Press "Enter" to skip to content

الإيمان كلٌ لا يتجزأ في رؤية الإمام النورسي

محمد علي الياسينو

باحث في رسائل النور

محمد ذاكر جتين

عضو مجلس الإدارة لوقف الخيرات وممثل وقف الخيرات بولاية دنيزلي

مستخلص

إن العداء للإسلام والمسلمين لم ينقطع منذ اللحظة الأولى، وهو من طبيعة أعداء الإسلام طيلة تاريخ البشرية، ومنذ اللحظة الأولى بيّن ذلك ورقة بن نوفل حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء يتعرضون للعدوان من مخالفيهم فقال: “لم يأتِ أحد بمثل ما جئت به إلا عُودي” رواه البخاري وكان أهم أدوات هذا العداء على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، الذين كانوا وما يزالون أخطر أدوات أعداء الإسلام في تنفيذ مخططاتهم ومؤامراتهم ضد الإسلام والمسلمين. لهذا فقد ارتكز ذلك التخطيط على ضرب قواعد الدين، وهدم قواعد الإيمان الراسخة ثم الانتقال إلى أسس تحكم الدين والإيمان في مناحي حياة الأمة باستبعاد الشريعة. وفي خضم المآسي الدامية والصراع مع أعداء هذا الدين ينبعث رجال عظماء وعلماء ربانيون ليمسكوا بناصية هذه الأمة وينهضوا بهذا الدين. من هؤلاء العلماء الربانيين الإمام بديع الزمان سعيد النورسي فهو من تحمل مسؤلية النهوض بالأمة وتجديد الحياة بالإيمان حيث بين أن الايمان حقيقة واحدة نابعة من ستة اركان متحدة وموحدة لا تقبل التفريق، وهو كليّ لا يتحمل التجزأ، وهو كلٌ لا تقبل اركانه الانقسام. استخدم الباحث في هذا المقال المنهج التحليلي.

الكلمات المفتاحية: الإيمان ومراتبه، الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، العالم الإسلامي

FAITH IS AN INTEGRAL WHOLE IN IMAM NURSI’S VISION

Abstract

The enmity of Islam and Muslims has not ceased since the first moment, and it is in the nature of the enemies of Islam throughout the history of mankind, and from the very first moment Waraqa  Ibn  Nofal made this clear when he told the Prophet [peace be upon him ] that the prophets were subjected to aggression from their opponents, so he said: “Anyone (man) who came with something similar to what you have brought was treated with hostility” narrated by Al-Bukhari. The most important tools of this hostility against Islam and Muslims were the hypocrites, who were and still are the most dangerous tools of Islam’s enemies in implementing their plans and plots against Islam and Muslims. Therefore, this planning was based on striking the rules of religion, demolishing the constant beliefs, and then moving to the foundations that govern religion and faith in the aspects of the life of  Ummah by excluding the Sharia. And in the midst of the bloody tragedies and the struggle with the enemies of this religion, great men and  scholars are emerging to lead this Ummah  and to serve this religion. Among these scholars is Imam Badi Al-Zaman Saeed Al-Nursi, who took responsiblty to educate the Ummah and to renew the life through faith, as he showed that faith is one truth that stems from six unified pillars that do not accept differentiation, and it is holistic that does not bear division, and it is a whole whose pillars do not accept division. The researcher follows in this article the analytical method.

Keywords: Faith and its ranks, Imam Badi ‘Al-Zaman Saeed Al-Nursi, The Islamic World

مقدمة

الإيمان نعمة عظيمة بل من أعظم النّعم التي منّ الله جل جلاله بها على عباده، فبالإيمان يَسْعَدُ المرء ويعيش مطمئنَّ القلب في الدنيا والآخرة. وهناك أركان ستّة للإيمان وردت في الحديث الشريف عندما جاء سيّدنا جبريل عليه السلام وسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عنها قائلاً: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبته إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه، وقال : ” يا محمد أخبرني عن الإسلام “، فقال له : ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) ، قال : ” صدقت ” ، فعجبنا له يسأله ويصدقه ، قال : ” أخبرني عن الإيمان ” قال : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ) ، قال : ” صدقت ” ، قال : ” فأخبرني عن الإحسان ” ، قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ، قال : ” فأخبرني عن الساعة ” ، قال : ( ما المسؤول بأعلم من السائل ) ، قال : ” فأخبرني عن أماراتها ” ، قال : ( أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ، يتطاولون في البنيان ) ثم انطلق فلبث مليا ، ثم قال : ( يا عمر ، أتدري من السائل ؟ ) ، قلت : “الله ورسوله أعلم ” ، قال : ( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) رواه مسلم (أخرجه مسلم،8).

فالإيمان كما أخبر سيدنا جبريلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. ولا يكتمل إيمان المسلم ما لم تتحقّق عنده الأركان الستّة المذكورة في الحديث الشريف أعلاه.

والإيمان كما عرفه الإمام بديع الزمان هوما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى وبلغه مفصلا “من الأوامر الدينية اللازم العمل بها ووضح ما سواها بشكل موجز. بذلك يكون الإيمان نورا “يشع في قلب الإنسان. (النورسي، 37:2010)

والإيمان كما عرفه العارف بالله عبد القادر الجيلاني قائلا: (ونعتقد أن الإيمان قول باللسان ومعرفة بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان ويقوى بالعمل ويضعف بالجهل وبالتوفيق يقع) (الجيلاني، الغنية للجيلاني (1/62)

بناء على ذلك فإن الإيمان هو النور والضياء الذي وهبه الله تعالى لقلوب البشر. والذي يضيء قلب الإنسان كاملا”. بفضل ذلك تنشأ ألفة وأمان بين جميع الكائنات. وبفضل ذلك يكتسب الإنسان المعرفة وتنشأ في قلبه قوة معنوية هائلة تذوب وتفنى مقابلها كافة المصاعب والمصائب والحوادث التي تؤذيه. أما من جهة الفكر فإن الإيمان يعطي اتساعا له بحيث ينقذ الإنسان من التفكير بالماضي والمستقبل وما لهما من عواقب. بذلك تنقلب الحوادث الماضية والمستقبلية إلى ثواب وسعادة ولذة ومحبة للإنسان.

قال تعالى: وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ (الذاريات:56)

لقد خلق الله العباد للإيمان به وعبادته وليس لله حاجة عند البشر ووضح الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في المكتوب العشرين قائلا”: أيها الإنسان، اعلم يقينا” أن أسمى غاية للخلقة، وأرفع نتيجة للفطرة هي الإيمان بالله، وأن أعلى مرتبة للإنسانية، وأعظم مقام للبشرية هو معرفة الله الكامنة في الإيمان بالله وأن أسطع سعادة وأحلى نعمة للإنس والجن هي محبة الله الكامنة في معرفة الله، وأن أنقى سرور لروح البشر وأصفى حبور لقلب الإنسان هو اللذة الروحانية الكامنة في محبة الله. (النورسي، 94:2014)

انطلاقا من الأهمية الكبرى للإيمان فإن الإمام بديع الزمان يرى أن الإيمان هو أس الأساس لكل العلوم فقال (فأساس كل العلوم الحقيقية ومعدنها ونورها وروحها هو معرفة الله تعالى، كما أن أس هذا الأساس هو الإيمان بالله جل وعلا) (النورسي، 103:2014)

إن أركان الإيمان كما ذكر أعلاه أركان متحدة وموحدة لا تقبل التفريق، وهو كليّ لا يتحمل التجزأ، وهو كلٌ لا تقبل اركانه الانقسام، ذلك لأن كل ركن من تلك الأركان الإيمانية – مع حججها التي تثبته – يثبت بقية الأركان، فيصبح كل ركن حجة قاطعة عظمى لكل من الأركان الأخرى. لذا فالذي لا يتمكن من جرح جميع الأركان مع جميع أدلتها يعجز كليا – من وجهة الحقيقة – عن نفي ركن واحد منها؛ وتفنيد حقيقة واحدة من حقائقها، إلا ان يغمض المنكر عينيه ويتشبث بعدم القبول أو الرفض، فيدخل عندئذ الكفر العنادي، ويسوقه ذلك بمرور الزمن إلى الكفر المطلق، فتنعدم إنسانيته ويولى إلى جحيم مادية فضلا عمّا هو فيه من جحيم معنوية. (النورسي، 294:2020)

أقسام الإيمان: الإيمان التقليدي

هو تقليد الشخص لأمه وأبيه وبيئته ومراعات العادات والتقاليد بدون الاعتماد على أدلة شرعية فقد اتفق علماء المسلمين على صحة وجواز الإيمان التقليدي ولكن الإنسان إذا لم يجتهد في تحويل إيمانه من تقليدي إلى تحقيقي يكون مقصرا وفرض عين على كل مسلم أن يجتهد لأن يكون إيمانه إيماناً تحقيقياً. (الصابوني، 173: 2016)

الإيمان التحقيقي

هو تقوية الإيمان بالكشف والمشاهدة أو البحث بالأدلة العقلية والنقلية. نعم إن الإيمان التقليدي الذي لا يعتمد على أدلة ينقلب بسرعة أمام الشبهات بينما الإيمان التحقيقي الثابت بالأدلة الشاملة والقوية لا يتأثر حتى ولو تعرض لهجوم جيوش من الشكوك والشبهات. ولهذا الإيمان ثلاث مراتب مرتبة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. فإذا رأيت دخان يتراءى من مكان بعيد فهذا دليل على وجود نار فهذا علم اليقين وعندما تذهب إلى مكان الدخان وترى النار فهذا عين اليقين وعندما تتعلم خصائص هذه النار من الحرق والإنارة وما شابه ذلك فهذا حق اليقين. ففي القرآن الكريم الكثير من أوصاف الجنة ونعيمها وجمالها فهذا الكلام هو علم اليقين لأننا نؤمن به دون أن نراه لعلمنا بثقة المصدر وقائله وهو الله تعالى لكن إذا رأينا الجنة بأم أعيننا يتحول علم اليقين إلى عين اليقين لرؤية الشيء المخبر عنه بالعين، والمرتبة الأخيرة هي دخول الجنة والتمتع بنعيمها فهنا تحول عين اليقين إلى حق اليقين.

أركان الإيمان

قال تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة ،285)

أَيْ صَدَّقَ الرَّسُولُ “بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ” فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُشَارِكَ أُمَّتَهُ فِي الْكَرَامَةِ وَالْفَضِيلَةِ فَقَالَ: “وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ” يَعْنِي يَقُولُونَ آمَنَّا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ وَلَا نَكْفُرُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ كَمَا فَرَّقَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، (الجامع لأحكام الفرآن – القرطبي)

 قال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا (النساء – 136))

نَزَلَتْ الآية الكريمة فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَعْنَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا أَقِيمُوا عَلَى تَصْدِيقِكُمْ وَاثْبُتُوا عَلَيْهِ

وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ أَيِ الْقُرْآن

وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ أَيْ كُلُّ كِتَابٍ أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّينَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَنْ آمَنَ بِمَنْ تَقَدَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلامَ، وَكفر بالطَّاغُوتِ. آمِنُوا بِاللَّهِ، أَيْ صدقوا بالله وبكتبه.  (الجامع لأحكام الفرآن – القرطبي)

نلاحظ من تفسير الآية الكريمة أن الإيمان لا يكون حقيقيا إلا بقبول وتصديق جميع شروطه مع بعضها البعض وهناك العديد من الأحاديث الشريفة التي تحدثت عن حقائق الإيمان بدون التفرقة بينها. وهذه الآية الكريمة كما هو في الأحاديث الشريفة لم تفرق بين الإيمان بالله والرسل والكتب التي جاءت معهم: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَیُرِیدُونَ أَن یُفَرِّقُوا۟ بَیۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَیَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡض وَنَكۡفُرُ بِبَعۡض وَیُرِیدُونَ أَن یَتَّخِذُوا۟ بَیۡنَ ذَ ٰلِكَ سَبِیلًا، أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡكَـٰفِرُونَ حَقّاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَـٰفِرِینَ عَذَابا مُّهِینا ﴾ (النساء (150-151)

فلا بد من الإيمان بجميع الأركان, فالإيمان لا يتم إلا بذلك ومن أنكر أحد الأركان كفر بذلك وخرج من دين الإسلام وَالْمَقْصُودُ في الآية الكريمة أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ كَفَرَ بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ بِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَنْ رَدَّ نُبُوَّتَهُ لِلْحَسَدِ أَوِ الْعَصَبِيَّةِ أَوِ التَّشَهِّي تَبَيَّنَ أَنَّ إِيمَانَهُ بِمَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ إِيمَانًا شَرْعِيًّا، إِنَّمَا هُوَ عَنْ غَرَضٍ وَهَوًى وَعَصَبِيَّةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فَوَسْمَهُمْ بِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ (تفسير ابن كثير)

فالإيمان بالله وحده ربًا خالقًا رازقًا، وإلها حقًّا مَعبودًا لا شريك له – في رُبوبيَّته، ولا يَجوز أن يُشرِك معه أحد في عِبادته. والإيمان بالله يَستلزِم تصديقهُ في كل ما أَخبر به في كتابه، وعلى لِسان رسوله الذي أَيَّده بالمعجزة الدالة على صِدقه في كل ما بَلَّغه عن ربه ومن بين ما أَخبَر به في كِتابه، وعلى لِسان رسوله، بل وعلى أَلسنة رُسُله كلهم، وأَمرهم أن يُبلِّغوه للناس لِيُؤمنوا به (اليوم الآخِر) أو (البعث) أو (الدار الآخِرة)

جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به كان من أصحاب النار. (أخرجه مسلم كتاب الإيمان:153)

إذا دققنا في الحديث الشريف نلاحظ وجوبُ الإيمانِ بالنبي عليه الصلاة والسلام وبرِسالةِ نبيِّنا محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى جَميعِ البشر؛ فمَن عَلِم بمَجيءِ الرسولِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يُؤمِنْ به ولا بالذي أُرْسِلَ به، ليس بمُؤمِنٍ وهو مِن أهلِ النَّارِ، حتَّى لو ادَّعى أنَّه يُؤمِن باللهِ وببعضِ الرُّسُل. فاذا آمن الإنسان بكل الأركان وأنكر ركن الإيمان بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام لكان من أهل الكفر واستحق العقاب الشديد من الله تعالى ومثواه جهنم والعياذ بالله.

لما كان المقصود من العبادة هو القبول من قبل الله سبحانه وتعالى ومن ثم يجد الإنسان العابد الجزاء على هذه العبادة فلا بد من توفر شرطين أساسين في كل عمل يتقرب به العبد إلى الله جل وعلا حتى يكون هذا العمل مقبولا عند الله جل جلاله. وهذان الشرطان هما الإخلاص لله واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وهنا يتجلى معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا الله إلا الله تعني الإخلاص في العبادة لله وحده ومحمد رسول الله تعني الإخلاص في الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده.

قال تعالى (وَمَاۤ أُمِرُوۤا۟ إِلَّا لِیَعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ حُنَفَاۤءَ وَیُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُؤۡتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَ ٰلِكَ دِینُ ٱلۡقَیِّمَةِ ) ( البينة -5 )

يقول الفضيل بن عياض رحمه الله يجب أن يكون العمل خالصا وصوابا فإنه إن كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإن كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل. ومعنى ذلك: الخالص إذا كان لله والصواب إذا كان على السنة.

وفي الحديث الذي رواه البخاري قوله صلى الله عليه وسلم (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) (رواه البخاري: 7280)

فالتلازم – بين الإيمان بالله والإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام – شرط أساسي من شروط الإيمان ومن آمن بالله وجب عليه الإيمان بما جاء من عند الله.

وهكذا الإيمان ببقية الاركان فقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (والله لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر ويقر ويعلم أنه ميت مخرج وأنه مبعوث بعد الموت) (شرح أصول أهل السنة والجماعة برقم 1218)

وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (القدر نظام التوحيد فمن وحّد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضا للتوحيد ومن وحد الله وآمن بالقدر كان العروة الوثقى التي لا انفصام لها)

فتلازم أركان الإيمان الستة واجب شرعا: الإيمان بالله وملائكته وكتبه و رسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه. فلا يكتمل إيمان المسلم إلاّ بالإيمان بهذه الأركان معا وبالعمل بمقتضياتها

من مقتضيات الإيمان أن نؤمن بوحدانية الله تعالى وبتفرده بصفات الكمال وتنزّهه عن صفات النّقصان، وأن نؤمن بتفرّده بالخلق بأنه خالق السّماوات والأرض ومالك الكون وسيده، عالم الغيب والشّهادة، مستجيب الدّعاء، المعطي والمانع، المعزّ والمذّل، المحيي والمميت والباعث والعادل والقادر والمقتدر… وأمّا الإيمان بالملائكة فيستوجب التّصديق بكلّ الملائكة الّذين خلقهم الله سبحانه وتعالى ومحبتهم دون التفريق بين أحد منهم. والإيمان بالرّسل يقتضي التّصديق بمن أرسله الله تعالى واختصّه بالنّبوّة من البشر والإيمان بأنّهم معصومون من الخطأ.

إن الإيمان بالكتب السّماويّة يستوجب الإيمان والتّصديق بجميع الكتب السّماويّة التّي أنزلها الله تعالى على أنبياءه ومثالها التوراة والإنجيل والزبور والقرآن الكريم. أمّا الإيمان باليوم الآخر فيقتضي التّصديق بهذا اليوم الّذي يجمع فيه اللّه تعالى الخلائق للحساب. وأخيرا الإيمان بالقدر خيره وشرّه يقتضي التّصديق بقدر الله الكوني وعلمه الأزلي وبالقضاء العادل وبالمشيئة النافذة له سبحانه وتعالى.

لقد وضح الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في الشعاع الحادي عشر هذا الترابط بين الأركان فقال: ((فلا يمكن اذن التفريق بين اركان الايمان الستة اطلاقاً، حيث إن كل ركن من الأركان يثبت الأركان عامة بل يستدعيها ويقتضيها، لذا فإن الأركان الستة كلٌ لا يقبل التجزأ البتة، وكلّي لا يمكن ان ينقسم ابداً. فكما ان كل غصن من اغصان الشجرة المباركة (شجرة طوبى) الممتد جذرها في السماء، وكل ثمر من ثمارها وكل ورقة من اوراقها يستند على الحياة الخالدة لتلك الشجرة، فلا يمكن لأحد ان ينكر حياة ورقة واحدة متصلة بتلك الشجرة ما لم ينكر حياة تلك الشجرة الظاهرة ظهوراً ساطعاً كالشمس. ولئن فعل ذلك فإن تلك الشجرة تكذبه بعدد اغصانها وثمارها واوراقها وتسكته، كذلك الإيمان بأركانه الستة هو بالصورة نفسها)) (النورسي، 294:2020)

إن للإيمان أثارا كبيرة وعظيمة على الإنسان والمجتمع لأن الشريعة الإسلامية الغراء نزلت لإصلاح المجتمع وإصلاح الأمم كافة على هذه الأرض، والإيمان يؤدي إلى الاجتماع والوحدة والائتلاف وعدم الفرقة. والحفاظ على الإيمان يتطلب منا في زمن الفتن المجاهدة في سبيل الحفاظ عليه، وهذا يوجب علينا التوجه إلى الله بالتضرع والدعاء بطلب الهداية والتثبيت على الحق والاستقامة على دين الله عز وجل والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته السنية، فالمسلم الذي يمتلىء قلبه بالإيمان يشعر بالطمأنينة ويعيش متوكلا على ربه قال تعالى: ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَتَطۡمَىِٕنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَىِٕنُّ ٱلۡقُلُوبُ (الرعد، 28)

اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

  1. كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله -سبحانه
  2. الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، إشارة الإعجاز، اصدار التون بشاك، النسخة العثمانية استانبول 2014
  3. الغنية لطالبي طريق الحق، الشيخ عبد القادر الجيلاني، دار الألباب، دمشق.
  4. الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، دار السنابل الذهبية، استنبول، الطبعة الأولى 1429ه – 2009م
  5. الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات، دار السنابل الذهبية، الطبعة الثانية 1433ه – 2013م
  6. الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور- الشعاع الحادي عشر- المسألة التاسعة
  7. الصابوني، عقائد الماتريدية، (البدعة في اصول الدين)
  8. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان، 1427ه- 2006م
  9. الحافظ ابن كثير، تفسير القرأن العظيم، الباحث القرأني
  10. صحيح مسلم، كتاب الإيمان 153 شرح النووي،
  11. ابو نعيم، أحمد بن عبد الله الأصفهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (8/95)
  12. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ح 7280
  13. اللالكائي، هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري، أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ت 418ه رقم 1218.
  14. الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور- الشعاع الحادي عشر- المسألة التاسعة