Press "Enter" to skip to content

أهمية الإيمان التحقيقي لعالمنا الإسلامي المعاصر وفق رسائل النور

الإعداد: د. محمد مفير محمد زبير

مستخلص

ظل العالم الإسلامي يعاني مشاكل عدة على مختلف الأصعدة؛ الفكري والقيمي والنفسي، وكذلك الاقتصادي والسياسي، وإذ شهدت حقبة أواخر القرن العشرين احتدام تأزم حال الأمة الإسلامية فأضحت غير قادرة على مواجهة الهجمات الشرسة المتتابعة من قبل أعداء الإسلام في شتى النواحي. وإن كان لهذا الوضع المهين من أسباب كثيرة متعددة منشؤها اختلاف زوايا وجهات النظر؛ فإن رؤية الإمام النورسي تبدو في هذا السياق جديرة بالتدبر والنظر، إذ يرى الإمام بديع الزمان النورسي أن السبب الرئيسي لهذا الوضع السيئ مأثل على نحوٍ جذري في حالة الضعف الشديد الذي أصاب الإيمان لدي كثرة كاثرة من المسلمين الذين ما برحوا عاكفين على ما أسماه بالإيمان التقليدي الذي ظلوا يتوارثه جيلاً بعد جيلٍ.

يشدد الإمام على امتداد رسائله أن متطلب النهوض بمستوى الأمة الإسلامية من كل النواحي والمخرج الأوحد والألزم من تلك الحالة السيئة؛ يتمثل في تقوية الإيمان، ونقل الأمة من حالة الإيمان التقليدي إلى الإيمان التحقيقي، بحيث ينصرف الاهتمام بهذا الأمر على نحوٍ كلي سابق لأي قضية أخرى، من أجل غاية تعزيز الإيمان كرس الإمام حياته وهو في منفى وسجون مع تحمل مشقات غير عادية وغدا هذا الأمر عماد كلماته فمضي يكتب الرسائل النورانية ومراجعتها ونشره.

الكلمات المفتاحية: الإيمان التحقيقي، العالم الإسلامي، الإمام النورسي.

THE IMPORTANCE OF THE CRITICALLY VERIFIED FAITH IN OUR MODERN ISLAMIC WORLD ACCORDING TO THE RISALE-I NUR

Abstract

The Islamic world has suffered many problems at various levels: intellectual, moral and psychological as well as economic and political. As the era of the late twentieth century witnessed the intensification of the state of the Islamic Ummah, it was unable to cope with successive vicious attacks by the enemies of Islam in all aspects. Although Imam Nursi’s vision is worthy of reflection and consideration, Imam Badi’uz-Zaman Nursi believes that the main reason for this bad situation is radically represented in the case of the severe weakness of faith which is seen on a large number of Muslims who have continued to follow what he called the imitative faith that they passed on generation after generation.

The imam emphasizes throughout his messages that the requirement to elevate the level of the Islamic Ummah in all respects and the only way out of this bad situation is to strengthen the faith and to transfer the nation from the state of imitative faith to the investigative faith. In order to strengthen the faith, the imam dedicated his life in exile and prisons with extraordinary hardships. Despite all those hardships he continued to write and publish the epistles of light (Risale-i Nur).
Keywords: Islamic Faith, Islamic World, Imam Nursi.

 مقدمة

نعلم أن الإيمان هو الباب الرئيسي للدخول إلى الإسلام، وهو الطريق الموصل إلى محبة الله والفوز برضاه والدخول إلى الجنة. فالإيمان قوة عجيبة إذا تمكنت من شعاب القلب وتغلغلت في أعماقه تكاد تجعل ما يتصور استحالته ممكنا. ووفق عبارة الإمام بديع الزمان النورسي : ” اعلم أن إكسير الإيمان إذا دخل القلب يصير الإنسان جوهرا لائقا للأبدية والجنة … إذ الإيمان يرى تحت القشر الفاني لباً لطيفاً رصيناً، ويرى ما يتوهم حباباً مشمساً زائلاً ، ألماسا متنورا…” .( النورسي، 2009: 118.)

وفق هذا السياق المأثل في اقتضاء الحاجة الأشد الحاحاً إلى معرفة حقيقة الإيمان ومراتبه، فقد ارتأيت تقديم هذه الإضاءة البحثية استقيها من رسائل النور التي اهتمت بقضايا الإيمان متناولة إياها بأسلوب العصر، فلامست بذلك توفيقاً في تشخيص الداء ووصف الدواء، وفي ذلك تجلي للطف من ألطاف الله المتتالية بأمة الإسلام فقد مرت الأمة الإسلامية بمراحل عصيبة عبر تاريخها الطويل، تعرض أبنائها خلالها إلى هجوم عقدي متواصل يشتد في بعض الآونة ويضعف في بعضها الآخر. وكلما حل بالأمة فتنة تصدى لها علماؤها، وبذلوا في دفع الشر عنها أنفسهم، وأموالهم، وأوقاتهم النفيسة، فاجتهدوا في بيان الحق ليعبدوا الله على بصيرة.

لقد حاول الغرب النصراني تدمير الإسلام في الحروب الصليبية الطويلة فخابت جيوشهم التي هاجمت بلاد المسلمين، فرجعوا وخططوا وعادوا الكرة مرة أخرى، بيد أنهم عادوا إلينا هذه المرة بجيوش جديدة وفكر ماكر فكان هجومهم ليس في ميدان الحرب وإنما توجه باتجاه نفوس المسلمين وقلوبهم بوسائل شتى قصدا لإبعادهم عن القرآن الكريم وإضعاف الإيمان في قلوبهم. وجراء ذلك مضت الأمة الإسلامية تعاني وتراوح في دوامة من المشاكل الكثيرة والخطيرة دون أن تعرف مصدرها ومنبعها منذ بداية القرن العشرين.

لقد بذل الكثيرون من أبناء الأمة الإسلامية المساعي الحثيثة للخروج من تلك الدوامة وتجاوز كل تلك المشاكل والأزمات العصيبة؛ بيد أن تلك المساعي لم تؤت ثمارها وظلت الجهود دونما فائدة تذكر؛ وكلما طرح إلى الساحة بديل للخروج والخلاص من المشاكل كلما توسعت وكبرت دائرتها وتمددت، حتى وصلت الأمة الإسلامية كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت ” ( سنن أبي داود، 4297.)

وإزاء هذه الحالة الحرجة فإن الحق تعالى أراد أن يلهم الإمام بديع الزمان النورسي تجديد دينه من خلال ما سطره بوجدانه وعقله وبصيرته في كليات رسائل النور، بعد أن تيقن أن قضية الأمة هي قضية الإيمان قبل كل شيء. وأن ضعف الإيمان لهو سبب كل المصائب التي تعاني منها الأمة الإسلامية، ولعل تشخيص الداء من أولى وأهم مراحل العلاج سواء ما يلي الأمراض الجسدية أو القلبية، وسواء كان ذلك موصول بالأفراد أو الجماعات، لهذا رأينا أن تشخيص الإمام بديع الزمان النورسي حالة داء الأمة الإسلامية جاء في وقته المناسب ومضى إلى علاجه علاجاً ناجعاً في ما  كتبه وسطره في رسائله الإيمانية النورانية بفضل الله عليه.

أوضح الإمام بديع الزمان النورسي أن الأمة الإسلامية محاطة بثلاثة أسوار؛ كل سور أقوي من الذي يليه وإذا انكسر أحده تتحصن بما يليه.  فأول تلك الأسوار الثلاثة الجيش الإسلامي وهو يحافظ على حدود البلاد الإسلامية من كيد أعداء الإسلام. ويرى الإمام  أن هذا السور قد انهدم بعد أن صارت الإمة الإسلامية تحكمها دويلات متفرقة من هنا وهناك. 

السور الثاني هو علماء الأمة الإسلامية وهؤلاء مهمتهم المحافظة على دين أبناء الأمة الإسلامية بوعيهم وتعليمهم دينهم. ويرى الإمام بأن هذا السور أيضا كسابقه انهدم بسبب تقصير العلماء في أداء مهمتهم. 

أما السور الثالث فهو كل نفس المسلم وإيمانه القوي الصامد الذي لا يقبل الشكوك والشبهات وبهذا يكون سعيدا في الدارين، وعلى ذات النحو يرى الإمام النورسي أن هذا السور أيضا انكسر وتلاشى بعد أن كان ثابتا وصامدا. وبدأ يتزعزع أمام الشبهات وأضحى المسلم يتشكك في دينه الذي اعتنق به.  ولما أهمل المسلمون بناء التوحيد الصحيح والحفاظ عليه بواسطة القضايا الإيمانية التي تقوم على العلم واليقين بدأ الخلل يتسرب إلى إيمان الكثيرين منهم وتسرب إلى أعمالهم، وأخذ الفساد في الاتساع حتى سهل على أعدائهم القضاء عليهم واستعمار بلادهم واستذلاهم في أرضهم وديارهم.

وفق هذا السياق جاءت رؤية الإمام النورسي وفق بصيرةٍ واستبصار عميقين بأن العمل لا بد أن يبدأ من هنا أي الإيمان.  فلا بد من الاهتمام البالغ بتقوية إيمان الأمة الإسلامية. فأوجب واجبات الوقت نقل إيمان الأمة من مرتبة الإيمان التقليدي إلى الإيمان التحقيقي ومن الإيمان الإجمالي إلى الإيمان التفصيلي ومن الإيمان العامي إلى الإيمان الحقيقي.  فجاءت رسائل النور متوجه بالكلية حول القضايا الإيمانية؛ وعندما سئل الإمام ذات مرة عن سبب الاهتمام الأكبر  لرسائل النور بطرح الإيمان وقضاياه ” لماذا هذا الحشد الكبير بهذه الدرجة في رسائل النور حول الأركان الإيمانية؟ إذ إن الشيوخ القدامى علمونا أن إيمان مؤمن عامي كإيمان ولي كبير؟” (النورسي، 2009م: 294)

وفي ثنايا الإجابة الطويلة عن هذا السؤال يقول النورسي : ” إن أقسام الإيمان المتضمنة للإيمان التحقيقي والتقليدي والإجمالي والتفصيلي وثبات الإيمان أمام جميع الشبهات والهجمات الشرسة التي يشنها الكف… قد تولت رسائل النور إيضاحها…” (النورسي، 2004، 277.) ويقول في موضع آخر : ” إن الإيمان لا ينحصر في تصديق إجمالي وتقليدي وحده بل له انجلاء ومراتب كثيرة جد كالمراتب الموجودة بين البذرة النامية إلى الشجرة الباسقة أو كالمراتب الموجودة بين انعكاس الضوء من المرآة الصغيرة في اليد إلى انعكاسه من سطح البحر بل إلى انعكاسه من الشمس نفسها ” (النورسي، 2004، 278.)

ويقول كذلك في موضع آخر إن مسلك رسائل النور ليس مسلك الطريقة الصوفية بل هو مسلك الحقيقية… إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصوفية بل زمان إنقاذ الإيمان” (النورسي،2009: 262-263.)

تقسيمات الإيمان في رسائل النور

يقسم الإمام بديع الزمان النورسي المسلمين باعتبار إيمانهم إلى فريقين

أحدهما: إيمان العامي وصاحب هذا الإيمان نفسه تتعرض لهجمات الشبهات والأوهام وتدخل فيها الضلالات.

وثانيهما صاحب إيمان حقيقي وقلبه ممتلئ بالله ويصمد أمام الشبهات.

ويقول الإمام النورسي عن هذين الإيمانين: ” إن التوحيد توحيدان:

الأول: توحيد عامي يقول “لا شريك له، ليست هذه الكائنات لغيره” فيمكن تداخل الغفلات بل الضلالات في أفكار صاحبه(النورسي، 2009: 12.)ويقول في موضع آخر عن هذا “إن الإيمان التقليدي سرعان ما يغلب أمام الشبهات” (النورسي، 2017: 295.)

الثاني: توحيد حقيقي يقول “هو الله وحده له الملك، وله الكون، له كل شيء” فيرى سكته على كلي شيء ويقرأ خاتمه على كل شيء فيثبته له إثباتا حضوريا ولا يمكن تداخل الضلالات والأوهام في هذا التوحيد. ( النورسي،2009:  12.)

ثم هذا التوحيد الحقيقي ينقسم إلى ثلاث مراتب.

يقول الإمام النورسي “اتفق أهل الحقيقة على أن أجل العلوم قاطبة وقمة المعرفة وذروة الكمال الإنساني إنما هو في الإيمان والمعرفة القدسية السامية المفصلة والمبرهنة النابعة من الإيمان التحقيقي.” والإيمان التحقيقي وله مراتب:

مرتبة علم اليقين: صاحب هذه المرتبة يصمد أمام آلاف الشبهات بقوة براهينها الكثيرة. ( النورسي، 2017: 295.) وقال الله تعالى عن هذه المرتبة {ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ} ( القرآن الكريم،102/، 5.)

مرتبة عين اليقين: صاحب هذه المرتبة يسمو إلى مرتبة يستطيع أن يقرأ الكون فيها كالقرآن كما يقول الإمام النورسي(النورسي،2017: ص 295.)ويقول الله تعالى عن هذه المرتبة {ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ} ( القرآن الكريم،102/ 6-7).

مرتبة عين اليقين: ويقول الإمام النورسي عن صاحب هذه المرتبة، لو هاجمت جيوش الشبهات من يملك هذا الإيمان فلن تستطيع زعزعته. ( النورسي،2017:  295.) ويقول الله تعالى عن هذه المرتبة {ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ} (القرآن الكريم،56/ 92-96.)ويقول في مكان آخر {ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ} (القرآن الكريم،69/ 50-52.)

وهنا، علمنا الآن بالجنة والنار علم اليقين وإذا أزلفت الجنة للمتقين وشاهدها الخلائق وبرزت الجحيم للغاوين وعاينها الخلائق فذلك عين اليقين وإذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فذلك حينئذ حق اليقين.(عبد الله بن حميد، ب.ت، 3719.)

أو في مسألة قتل عيسى عليه السلام يقول الله تعالى وهذا خبر حدث في الزمن الماضي ويصدقه المؤمنون الذين لم يشاهدوا الحادث وهذا التصديق علم يقين لأن الله هو القائل. والذين رأوا الحادث عرفوا أنهم لم يقتلوه وإنما قتلوا شخصا آخر فهذه المعرفة عندهم يورث لهم عين اليقين. وأما من باشر عملية القتل لإنسان غير عيسى عليه السلام فهو الذي عرف حقيقة اليقين. (الإمام الشعراوي،  1934-1935.)

ومما يوضح ذلك أن يخبرك شخص أن عنده عسلا وأنت تثق به ولا تشك في صدقه ثم أراك إياه فازددت يقينا ثم ذقت منه فالأول علم اليقين والثاني عين اليقين والثالث حق اليقين

أو أن يخبرك شخص بأن هناك دخان وبهذا الإخبار حصل عندك علم اليقين وثم رأيت هذا الدخان وأيقنت بأن تحت هذا الدخان نار فهو عين اليقين ثم ذهبت وشعرت حرارة النار فهو حق اليقين

وهذه بعض الأمثلة لتوضيح مراتب الإيمان ولكن العجيب في هذه المسألة أن معظم المفسرين لما فسروا أن حق اليقين لا يتحقق إلا في الجنة، ولهم حق في ذلك لأن الآيات المذكورة تتكلم عن الأمور التي تحدث بعد الموت والحشر وعن القيمة الجزائية للأعمال التي عمل بها الأنسان في حياة الدنيا. ولكن الإمام بديع الزمان النورسي يرى أن الإيمان التحقيقي أو المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان وهو حق اليقين يمكن أن يتحقق في الدنيا ليس في الآخرة.

يرى الإمام النورسي بأن الآفات السماوية تنزل بسبب ضعف الإيمان كما تدفع الآفات بحسب قوة الإيمان ويقول “…بأن ولايتي (اسبارطة) و (قسطموني) وهما مركزا انتشار رسائل النور محفوظان من الآفات السماوية بالنسبة لسائر الولايات، وإن السبب في ذلك هو ما تورثه رسائل النور من إيمان تحقيقي وقوة في العقيدة والدين وإذ إن أمثال هذه الآفات السماوية تنزل نتيجة سيئات تنشأ من ضعف الإيمان فلقد ثبت في الحديث الشريف الصدقة تدفع البلاء فتلك القوة الإيمانية أيضا تدفع تلك الآفات حسب درجتها.” (النورسي،2004: 109-110.)

ويذهب الإمام بديع الزمان النورسي إلى أن الإيمان التحقيقي شيء يدخل إلى العقل ثم يسري القلب ويمتزج مع جسده وروحه لدرجة يستحيل على الشيطان أن يحرفه حتى في سكرات الموت ويقول “لقد قضى أهل الكشف والتحقيق أن الإيمان التحقيقي كلما ارتقى من علم اليقين إلى حق اليقين يستعصي على السلب فلا يسلب وقالوا إن الشيطان لا يستطيع أن يورث أحدا في سكرات الموت إلا إلقاء الشبهات بوساوسه إلى العقل فحسب. أما هذا النوع من الإيمان التحقيقي فلا يوقف في حدود العقل فحسب بل يسري إلى القلب وإلى الروح وإلى السر وإلى لطائف أخرى فيترسخ فيها رسوخا قويا بحيث لا تصل يد الشيطان إليها أبدا.” (النورسي، 2004: 110-111)

يرى الذي ليس عنده إيمان قوي أو زين نفسه الشيطان بألوان من اللذائذ الفانية المؤقتة ومتع الحياة الدنيا بأن الزمن الماضي كله ميت ومعدوم ومقبرة مفزعة وكما يرى أن المستقبل القادم معدوم مظلم وميت. وهذه الحالة تورث له الآلام الناشئة عما لا حد له من الفراق وعن الموت الأبدي لأحبابه.

ولكن الذي قوي إيمانه بواسطة الإيمان التحقيقي يرى بأن الزمن الماضي ليس معدوما وليس مقبرة تعفن وتفسد كل شيء بل يتراءى على أنه عالم موجود ونوراني قد تحول إلى المستقبل. وصالة انتظار لدخول الأرواح الباقية إلى قصور السعادة التي في المستقبل لذا فهو لا يورث آلاما بل يذيق اللذائذ المعنوية للجنة نوعا ما حتى في الدنيا حسب قوة الإيمان.

كذلك يشاهد الإنسان أن المستقبل ليس عالما موحشا ومظلما. بل يرى بنظر الإيمان أنه قد بسطت في قصور السعادة الأبدية موائد الرحمن …. لذا فيمكنه أن يشعر ويحس نوعا ما بلذائذ العالم الباقي حسب درجة الإيمان

ثم يقول “إذن فاللذة الحقيقية التي لا بشوبها ألم إنما هي في الإيمان وحده ولا يمكن أن تتحقق إلا بالإيمان” (لنورسي2009،: 12-13.)وفي مكان آخر يقول إن “حقيقة الإيمان نواة لو تجسمت لخرجت جنة خاصة منها ولأصبحت شجرة طوبى تلك النواة” (النورسي،2009:  14.)

عندما يتكلم عن مزايا رسائل النور يقول “إن رسائل النور في هذا العصر وفي هذا الوقت بالذات عروة وثقى أي سلسلة قوية لا تنقطع وهي حبل الله فمن استمسك به فقد نجا” ( النورسي،2004:  260.) سبب ذلك أن رسائل النور “فهي تعلم الحقائق الإيمانية العميقة جدا بأسلوب يفهمه كل الناس في أقصر وقت” (النورسي،2004: 260.)

الخاتمة :

تأسس هذا البحث على ركيزة تمضي باتجاه ترسيخ الأهمية الفكرية والمعنوية لرؤية الإمام النورسي المتضمنة تحليلاً وحلولاً تجاه ما ظل يعانيه العالم الإسلامي من أزمات ومشاكل متلاحقة زماناً وعلى مختلف الأصعدة؛ وإذ يرى الإمام النورسي أن تلك الحالة مردها على نحوٍ جذري إنما يكمن في ما أصاب الإيمان لدي جمهرة غالبة من المسلمين الذين ما برحوا عاكفين على ما أسماه بالإيمان التقليدي المتوارث، ووفق هذا التشخيص فقد مضت رسائل النور لتعزيز مبدأ اقتضاء مطلب نهضة العالم الإسلامي بتقوية الإيمان، لم يك الإمام النورسي يبرح موقفه الراسخ بأن المخرج الألزم للأمة الإسلامية من أزماتها، وسبيلها الأرحب باتجاه الرفعة والسؤود؛ إنما يتمثلان في مبدأ تقوية الإيمان، ونقل الأمة من حالة الإيمان التقليدي إلى الإيمان التحقيقي.

المصادر والمراجع

([1]) بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي العربي النوري، دار السنابل الذهبية، استنبول، الطبعة الأولى 1429ه – 2009م.

(2) سنن أبي داود، رقم الحديث 4297.

(3) الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، عصا موسى، دار السنابل الذهبية،استنبول، الطبعة الأولى 1429ه – 2009م.

(4) الملاحق في فقه دعوة النور، بديع الزمان النورسي بترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر القاهرة، الطبعة الرابعة 2004.

 (5) نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، عدد من المختصين بإشراف صالح بن عبد الله بن حميد، دار الوسيلة للنشر والتوزيع، جدة، الطبعة الرابعة، ج 8 ،ب.ت

(6) تفسير الشعراوي، الإمام الشعراوي،دار أخبار اليوم، القاهرة، ب.ت

 (7) الإمام بديع الزمان النورسي، رسالة الثمرة، دار السنابل الذهبية، الطبعة الأولى 1429ه – 2009م، .

Be First to Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *