامه، واقرأ قرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا، ولهذين الآنين خاصيتهما وهما إدبار النهار وإقبال الليل، وإدبار الليل وإقبال النهار، ولهما وقعهما العميق في النفس، فإن مقدم الليل وزحف الظلام، كمطلع النور وانكشاف الظلمة كلاهما يخشع فيه القلب، وكلاهما مجال للتأمل والتفكر في نواميس الكون التي لا تفتر لحظة ولا تختل مرة، وللقرآن إيقاعه في الحس في مطلع الفجر ونداوته، ونسماته الرخية، وهدوئه السارب، وتفتحه بالنور، ونبضه بالحركة، وتنفسه بالحياة.”   (سيد قطب، 1412 هـ: 2246)

يقول تعالى: “أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب.”  (سورة ق، الآيات: 6 – 8.) في هذه الآيات نجد ارتباطا وثيقا بين الآيات القرآنية والآيات الكونية، بين الآيات المقروءة في القرآن، والآيات المرئية والمنظورة في الكون وأحداث الحياة، فكل ما في الكون يدل على الله ويُذكِّر به، لهذا حثنا سبحانه على أن نتفكر في آياته المبثوثة في كونه، وفيما يمر بنا من أحداث في حياتنا لتكون وسيلة للتذكرة الدائمة به، ومن ثمَّ الوصول إلى معرفته، وحبه، والتعلق التام به.

ومما يلفت الانتباه في القرآن الكريم أن الآيات الكونية تكررت بأشكال متعددة، وبأساليب مختلفة ليتم من خلالها التذكرة والتبصرة، ومن ثم يزداد الإيمان رسوخًا في القلب، يقول تعالى: “انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون.” (سورة الأنعام، الآية: 65.)

من هنا كان على الإنسان المؤمن أن يقرأ القرآن في الآيات الكونية، ويقرأ الكون في الآيات القرآنية، فالقراءتان متلازمتان، فإذا كان القرآن يدعو لقراءة الكون وتوحيد الله، فإن الآيات الكونية تدعو لاكتشاف عظمة الله، والعودة إلى القرآن، “إنما يصدّق بآيات القرآن والآيات الكونية وبالرسل المرسلين الذين إذا وعظوا بها واستمعوا لها بعد تلاوتها عليهم، سقطوا بأعضائهم وجباههم ساجدين لله، تذللا وخضوعا، وإقرارا بالعبودية.” (وهبة الزحيلي، ج: 21، 206)

من أسباب الإيمان في القرآن الكريم التفكر في الكون، وفي خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان، وما هو عليه من الصفات المتنوعة قال تعالى: “إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب.“(سورة آل عمران، الآية: 190) إن تأمل آيات الله الكونية، والنظر في مخلوقات الله المتنوعة العجيبة، من سماء وأرض، وشمس وقمر، وكواكب ونجوم، وليل ونهار، وجبال وأشجار، وبحار وأنهار، وغير ذلك من مخلوقات الله، لمن أعظم دواعي الإيمان، وأنفع أسباب تقويته، “وإن التفكر في الكون والنفس وآيات الله المنظورة داع قوي للإيمان، لما في هذه الموجودات من عظمة الخلق الدالة على قدرة خالقها وعظمته.”  (الصلابي -2001: 239)

  • حاكمية الوحي على العقل:

العقل المتفكر عقل يتتلمذ على الوحي، يأتمر بأوامره ويسبح في ملكوته، بهذه السياحة العقلية “يتوَّج المؤمن بإكليل الكرامة الآدمية، المحافظة على الفطرة المتلقية بالقبول والإيمان رسالة الرسل، بينما يُعطي العقل الاصطلاحي، وإن تميز عن الحيوانية الاصطلاحية، للإنسان المفكر التأثير في الكون دون أن يخرجه عن الحيوانية المعنوية” (عبد السلام ياسين، 1998م: 305)

إن كان الله تعالى أمر بالتفكر في آيات الكون، فإنه “ذم من يعرض عن التدبر والتفكر في آياته المبثوثة في كونه،” (مجدي الهلالي، 2007: 63) ذم الذين يعطلون عقولهم ولا يعتبرون كما جاء في آيات قرآنية عديدة منها قوله تعالى: “إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون.“(سورة الأنفال، الآية: 22.) وقوله أيضا: “فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها.“(سورة الأنعام، الآية: 157.) وكذلك: “وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون.” (سورة يوسف، الآية: 105.)من إشارات الذم هذه نفهم أن للقرآن حاكمية على العقل لأنه يحتاج إلى من يرشده إلى الدلالة على الله، وإلى حقيقة الكون الأزلية، لأن غاية القرآن الكريم من التفكر والتأمل في الآيات الكونية، توحيد الله والخضوع له، فحين أمرنا الله تعالى “بالتفكر في خلق السماوات والأرض، ما دفعنا إلى حَلَبَةِ الاستنتاج العقليِّ، إنما دفعنا لننبهر بعظمة آيات الله فنخضَع، فإذا جاءنا رسولٌ مُؤَيَّد بالمعجزات وبالوحي جلسنا مجلس التلميذ لنسمع، وما هلك من هلك من مكذبي الرسل إلا لأنهم وزنوا بعقولهم الكليلة ما جاء به الوحيُ.” (عبد السلام ياسين، 2009م. 124)

الآيات القرآنية تأمر الناس بالتفكر، والانتفاع بالآيات الكونية والرسائل الإلهية والاعتبار بها، لأن معرفة الله تعالى لا تتم إلا عن طريق اشتغال العقل بها، والخضوع والعبودية له سبحانه، هذا ما نجده في قوله تعالى: “إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون. (سورة الجاثية، الآيات: 3 -6) وفي مقابل الحث القرآني على الانتفاع بالآيات والاستدلال من خلالها على أسماء الله وصفاته، “نجد الترهيب الشديد لمن كذب بهذه الآيات أو غفل عنها ولم يعتبر بها.” (مجدي الهلالي، 31) حيث يقول تعالى: “ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون“(سورة السجدة، الآية: 22) وما أكثر الآيات التي يغفل عنها الناس، “وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون.”  (سورة يوسف، الآية: 105)

باستتباع العقل للوحي وحاكميته عليه يصبح التفكر العقلي القلبي من أشرف العبادات في الإسلام، التفكر في الله لا في ذاته ولا في صفاته، لأن “العقل المهدي يتفكر في الله، في أفعال الله لا في ذاته وصفاته، لا مجال للعقل الآلة في الحَوَمان حول جنبات الذات والصفات.” (عبد السلام ياسين، 308) وبهذه العملية التفكرية في الله وفي مخلوقاته، “دل العقل المتفكر على وجود خالق صانع.”  (عبد السلام ياسين، 1996:17) لأن “العقل المتفكر في آياتِ الله يهتدي بما معه من فطرة لَمْ تُجْدعْ إلى وجوب خالقٍ، ووجود خالق.” (عبد السلام ياسين، 1997. 134)

  • التفكر والإيمان:

توجيه العقل للتفكر في خلق الله والاعتبار بأحداث الكون، وربطها به سبحانه، هو الطريق الأساسي لمعرفة حقيقة خلق الكون، فكل هذه الآيات في الكون هي بمثابة منبه لإيقاظ الكيان الإنساني كله، ليتأمل القدرة الإلهية في الأنفس والآفاق، ليتسلح بإرادة قوية لمقاومة المؤثرات التي تصده عن الله وعن آياته التي تشهد له بالوحدانية، لهذا كان التفكر دافعاَ قوياَ للإيمان، “فالتفكر في الكون وفي خلق السموات والأرض وما فيهن، من المخلوقات المتنوعة والنظر في الإنسان وما هو عليه من الصفات يقوي الإيمان، لما في هذه الموجودات من عظمة الخلق الدّال على قدرة خالقها وعظمته، وما فيها من الحسن والانتظام والإحكام الذي يحير الألباب.” (محمد الصلابي، 186)

قال ابن القيم في أهمية التفكر، ودواعيه في الحياة، “وإذا تأملت ما دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلى الفكر فيه أوقعك على العلم به سبحانه وتعالى، وبوحدانيته، وصفات كماله، ونعوت جلاله، من عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته ورحمته، وإحسانه وبره، ولطفه وعدله، ورضاه وغضبه، وثوابه وعقابه، فبهذا تعرّف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته.” (ابن قيم الجوزية، 1996: 204.)

كما سرد في “مفتاح دار السعادة.” ألوانا من التفكر في الآيات الكونية التي يقف الإنسان عاجزا أمامها، فيسلم الأمر إلى خالقه ويعترف بربوبيته وألوهيته، ويقوى إيمانه، ويزداد يقينه، من هذه الألوان التفكرية، تفكر الإنسان في رفع السمـاء فهي من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها، والتفكر في خلق الأرض، وهي من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقـها سبحانه وذلَّـلها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم، وأقواتـهم ومعايشهم، تكون ميتة هامدة خاشعة فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، أحكمت جوانبها الجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب، والتفكر في الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض، والتفكر في السحاب المسخر بين السماء والأرض، والتفكر في البحار المكتنفة للأقطار حتى أن المكشوف من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب تبارك وتعالى له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الأرض وعلاها كلّها، والتفكر في تعاقب الليل والنهار وهما من أعجب آيات الله كيف جعل الليل سكنًا ولباسًا يغشى العالم فتسكن فيه الحركات، ثم جاء فالق الإصباح سبحانه وتعالى بالنهار، والتفكر في حقيقة الشمس والقمر في طلوعهما وغروبهما لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعهما لبطل أمر العالم، والتفكر في خلق الحيوانات على اختلاف صفاته وأجناسه وأشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فيه، والتفكر في تدبير العالم كالبيت المبني المعد فيه جميع آلاته ومصالحه وكل ما يحتاج إليه، والتفكر والنظر إلى نفس الإنسان في مبدأ الخلق ووسطه وآخره بعين البصيرة. (ابن قيم الجوزية، 1996:204.)

التفكر والتأمل في هذه الآيات وغيـرها مـمـا خلق الله في السماوات والأرض وتدبرها من أعظم ما يعود على الإنسان بالنفع في تقوية إيمانه، لأنه يعرف من خلالها وحدانية خالقه، وكماله سبحانه وتعالى، فيزداد حبه وتعظيمه وإجلاله له، وتزداد طاعته وانقياده وخضوعه له، وهذه من أعظم ثمرات هذا النظر والتفكر.

أثبت ابن سعدي هذه الحقيقة في ارتباط الإيمان بالتفكر في آيات مخلوقات الله في كونه، حيث قال: “ومن أسباب الإيمان ودواعيه، التفكر في الكون في خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان وما هو عليه من الصفات فإن ذلك داع قوي للإيمان، لما في هذه الموجودات من عظمة الخلق الدال على قدرة خالقها وعظمته، وما فيها من الحسن والانتظام والإحكام الذي يحير الألباب، الدال على سعة علم الله وشمول حكمته وما فيها من أصناف المنافع والنعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، الدالة على سعة رحمة الله وجوده وبره، وذلك كله يدعو إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره واللهج بذكره وإخلاص الدين له، وهذا هو روح الإيمان وسره.”  (عبد الرحمن السعدي، 1998م:55) وهذا مصداق قوله تعالى: “إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون.” (سورة البقرة، الآية: 164.) وهناك غيرها من الآيات، التي تدعو العباد إلى النظر في آيات الكون، وهي أعظم دليل على توحيده وتفرده وعلى قدرته ومشيئته وعلمه سبحانه وتعالى، وعلى بره ولطفه وكرمه، وهذا أعظم داع للعباد إلى محبة الله وشكره وتعظيمه وطاعته وملازمة ذكره، وبهذا يتبين أن النظر في الكون والتأمل فيه من أعظم أسباب الإيمان وأنفع دواعيه.

إن شخصية الإنسان المتفكر هي الشخصية القوية في إيمانها وعقيدتها، شخصية لوامة لنفسها، ناظرة إلى ربها، ليست شخصية لاهية وغافلة، إنما شخصية لا تطمئن على نفسها، تائبة راجعة على الدوام إلى التفكر في الله، أما أشخاص الفكر فقط، فقد عطلوا حاسة القلب فلم يدرك منبع الإيمان، لأنهم اشتغلوا بالخلق وتركوا الخالق، ومن هؤلاء “معاصرونا من علماء الفكر لا التفكر يتساءلون عن “الأجهزة الروحية” التي من شأنها أن تعطي المسلمين الإيمان، وكأن الأمر تركيب ميكانيكي تَحُل معضلاتِه “القواعد الفنية المحترمة”! والأجهزة الإدارية المتخصصة!”  (عبد السلام ياسين: 356)

فإذا كان للوحي حاكمية على العقل المسلم، فإن قلب المومن يوجه عقله للمعاني الإيمانية والتوحيد، وبهذه المعاني يصبح التفكر حياة للقلوب، لأن “التفكر حركة قلبية تتدبر الكون استدلالا على الله، هذا العقل المعاشي المشترك بين البشر إما يكون آلة للقلب يخدم تطلعات القلب إلى خالقه، وإما يكون آلة للهوى المتأله، أو للنفس والشهوات، أو للفلسفة والتأملات، أو للفعل في المكونات، أو لجمع المعلومات واستنتاج حصيلة الماجريات.”   (عبد السلام ياسين، م1994 7)

المبحث الثاني: التفكر والسياحة الكونية في رسائل النور

  1. فلسفة التفكر عند بديع الزمان

 لا تنفصل أطروحة التفكر عند بديع الزمان عن التفكر القرآني، وارتباط العقل المتفكر بالوحي والإيمان، لكنه يعتمد على رؤية عميقة للتفكر في الآيات الكونية، وفلسفة وجودية استندت إلى تفسير الحركة الكونية الظاهرة والباطنة على التفسير الإشاري التصويري للآيات الكونية في القرآن الكريم، وينطلق مما يسميه الآيات الكبرى أو العظمى، مثل قوله تعالى: “تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا.() فيعتبر أن طريق معرفة الإنسان لوجوده في هذا الكون، هو السياحة العقلية التفكرية، وفقه حركات المكونات الكونية المتعددة وهي تَسبح وتُسبّح لربها، وإلا ظلت معرفته سطحية وقاصرة على الظواهر دون معرفة عمقها وجوهرها، يقول في هذا الشأن: “إن آيات كثيرة في القرآن الكريم – أمثال هذه الآية العظمى-تذكر في مقدمة تعريفها لخالق هذا الكون، والسماوات التي هي أسطع صحيفة للتوحيد. نعم إن كل من يأتي ضيفا إلى مملكة هذه الدنيا ويحل في دار ضيافتها، كلما فتح عينيه ورأى: مضيفا في غاية الكرم، ومعرضا في غاية الإبداع، ومعسكر تدريب في غاية الهيبة، ومنتزها عجيبا في غاية الروعة، وكتابا مفتوحا ذا معان في غاية البلاغة والحكمة”. (النورسي،2008: 141)”

إن فلسفة المعرفة الوجودية للكون حسب رسائل النور تنطلق من خلال النظر في الآيات الكونية عن طريق تجلي أسماء الله تعالى في مخلوقاته الكونية العظيمة، حيث “إذا أردنا أن نرى التجلي الأعظم لاسم الله القيوم فما علينا إلا أن نجعل خيالنا واسعا جدا، بحيث يمكنه أن يشاهد الكون بأسره، فنجعل منه نظارتين إحداهما ترى أبعد المسافات كالمرصد، والأخرى أصغر الذرات، بالمنظار الأول نرى أن ملايين الكرات الضخمة والكتل الهائلة، قد رفعت بتجلي اسم القيوم بغير عمد نراها، وبالمنظار الآخر نرى أصغر الأشياء، فإذا بنا أمام ذرات متناهية في الصغر تشكل أجسام الأحياء وهي تأخذ أوضاعا منتظمة جدا كالنجوم، تأمل في موجودات الكون كله ترى أن التجلي الأعظم لاسم الحي قد جعل تلك الموجودات الحية ساطعة منورة بتجلية الباهر، وجعل الكائنات كلها منورة بنوره الزاهر. (النورسي،2010: 591.)

ما دامت المعرفة الوجودية للكون تتم عن طريق النظر والتفكر في الأجزاء الكونية، فإن بديع الزمان يعتبر الإنسان ما جاء إلى هذا الكون إلا للسياحة التفكرية لمعرفة وجوده ومعرفة حقيقة الأجزاء الكونية الأخرى، لذا صورت رسائل النور هذه السياحة التفكرية تصويرا دقيقا، واستعملت أسلوبا حجاجيا مشوقا، يقوم بين طرفين، الإنسان السائح الباحث عن حقيقة الكون الفسيح المسبح لخالقه، سياحة تفكرية تستنطق الكون كله، والطرف الثاني يتمثل في أجزاء الكون فصورت مشاهدات سائح يسأل الآيات الكونية عن خالقه، حيث “خاطب السائح نفسه قائلا: هيا تقدمي، فلنطلع على مجموع الكون، ولننصت إليه لنرى ماذا يقول، فنظر السائح إلى مجموع الكون فإذا هو منظم تنظيما بديعا، ومنطو على معان جمة وفيرة بحيث يبدو على صورة كتاب سبحاني مجسم، إذ أن جميع سور ذلك الكتاب وآياته وكلماته بل حروفه وفصوله وصحائفه وسطوره، كل ذلك بالإجماع يفيد بداهة وجود عليم بكل شيء، قدير على كل شيء، يفيد ويفهم بالاتفاق وجود وحدانية خالق رفيع الدرجات، وصانع ليس كمثله شيء، يعمل بقدرة لا نهاية لها، وبحكمة لا نهاية لها.”  حقيقة الوجود إذا هي التجلي الإلهي في كل أجزاء الكون. (النورسي،2008: 182)

ليست السياحة التفكرية في رسائل النور والاستنتاجات التي ينطق بها الكون، مجرد خيال يتخيله الإنسان فقط، إنما لهذه الاستنتاجات شواهد واقعية أثبتتها المناهج العلمية والبحوث الدقيقة، وخلصت إلى صحة النظام المتقن للكون، حيث “ثبت بالبحث والتحري الدقيق والاستقراء والتجارب العديدة للعلوم أن الخير والشر والجمال والإتقان والكمال هو السائد المطلق في نظام الكون وهو المقصود لذاته، أي هو المقاصد الحقيقية للصانع الجليل، بدليل أن كل علم من العلوم المتعلقة بالكون يطلعنا بقواعده الكلية على أن في كل نوع وفي كل طائفة انتظاما وإبداعا بحيث لا يمكن للعقل أن يتصور أبدع وأكمل منه.”

إن كل هذه الحقائق العلمية الكونية في التعاون بين أجزاء الكون كله دون حدوث أي خلل، إنما هي برهان علمي على وحدانية الله تعالى، حيث نجد “موجودات الكون بأنواعها المختلفة تتعاون فيما بينها تعاونا وثيقا، ويسعى كل جزء منها لتكملة الجزء الآخر، إذا فالتعاون والتساند والتجاوب والتعانق الواضحة على وجه الكون، إنما هي أختام كبرى وبصمات ساطعة للتوحيد. (النورسي، 2010: 540)”

وإذا كانت الحقائق الكونية للنظام المتقن في الكون برهان على التوحيد، فإنه يلزم منه أن يفضي إلى سعادة الإنسان الدائمة في الآخرة، لأنالبرهان الأول هو لو لم تنجر الكائنات إلى السعادة الأبدية لصار ذلك النظام الذي أتقن فيه صانعه إتقانا حير فيه العقول صورة ضعيفة خادعة، وجميع المعنويات والروابط والنسب في النظام هباء منثورا.” (النورسي 2010: 61) وهنا تكتمل فلسفة الوجود في رسائل النور، وذلك بالسعادة الأبدية التي تتحقق بالتفكر الكوني، المفضي إلى الاعتراف بخالق الكون، والخضوع له بالعبودية.

  • السياحة في الأرض، وما حولها

من هذه السياحة التفكرية التي صورتها رسائل النور، السياحة في الأرض وما عليها من عوالم، وما حولها من بحار، وأكبر عالم يقصده السائح، عالم الإنسان، والتفكر في مسيرته التاريخية، حيث “أراد هذا السائح المتأمل أن يدخل عالم الإنسان ودنيا البشر كي يمضي صعدا في مراتب غير محدودة للمعرفة الإلهية، وعندها دعته إلى الدخول إلى صفوة البشر أولا، وهم الأنبياء عليهم السلام.” (النورسي،2008:  155)فعاد إلى غابر الأزمان ورأى جميع الأنبياء يدعون إلى التوحيد الخالص، وإلى الإيمان بالله، ورأى ظهور معجزات على أيديهم، ورأى انتشار هذه المدرسة الربانية على أيدي الأصفياء والصديقين الذين أثبتوا دعاوى الأنبياء منهم العباقرة والعلماء والأساتذة وقد أضاءوا نصف الكرة الأرضية خلال ألف من السنين، ورأى أتباعهم من الأولياء والصالحين المرشدين المبلغين للحق عن ربهم الذين وصلوا مرتبة عين اليقين، “وقد شاهد السائح تجلي تلك الحقيقة الباهرة بعين اليقين، لذا رأى أن حقيقة يجمع عليها الأنبياء عليهم السلام، ويتفق على صدقها العلماء الأصفياء، ويتوافق معها الأولياء الصالحون لهي حقيقة أسطع من ضوء النهار الدال على الشمس.” إنها حقيقة التوحيد المتجلية في كل تاريخ الإنسان. (النورسي،2008: 158)

يعتبر بديع الزمان أن حقيقة الإنسان تكمن في روحه لا في جسمه لأن الجسد إنما غطاء وحامل يحمل الروح لكنه أيضاَ فيه من العجزات الباهرة مافيه، لذا أشار إلى السياحة الروحية ولم يتطرق إلى عالم المادة والجسمية فيه، وتوجه إلى مصدر هذه الروح إلى أهل السماوات، حيث قال السائح “ليتني أصل إلى شرف رؤية أهل السماوات، ولم يكد يتم حديثه حتى سمع فجأة كأن هاتفا سماويا يقول: اعلم أن جميع الأرواح الطيبة منا والمتمثلة للإنسان قد شهدت كلها بلا استثناء وبالاتفاق على وجوب وجود خالق هذا الكون.” (النورسي،2008: 159) أينما توجه السائح وجد من يثبت حقيقة الخالق وتوحيده.

          الإنسان أكرم مخلوق في الأرض، لأنه مستخلف عن الله في أرضه، وقد أنيط بمهمة الإستخلاف، وعمارة الأرض بالخير والصلاح، ومقاومة الشر والفساد، وقد “ثبت بالاستقراء التام وتحريات العلوم وأبحاثها أن الإنسان أكرم المخلوقات لأنه يستطيع أن يكشف بعقله عن مراتب الأسباب الظاهرية في خلق الكائنات ونتائجها، ويعرف العلاقات بين العلل والأسباب المتسلسلة، ويستطيع أن يقلد بمهارته الجزئية الصنائع الإلهية والإيجاد الرباني المنتظم الحكيم، وذلك بجعل ما لديه من جزء اختياري ميزانا جزئيا ومقياسا مصغرا لدرك تلك الأفعال الإلهية الكلية والصفات الجليلة المطلقة.”

يفضي التفكر في الأرض والسياحة عليها، والتأمل في إدارة الحياة إلى توحيد الله تعالى، والاعتراف بألوهيته، “تأمل في هذه البسط المفروشة على الأرض، والتي تضفي الزينة وتنثر البهجة على نسيج الحياة على سطح الأرض، فإن هذا التدبير المشاهد في هذا الأمر الدائب على وجه الأرض وباطنها إنما هو آية ساطعة للأحدية، وختم واضح للوحدانية.      (النورسي، 2010: 541)

ويرجع بديع الزمان إلى أسلوبه الحجاجي بين السائح والكون، وتصويره تلك السياحة تشويقا للسامع، “ثم إن ذلك السائح المتفكر، المعتاد على السياحة الفكرية، هتفت به كرة الأرض بلسان حالها، قائلة: لم تتجول في الهواء، وتدور في أرجاء السماء والأرض، هلم إلي لأعرفك بالذي تبحث عنه، تأمل فيما أزاول من وظائف، واقرأ ما هو مكتوب في صحائفي، فأخذ السائح ينظر فيرى” الأيام والسنون والفصول، ويرى أكثر من مائة ألف من الكائنات الحية تدور في هذه الأرض.   (النورسي،2008: 147)

                                           والخلاصة التي خلص إليها السائح بتفكره في الكائنات الحياتية للربيع الجميل، أنها صورة من صور الآخرة حيث الحشر والنشور، وهنا يفسر بديع الزمان تفسيرا عمليا محسوسا الآية الكريمة: “فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير.  (القرآن الكريم،30/ 50)

ثم ينتقل السائح إلى التفكر في البحار والأنهار، وفي كل سياحة إلا ويزداد معرفة بخالق هذا الكون، وتجديدا لإيمانه، “ثم أصبح ذلك المسافر المتفكر كلما قرأ صحيفة قوي إيمانه الذي هو مفتاح السعادة، وزادت معرفته بالله التي هي مفتاح المدارج المعنوية، وانكشفت لبصيرته درجة أخرى من حقيقة الإيمان بالله، ومع أنه قد وعى دروسا بليغة وتامة، بات يطلب المزيد، قائلا هل من مزيد؟ وإذا به يسمع صدى أذكار البحار والأنهار العظيمة وهي تقول بلسان الحال والمقال: ألا تنظر إلينا؟ ألا تطالعنا؟ فينظر بلهفة حائرة فيرى:” (النورسي،2008: 149) البحار بسعتها تتماوج وقد أحاطت بالأرض، ويرى جوف البحر يجري فيه آلاف الحيوانات بانتظام وإتقان، ويشاهد الأنهار وجميع الجداول والترع والينابيع والسيول تنبع من خزينة الرحمن، “وهكذا رأى السائح شهادة واحدة وحقيقة واحدة، وفهم أن جميعها تردد معا بالإجماع وبقوة عظمة البحار (لا إله إلا هو) وبرز أمامه شهود بعدد مخلوقات البحار على صدق هذه الشهادة.”  (النورسي،2008: 150) فلا تدل كل أجزاء الكون إلا على شيء واحد، هو خالق الكون، وصانعه، ومدبره.

لا يمل بديع الزمان من إرشاد السائح إلى الآيات الكونية والاعتبار بها، فينقله إلى التفكر في الجبال والصَّحَارِي، “ثم تدعو الجبال والصَّحَارِي ذلك المسافر المستغرق في السياحة الفكرية قائلة: ألا تقرأ صحيفتنا أيضا؟ فيحذق النظر ويرى” (النورسي،2008: 151) أوتاد الجبال لسفينة الأرض لتحفظها من التزعزع والغرق، وتحفظ توازنها وهذا مصداق قوله تعالى: “والجبال أوتادا.”  (القرآن الكريم، 78/ 7) وقوله كذلك “وألقينا فيها رواسي.”  (القرآن الكريم78/ 19) وقوله أيضا “والجبال أرساها.”  (القرآن الكريم:79/ 32) ويرى الخزائن والمستودعات التي تحتضنها الجبال والصَّحَارِي تحتهما من مياه ومعادن ومواد وأدوية وكأنها احتياطي للإنسان.    

وبعد الجبال يأتي دور السياحة التفكرية في عالم الأشجار والنبات، “وبينما كان المسافر يجول بفكره في الجبال والصحاري انفتح أمام فكره باب عالم الأشجار والنبات يدعوه قائلا: هلم إلينا وجل في رياضنا واقرأ سطورنا، فدخل ورأى ” حلقات الأشجار الكثيفة وكأنها تذكر وتشكر الله تعالى، ورأى الأشجار المثمرة بجميع أنواعها، والنباتات المزهرة بجميع الزهور، وغيرها كثير من المخلوقات النباتية التي تكسو الأرض ألوانا مختلفة. (النورسي،2008: 152)

  • السياحة في السماء وما فيها

ومن الأرض ينتقل السائح إلى التفكر في السماوات وما تحتويه، “وبينما يولع الضيف السائح أن يعلم ويتعرف على صاحب هذه الضيافة الكريمة، وعلى مؤلف هذا الكتاب الكبير، وعلى سلطان هذه المملكة المهيبة، إذا بوجه السماوات المتلألئ بالنجوم النيرة يطل عليه مناديا: انظر إلي فأنا أعرفك بالذي تبحث عنه، فينظر السائح فيرى أن ربوبيته ظاهرة تتجلى في:” رفع السماوات بلا عمد، وفي تدبير الأجرام بسرعة فائقة، وفي ضوء النجوم، وفي طاعة الكواكب لخالقها، وفي تصريف العدد الهائل من أجرام السماوات في وقت واحد، وفي تنقية السماء لمحيطها كل حين، وفي المشاهد الرائعة لكواكب السماوات. (النورسي،2008: 142)

ولا يترك جو السماء السائح ينصرف عن التفكر في كواكبها، حتى يستدعيه إلى جزء آخر، “ثم إن الفضاء الذي هو محشر العجائب المسمى بالجو نادى بصوت هادر ذلك القادم إلى الدنيا، ذلك الضيف السائح، انظر إلي لأرشدك إلى من تبحث عنه بشوق ولهفة، واعرفك إلى من أرسلك إلى هنا، فينظر إلى وجه الفضاء المكفهر وهو بتقطر رحمة، فيرى:” (النورسي،2008: 143)السحاب يظهر ليلطف الجو ثم يختفي بهدوء، ويرى الرياح وهي تؤدي دورها في اللقاح ونقل المواد، ويشاهد المطر وهو هدية رحمانية ويراه، ويبصر ضوء البرق، ويسمع صوت الرعد، فيستنتج أن كل هذه الظواهر الجوية في السماء تنادي الإنسان “يا هذا ارفع رأسك وانظر إلى غرائب الصنعة وبدائع الخلقة للفعال القدير الذي يريد أن يعرف نفسه لعباده، وهكذا يسمع هذا السائح الولوع شهادة سامية جلية لحقيقة مركبة من تسخير، وتصريف الرياح، وإنزال الغيث، فيقول آمنت بالله.  (النورسي،2008: 147) وهنا يقابل بديع الزمان السياحة الكونية بالسياحة القرآنية، في مثل قوله تعالى: “وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (القرآن الكريم،42/ 28) وكذلك: “ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته (القرآن الكريم،13/ 13) لأن الفلسفة التفكرية لبديع الزمان تنطلق من آيات القرآن الكريم التي تدعو للتفكر والنظر في آيات الكون.

التفكر في السماء وما فيها لا تنقضي عجائبها، لهذا فكلما فرغ السائح من آية كونية إلا ونادته آية أخرى، وها هو عالم الطيور يناديه، “وبينما كان السائح الشغوف عائدا من تلك السياحة الفكرية مبتهجا بلذة وقوفه على الحقيقة وعثوره على جنة الإيمان، راجعا من بستان الربيع، إذا بباب عالم الطيور والحيوانات تدعوه بمئات الألوف من الأصوات المتباينة، والألسنة المختلفة للدخول إلى ذلك العالم الفسيح، فدخله ورأى أن جميع الطيور، وجميع الحيوانات بأنواعها وطوائفها وأممها كافة تذكر متفقة (لا إله إلا هو) بلسان حالها ومقالها، فشاهد السائح ثلاث حقائق عظيمة محيطة.” أولاها: حقيقة الايجاد والصنع والإبداع لخالق هذا الكون، ثانيتها: حقيقة التمييز والتزيين والتصوير الذي أبدعه الخالق في الكون، ثالثها: حقيقة فتح صور تلك الحيوانات غير المحدودة بمئات الآلاف من الأشكال والأنماط التي خلقها رب الكون. (النورسي،  2008: 154)

                                               وبهذه السياحة التفكرية العقلية التي يصورها بديع الزمان في رسائله، يكون قد أقحم القارئ لهذه الرسائل في هذه السياحة، واستمتع بها كذلك، وخلص إلى نتيجة واحدة هي أن كل هذه الآيات الكونية ما جاءت إلا لتدل على صانعها وخالقها دلالة الضوء على شمس النهار، والظلمة على الليل. 

خاتمة

في الختام نسجل ما توصلنا إليه من نتائج في بحث رسائل النور والتفكر في الآيات الكونية، لاستنباط أسس وقواعد مدرسة التفكر الإسلامي.

  1. عبادة التفكر في الآيات الكونية من العبادات التي أمر بها القرآن الكريم، وقد جاءت آيات قرآنية كثيرة شاهدة على ذلك.
  2. حظي التفكر في الآيات الكونية باهتمام كبير في رسائل النور، وهذا ما ظهر جليا في مكتوبات الإمام النورسي رحمه الله.
  3. للوحي حاكمية على العقل البشري من خلال التفكر في الآيات الكونية، لإرشاده وتوجيهه نحو خالق هذا الكون.
  4. التفكر الكوني له ثمرات على قلب المومن، حيث يزيده إيمانا ويقينا، ويربطه بالله تعالى.
  5. يعتمد بديع الزمان النورسي فلسفة خاصة للتفكر في الآيات الكونية، حيث يجعله أصل المعرفة الوجودية في هذا الكون، وذلك بتجلي أسماء الله فيه.
  6. لدعوة الناس إلى التفكر، يصور الإمام سعيد النورسي في رسائله مشاهدات سائح يستنطق الآيات الكونية كلها عن خالقه، بأسلوب حجاجي مشوق. 
  7. ضرورة إحياء التفكر والسياحة الكونية في فكرنا الإسلامي المعاصر، لأنه من المواضيع المهمشة في المكتوبات المعاصرة. 

لائحة المصادر والمراجع

  1. الإحسان، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1998م.
  2. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر، دمشق، سوريا، الطبعة: الثانية، 1418هـ.
  3. حقيقة العبودية، مجدي الهلالي، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، د. ت.
  4. ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1، 2009م.     
  5. كيف نحب الله ونشتاق إليه، مجدي الهلالي، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1428هـ -2007م.
  6. في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق -بيروت-القاهرة، الطبعة: السابعة عشر -1412هـ.
  7. لسان العرب، ابن منظور الإفريقي، دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة -1414هـ.
  8. الوسطية في القرآن الكريم، علي محمد الصلابي، مكتبة الصحابة، الشارقة -الإمارات، مكتبة التابعين، القاهرة -مصر
  9. الطبعة: الأولى، 1422هـ -2001م.
  10. حوار الماضي والمستقبل، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1997.
  11. الإيمان بالله جل جلاله، محمد الصلابي، دار ابن كثير، سوريا، الطبعة: الأولى، د.ت.
  12. الشورى والديمقراطية، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1996م.
  13. التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مكتبة أضواء السلف، الرياض، السعودية، ط 1، 1998م.
  14. محنة العقل المسلم، عبد السلام ياسين، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال، ط1، 1994 م.
  15. كليات رسائل النور، (الشعاعات)، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار “سوزلر للنشر” فرع القاهرة، مصر، ط:2، 1414هـ، 1993م.
  16. كليات رسائل النور، (اللمعات)، بديع الزمان سعيد النورسي، دار السنابل الذهبية، القاهرة، مصر،ط1،  2013
  17. كليات رسائل النور، (صيقل الإسلام)، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة “سوزلر للنشر” مدينة نصر، القاهرة، مصر، ط: 3، 2002م. 
  18. كليات رسائل النور، (إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز)، بديع الزمان سعيد النورسي، دار السنابل الذهبية، القاهرة، مصر،ط1،  2013.