Press "Enter" to skip to content

الإمام النورسي… عالمٌ ربّاني

محمد مصطفى محمد صالح

أستاذ مشارك بقسم الدراسات الإسلامية في جامعة الخرطوم

المستخلص

تتعلق هذه الورقة بتلمّس الصفة الربانية لدى الإمام النورسي وتحاول إلقاء الضوء على هذه الصفة. حاولت الورقة تتبُّع معاني الربانية في كتب التراث والمعاجم اللغوية ثم حالت تطبيق معاني الربانية ومضامينها على الإمام النورسي من ناحيتي السيرة الشخصية والمؤلفات خاصة رسائل النور. اتبعت الورقة المنهجين التحليلي والتاريخ في معالجة الموضوع. توصل المقال لمجموعة من النتائج أبرزها ان معاني الربانية ومضامينها تنطبق بصورة كاملة على الإمام النورسي من كل الجوانب التي حاولت الورقة معالجتها.

الكلمات المفتاحية: الإمام النورسي، رسائل النور، ربّاني، الربانية.

IMAM NURSI… A RUBBANİ  SCHOLAR.

Abstract

The subject matter of this paper is The Rubbani quality of Imam Nursi. The paper tries To shed light on this quality. The paper tries  To pursue the meanings of (rubbaniyyah) in the heritage books and linguistic lexicons. Thence, the peper tries To apply these meanings and significations on both Imam Nursi’s personality and books especially Redale-i-Nur. The paper adopts the historical and the analytical methods in dealing with the topic. The essay comes to many results the most important of which is that the meanings and concepts of rubbaniyyah are conformable entirely to lmam Nursi from all sides that the paper dealt with.

Keywords :Imam Nursi, Risale-i-Nur, Rubbani, Rubbaniyyah.

مقدمة:

إن صفة الربانية من أجلّ الصفات واسماها وأكملها. وهي من أفضل ما يتصف به الإنسان حيث إنها تربط صاحبها بالرب والربوبية. يوصف الفرد بأنه مؤمن وبأنه عالم وعارف، ويعرف بالتقوى والورع والخشية والزهد والمراقبة لله تعالى في كل حركاته وسكناته. كل هذه الصفات التي ذُكرتْ هنا أتصف بها الكثير من العلماء والفقهاء والأئمة، وبرز بعضهم في التأليف والتصنيف في شتى فنون المعرفة وصنوفها. وبرز بعضهم في ميدان الزهد والتصوف والحب الإلهي وإظهار المواجيد والعشق. وبرز البعض الآخر في ميادين الجهاد والغزو، ومنهم من كان مقالاً يحتذى في كل تلك الميادين.

ولكن قلة قليلة من الناس هي التي يمكن أن يطلق عليها الوصف بأنهم ربانيون.

ولابد في البداية من الوقوف مع المعنى اللغوي لكلمة (رباني) ثم الوقوف مع المعنى الاصطلاحي الشرعي لهذه الكلمة. ومن بعد ذلك يدلف المرء إلى الإمام النورسي من ناحية شخصيته ومن ناحية مؤلفاته ليقف على الجوانب الربانية التي تظهر في ملامح شخصيته وتبدو واضحة من خلال مؤلفاته.

جاء في تفسير التستري ان الرباني هو الذي لا يختار على ربه أحداً سواه، وهو اسم مشتق من الربوبية (تفسير التستري، ١٤٢٣:٤٩).

وإنما نسب الرباني إلى الرب لأنه عالم من علمه اي انه يستمد علمه من علم الله سبحانه وتعالى، وهذا يعني انه مستند في علمه إلى الله تعالى. وقيل إن العلماء ثلاثة رباني، ونوران، وذاتي بلا واسطة بينه وبين الله تعالى فيه بقية من الله، وقال عمر بن واصل: الربانيون هم المجموعون من العلماء، وقال على رضي الله عنه: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع اتباع كل ناعق (التستري، ١٤٢٣:٤٩).

وجاء في تفسير الطبري ان الربانيين هم الولاة والأحبار العلماء. وقال أبو جعفر الطبري إن أولى الأقوال عنده بالصواب في (الربانيين) انهم جمع (رباني)، وأن الرباني هو المنسوب إلى الربّان الذي يربُّ الناس، وهو الذي يصلح أمورهم ويربُّها ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة:

وكنت امرأً أفضت إليك ربابتي

وقبلك ربَّتني، فضعتُ، ربوبُ

ويعني بقوله هذا: (ربَّتني) اي ولي أمري والقيامَ به قبلك من يربُّه ويصلحه، فلم يصلحوه، ولكنهم اضاعوني فضعت (الطبري،١٤٢٠:٥٤٣).

ومنه قولهم: ربَّ أمري فلانٌ فهو يربُّه ربَّاً، وهو رابُّه، فإذا أُريد المبالغة في مدحه قيل: هو ربَّان (الطبري، ١٤٢٠:٥٤٣).

وقال الطبري في تفسير (الربانيون): وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس، وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم (الطبري،٣٤١: ١٤٢٠).

وجاء في تفسير ابن أبي حاتم عن أبي كلثوم قال سمعت محمد بن الحنفية يقول يوم مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة (ابن أبي حاتم، ١٤١٩:١١٤٠).

واورد الثعلبي عن المبرد قوله إن الربانيين هم أرباب العلم، وهو الذي يرث العلم ويربّب الناس اي يعلمهم ويصلحهم فيقوم بأمرهم (الثعلبي، ٢٠٠٢:١٠٢).

وجاء في تفسير السمعاني ان الربانيين فوق الأحبار؛ فالأحبار: العلماء، والربانيون: الذين جمعوا مع العلم البصيرة بسياسة الناس (السمعاني، ١٤١٨:٣٣٦).

وجاء في اللباب في علوم الكتاب قولان عن الرباني أحدهما عن سيبويه انه منسوب إلى الرب يعني كونه عالماً به ومواظباً على طاعته. والثاني عن المبرد وهم أرباب العلم منسوب إلى ربان وهو المعلم للخير، ومن يسوس الناس ويعرّفهم امر دينهم. وقال سيبويه زادوا فيه الألف والنون لأنهم أرادوا تخصيصاً بعلم الرب دون غيره من العلوم (اللباب، ١٤١٩:٣٤٧).

وجاء في تاج العروس: إن الرباني هو العالم المعلم الذي يغذو الناس بصغار العلم قبل كبارها. وقيل الرباني هو الراسخ في العلم والدين او العالي الدرجة في العلم، وقيل هو المتالِّه العارف بالله تعالى (تاج العروس، ٤٦١: بدون تاريخ).

من كل ما تقدم يتضح أن الرباني هو الراسخ في العلوم الربانية المستمدة من عند الله تعالى. وهو الذي يتصدى لتعليم الناس بهذه العلوم الربانية، وهو الذي يسوسهم ويربيهم ويأخذ بأيديهم نحو معرفة الله تعالى، وهو الذي يحببهم في ربهم وخالقهم، ويحبب إليهم ربهم وخالقهم سبحانه وتعالى.

يرتبط العالم الرباني بمعنى التربية والتزكية والتحية السلوكية، ويرتبط بتحبيب الناس لربهم، ويكون معهم بصورة متصلة يتعهدهم ويصبر عليهم ويرشدهم ويحنو ويعطف عليهم وقد يقسو عليهم حيناً وقد يزجرهم ويعنّفهم، ولكنه يفعل كل ذلك من باب الشفقة والرحمة والعطف لأنه يريد لهم النجاة يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

ولعله من الضروري الوقوف عند التعريف الذي يقول إن الرباني يهتم بصغار العلم قبل كباره!!

هنا يتضح الفرق بين الأحبار وبين الربانيين. إن الرباني لا يقل علماً عن الأحبار لكنه يختلف عنهم في اختيار صغار العلم، والمقصود به العلم بالسلوكيات الصغيرة التي قد لا يلقى لها بعض العلماء بالاً، وهذه السلوكيات تكون بالمعايشة. فقد يذهب العالم لمحاضرة في بلدة بعيدة لمدة ساعتين او ثلاث يلقى محاضرته للعامة ولكنه لا يتمكن من معايشته لضيق الوقت فيكتفي بالمحاضرة النظرية فقط. أما العالم الرباني فهو يعايش تلامذته ومن ثم يجد الفرصة السانحة للتوجيه والتربية والإرشاد. جاء عن ابن عباس رضي الله عنه انه وصف الرباني بأنه من يهتم بصغار العلم ويغذي تلامذته بصغار العلم. ولا عجب ان يصدر ذلك عن ابن عباس ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تلقى هذه التربية السلوكية الربانية من أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام فها هي الروايات الصحيحة تتحدث عن التوجيهات والكلمات التي قدّمها له رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان الغلام الصغير ابن عباس رديفاً للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. هذا نموذج الربانية الواضح نراه في الممارسة النبوية والسلوك النبوي. يغتنم الرسول الكريم هذه الفرصة للقيام بالمهمة الدعوية التربوية التعليمية فيقدم لابن عباس وللأمة جمعاء من خلاله دروساً في تقوية الإيمان بالله تعالى.

وفي موقف آخر يعلّم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ابن عباس آداب الأكل بقوله: يا غلام سمٍ الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك!!

هذه مقدمات سقناها لكي تكون تمهيداً وتوطئة للدخول على الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، ومعرفة مدى انطباق وصف الربانية عليه في مختلف جوانب حياته ومراحلها.

الربانية عند الإمام النورسي:

إن من اول صفات الرباني النشأة على طلب العلم في بيئة صالحة طاهرة طيبة. ثم يأتي بعد صلاح البيئة المحيطة صلاحُ العنصر وطيب المعدن الذي ينحدر منه العالم الرباني؛ فالذرية تكتسب من صلاح الارومة ومن طيب الجرثومة ما يعينها في مسيرة الحياة. فالميلاد كان في شرق تركيا في أسرة طيبة مباركة تتكون من والد ووالدة يعيشان معاني الدين والتقوى والورع؛ فينشأ سعيد النورسي في منبت طاهر وفي بيئة طيبة صالحة مباركة. هي بيئة ينتشر فيها العلم الديني الشرعي بمختلف فروعه، وينتشر فيها العلم العصري آنذاك، وينتشر التصوف الذي يقوم على التربية والتزكية والتحلية القلبية والروحية والنفسية. كانت شخصية سعيد النورسي منذ صغره تمتاز بقوة الذاكرة والذكاء الحاد والشجاعة، وتتصف بقوة الشخصية وبالاعتداد بالنفس والشدة والقدرة على تحمل الشدائد، وهي سمات إيجابية تستمد وهجها وألقها من سمات الروح القروية البعيدة عن مظاهر الترف والتنعم التي تلازم أهل التحضر في أواخر ايام حضارتهم.

كان الشاب سعيد (حينها) يعب من العلم عبّاً وينهل من معين المعرفة بسرعة فائقة أدهشت جميع اساتذته وزملائه حتى لقبوه لبديع الزمان.

هنا نقف عند هذه الروح المتوثبة لطلب العلم، ونحاول سبر اغوار هذه الشخصية التي تتحصل على العلوم الكثيرة في فترة وجيزة. إن هذا التضلع من العلوم في فترة مبكرة كان يطوي المراحل نحو تكوين الصفة الربانية عند الإمام. إن الربانية تقتضي من صاحبها ان يكون قادراً على حفظ المعلومة وعلى تفسيرها وتحليلها وربطها بالواقع المعيش، وأن يكون قادراً على استدعائها في كل لحظة وسهولة تامة. وهذا عين ما كان يحصل للإمام النورسي الذي مرت به المواقف المختلفة التي لم تتوفر له فيها مصادر المعلومات، وكان الطلاب يحيطون به في كل لحظة، وكان بحاجة للتأليف والتصنيف السريع، وكان قبل ذلك في حالة تعليم وتدريس وإرشاد وتوجيه لتلاميذه. لقد كان دائماً يقوم بمهمة العالم الحبر الرباني في كل لحظة من لحظات حياته.

كانت المرحلة الأولى التي تمثل مرحلة الصبا وبدايات الشباب تجمع بين طلب العلم وتعليمه للناس وبين الرياضة الروحية مستمداً علمه من الشيوخ والعلماء الموجودين حينئذ في مدارس بتليس وشروان وسعران وتيللو وماردين (النورسي، ٢٠١٣:٣).

تتفق المصادر على تبحر الإمام في علوم الصرف والنحو والمنطق والتفسير وعلم الكلام. أما معرفته بالقرآن وعلومه والحديث والسيرة النبوية فواضحة وبينة للعيان. ولم يقتصر الإمام على هذه العلوم بل تبحر في علوم العصر الحديثة كالرياضيات، والجيولوجيا، والفيزياء، والكيمياء، وعلم الفلك، والتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة وغيرها من العلوم التي لا يستغني عنها العلماء في عصره، تعلم كل ذلك في فترة وجيزة. وهذا كله إعداد للصفة الأساسية التي واكبت الإمام النورسي في كل مراحل حياته الا وهي صفة الربانية. كانت المرحلة التي شهدها الإمام النورسي في مدينة (وان) مرحلة مهمة للغاية حيث سمع هناك أثناء وجوده في قصر الوالي حسن باشا ان وزير المستعمرات البريطاني حينها المستر غلادستون قد صرح تصريحاً جريئاً ومكشوفاً ومفضوحاً ذكر أن القرآن الكريم هو الذي يمنع الغربيين من السيطرة على المسلمين، ويدعو غلادستون للحيلولة بين المسلمين وبين هذا القرآن (النورسي، ٢٠١٣:٣).

إن هذا العمل الذي قام به غلادستون يمثل تحديداً كبيراً للمسلمين عامة، وللعلماء منهم وولاة الأمر بصورة خاصة. والتحدي يستوجب الاستجابة كما يقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي. ولقد جاءت الاستجابة لتحدي غلادستون من شاب مسلم عالم من شرق تركيا كان يتحرق شوقاً للقيام بهذه المهمة الصعبة في وقت كان الغرب يتمدد بسطوته وسلطانه وبحضارته القاهرة الغالبة. وهنا تكمن الربانية أيضاً وبصورة واضحة، فالإمام النورسي يعاهد نفسه بأن يظهر للعالم اجمع بأن القرآن الكريم شمس معنوية لا يخبو سناؤها ولا يغيب ضياؤها ولا يمكن إخمادها.

وهنا تظهر تجليات الصفة الربانية ومظاهرها. إن الرباني يستمد علمه من الله، وهذا ما كان عليه النورسي في كل مراحل حياته. نعم إنه نذر حياته الثانية في مرحلة سعيد الجديد على تصنيف رسائل النور التي تؤكد قوة القرآن وإعجازه وهدايته وتفوقه على كل كلام. وهو في مرحلته الجديدة كان عالماً ومرشداً وإماماً لتلاميذه بدون أدنى ريب، ولكنه قبل ذلك كان ربانياً وهو يحارب في الجبهات قائداً للمجاهدين ولتلاميذه، وهو رباني حينما كان يعلمهم العلم الشرعي والعلم الكوني في الخنادق ويملي عليهم العلوم والمعارف ويكتبونها. كان الإمام حين يفعل ذلك في الجبهات إنما كان يقوم بواجب التربية السلوكية لتلاميذه وأصحابه، وكان حينها في ريعان شبابه.

كانت تتجلى روح الربانية وتظهر بوضوح عند الإمام وهو يسعى لإقامة صرح العلم في المنطقة الشرقية من تركيا بأن ينادي لإقامة الجامعة الزهراء التي كان يريدها جامعة بين علوم الشرع وعلوم الكون لإنارة القلوب ولضياء العقول. وكان سعيد النورسي في تلك الأثناء شاباً في ريعان شبابه الأمر الذي يدل على أنه كان منذ فترة مبكرة من حياته مشبّعاً بصفة الربانية إذ كان يسعى للتعليم والتوجيه والتربية والإرشاد (النورسي، ٦: ٢٠١٣).

كانت الظروف المحيطة تسوق الإمام النورسي سوقاً حثيثاً نحو الربانية، فها هي ثورة الشيخ سعيد بيران التي قامت ضد توجه الحكومة المعادي للدين ولكن الإمام النورسي لم يكن يرى الانخراط في ثورة تشق صف المجتمع آنذاك وتحدث فجوة بين مكوناته المختلفة ومن هنا وقف الإمام بمعزل عن تلك الثورة ولكنه برغم ذلك لم يسلم من مضايقات الحكومة التي نفته إلى استنبول في سنة ١٩٢٥م ومنها إلى بوردور ثم إلى إسبارطة حيث أقام منفياً في بارلا إحدى قرى إسبارطة (النورسي، ٨: ٢٠١٣).

مكث الإمام النورسي مدة ثماني سنوات في بارلا حيث ألف فيها ثلاثة أرباع رسائل النور (النورسي، ٢٠١٠:٦).

كانت مرحلة النفي في (بارلا) ثم بعدها إلى (إسبارطة) ثم محاكمة (اسكي شهر) بذريعة رسالة الحجاب. وبعد خروجه من سجن اسكي شهر نُفي إلى ولاية قسطموني التي استمر منفياَ لمدة ثماني سنوات حيث التف حوله تلاميذ كثيرون. وفي سنة ١٩٤٣م سيق مع مائة وستة وعشرين من طلابه إلى محكمة (دنيزلي). وطلبت المحكمة النظر في الرسائل والتحقق من مضامينها ومحتوياتها، وكانت نتيجة الفحص والتحقق والتدقيق ان الإمام النورسي ليس له غرض سياسي، ولا يقوم بنشاط تصوفي، وأن رسائل النور كتب علمية وإيمانية وتفسير للقرآن الكريم (النورسي، ٢٠١٠:٧).

إن الإمام النورسي في كل مواقفه ومرافعاته كان داعياً لله ومذكراً به، وكان منبعاً للناس إلى النظر في القرآن وإلى التدبر فيه، وكان يدعو الجميع بكمال الرأفة والشفقة حتى أنه يوجه كلامه للقضاة والمدّعين والموظفين وأفراد الشرطة مذكراً لهم بأهمية الإيمان وأهمية إنقاذ الإيمان من أجل الفوز برضوان الله تعالى. وهذه سمة العالم الرباني المربى الذي لا ينسى مهمته في أحلك الظروف وأصعب الأوقات. والعالم الرباني يتذكر دائماً مسؤوليته تجاه مجتمعه وتجاه أمته؛ فها هو يذكر الناس جميعاً بالأسس الخمسة الضرورية واللازمة لنجاة الحياة الاجتماعية التي هي التوقير، والرحمة، واجتناب المحرمات، والأمن والسلام، والطاعة، وترك الطيش. كل هذه الأسس المذكورة إنما هي أسس تربوية أساسية وضرورية للمجتمع الكبير، وللدولة، وللأسرة الصغيرة. ومثل هذه القضايا لا يلتفت إليها إلا الربانيون من العلماء الراسخين في العلم والمنشغلين بالصلاح والإصلاح والمهتمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(النورسي، ٣٣٨- ٣٣٩: ٢٠٢١).

ولتنظر إلى ما يراه الإمام من الحكمة في سوقهم إلى المدرسة اليوسفية في دنيزلي حيث يقول مخاطباً إخوانه الأعزاء الصديقين قائلاً: ” إن حكمة من حكم سوق عدالة القدر الإلهي إيانا إلى المدرسة اليوسفية في دنيزلي؛ هي حاجة السجناء فيها وأهاليها وموظفيها ومحاكمها إلى رسائل النور وتلاميذها أكثر من أي مكان آخر، وبناء على ذلك فنحن دخلنا في هذا الامتحان الشديد بوظيفة إيمانية واخروية” (النورسي،٤٩٦: ٢٠٢١).

إن العالم الرباني لا يكتفي بالتعليم النظري فقط بل يتابع تلاميذه عملياً ليتحقق من طرائق سلوكهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويشجعهم على الطاعات وينهاهم عن التكاسل. ويقدم لهم القدوة الحسنة في كل لحظة من اللحظات. والإمام هنا كأنه يذهب على المدرسة السلوكية وعلى طريقة الترابط في الذهن بين السلوك غير المطلوب وبين ما يسميها الصفعات التي تحدث التلميذ عندما يقصر في واجباته. والامثلة هنا كثيرة جداً يجدها القارئ في الشعاعات، والإمام يسميها صفعات الشفقة التي تدل على أن الصفعة للتنبيه حتى يستدرك التلميذ تقصيره ويرجع إلى جادة الطريق. نذكر من ذلك صفعة فيضي التي تلقاها بسبب إزعاجه، وصفعة علي رضا، وصفعة ضياء، وصفعة محمود، وصفعة سليمان المشاغب ذي الأربعة عشر عاماً، وصفعة عمر، وصفعة الشاب حمزة ذي الصوت الحسن الذي كان يغني ويشاغب فتلقى صفعة من صفعات الشفقة. (النورسي،٥٣٧ – ٥٣٩: ٢٠٢١).

هذه المواقف تتحدث بوضوح كامل وبجلاء تام عن كيفية تعامل الإمام النورسي مع تلاميذه. إن الإمام في سجنه كان مجنداً نفسه ووقته وطاقته لتأليف رسائل النور، وما كان ينشغل بأمر من الأمور غيرها حتى أنه لم ينشغل بإحداث الحروب واخبارها؛ لأنها لم تكن تعني بالنسبة له شيئاً!! ولم يكن يسمع الاخبار من المذيع، ولم يكن يقرأ الصحف!! وذلك كله بسبب انشغاله بالقضية الكبرى وهي قضية الإيمان وإنقاذه من الضياع والدمار.

وفي سبيل هذه القضية الكبرى كان يؤلف ويصنف ويكتب ويفكر ويتعامل في الوجود والكون والحياة والإنسان ومصيره!! وبرغم كل هذه المشاغل والواجبات التي تنوء بحملها الجبال الراسيات؛ إلا أنه كان ينشغل مع هؤلاء الفتية من الشباب، وكان يتابعهم، ويوجههم، ويرشدهم، وإن حدث لهم حادث ربط لهم بين الحادث وبين السلوك غير المطلوب، وكل هذا من قبيل التربية ومن قبيل سمة الربانية التي تمتع بها عالمنا الإمام بديع الزمان سعيد النورسي. إن كثيراً من المواقف في حياة الإمام النورسي تؤكد على الصفة الربانية التي يتسم بها ويتصف، ومن ذلك دون شك دفاعه القوي الشجاع في محكمة دنيزلي، ومن ذلك رسالة الثمرة، ومرشد الشباب، ورسالة الشيوخ، ورسالة المرضى. وهناك الكثير من الرسائل النورية التي تؤكد على السمة الربانية لمؤلف هذه الرسائل.

لابد أن نشير إلى صفة مهمة للغاية يتمتع بها الإمام وهي القدرة الفائقة على التواصل المعنوي والروحي مع تلاميذه، وهذا التواصل المعنوي يؤتي ثماره التربوية بصورة عاجلة وناجحة. يقوم هذا التواصل المعنوي الروحي بتوفير دفعات روحية معنوية تسهم في شحذ الهمم وتحريك الطاقات من أجل الخدمة والنسخ والتوزيع للرسائل النورية بكل همة ونشاط، وكل ذلك يحرك الإيمان ويعززه في القلوب والنفوس والأرواح. وكان الإمام النورسي يربي تلاميذه باستنساخ رسائل النور، وهو يبين لهم فوائد استنساخ الرسائل، وهو هنا يقوم بواجب العالم الرباني وبمهمته السامية الشريفة (النورسي، ٦٦٠- ٦٦١: ٢٠٢١).

يمكن للباحث الناظر في حياة الإمام النورسي أن يلحظ صفة الربانية في حياته من خلال المسيرة الطويلة والشاقة التي تحملها بصدر رحب وإيمان عميق.

لقد مر بمواقف عديدة متباينة، وشهد عصراَ تتلاطم فيه أمواج الأفكار والملل والنحل والحضارات، وشهد افول شمس الخلافة والسلطة التي امتدت لأكثر من ستة قرون، كما شهد قيام الجمهورية بعد أحداث عامرة ومريرة وصعبة كان فيها مشاركاً ومقاتلاً وجريحاً واسيراً ثم عالما عضواً في دار الحكمة وصحفياً وكاتباً وسياسياً ثم معتزلاً السياسة ومنعزلاَ عن أحداث الحياة ومنفياً وسجيناً حتى لقي ربه راضياً مرضياً!!! وفي كل هذه التقلبات كان مرتبطاً بقضية واحدة هي قضية الإيمان وإنقاذ إيمان بني الإنسان. كان يفعل ذلك بوسيلة واحدة هي الغوص في لجج القرآن الكريم، والارتقاء من خلال المعراج القرآني نحو المقاصد العالية للمسلم الذي يريد الله تعالى ويرجو لقاءه.

ربانية الإمام النورسي واضحة وجلية يشهد عليها ارتباطه بالقرآن، وبسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد تعلق قلبه وفكره وشعوره بالشخصية النبوية، وقدمها للمسلمين ولغير المسلمين بصورة متفردة ركز على الجوانب المعنوية لسيرة أفضل الخلق وارتبط بها بوصفها الدليل والهادي والمرشد نحو الله.

وكان مرتبطاً بعصر السعادة وهو العصر النبوي وعصر الصحابة الكرام الذين عايشوا النبوة والرسالة وتفتحت قلوبهم وعقولهم على تعاليمها.

خاتمة:

يخلص المقال إلى أن التعريفات التي سيقت من العلماء والمفسرين واللغويين عن الرباني والربانيين والربانية تكاد تنطبق انطباقاً كاملاً على شخصية الإمام النورسي الذي اجتمعت عنده َمواصفات العالم ذي العلم الغزير، ومواصفات الجامع بين علوم الشرع وعلوم الكون، والقادر على تنزيل حقائق الشرع على اشكال الواقع المختلفة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، ومواصفات المربي الذي يتعهد تلامذته بالتوجيه والتربية والإرشاد. كان الإمام النورسي ربانياً في كل مراحل حياته، وكان ربانياً في كل الظروف والأحوال والتقلبات التي طرات على حياته.

المراجع:

  • التستري، أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن رفيع، تحقيق محمد باسل عيون السود، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٣.
  • الثعلبي، احمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، تحقيق محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٢- ٢٠٠٢.
  • ابن أبي حاتم، تفسير القرآن العظيم، تحقيق أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز، المملكة العربية السعودية، ط ٣، ١٤١٩.
  • الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الهداية، بدون تاريخ طبع.
  • السمعاني، منصور بن محمد، تفسير السمعاني، تحقيق ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤١٨- ١٩٩٧.
  • سراج الدين عمر بن علي، اللباب في علوم الكتاب، تحقيق عادل احمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤١٩- ١٩٩٨م.
  • الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب أبو جعفر، جامع البيان في تأويل آي القرآن، تحقيق احمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٢٠ – ٢٠٠٠م.
  • النورسي، بديع الزمان سعيد، المكتوبات، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية، دار السنابل الذهبية للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، جمهورية مصر العربية، ط ١، ١٤٣٤- ٢٠١٣.
  • النورسي، اللمعات، ترجمة مركز الترجمة والبحوث العلمية، دار السنابل الذهبية للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، جمهورية مصر العربية، ط ١، ١٤٣١- ٢٠١٠م.
  • النورسي، بديع الزمان سعيد، الشعاعات، مركز الترجمة والبحوث العلمية، استنبول، إسبارطة، تركيا، ط ١، ١٤٤٢ – ٢٠٢١م.